حدّث الحارث بن همام، قال: أنست من قلبي القساوة، حين حللت ساوة، فأخذت بالخبر المأثور، في مداوتها بزيارة القبور.
فلمّا صرت إلى محلّة الأموات، وكفات الرّفات، رأيت جمعا على قبر يحفر، ومجنوز يقبر، فانحزت إليهم متفكّرا في المآل، متذكّرا من درج من الآل.
فلمّا ألحدوا الميت، وفات قول ليت، أشرف شيخ من رباوة، متخصّرا بهراوة، وقد لفّع وجهه بردائه، ونكّر شخصه لدهائه.
***
الحادية عشرة، تبنى على الفتح كبناء أحد عشر. آنست: أدركت وأحسست.
القساوة: غلظ القلب. وقلب قاس وقسيّ، أي صلب، وقلوب قاسية وقسيّة؛ وهما عن السكائيّ والفرّاء لغتان بمعنى واحد.
أبو عبيدة: القاسية مأخوذة من القسوة، والقسّية التي ليست خالصة الإيمان، كالدرهم القسيّ وهو الذي خالطه غش من نحاس أو غيره، وقد قسا القلب يقسو قساوة، وقساء: صلب.
ساوة: بلد بينه وبين الرّي اثنان وعشرون فرسخا، وهي في الطريق ما بين همذان والرّيّ.
الخبر المأثور، أي المحدّث به، وهو قوله ﷺ: «عودوا المرضى، واحضروا المقابر، فإنّها تزهّد في الدنيا، وتذكّر الآخرة» (١).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ثم بدا لي فزوروها، فإنها ترقّق القلب، وتدمع العين، وتذكّر الآخرة» (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المرض باب ٤، وأحمد في المسند ٣/ ٢٣، ٣١، ٤٨، ٣٩٤، ٤٠٦.
(٢) روي بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه مسلم في الجنائز حديث ١٠٦، والأضاحي باب ٣٧، وأبو داود في الجنائز باب ٧٧، والأشربة باب ١٧، والترمذي في الجنائز باب ٧، والنسائي في الجنائز باب
[ ١ / ٣١١ ]
وسأل رجل عائشة ﵂، فقال: يا أمّ المؤمنين، إن لي داء فهل عندك دواؤه؟ قالت: وما داؤك؟ قال: القسوة، قالت: بئس الدّاء داؤك. عد المرضى، وأشهد الجنائز، وتوقّع الموت.
وقيل لعليّ ﵁: ما شأنك جاورت المقبرة! قال: إني أجدهم خير جيران صدق، يكفّون الألسنة، ويذكّرون الآخرة.
وكانت عجوز في عبد القيس متعبّدة، فإذا جاء الليل تحزّمت، ثم قامت إلى المحراب، فإذا جاء النهار خرجت إلى المقبرة؛ فعوقبت في إتيان القبور، فقالت: إن القلب القاسي إذا جفا لم يليّنه إلا رسوم البلى، وإنّي لآتي القبور؛ فكأني أنظر وقد خرجوا من بين أطباقها، وكأني أنظر إلى تلك الوجوه المتعفّرة، وإلى تلك الأجسام المتغيّرة، وإلى تلك الأكفان الدّسمة.
وقال ميمون بن مهران: خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة؛ فلمّا نظر إلى القوم بكى، ثم أقبل عليّ فقال: يا ميمون، هذه قبور آبائي بني أميّة كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذّاتهم وعيشهم؛ أما تراهم صرعى قد خلت من قبلهم المثلات، واستحكم فيهم البلى، وأصابت الهموم في أبدانهم مقيلا، ثم بكى وقال: والله لا أعلم أحدا أنعم ممّن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله.
استنشد المتوكل أبا الحسن عليّ بن محمد بن موسى بن جعفر بن عليّ بن الحسين، فقال: إني لقليل الرّواية في الشعر، فقال: لا بدّ، فأنشده: [البسيط]
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم وأودعوا حفرا، يا بئس ما نزلوا!
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا: أين الأسرّة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت منعّمة من دونها تضرب الأستار والكلل!
فأفصح القبر عنهم حين سيل بهم: تلك الوجوه عليها الدّود يقتتل
قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
قال عمر: لو أنشد شعرا في أوصاف آبائه وبني عمّه ملوك بني أميّة وانحطاطهم من عزّ المملكة إلى ذل المقبرة، لم يكن إلا هذا الشعر.
أبو الحسن القلويّ كان قد سعي به إلى المتوكل، وقيل له إن في بيته سلاحا وكتبا وغير ذلك، فوجّه إليه بعدّة من الأتراك، فهجموا عليه على غفلة ممّن في داره، فوجدوه
_________________
(١) - ١٠٠، والضحايا باب ٣٩، والأشربة باب ٤٠، وابن ماجة في الجنائز باب ٤٧، وأحمد في المسند ١/ ١٤٥، ٤٥٢، ٣/ ٣٨، ٦٣، ٦٦، ٢٣٧، ٢٥٠، ٥/ ٣٥٠، ٣٥٥، ٣٥٧، ٣٥٩، ٣٦١.
[ ١ / ٣١٢ ]
في بيت مغلق عليه وحده، وعليه مسح شعر، ولا بساط في البيت إلّا الرّمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة صوف متوجها إلى ربه، يترنّم بالقرآن، فمثل بين يدي المتوكل على حاله، والمتوكّل يشرب وفي يده كأس، فلما رآه عظمه وأجلسه إلى جنبه. وعلم أنه لا يوجد عنده شيء مما قيل، فناوله، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ولا دمعي قطّ فأعفني منه، فأعفاه، ثم قال: أنشدني شعرا أستحسنه، فأنشده الأبيات المتقدّمة، فأشفق من حضر عليه من المتوكل. فو الله لقد بكى المتوكل بكاء طويلا، وبكى من حضر، وقال: يا أبا الحسن، أعليك دين؟ قال: أربعة آلاف درهم، فدفعت إليه، وردّ إلى منزله مكرّما، وقال: ما يقول ولد أبيك في العباس بن عبد المطلب! قال: وما يقولون يا أمير المؤمنين في رجل افترض الله طاعته على بنيه! فأمر له بمائة ألف درهم، وإنّما أراد طاعة الله على بنيه فعرّض.
وقال سابق البربري في المعاريض: [الطويل]
تعاون على الخيرات تظفر ولا تكن على الإثم والعدوان ممّن يعاون (١)
وداهن إذا ما خفت يوما مسلّطا عليك، ولا يحتال من لا يداهن
ولا تك ذا لونين يبدي بشاشة وفي صدره ضبّ من الغلّ كامن
رجعت إلى عرض المقامة.
