روى الحارث بن همّام قال: نظمني وأخدانا لي ناد، لم يخب فيه مناد، ولا كبا قدح زناد، ولا ذكت نار عناد؛ فبينا نحن نتجاذب أطراف الأناشيد، ونتوارد طرف الأسانيد، إذ وقف بنا شخص عليه سمل، وفي مشيته قزل.
***
نظمني، أي جمعني. أخدانا؛ أي أصحابا. ناد: مجلس. مناد: متكلّم. كبا: شحّ ولم يبد نارا. قدح: ضرب. زناد: حديدة النار، وزناد العرب من خشب، وأكثر ما يكون من المرخ والعفار؛ وإنما هو أن يؤخذ عود قدر شبر، فيثقب في وسطه ثقب لا ينفذ، ويؤخذ عود آخر قدر ذراع، فيحدّ طرفه، ويجعل ذلك في الثّقب، وقد وضعه رجل بين رجليه، فيديره ويفتله، فيبدي النار، فالأعلى زند والسفلى زندة، والزّناد جمع زند.
قوله: «ذكت»، أي اشتعلت. عناد: خلاف، يريد أنّ هؤلاء الأصحاب لحسن أدبهم ومناظرتهم ليس بينهم خلاف، وهم علماء لا يسقط من كلامهم شيء، وليس فيهم جاهل، فيكون كلامه قليل الإصابة. والأناشيد: ما يتناشدونه من الأشعار بينهم، كأنّ واحدها أنشودة. وتجاذب أطرافها، يريد المشاركة في إنشادها، أي إذا أنشد أحدهم شعرا ليغرب به شاركوه في إنشاده لحفظهم الأشعار، فكأنهم تجاذبوه كما يتجاذب بأطراف الثوب. والأسانيد: الأخبار المسندة إلى أهلها. وأصل التوارد، مزاحمة الإبل على شرب الماء، فجعل مشاركتهم في ضبط غرائب الأخبار كتوارد الإبل على الماء، والطّرف: الغرائب، والطّرفة: الشيء العجيب من كل شيء، الذي لا يوجد له نظير.
سمل: ثوب خلق، وأكثر ما تقول العرب: ثوب أسمال وأخلاق، فيوصف بالجمع لأنه قطع متفرّقة. وسمل: قليل، وفي تبذّل اللباس روى أبو هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ: «إن الله يحب المتبذّل لا يبالي بما لبس». قزل: عرج.
***
فقال: يا أخاير الذّخائر، وبشائر العشائر، عموا صباحا، وأنعموا اصطباحا، وانظروا إلى من كان ذا نديّ وندى، وجدة وجدا، وعقار وقرى، ومقار وقرى، فما زال به قطوب الخطوب، وحروب الكروب، وشرر شرّ الحسود، وانتياب
[ ١ / ٩٢ ]
النّوب السّود، حتّى صفرت الرّاحة، وقرعت السّاحة، وغار المنبع، ونبا المربع، وأقوى المجمع، وأقضّ المضجع، واستحالت الحال، وأعول العيال، وخلت المرابط، ورحم الغابط، وأودى الناطق والصّامت، ورثى لنا الحاسد والشّامت.
***
قوله: «يا أخاير الذخائر»، الأخاير: جمع أخير، كما يقال: أكبر وأكابر، والمستعمل خير وشر، ولا يقال: أخير ولا أشرّ إلا شاذّا، وإن كان هو الأصل، لكنه رفض استعماله وجاء الجمع على الأصل، لأنه يردّ الشيء إلى أصله وقال رؤبة: [الرجز]
* بلال خير النّاس وابن الأخير (١) *
فنطق بالمستعمل لشهرته، وبأصله وهو قليل، فإذا تعجّبوا من ذلك قالوا: ما أخير فلانا، وما أشرّ فلانا. والذخائر: جمع ذخيرة؛ وهي الشيء النفيس الغالي يصونه الإنسان ويعتدّه لزمانه. البشائر: جمع بشارة، وقد بشّرت الرجل بشارة إذا أدخلت عليه السرور.
والعشائر: جمع عشيرة، وهي قرابة الرجل من قبيلته، يقول: أنتم أرفع الذخائر، وخيرها، وأنتم يستبشر من لقيكم برؤيتكم، ويتيامن بلقائكم، ويعلم أنكم تصلونه وتكرمونه؛ ليستعطفهم بهذا الكلام. عموا صباحا: دعاء لهم بالنّعمة في الصباح، أي جعلكم الله تنعمون في صباحكم. وعموا: أمر من وعم يعم، وهي في معنى نعم ينعم.
وأنعموا اصطباحا، أي طاب شربكم في الصّباح وتنعمتم به، والاصطباح: أن يصبحوا وهم يشربون. نديّ: مجلس اجتماع، أي هو شريف يقعد ويجتمع عنده. ندى: كرم.
جدى: عطيّة. العقار: المال الذي لا ينتقل كالنخل والدّور والأرضين. قرى: جمع قرية. مقار: جفان يقرى فيها الأضياف، أي يطعمون فيها. والقرى: طعام الضيف.
