هي بلدة بالشام، والنّعمان: اسم جبل مطلّ عليها، والمعرّة اسم البلدة، فأضيفت إليه، ولها سبعة أبواب، وعلى جبل منها دير سمعان، فيه قبر عمر بن عبد العزيز، وقبر شيث بن آدم عند باب شيث منها، وداخلها قبر يوشع بن نون، وله يوم حفيل في كلّ عام، وإلى المعرّة ينسب الشاعر المعرّي. قال شيخنا ابن جبير: إنه خرج من قنّسرين يريد حمص، قال: فرأينا عن يمين طريقنا بمقدار فرسخين بلاد المعرّة، وهي سواد كلها محاطة بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه، ويتصل التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين، وهي من أخصب البلاد، وأكثرها أرزاقا، ووراءها جبل لبنان، وهو سامي الارتفاع، ممتدّ الطول، متّصل من البحر إلى البحر، وفي سفح الجبل حصون للملحدة الإسماعيليّة، فرقة مرقت من الإسلام، وادّعت الإلهية، قيّض لهم شيطان يعرف بسنان، خدعهم بأباطيل وخيالات، وموّه عليهم باستعمالها، وسحرهم بمحالها، فاتخذوه إلها يعبدونه، ويبذلون الأنفس دونه، وحصلوا من طاعته بحيث يأمر أحدهم بالتردّي من شاهق جبل، فيتردّى المأمور، والله يضل من يشاء.
***
أخبر الحارث بن همّام قال: رأيت من أعاجيب الزّمان، أن تقدّم خصمان، إلى قاضي معرّة النّعمان، أحدهما قد ذهب منه الأطيبان، والآخر كأنّه قضيب البان.
***
قوله: «الأطيبان»، أي الأكل والنكاح، أي هو شيخ مسنّ، وقيل: الأطيبان: النوم والنكاح، وقيل: طيب النّكاح، وطيب النّكهة.
أبو هريرة، قال النبيّ ﷺ: «الأطيبان التمر واللبن» (١).
وسئل شيخ مسنّ من العرب عن حله، فقال: ذهب مني الأطيبان: السّير والأير، وبقي الأرطبان: الضّراط والسّعال.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٧٤، بلفظ: «فإن رسول الله ﷺ سماهما الأطيبين».
[ ١ / ٢١٥ ]
والبان: شجر تشبّه بقضبانه القدود الناعمة.
***
فقال الشّيخ: أيّد الله القاضي، كما أيّد به المتقاضي، إنّه كانت لي مملوكة رشيقة القدّ، أسيلة الخدّ، صبور على الكدّ، تخبّ أحيانا كالنّهد، وترقد أطوارا في المهد، وتجد في تمّوز مسّ البرد، ذات عقل وعنان، وخدّ وسنان، وكفّ ببنان، وفم بلا أسنان؛ تلدغ بلسان نضناض، وترفل في ذيل فضفاض، وتجلى في سواد وبياض، وتسقى ولكن من غير حياض، ناصحة خدعة، خبأة طلعة، مطبوعة على المنفعة، ومطواعة في الضّيق والسّعة، إذا قطعت وصلت، ومتى فصلّتها عنك انفصلت، وطالما خدمتك فجمّلت، وربما جنت عليك فآلمت وململت، وإنّ هذا الفتى استخدمنيها لغرض، فأخدمته إيّاها بلا عوض، على أن يجتني نفعها، ولا يكلّفها إلّا وسعها، فأولج فيها متاعه، وأطال بها استمتاعه، ثمّ أعادها إليّ وقد أفضاها، وبذل عنها قيمة لا أرضاها.
***
المتقاضي، أي المتحاكم إليه الذي يطلب من الحاكم قضاؤه، وعونه على خصمه؛ وهذا الغرض الذي ذكره ضرب من الألغاز، لأنه مشى كلامه في وصف جارية وغلام، وقد ضمّن الكلام وصف إبرة ومرود. مملوكة، يعني الإبرة جعلها مملوكة لأنها مما يتموّل. رشيقة القدّ: معتدلة القامة. أسيلة: ملساء. خدّ الإبرة: شقّ فيه ثقبها، وأصل الخدّ شقّ مستطيل في الأرض، والأسالة: ملاسة مع طول.