عمر بن الخطاب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ، فجلس إلى قبر، وكنت أدنى القوم منه، فبكى وبكينا، فقال: ما يبكيكم؟ قلنا: بكاؤك، قال: هذا قبر أمي آمنة، استأذنت ربي في زيارتها، فأذن لي (٢). فاستأذنته في أن أستغفر لها، فأبى عليّ، فأدركني ما يدرك الولد من الرّقّة.
وكان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبلل لحيته، فسئل عن ذلك، فقيل له:
تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي إذا وقفت على قبر! فقال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: «إنّ القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشدّ» (٣).
_________________
(١) يروى صدر البيت الثالث: ولا تك ذا وجهين يبدي بشاشة وهو لسابق البربري في أساس البلاغة (ضبب)، وبلا نسبة في تاج العروس (ضبب)، وكتاب العين ٧/ ١٤.
(٢) أخرجه مسلم في الجنائز حديث ١٠٥، ١٠٦، وأبو داود في الجنائز باب ٧٧، والنسائي في الجنائز باب ١٠١، وابن ماجة في الجنائز باب ٤٨، وأحمد في المسند ٢/ ٤٤١، ٥/ ٣٥٦.
(٣) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٥، وابن ماجة في الزهد باب ٢٢.
[ ١ / ٣١٣ ]
والمقصود من زيارة القبور الاعتبار للزائر والانتفاع بدعائه للمزور، ولا ينبغي أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه وللميت.
وكان رجل يشهد الجنائز، فإذا أمسى وقف على المقابر، فقال: آنس الله وحشتكم، ورحم الله غربتكم، وتجاوز الله عن سيئاتكم، وقبل الله حسناتكم؛ لا يزيد على هذا شيئا. قال: فأمسيت ليلة ولم أدع، فبينما أنا نائم إذا خلق كثير قد جاءوني، فقلت: من أنتم؟ قالوا نحن أهل المقابر، قلت: ما حاجتكم؟ قالوا: إنّك كنت عودتنا هديّة عند انصرافك إلى أهلك، قلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو، قلت:
فإني أعود لذلك؛ فما تركتها بعد ذلك.
قوله: محلّة الأموات، هي المقابر التي يحلّون بها. كفات: قبور وأوعية وكفتّ الشيء: ضممته وقبضته، وكفات الشيء: ما ضمه وستره، وقوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا أَحْياءً وَأَمْواتًا [المرسلات: ٢٥ - ٢٦] قيل: كفات الأحياء بيوتهم، وكفات الأموات قبورهم. والرفات: العظام البالية، وقال ابن المعتز في مقبرة: [الطويل]
وسكّان دار لا تزاور بينهم على قرب بعض في التجاور من بعض (١)
كأنّ خواتيما من الطّين فوقهم فليس لها حتّى القيامة من فضّ
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: [البسيط]
انظر لنفسك يا مسكين في مهل ما دام ينفعك التفكير والنّظر
قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها لله درّك ماذا تستر الحفر!
ففيهم لك يا مغرور موعظة وفيهم لك يا مغترّ معتبر!
وقال مالك بن دينار: مررت بالمقابر، فأنشدت أقول: [المتقارب]
أتيت القبور فناديتها فأين المعظّم والمحتقر؟
وأين المدلّ بسلطانه وأين المزكّي إذا ما افتخر؟
فنوديت من بينهم: لا رأى شخوصا لهم ولا من أثر!
تفانوا جميعا فلا مخبر وماتوا جميعا ومات الخبر
فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك فيما ترى معتبر!
تروح وتغدو بنات الثّرى وتمحى محاسن تلك الصّور!
ومما وجد على قبر مكتوبا: [المتقارب]
تناجيك أجداث وهنّ سكوت وسكّانها تحت التّراب خفوت
_________________
(١) البيتان في ديوان ابن المعتز ص ٢٥، ٢٦.
[ ١ / ٣١٤ ]
أيا جامع الدنيا لغير بلاغة لمن تجمع الدّنيا وأنت تموت؟
ومما وجد على قبر مكتوبا: [البسيط]
إن الحبيب من الأحباب مختلس لا يمنع الموت بوّاب ولا حرس
فكيف تفرح بالدّنيا ولذّتها يا من يعدّ عليه اللفظ والنّفس؟
لا يرحم الموت ذا جاه لعزّته ولا الذي كان منه العلم يقتبس
قد كان قصرك معمورا له شرف فقبرك اليوم في الأجداث مندرس
ووجد على قبر مكتوبا: [الوافر]
وقفت على الأحبة حين صفّت قبورهم كأفراس الرّهان
فلما أن بكيت وفاض دمعي رأت عيناي بينهم مكاني
قال أعرابيّ: من خاف الموت بادر الفوت، ومن لم يقمع النفس عن الشهوات بادرت به إلى الهلكات، والجنة والنار أمامك.
مرض أعرابيّ فقيل له: إنك تموت، قال: وإذا مت فإلى أين أذهب؟ قالوا: إلى الله، قال: فما كراهتي أن أذهب إلى من لم أر الخير إلّا منه! .
وقال أعرابيّ: ما بقاء عمر تقطعه الساعات، وسلامة بدن معرّض للآفات! ولقد عجبت للمؤمن كيف يكره الموت وهو ينقله إلى الثواب الذي أحيا له ليله، وأظمأ له نهاره! .
وقال آخر: من كانت مطيّتاه الليل والنهار، سارا به وإن لم يسر، وبلغا به وإن لم يبلغ.
آخر: تصرّف الليل والنهار، لا تبقى معه الأعمار، ولا لأحد فيه الخيار.
***
قوله: مجنوز، أي ميّت؛ وحكى ابن سيده قول بعضهم: جنزت الميت إذا سترته بالكفن. وقال الحسن- لما أنذر بجنازة النّوار امرأة الفرزدق- للمنذر بها: إذا جنزتموها فآذنوني بالجنازة، والجنازة من جنزت وهي بالفتح الميّت، وبالكسر النعش، وقيل معناهما واحد، وهو الميّت والمختار الكسر. يقبر: يدفن. انحزت: ملت. المآل:
المرجع. مذكّرا: متذكّرا. درج: هلك. الآل: الأهل. ألحدوا: دفنوا وألقوه في اللّحد، وهو حفير في جانب القبر، وكان رسول الله ﷺ إذا دخل المقبرة يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون» (١).
