حكى الحارث بن همام قال: كلفت مذ ميطت عنّي التّمائم، ونيطت بي العمائم، بأن أغشى معان الأدب، وأنضي إليه ركاب الطّلب لأعلق منه بما يكون لي زينة بين الأنام، ومزنة عند الأوام، وكنت لفرط اللهج، باقتباسه، والطّمع في تقمّص لباسه، أباحث كلّ من جلّ وقلّ، وأستسقي الوبل الطّلّ، وأتعلّل بعسى ولعلّ.
***
كلفت، أي اشتد حبي، والكلف: شدة الحبّ والمبالغة فيه، فلان كلف بفلان، أي مبالغ في محبّته، وميطت وأميطت: أزيلت. التمائم: الأحراز نيطت: علّقت، وإذا بلغ الصبيّ الحلم عند العرب أزلوا الأحراز عن عنقه، وألبس العمامة والإزار، وقلّد السيف، فأراد: أحببت مذ بلغت الحلم مجالس الأدباء. أغشى: أقصد وأدخل.
المعان: المنزل. أبو عبيد، يقال: البصرة معان منّا، أي منزل منا، قال المعري:
[الوافر]
* معان من أحبّتنا معان (١) *
فالأول اسم موضع معلوم جنّس به، وجعله منزل أحبابه، وقال بعضهم: سمي معانا لمعاينة الناس فيه بعضهم بعضا، أو لأن فيه أعيانا، أنضي: أهزل الركاب: الإبل، وجعل للطلب إبلا مجازا، وإنما يريد: أتعبت نفسي فرحلت إلى طلبه على الإبل، لأعلق منه: لأحصل منه على فائدة أتعلق بها، الأنام: الخلق مزنة: سحابة. الأوام: شدّة العطش؛ يريد أنه يتعب نفسه في طلب الأدب ليتزيّن به بين الناس؛ ويعيش به إذا احتاج إليه، فرط اللهج: شدّة الحب، يقال: قد لهج بالشيء، إذا أكثر الحديث به لحبه فيه، وحرصه عليه، ولهج الفصيل بالرّضاع، إذا لجّ فيه. اقتباسه: اكتسابه، التقمص: لبس
_________________
(١) عجزه: تجيب الصاهلات به القيان والبيت في سقط الزند ص ١٧٢.
[ ١ / ٥٦ ]
القميص. لباسه: ثيابه، أي أطمع أن ألبس من ثيابه قميصا. أباحث: أسائل. جلّ:
عظم. قلّ: حقر. أستسقى الوبل والطلّ، أي أطلب منه السقي، والوبل: أشدّ المطر والطلّ: أضعفه، ويقال: الركّ أضعف من الطلّ، ومنه قيل للدني: ركيك. أتعلّل:
أشغل نفسي وأطمعها، والعلالة: الشيء اليسير، وعسى ولعلّ: معناهما الرجاء والطمع؛ يريد أنه يسائل الجليل في العلم والحقير، ومن كثر علمه وكان كالوبل، أو قلّ وكان كالطّل، وإذا فقد من يؤخذ عنه العلم رجا نفسه بوجوده وأطمعها. والتعلّل: قطع الزمان بالعيش اليسير وقد تعلّل بشرا به، إذا أخذ منه قليلا قليلا؛ فمعنى «أتعلل عسى ولعل»، أذهب عله وجدي بالرجاء والطمع.
***
فلما حللت حلوان، وقد بلوت الإخوان، وسبرت الأوزان؛ وخبرت ما شان وزان، ألفيت بها أبا زيد السّروجيّ يتقلب في قوالب الانتساب، ويخبط في أساليب الإكتساب فيدعي تارة أنّه من آل ساسان، ويعتزي مرّة إلى أقيال غسان، ويبرز طورا في شعار الشّعراء، ويلبس حينا كبر الكبراء.