صبور على الكدّ، أي صابرة على المشقّة والتعب، وفعول- بمعنى فاعل- يمتنع من إلحاق الهاء به إذا وقع صفة لمؤنث، قال عنترة: [البسيط]
إنّي امرؤ سهل الخليقة ماجد لا أتبع النّفس اللّجوج هواها
ومنه: امرأة شكور وصبور ولجوج ولحّن أبو محمد خواصّ العراق بقولهم:
شكورة ولجوجة وصبورة، قال: إنّ هذه التاء إنما تدخل في «فعول» إذا كانت بمعنى «مفعول»، نحو ناقة ركوبة وشاة حلوبة. قال: وذكر النحويّون في امتناع الهاء من «فعول» بمعنى «فاعل» للمؤنث عللا، أجودها أن الصفات الموضوعة للمبالغة نقلت عن بابها لتدلّ على المعنى الذي تخصصت به، فأسقطت الهاء من صبور وفتاة معطار ونظائره؛ كما ألحقت بصفة المذكّر في رجل علّامة ونسّابة، ليدلّ على تحقيق المبالغة، وتؤذن بحدوث معنى زائد في الصفة. وامتناع الهاء المذكورة في أصل مطّرد [لم يشذّ منه إلا قولهم]: عدوّة، فإنهم ألحقوه بصديقة، والشيء في أصول العربية [قد] يحمل على ضدّه ونقيضه، كما يحمل على نظيره ورسيله.
[ ١ / ٢١٦ ]
تخبّ: تثب في الثوب بسرعة. النّهد: الفرس الضّخم. أطوارا: أحيانا، ومهدها:
مئبر الخائط الذي تمسك به إبرته. تمّوز: أحد الشهور، وهو يوليه. والبرد: أن يبردها الحدّاد بالمبرد ليقوّمها ويعدّلها، فالبرد هنا فعل صانعها. قال ابن ظفر: ذهب بالبرد إلى ما طبع عليه الحديد من البرد في القيظ. قوله: «ذات عقل وعنان»، أراد بالعنان الخيط لأنها ترسله في الخياطة، والعقل شدّها بالخيط حين تمسك في الثوب. سنان: طرفها المسنون، أي المحدّد. كفّ ببنان: الكفّ والتضريب شيئان معروفان في الخياطة، فيريد أن الخائط يقلّب التضريب بأصابعه وهي البنان ويكفّه بالإبرة. فم، يريد ثقب الإبرة.
تلدغ: تضرب الإصبع. واللسان النضناض للحيّة، والنّضنضة، قيل: هي صوت الحيّة، وقيل: حركة لسانها، وإنما اختلف فيها لأن الحيّة إذا ضيّق عليها فتحت فاها وصفرت وحركت لسانها، فيقال: نضنضت، وشبّه طرف الإبرة بلسان الحيّة لكثرة حركته في الثوب؛ وما أحسن قول الشاعر في تشبيه لسان الأفعى بنور السّراج: [الوافر]
وقنديل كأنّ النّور منه محيّا من أحبّ إذا تجلّى (١)
أشار على الدّجى بلسان أفعى فشمّر ذيله فرقا وولّى
وقال ابن الصبّاغ الصقليّ في شمعة: [المنسرح]
يطعن صدر الدجى بعالية صنوبري لسان كوكبها
كحيّة باللسان لاحسة ما أدركت من سواد غيهبها
وللبيتين الأوّلين حكاية مستظرفة، حدّثني بها غير واحد من الطّلبة أردت ترك ذكرها لأمرين: لشهرتها، ولأني وجدت البيتين مثبتين في بعض النّسخ من القلائد لأحد رجالها، ثم عزم عليّ بعض الأدباء أن أذكرها، فذكرتها على اختصار لفائدتها؛ وذلك أن الشاعر المعروف بالبكيّ الهجّاء، دخل عليه في ليلة ماطرة ذات رعد وبرق في بيت فندق دوابّ- شخص في الظّلام لا يعرفه، وعلى البكيّ بقية من سلهامة خلقة، لا يواريه غيرها، وعلى الثاني بقيّة من قميص قد أسودّ من طول البلى وكثرة الأوساخ، حتى لا يعرف رائيه من أيّ ثوب هو؛ وقد بلل كلّ واحد منهما المطر. وهما في بلاء من الفقر والجوع والبرد، فرقّ لهما خادم الفندق، فدخل عليهما بقنديل، فعند ما نظر كلّ واحد منهما صاحبه تأسّى به، ورأى أنه قد وجد لنفسه نظيرا في الشقاء. فقال البكيّ لجليسه: أيّ شيء أنت؟ فقال: شاعر، وشؤم الأدب بلغ بي ما ترى، قال:
فأجز، فقال: [الوافر]
* وقنديل كأنّ النّور منه*
_________________
(١) البيتان لأبي جعفر بن البني الأندلسي في تاج العروس (بنن).