_________________
(١) روي بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه مسلم في الطهارة حديث ٣٩، والجنائز حديث ١٠٣، ١٠٤، وأبو داود في الجنائز باب ٧٩، والنسائي في الطهارة باب ١٠٩، والجنائز باب ١٠٣، وابن ماجة في
[ ١ / ٣١٥ ]
وكان عليّ ﵁ إذا دخلها يقول: السّلام عليكم يا أهل الديار الموحشة والمنازل المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات. اللهمّ اغفر لنا ولهم، واعف عنّا وعنهم. ثم يقول: الحمد لله الّذي جعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا، منها خلقنا، وإليها معادنا، وعليها محشرنا، طوبى لمن ذكر المعاد، وقنع بالكفاف ورضي عن الله.
وكان الحسن البصريّ ﵀ إذا دخل قال: اللهمّ ربّ الأجساد البالية، والعظام النّخرة، التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا منك وسلاما منا.
قوله: «أشرف»: أي طلع. والرّباوة: الكدية. متخصّر: أي جاعلها مما يلي خصره. هراوة: عصا. لفع: غطّى. نكّر: غيّر هيئته. لدهائه: لمكره.
***
فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون، فاذكروا أيّها الغافلون، وشمّروا أيّها المقصّرون، وأحسنوا النّظر أيّها المتبصّرون. ما لكم لا يحزنكم دفن الأتراب، ولا يهولكم هيل التّراب، ولا تعبئون بنوازل الأحداث، ولا تستعدّون لنزول الأجداث، ولا تستعبرون لعين تدمع، ولا تعتبرون بنعي يسمع، ولا ترتاعون لإلف يفقد، ولا تلتاعون لمناحة تعقد، يشيّع أحدكم نعش الميت، وقلبه تلقاء البيت، ويشهد مواراة نسيبه، وفكره في استخلاص نصيبه، ويخلّي بين ودوده ودوده، ثم يخلو بمزمره وعوده.
***
ويقال: قصر فهو مقصّر، إذا ترك الشيء وهو قادر عليه وشمّر: اجتهد.
والمتبصّر: الناظر في الشيء على وجه التفهّم، فقد يصيب وقد يخطئ، ولذلك قالوا: أحسنوا النظر. الأتراب: الأصحاب المتقاربون في الموالد، كأنّهم قطعوا من تربة واحدة، وأكثر ما يقع للنساء، وإذا مات للإنسان صاحب على سنّه كان أوقع لحزنه، فلذا نبّه بالتّرب، قال الإلبيريّ: [المتقارب]
فإنّ الردى غلّ أهل التقى فلم يبق إلا الغشوم العتيد
وأودى بكلّ خليل ودود فأين، ولا أين، خلّ ودود!
وكن من أخي ثقة قد لحدت فلله ما غيّبته اللّحود
وأثكلني الأنس ثكل اللّذات فصرت كأن غريب وحيد
_________________
(١) - الجنائز باب ٣٦، والزهد باب ٣٦، وأحمد في المسند ٢/ ٣٠٠، ٣٧٥، ٤٠٨، ٥/ ٣٥٣، ٣٦٠، ٦/ ٧١، ٧٦، ١١١، ١٨٠، ٢٢١.
[ ١ / ٣١٦ ]
وكم من شقيّ يواري التراب وكم من سعيد يواري الصّعيد!
قوله: «يهولكم»، أي يفزعكم، والهيل: الصبّ الكثير من أعلى إلى أسفل، في مثل كدس الرمل، وعند صبّ التّراب على الميت تطير القلوب إشفاقا، وتسيل العيون رحمة، قال أبو العتاهية: [الوافر]
بكيتك يا أخيّ بدمع عيني فلم يغن البكاء عليك شيّا
كفى حزنا بدفنك ثمّ أنّي نفضت تراب قبرك من بديّا
وكانت في حياتك لي عظات وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
أبو علي الرازيّ: مررت بصبيان في طريق الشأم يلعبون بالتّراب، وقد ارتفع الغبار، فقلت: مهلا، قد غبّرتم، فقال صبي منهم: يا شيخ: أين تفر إذا هيل عليك التراب في القبر، فغشي عليّ، فأفقت والصبيّ قاعد عند رأسي مع الصبيان يبكون، فقلت له: أعندك حيلة في الفرار من التراب؟ قال: أنا لا أعلم، ولكن سل غيري، فقلت: ومن غيرك؟
قال: عقلك. تعبئون: تبالون وتهتمون. والنوازل: جمع نازلة، وهي المصيبة.
الأحداث: ما يحدث على الإنسان من الخير والشر. والأجداث، بالجيم: القبور، واحدها جدث وجدف. تستعبرون: تبكون. تعتبرون: تتّعظون وترونه عبرة. والنّعي:
ذكر موت الإنسان، وكانت العرب إذا مات منها سيّد ركب رجل فرسه، ومشى في الأحياء، فيقول: نعاء فلانا، والناعي: المخبر بموت الرجل، وقد نعاه نعيا. ترتاعون:
تخافون. إلف: صاحب، وهو في الأصل مصدر ألفت الشيء إلفا، فسمّي به، ويقال في معناه: أليف. تلتاعون: تحترقون من الحزن، واللّوعة: حرقة من الهمّ. المناحة: اجتماع النساء للبكاء على الميت. تعقد: تجمع وتؤلّف. وقلبه تلقاء البيت، أي قلبه مستقبل لبيت الميت، يفكّر فيما ترك ليرثه. مواراة: دفن، وقد واراه، إذا ستره. استخلاص:
تحصيل. ودوده الأول: محبوبه الذي يودّه، ودوده الثاني: جمع دودة، والواو للعطف.
وقال سابق البربريّ في معنى ما تقدم: [البسيط]
نلهو ونأمل أياما تعدّ لنا سريعة المرّ تطوينا ونطويها
كم من عزيز سيلقى بعد عزّته ذلّا، وضاحكة يوما سنبكيها
وللحتوف تربّي كلّ مرضعة وللحساب برى الأرواح باريها
لا تبرح النفس تنعى وهي سالمة حتى يقوم بنادي القوم ناعيها
ولن تزال طوال الدهر ظاعنة حتى تقيم بواد غير واديها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدّهر نبنيها
وقال آخر: [البسيط]
اعمل وأنت من الدّنيا على حذر واعلم بأنّك بعد الموت مبعوث
[ ١ / ٣١٧ ]
واعلم بأنّك ما قدّمت من عمل يحصى عليك، وما خلّفت موروث
وقال الحسن: ابن آدم! أنت أسير الدنيا، رضيت من لذّاتها بما ينقضي، ومن نعيمها بما يمضي، ومن ملكها بما ينفد، تجمع لنفسك الأوزار، ولأهلك الأموال، فإذا متّ حملت أوزارك إلى قبرك، وتركت أموالك لأهلك. أخذه أبو العتاهية فقال: [البسيط]
أبقيت مالك ميراثا لوارثه يا ليت شعري ما أبقى لك المال
القوم بعدك في حال تسرّهم فكيف بعدهم دارت بك الحال!