قطوب. عبوس. الخطوب: الشدائد. الحروب: القتال. الكروب: الهموم، قال النبي ﷺ: «مما أعلم أنّه لا يقوله مكروب إلّا فرّج الله عنه، كلمة أخي يونس: فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ [الأنبياء: ٨٧] الآية».
ومن كلام ابن المعتز: الحوادث المحضة مكسبة لحظوظ جزيلة، وثواب مدخر، وتطهير من ذنب، وتنبيه من غفلة، وتعريف بقدر النعمة، ومرور على مقارعة الدهر، وإذا استرجع الله مواهب الدنيا كانت مواهب الآخرة.
غيره: لولا حوادث الأيام، لم يعرف صبر الكرام، ولا جزع اللئام.
وقال أبو تمّام: [الكامل]
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في الدرر ٦/ ٢٦٥، وشرح التصريح ٢/ ١٠١، وشرح عمدة الحافظ ص ٧٧٠، وهمع الهوامع ٢/ ١٦٦.
[ ١ / ٩٣ ]
والحادثات وإن أصابك بؤسها فهو الذي أنباك كيف نعيمها (١)
الحسود: المتمنّي إهلاك مالك، وإذا رأى لك خيرا تمنّى إزالته، يريد أن الحسود اتّبع ما له بالعين حتى أهلكه، وقلّما يوجد الذي يرمي بالعين إلا حسودا. انتياب: نزول وقصود. النّوب: النوازل. قوله، «صفرت»، أي خلت من الدراهم الراحة: باطن الكف.
قرعت: خلت من المال وصارت قرعاء. والساحة: فناء الدار، والساحة عند العرب:
الرّحبة التي تحلّق بها البيوت، وأراد أنّها خلت من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك. غار المنبع: جفّ الماء النابع، والمنبع: موضع النّبع. المربع: المنزل في الربيع. ونبا:
بأهله: وجد نبوة، أي ارتفاعا غير وطئ فلم تمكن الإقامة فيه. أقوى: خلا. المجمع:
موضع الاجتماع. أقضّ: خشن وصار فيه القضض، وهي الحجارة. والمضجع: موضع رقاده، وأخذه من قول أبي ذؤيب: [الكامل]
أم ما لجنبك لا يلائم مضجعا إلّا أقضّ عليه ذاك المضجع (٢)
وكنى بهذه الألفاظ عن تغيّر الأحوال وذهاب الملل.
وساق الكلام مساق حكايات الأعراب؛ منها أنّ أعرابيا وقف بقوم، فقال: أشكو إليكم أيّها الملأ زمانا أناخ عليّ بكلكله بعد نعمة من البال، وثروة من المال، وغبطة من الحال، أصماني جديداه بنبل مصائبه، عن قسيّ نوائبه، فما ترك لي راغية أجتدي ضرعها، ولا ثاغية أرتجي نفعها، فهل فيكم من معين على صرفه، أو معد على حتفه!
وقد ذكرنا منها جملة في الثالثة والثلاثين. وحكى أبو عليّ في نوادره حكاية عن أبي زيد اللغويّ على لسان أعرابيّ يشبه كلام الحريريّ هنا في سياقه وكثير من الألفاظ، فيقول: إنّ المنبع الذي كنا نعيش به نحن وأموالنا قد ذهب، فهلكنا بذهابه. والمربع:
وهو موضع الخصب، صار نبوة لا ينبت شيئا، فلم تجد الإبل ما ترعاه فهلكت، وإذا هلك المال هلك صاحبه، والمجالس الّتي كنا نجتمع فيها، هلك أهلها فخلت، ومضجعنا الذي كان موطّأ بالفرش أقضّ فامتنع من الإضجاع عليه.
قوله: «استحالت، تغيّرت». وحال الرجل: ما هو عليه من خير أو شرّ أو غنى أو فقر، والحال أيضا: المال. أعول: بكى، وعيال الرّجل: من يفتقر إليه في مئونته ونفقته، واحدهم عيّل. المرابط: المواضع التي تربط فيها الخيل وتحبس. الغابط: الذي يتمنّى مثل مالك ولا ينقص منه شيء. أودى: هلك. الناطق: المال من الحيوان مثل الإبل والبقر والغنم، وكلّ ما يتملّك من ذي روح؛ سميت بذلك لأصواتها، والناطق كل حيوان
_________________
(١) البيت في ديوان أبي تمام ص ٣١٠.
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص ٥، ولسان العرب (قضض)، ومقاييس اللغة ٥/ ١٢، وكتاب العين ٥/ ٩، وتهذيب اللغة ٨/ ٢٥١، وتاج العروس (قضض).
[ ١ / ٩٤ ]
له صوت. والصامت: الذهب والفضة والمتاع. رثى: بكى. وأشفق الشامت: الذي يسرّ بمصيبتك، ومنه تشميت العاطس، وهو إدخال السرور عليه بالدعاء، وقد شمت به شماتا وشماتة، فهو شامت إذا سرّ ببلاء ينزل به. والحاسد، هو الحسود.
***