[ ١ / ٢١٧ ]
فقال الآخر: [الوافر]
* محيّا من أحبّ إذا تجلّى*
فقال البكيّ: [الوافر]
* أشار على الدّجى بلسان أفعى*
فقال الآخر: [الوافر]
* فشمّر ذيله فرقا وولّى*
فقال له البكيّ- وقد أعجب به: بمن تعرف؟ فقال: بعنق البرة، قال له: وأنا البكيّ، فجعلا يتناظران بقيّة ليلتهما في أيّهما أكثر حرمانا، حتى أصبحا وكانا يتلمسان.
فقال عنق البرة للبكيّ: هلمّ لنقترع؛ أيّنا يقيم هنا، وأيّنا يرتحل؟ فإنا إن بقينا في موضع واحد، أدرك الناس من شؤمنا ما يؤدّي بهم إلى الهلاك، فاقترعا فخرجت قرعة البكيّ بالرحيل، فارتحل ونزل بفاس، فحلّ بأهلها من بلائه ما قد شهر.
قوله: «ترفل في ذيل فضفاض»، أي تمشي في خيط طويل. تجلّى في سواد وبياض، أي تبرز في خيط أسود لخياطة السواد، وأبيض لخياطة البياض. تسقى: أراد سقي الحدّاد لها إذا أخرجها من النار وألقاها في الماء لتصلب. ناصحة: خائطة، والنّصاح:
الخيّاط، ونصحت الثوب: خطته. خدعة: تخدع الخائط كثيرا، فتخيط وجه الثوب الأعلى، وتترك الأسفل، والهاء في هذه الصفات للمبالغة. خبأة طلعة؛ يصف حالها من الخياطة حين تختبئ في الثوب، ثم تطلع في يد الخائط. مطبوعة أي مصنوعة لينتفع بها.
مطواعة في الضيق والسّعة؛ يريد إذا دفعتها في الثوب دخلت فيه، سواء اتّسع موضع دخولها أو ضاق. إذا قطعت وصلت، يريد إذا قطعت الثوب وفصّلته ألّفته. فصلتها عنك:
نحّيتها، وجعلتها في مئبرها. خدمتك، أي صرفتها فيما تحتاج من خياطة ثيابك. جمّلت:
ألّفت قطع الثوب. جنت عليك فآلمت، أي ضربتك فأوجعتك وصيّرتك ذا ألم. ململت، أي جعلتك متقلّبا لشدة الوجع. قوله: «استخدمنيها»، أي طلب مني خدمتها. الغرض:
الحاجة، وأصل الغرض ما قصدته سهام الرامي، ثم سميت الحاجة غرضا، لأنها قصدت بالرغبة فيها. وسعها: طاقتها وقدر ما تحتمل مما تكلف. أولج فيها متاعه، أي أدخل فيها خيطه. أفضاها: خرق عينها، وفي المرأة خلط مسلكيها، من أفضيت إلى الشيء، وصلت إلى متّسعه، ومنه: القوم فوضى، أي متسعون مختلطون. بذل: أعطى.
***
فقال الحدث: أمّا الشّيخ فأصدق من القطا، وأمّا الإفضاء ففرط عن خطا، وقد رهنته، عن أرش ما أوهنته، مملوكا لي متناسب الطّرفين، منتسبا إلى القين،
[ ١ / ٢١٨ ]
نقيّا من الدّرن والشّين، يقارن محلّه سواد العين، يفشي الإحسان، وينشي الاستحسان، ويغذي الإنسان، ويتحامى اللّسان، إن سوّد جاد، أو وسم أجاد، وإذا زوّد وهب الزّاد، ومتى استزيد زاد، لا يستقرّ بمغنى، وقلّما ينكح إلّا مثنى، يسخو بموجوده، ويسمو عند جوده، وينقاد مع قرينته، وإن لم تكن من طينته، ويستمتع بزينته، وإن لم يطمع في لينته.
***