ملّوا البكاء فما يبكيك من أحد واستحكم القيل في الميراث والقال
وقال ابن عبد ربه: [الوافر]
أيا من عنده أمل طويل يؤدّيه إلى أجل قصير
أتفرح والمنيّة كلّ يوم تريك مكان قبرك في القبور
هي الدنيا فإن سرّتك يوما فإنّ الحزن عاقبة السّرور
ستسلب كلّ ما جمعت فيها كعارية تردّ إلى المعير
وقال جبلة بن الحويرث: [البسيط]
يا قلب إنّك في الأحياء مغرور فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير (١)
تريد أمرا ولا تدري: أعاجله خير لنفسك أم ما فيه تأخير!
فاستقدر لله خيرا وارضينّ به فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطا إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحيّ مسرور
حتى كأن لم يكن إلّا تذكّره والدّهر أيّتما حين دهارير
وذاك آخر عهد من أخيك إذا بالموت ضمّنه اللّحد الخناسير
***
طالما أسيتم على انثلام الحبّة، وتناسيتم اخترام الأحبّة، واستكنتم لاعتراض العسرة، واستهنتم بانقراض الأسرة، وضحكتم عند الدّفن، ولا ضحككم ساعة الزّفن، وتبخترتم خلف الجنائز، ولا تبختركم يوم قبض الجوائز، وأعرضتم عن
_________________
(١) البيت الأول بلا نسبة في تاج العروس (أذذ)، وفيه «إنك من أسماء» بدل إنك في «الأحياء»، والبيت الثالث لحريث بن جبلة أو لعثير بن لبيد في الدرر ٣/ ١٠٠، ١١٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٤٤، ولسان العرب (دهز)، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص ٢٩٤، وخزانة الأدب ٧/ ٦٠، ودرّة الغواص ص ٧٣، والكتاب ٣/ ٥٢٨، ومجالس ثعلب ١/ ٢٦٥، ومغني اللبيب ١/ ٨٣.
[ ١ / ٣١٨ ]
تعديد النّوادب، إلى إعداد المآدب، وعن تحرّق الثّواكل؛ إلى التأنّق في المآكل، لا تبالون بمن هو بال، ولا تخطرون ذكر الموت ببال، حتى كأنكم قد علقتم من الحمام بزمام، أو حصلتم من الزّمان على أمان، أو وثقتم بسلامة الذّات، أو تحقّقتم مسالمة هادم اللّذّات؛ كلّا ساء ما تتوهّمون، ثمّ كلّا سوف تعلمون!
***
قوله: «أسيتم»، أي حزنتم: انثلام: انكسار ونقصان. اخترام: هلاك، يقول: إذا انتقص لكم من المال أدنى شيء حزنتم عليه، ولا تحزنون على نقص أحبابكم.
أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ: «من أصبح حزينا على الدّنيا، أصبح ساخطا على الله».
قوله: «استكنتم»، ذللتم، واستكان، استفعل من لفظ الكين، وهو لحم باطن الفرج. اعتراض العسرة: ظهور الفقر. انقراض الأسرة: موت القرابة الزّفن: الرقص.
ضحكتم عند الدفن، جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «أن الله تعالى كره لكم العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك في الجنائز».
ورأى ابن مسعود ﵁ رجلا يضحك في جنازة، فقال: تضحك وأنت في جنازة! والله لا أكلّمك أبدا.
ونظر عبد الله بن ثعلبة إلى رجل يضحك في جنازة مستغربا، فقال: أتضحك ولعلّك قد أخذت أكفانك من القصّار! .
وفي الحديث «كثرة الضحك تميت القلب وتذهب بهاء المؤمن» (١).
قوله: «تبخرتم»، أي تعظمتم وأظهرتم الإعجاب في مشيكم. الجوائز: الصّلات وهم يظهرون في أحسن الثياب عند الملوك ليكثر لهم العطاء.
أعرضتم: تنحيتم، وهو من العرض، كأنك إذا لقيت من تكره استقبلته بعرضك، أي بجانبك. النوادب: النوائح اللواتي يندبن الميت أي يبكينه، فيقول: أعرضتم عن الباكيات حين عدّدن خصال الميت المحمودة، ولم تفكر في تلك الحال. إعداد، أي استعداد. المآدب: المطاعم للأعراس. تحرّق: توجّع. الثواكل: الفاقدات لأحبابهنّ.
التأنّق: التحسين، وقد تأنّق في الشيء، إذا احتفل فيه فأعجب به كل من رآه. بال.
دارس متغيّر، يريد الميت. ببال: بفكر وخاطر. الحمام: الموت، وأصله القدر. وهو من حمّ، أي قدّر، وذات الشيء نفسه وحقيقته. مسالمة: متاركة ومصالحة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٢، وابن ماجة في الزهد باب ١٩، وأحمد في المسند ٢/ ٣١٠.
[ ١ / ٣١٩ ]
أبو هريرة ﵁، قال رسول الله: «أكثروا ذكر هاذم اللذات، قالوا: وما هاذم اللذات؟ قال: الموت» (١).
وقال الإلبيريّ في معنى ما تقدّم: [المنسرح]
كم آمن للمنون لاه عن الرّدى بات مطمئنّا
صبّحه وافد المنايا فعاين الموت حين عنّا
حتى إذا ما قضى بكاه حميمه معولا مرنّا
واروه في لحده وسنّوا عليه قيد التراب سنّا
وانتهبوا ماله وشنوا ال غارات فيما حواه شنّا
لمثل هذا فكن معدّا ما قد أعدّ الهداة منّا
وارتقب الموت فهو حتم يخترم الطفل والمسنّا
قوله: كلا، زجر، أي ليس الأمر كما ظننتم.
***
ثم أنشد: [المنسرح]
أيا من يدّعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم
تعبّي الذّنب والذّمّ وتخطي الخطأ الجمّ
أما بان لك العيب! أما أنذرك الشّيب!
وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صمّ
أما نادى بك الموت أما أسمعك الصّوت!
أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتمّ
فكم تسدر في السّهو وتختال من الزّهو
وتنصبّ إلى اللهو كأنّ الموت ما عمّ
***
قوله: [المنسرح]
أيا من يدّعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم
يسمّى هذا من أنواع الشعر المسمّط، أي المفصّل، مأخوذ من السّمط وهو سلك الجوهر المفصّل بالزمرد والذهب وغير ذلك. الوهم: الغلط. الجمّ: الكثير، وعلى
_________________
(١) أخرجه الترمذي في القيامة باب ٢٦، والزهد باب ٤، والنسائي في الجنائز باب ٣، وابن ماجة في الزهد باب ٣١، وأحمد في المسند ٢/ ٢٩٣، والطبراني في الجامع الصغير ١/ ٩٠.
[ ١ / ٣٢٠ ]
قوله: «وتخطي الخطأ الجم»، ذكر الحريريّ في الدرّة أنّ قول الخواصّ: «أخطأ لمن يأتي بالذنب متعمّدا تحريف للفظ والمعنى، ولا يقال: أخطأ إلّا لمن لم يتعمد الفعل ولمن اجتهد»، فلم يوافق الصواب لقوله ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر» (١) وإنما أوجب له الأجر على اجتهاده في إصابة الحق الذي هو نوع من أنواع العبادة، لا عن الخطأ الذي يكفي صاحبه أن يعذر فيه ويرفع مأثمه عنه، و[اسم] الفاعل من هذاالنوع:
مخطئ، والاسم الخطأ، قال الله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء: ٩٢] وأما المتعمّد، فيقال فيه: خطئ فهو خاطئ، والمصدر الخطء، قال الله تعالى: إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا [الإسراء: ٣١]، والاسم منه الخطيئة، ويقع على الصغيرة، قال الله تعالى: أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: ٨٢] إخبارا عن إبراهيم ﵊، وعلى الكبيرة كقوله تعالى: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة: ٨١] الآية: قال أبو محمد الحريريّ: ولي في تضمين هاتين اللفظتين وتخصيص معنييهما المتنافيين: [البسيط]
لا تخطونّ إلى خطء ولا خطأ من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطا
فأيّ عذر لمن شابت مفارقه إذا جرى في ميادين الهوى وخطا
وهذه التفرقة منه مستحسنة، وكذا يقع في أكثر كلامهم، وأما على القطع فلا، لأنه قد حكى الزّجاج وقطرب وابن دريد في الجمهرة أنّ العرب تقول: خطئت الشيء أخطؤه خطأ، وخطئني وأخطأته خطأ في معنى واحد، قال: [الكامل]
والنّاس يلحون الأمير إذا همو خطئوا الصواب ولا يلام المرشد (٢)
أما: حرف استفتاح وإخبار. بان: ظهر. أما أنذرك الشيب، سيأتي مستوفيا.
وقال في الشيب الفقيه الزّاهد أبو عمران ﵀: [الكامل]
ذهب الشّباب بجهله وبعاره وأتى المشيب بحلمه ووقاره
شتّان بين مبعّد من ربّه بغروره ومبشّر بجواره
ما زلت أمرح بالشباب جهالة كالطّرف يمرح معجبا بعذاره
وسحبت أثواب البطالة لاهيا وجررت من بطر فضول إزاره
حتى تقلّص ظلّه فتكشّفت عوراته وبدا قبيح عواره
_________________
(١) روي بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢٠، ٢١، ومسلم في الأقضية حديث ١٥، وأبو داود في الأقضية باب ٢، والنسائي في الأحكام باب ٢، والقضاة باب ٣، وابن ماجة في الأحكام باب ٣، وأحمد في المسند ٤/ ١٩٨، ٢٠٤، ٢٠٥.
(٢) البيت بلا نسبة في لسان العرب (أمر)، وتاج العروس (أمر).
[ ١ / ٣٢١ ]
لم أحظ منه بطائل غير الأسى وتندّم منّي على أوزاره
والآن قد خط المشيب بمفرقي بمواعظ والحقّ في تذكاره
والنفس تركب غيّها لا ترعوي عنه ولا تصغي إلى إنذاره
لهفي على عمر يمرّ مضيّعا محصى عليّ بليله ونهاره
كان شابّ في بني إسرائيل عبد الله عشرين سنة، وعصاه عشرين سنة، قنطر يوما في المرآة، فرأى الشيب في لحيته، فساءه ذلك فقال: إلهي أطعتك عشرين سنة، وعصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلني؟ فسمع صوتا من زاوية البيت: أحببتنا فأحببناك، وتركتنا فتركناك، وعصيتنا فأمهلناك؛ فإن رجعت إلينا قبلناك.
قال ابن وضاح: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب، مسح إبليس على وجهه، وقال: بأبي وجه لا يفلح أبدا! وأنشدوا: [الكامل]
وإذا مضى للمرء من أعوامه خمسون وهو إلى التّقي لم يجنح
ركدت عليه المخزيات وقلن قد أرضيتنا فأقم لذا لا تبرح
وإذا رأى إبليس غرّة وجهه حيّا وقال: فديت من لم يفلح
وقال آخر: [الوافر]
تلاحظني المنيّة من قريب وتلحظني ملاحظة الرقيب
وتنشر لي كتابا فيه طيّ بخطّ الدهر أسطره مشيبي
كتاب في معانيه غموض تلوح لكلّ أوّاب منيب
أزال الله يا صاحي شبابي فعوّضت البغيض من الحبيب
وبدّلت التكاسل من نشاطي ومن حسن النضارة بالشّحوب
كذاك الشمس يعلوها اصفرار إذا جنحت ومالت للغروب
وهذا القدر كاف هنا في ذكر الشيب.
***
وقوله: «ريب»، شك. أما أسمعك الصوت، الصوت هنا: النّياحة على الميت.
والفوت: بعد الشيء. الاحتياط، من الحوطة، وهي الوقاية. تسدر: تتبختر. تختال:
تتكبّر. الزهو: الكبر. عمّ: شمل.
ولأبي العتاهية في معناه: [السريع]
حتى متى ذو التّيه في تيهه أصلحه الله وعافاه!
يتيه أهل التّيه من جهلهم وهم يموتون وإن تاهوا
من طلب العزّ ليبقى به فإن عزّ المرء تقواه
[ ١ / ٣٢٢ ]
لم يعتصم بالله من خلقه من ليس يرجوه ويخشاه
ولمحمد بن حازم: [الطويل]
فيا شامخا أقصر عنانك مقصرا فإنّ مطايا الدهر تكبو وتعثر
ستقرع سنّا أو تعضّ ندامة يديك إذا خان الزمان وتبصر
ويلقاك رشد بعد غيّك واعظ ولكنّه يلقاك والأمر مدبر
[الهزج]
***
وحتّام تجافيك وإبطاء تلافيك
طباعا جمّعت فيك عيوبا شملها انضمّ
إذا أسخطت مولاك فما تقلق من ذاك
وإن أخفق مسعاك تلظّيت من الهم
وإن لاح لك النّقش من الأصفر تهتشّ
وإن مرّ بك النّعش تغاممت ولا غمّ
تعاصي النّاصح البر وتعتاص وتزورّ
وتنقاد لمن غرّ ومن مان ومن نمّ
***
قوله: «تجافيك»، أي تباعدك من فعل الخير. إبطاء: تأخّر. تلافيك: تداركك.
طباعا: أخلاقا؛ يريد أن أخلاقك قد جمعت فيك عيوبا انضمّ عليك شملها. أخفق:
خاب. مسعاك: طلبك ومشيك في اكتساب الرزق. تلظّيت: احترقت واشتعلت، وهو تفعّلت، من اللّظى. الأصفر: الدينار، ونقشه الكتاب الذي فيه. تهتش: تخفّ وتهتزّ طربا. تغاممت: أظهرت الغمّ. ولا غمّ، أي ليس عندك غمّ على الحقيقة.
كان أبو الدرداء ﵁ إذا رأى جنازة قال: اغدي فإنا رائحون، أو روحي فإنا غادون.
أبو عمرو بن العلاء قال: جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه: [الكامل]
* ودّع أمامة حان منك رحيل (١) *
_________________
(١) عجزه: إن الوداع إلى الحبيب قليل والبيت في ديوان جرير ص ٤٧٢.
[ ١ / ٣٢٣ ]
ثم طلعت جنازة فأمسك، وقال شيّبتني هذه الجنازة، فقلت: فلم تسابّ الناس؟
قال: يبدءونني، ثم لا أعفو، وأعتدي ولا أبتدي، ثم أنشأ يقول: [الوافر]
تروّعنا الجنائز مقبلات ونلهو حين تذهب مدبرات
كروعة هجمة لمغار ذئب فلمّا غاب عادت راتعات
وقال آخر: [الكامل]
وتعدّ كثرة من يموت تعجّبا عمّا قريب سوف تدخل في العدد
وأراك تحملهم ولست تردّهم وكأنني بك قد حملت ولا تردّ
قوله: «تعاصي الناصح البرّ»، أي تعاصي من ينصحك ويبرّك. تعتاص: تتصعب، وهو «تفتعل» من العصيان، على القلب. تزورّ: تنقبض. غرّ: خدع. مان: كذب، ونمّ:
مشى بالنميمة.
***
[الهزج]
وتسعى في هوى النّفس وتحتال على الفلس
وتنسى ظلمة الرّمس ولا تذكر ما ثم
ولو لاحظك الحظّ لما طاح بك اللّحظ
ولا كنت إذا الوعظ جلا الأحزان تغتمّ
ستذري الدّم لا الدّمع إذا عاينت ذا جمع
يقي في عرصة الجمع ولا خال ولا عمّ
كأنّي بك تنحطّ إلى اللّحد وتنغطّ
وقد أسلمك الرّهط إلى أضيق من سمّ
***
الرمس: القبر. لاحظك الحظّ: نظرك السعد. طاح بك: أذهبك وأهلكك، واللحظ: النظر بمؤخر العين، وقد لحظه لحظا ولاحظته ملاحظة، وكله من اللحاظ، وهو طرف العين ممّا يلي الصّدغ. وجلا: كشف. تذري: تصبّ وترسل متفرّقا.
أنس ﵁، قال رسول الله ﷺ: «يا أيّها النّاس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإنّ أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء، فلو أن السفن أجريت في دموعهم لجرت» (١).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة الإقامة باب ١٧٦، والزهد باب ١٩.
[ ١ / ٣٢٤ ]
لا جمع، أي لا قبيل ولا عشير يحميك ولا يمنعك يوم القيامة. يقي: يمنع.
عرصة الجمع: موضع اجتماع الناس في الحشر. تنحطّ تنزل. اللّحد: حفير في جانب القبر. وتنغطّ: تنضمّ وتنقبض، يقال: غططته في الماء إذا أغرقته فيه وغمسته. أسلمك الرهط: تركك قومك. سمّ: عين الإبرة، يريد ضيق القبر على الميت. وقال رسول الله ﷺ: «إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ».
وعن أنس ﵁، قال: توفيت زينب بنت رسول الله ﷺ، فتبعها رسول الله ﷺ، فساءنا حاله، فلما انتهيناإلى القبر فدخله، التمع وجهه صفرة، فلما خرج أسفر وجهه، قلنا: يا رسول الله، رأينا منك شأنا فممّ ذلك؟ قال: «ذكرت ضغطة بنتي وشدة عذاب القبر فأتيت فأخبرت أن الله تعالى قد خفّف عنها، ولقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين الخافقين». [الهزج]
***
هناك الجسم ممدود ليستأكله الدّود
إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رمّ
ومن بعد فلا بدّ من العرض إذا اعتدّ
صراط جسره مدّ على النّار لمن قد أمّ
فكم من مرشد ضلّ ومن ذي عزّة ذل
وكم من عالم زلّ وقال الخطب قد طم
فبادر أيّها الغمر لما يحلو به المرء
فقد كاد يهي العمر وما أقلعت عن ذم
***
قوله: «ينخر»، أي يبلى، والعود: تابوت الميت. رمّ: بلي: قال الفنجديهيّ: إلى أن ينخر العود، أي إلى أن يبلى الجسم الناعم الذي هو مثل القضيب، وقال الإلبيريّ:
[الطويل]
كأنّي بنفسي وهي في السّكرات تعالج أن ترقي إلى اللهوات
وقد رمّ رحلي واستقلّت ركائبي وقد آذنتني بالرّحيل حداتي
إلى منزل فيه عذاب ورحمة وكم فيه من زجر لنا وعظات
ومن أعين سالت على وجناتها ومن أوجه في التّرب منعفرات
ومن وارد فيه على ما يسرّه ومن وارد فيه على الحسرات
قوله: «اعتدّ» أي استعدّ، روى أبو بكر ﵁ عن النبيّ ﷺ، قال: «يحمل
[ ١ / ٣٢٥ ]
الناس يوم القيامة على الصّراط فيتقادع بهم جنبتا الصّراط تقادع الفراش في النار، فينجّي الله برحمته من يشاء» (١). التّقادع: التّهافت، كأنّ كل واحد منهم يقدع صاحبه كي يسبقه.
والجسر: بناء على النار يجاز عليه من جهة إلى أخرى. وأمّ: قصد. مرشد: هاد. ضلّ:
تحيّر. الخطب: الأمر الشديد. طمّ: عظم. الغمر: الجاهل بالأمور. والذي يحلو به المرّ: هو التوبة والأعمال الصالحة التي يصلح بها ما فسد. يهي: يضعف. أقلعت عن ذمّ، أي رجعت عن أمر مذموم، وقال ابن عبد ربه: [البسيط]
بادر إلى التوبة الخلصاء مجتهدا والموت ويحك لم يمدد إليك يدا
وارقب من الله وعدا ليس يخلفه لا بدّ لله من إنجاز ما وعدا
***
ولا تركن إلى الدّهر وإن لان وإن سر
فتلفى كمن اغتر بأفعى تنفث السّم
وخفّض من تراقيك فإنّ الموت لاقيك
وسار في تراقيك وما ينكل إن هم
وجانب صعر الخدّ إذا ساعدك الجدّ
وزمّ اللّفظ إن ندّ فما أسعد من زم
ونفّس عن أخي البثّ وصدّقه إذا نث
ورمّ العمل الرّثّ فقد أفلح من رم
***
قوله: «لا تركن»: تقول: ركنت إلى فلان، إذا اتّخذته ركنا تلجأ إليه، تلفى:
توجد. اغترّ: انخدع. تنفث: تبصق عند لدغها. خفّض: سكّن. تراقيك ارتفاعك وتكبرك. سار: ماش. والتراقي: العظمان المعوجّان على الصدر. ينكل: يضعف وينقطع. إن همّ: إن أرادك وهمّ بك، وفي معنى هذا قول أبي نواس- قال غانم الورّاق:
دخلت عليه قبل وفاته بيوم فقال لي: أمعك ألواحك؟ قلت: نعم، قال: اكتب:
[الخفيف]
دبّ فيّ السّقام سفلا وعلوا وأراني أموت عضوا فعضوا
ليس تمضي من لحظة لي إلّا نقصتني بمرّها بي جزوا
ذهبت جدّتي بطاعة نفسي وتذكّرت طاعة الله نضوا
قد أسأنا كلّ الإساءة فاللّ همّ صفحا عنّا وغفرا وعفوا
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٤٣.
[ ١ / ٣٢٦ ]
قوله: «نفّس»، أي وسّع نفسه، كأنه خنق فضاق نفسه، فأمر بحلّه. أخي البث:
صاحب الحزن. نثّ: نطق وكشف له سره. رمّ: أصلح، وقد رممت الشيء رمّا أصلحته. الرثّ: الخلق.
ورش من ريشه انحصّ بما عمّ وما خصّ
ولا تأس على النّقص ولا تحرص على اللّم
وعاد الخلق الرّذل وعوّد كفّك البذل
ولا تستمع العذل ونزّهها عن الضّم
وزوّد نفسك الخير ودع ما يعقب الضّير
وهيّئ مركب السّير وخف من لجّة اليم
بذا أوصيت يا صاح وقد بحت كمن باح
فطوبى لفتى راح بآدابي يأتم
***
رش: اجعل له ريشا. انحصّ: نتف ريشه، تقول: رشت الرجل، أي أعنته وأغنيته. بما عمّ وما خصّ، أي بما كثر من العطيّة وقلّ. تأس: تحزن: على النّقص، أي على النقصان في الصّدقة والمعروف، ولا تكن أيضا حريصا على جمعه ومنعه فمن احتاج إليه، واللمّ: جمع المال، ولممت الشيء لمّا. الرّذل: الرديء، يريد: عاد أخلاق البخل، أو الخلق السوء.
عائشة ﵂، قال النبي ﷺ: «ما من مسيء إلا وله توبة، إلا صاحب سوء الخلق لأنه لا يتوب من ذنب إلّا عاد في شرّ منه». والبذل: العطاء، وبذلت الشيء بذلا، أي أبحته عن طيب نفس. والعذل: اللوم، أي. من لامك على العطاء لا تسمعه وأعط، وأحسن ما قيل في ردّ العذل على كثرته قول زهير: [الطويل]
وأبيض فياض نداه غمامة على معتفيه ما تغبّ فواضله (١)
بكرت إليه غدوة فرأيته قعودا إليه بالصّريم عواذله
يفدّينه طورا، وطورا يلمنه وأعيا فما يدرين أين مخاتله
_________________
(١) البيت الأول في ديوان زهير بن أبي سلمى ص ١٣٩، وفيه «يداه غمامة» بدل «نداه غمامة»، والجنى الداني ص ٤٤١، وبلا نسبة في لسان العرب (غبب)، وتاج العروس (غبب)، (فضل)، والبيت الثاني في ديوان زهير ص ١٤٠، وفيه «بكرة فوجدته» بدل «غدوة فرأيته»، والأضداد ص ٤٢، ١٩٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٤١، ولسان العرب (حرم)، وتاج العروس (صرم)، وبلا نسبة في مغني اللبيب ٢/ ٦٥٢.
[ ١ / ٣٢٧ ]
فأقصرن فيه عن كريم مرزّإ صبور على الأمر الذي هو فاعله
قوله «نزّهها»، أي باعدها. عن الضمّ، أي عن ضمّ الأصابع على ما في الكفّ، يقول: ابسط كفّك بالعطية ولا تقبضها على ما فيها شحّا، قال ابن عبد ربّه: [البسيط]
يا قابض الكفّ لا زالت مقبّضة فما أناملها للناس أرزاق
وغب إذا شئت حق لا ترى أبدا فما لفقدك في الأحشاء إحراق
كأنّه قلب بيت ابن دريد في رجل من أهل البصرة: [الكامل]
يا من يقبّل كفّ كل ممخرق هذا ابن يحيى ليس بالمخراق
قبّل أنامله فلسن أناملا لكنّهنّ مفاتح الأرزاق
أخذه ابن دريد من إبراهيم بن العباس الصوليّ يمدح الفضل بن سهل: [المتقارب]
لفضل بن سهل يد تقاصر عنها المثل
فبسطتها للغنى وسطوتها للأجل
وباطنها للنّدى وظاهرها للقبل
وسرقه ابن الرومي فقال: [الكامل]
أصبحت بين خصاصة ومذلّة والحرّ بينهما يموت ذليلا
فامدد إليّ يدا تعوّد بطنها بذل النوال وظهرها التقبيلا
وقال ابن عبد ربه: [الطويل]
وما خلقت كفّاه إلا لأربع عقائل لم يعقل لهنّ ثواني
لتقبيل أفواه، وإعطاء نائل، وتقليب هنديّ وحبس عنان
قوله: «ودع ما يعقب الضير»، أي دع عنك شيئا يجيئك في أثره ضرر. المركب هنا: السفينة. واليمّ: البحر. واللجّة: معظم الماء، وجعل الميت كالمسافر، وضرب له البحر مثلا لكثرة ما يرى من الأهوال، فأمره بالاستعداد لذلك. يا صاح: يا صاحب. بحت. نطقت، يريد أنّ كلّ ما قدّم من الوصيّة إنما هو على وجه النصح، كما وصّي هو بها قبل ذلك، وأراد بقوله: «صاح» كلّ من يسمع وصيّته، لا صاحبا معيّنا. طوبى: شجرة في الجنة، وهي، عندهم «فعلى» من الطيب. يأتمّ: يقتدى بها في الظاهر، يريد أنه من اقتدى بهذه الوصية فطوبى له، وهو يريد: من حصل آداب المقامات كلها رأس.
***
ثمّ حسر ردنه عن ساعد شديد الأسر، قد شدّ عليه جبائر المكر لا الكسر،
[ ١ / ٣٢٨ ]
متعرّضا للاستماحة، في معرض الوقاحة، فاختلب به أولئك الملأ، حتى أترع كمّه وملأ؛ ثمّ انحدر من الرّبوة، جذلا بالحبوة.
قال الراوي: فجاذبته من ورائه، حاشية ردائه، فالتفت إليّ مستسلما، وواجهني مسلّما، فإذا هو شيخنا أبو زيد بعينه ومينه، فقلت له: [الهزج]
إلى كم يا أبا زيد أفانينك في الكيد
لينحاش لك الصّيد ولا تعبا بمن ذم
***
قوله: «حسر»، أي كشف. ردنه: كمّه. الأسر: الخلقة، ومنه قوله تعالى:
وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ [الإنسان: ٢٨]، أي خلقهم، وهو من الإسار، وهو القدّ الذي يشدّ به الأسير، فشرك الجلد هي الإسار- ويراد بها في الخلقة العصب- التي يشتدّ بها الجسد وتلتئم بها الأعضاء، وإليها حكم حركة البدن من القيام والقعود، فسبحان الذي أنشأ الخليقة كيف شاء! الاستماحة: الطلب، استفعالة، من ماح الرجل يميحه إذا أعطاه، وأصل ذلك من المائح، وهو النازل في قعر البئر ليغرف ماءها ويفرّقه على دلاء المستقين، وقد ماحالبئر ميحا. الوقاحة: ترك الحياء وصلابة الوجه، من الحافر الوقاح وهو الصّلب. ومعرضها: موضع عرضها ونشرها، وإن كسرت الميم وفتحت الراء فهو ثوب الوقاحة، لبسه لأنّ المعرض الثوب الذي تعرض فيه الجارية للبيع، والوقاحة:
إظهار ذراعه صحيحا مشدودا عليه بخرق، ليوهم من رآه أنه مكسور. اختلب: خدع، واحتلب بالحاء: حلب ما عندهم كما تحلب الشاة. الملأ: الجماعة. أترع: ملأ.
انحدر: هبط، والرّبوة، لغة في الرّباوة التي تقدّمت. جذلا: مسرورا. الحبوة: العطيّة.
جاذبته: نازعته. مينه: كذبه. أفانينك: أنواع كذبك وحيلك. ينحاش: ينضمّ ويجتمع، وحشت الصيد أحوشه، إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة. لا تعبأ، أي لا تبالي، من عبّأت الحلم للجهل، والخيل للحرب إذا أعددته، وإذا لم يبال بالشيء لم يستعدّ له.
***
فأجاب من غير استحياء، ولا ارتياء، وقال: [الهزج]
تبصّر ودع اللّوم وقل لي هل ترى اليوم
فتى لا يقمر القوم متى ما دسته تمّ!
فقلت له: بعدا لك يا شيخ النّار، وزامله العار، فما مثلك في طلاوة علانيتك، وخبث نيّتك، إلّا مثل روث مفضّض، أو كنيف مبيّض.
[ ١ / ٣٢٩ ]
ثمّ تفرّقنا، فانطلقت ذات اليمين، وانطلق ذات الشّمال، وناوحت مهبّ الجنوب، وناوح مهب الشّمال.
***
ارتياء: إبطاء، وهو «افتعال» من رؤية القلب، التي معناها التدبّر والتفكّر، وأصل بابه الهمزة، فنقلها لمكان همزة اللّام؛ يقول: أجاب من غير فكرة. يقمر: يغلب، وتقول: قامرت الرجل قمارا فقمرته أقمره، أي غلبته. دسته، أي حيلته، والدّست: الذي يكون لك فيه الغلب في الشطرنج، تقول: الدّست لي، والدّست عليّ. ومن ألفاظ عامّة المشرق أن يقول الرجل لصاحبه: هلمّ نأخذ دستا. تمّ: كمل. قوله: «زاملة»، أي حاملة، والزاملة: الدابّة يحمل عليها. طلاوة علانيتك، أي حسن ظاهرك. خبث نيّتك:
فساد باطنك، وفي معنى هذا قال لقمان لابنه: احذر واحدة- وهي أهل للحذر: إيّاك أن ترى أنك تخشى الله وقلبك فاجر؛ يحذّره من الرياء، وفي الحديث: «من أصلح سريرته أصلح الله علانيته».
وقيل لرجل مراء: ما أحسن صلاتك! قال: ومع هذا فإني صائم! قال الشاعر:
[الرمل]
وإذا أظهرت شيئا حسنا فليكن أحسن منه ما يسر
فمسرّ الخير موسوم به ومسرّ الشّر موسوم بشرّ
وقال محمود الوراق لابن أخيه: [الوافر]
تصوّف كي يقال له أمين وما معنى التصوّف والأمانة
ولم يرد الإله به ولكن أراد به الطريق إلى الخيانة
وقال فيه أيضا: [الكامل]
شمّر ثيابك واستعدّ لقائل واحكك جبينك للقضاة بثوم
وعليك بالفتوي فاجلس عنده حتى تصيب وديعة ليتيم
وقال الأبيض الإلبيريّ: [الكامل]
أهل الرياء لبستم ناموسكم كالذئب يصبح في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مالك وقسمتم الأموال بابن القاسم
وركبتم شهب البغال بأشهب وبأصبغ صبغت لكم في العالم
وقال آخر: [الكامل]
لا شيء أخسر صفقة من عالم لعبت به الدّنيا مع الجهال
[ ١ / ٣٣٠ ]
فغدا يفرّق دينه أيدي سبا ويديله حرصا لجمع المال
لا خير في كسب الحرام وقلّما يرجى الخلاص لكاسب لحلال
فخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلة فالفضل تسأل عنه أيّ سؤال
قوله: «مفضّض»، مطليّ بالفضة. والكنيف: المستراح. ذات: جهة وناحية.
ناوحت: قابلت. مهبّ: ناحية هبوبها. الجنوب: الريح القبليّة. والشمال [مقابل] الجنوبية.
[ ١ / ٣٣١ ]