حكى الحارث بن همام، قال: أزمعت الشّخوص من برقعيد، وقد شمت برق عيد، فكرهت الرّحلة عن تلك المدينة، أو أشهد بها يوم الزّينة. فلمّا أظلّ بفرضه ونفله، وأجلب بخيله ورجله، اتّبعت السّنّة في لبس الجديد، وبرزت مع من برز للتعبيد وحين التأم جمع المصلّى وانتظم، وأخذ الزّحام بالكظم، طلع شيخ في شملتين، محجوب المقلتين، وقد انتضد شبه المخلاة، واستقاد العجوز كالسّعلاة، فوقف وقفة مهافت، وحيّا تحيّة خافت. ولمّا فرغ من دعائه، أجال خمسة في وعائه؛ فأبرز منه رقاعا قد كتبن بألوان الأصباغ، في أوان الفراغ، فناولهنّ عجوزه الحيزبون، وأمرها بأن تتوسّم الزّبون، فمن آنست ندى يديه، ألقت منهنّ ورقة لديه، فأتاح له القدر المعتوب، رقعة فيها مكتوب
***
ازمعت الشخوص، أي عزمت على الخروج. برقعيد: بلد بينه وبين الموصل عشرون فرسخا، . شمت: نظرت.
ويريد بيرق عيد، مقدّمات العيد التي ينظر الناس بها في أسبابه، سأل رجل الجنيد، لماذا سمّي يوم العيد؟ فقال: لأنّ آدم لمّا خرج من الجنة، وأهبط إلى الأرض، ثم تاب الله عليه، فردّه إلى الجنة، كان في ذلك اليوم؛ فقيل له يوم عيد، لأنه أعيد إلى الجنة فيه، قال ابن الأنباريّ ﵀: معنى يوم العيد، الّذي يعود فيه الفرح والسرور. والعيد عند العرب: الوقت الذي يعود فيه الفرح أو الحزن، وأصله «العود» لأنه من عاد يعود، فلما سكّنت الواو وكسر ما قبلها قلبت ياء، فصارت من باب ميزان وميقات، وهما من الوزن والوقت، وكذلك الياء إذا سكنت، وانضمّ ما قبلها قلبت واوا مثل موسر وموقن، وهما من أيسر وأيقن، ويقولون في الجمع مياسر.
المدينة: البلد، من أخذها من مدن بالمكان يمدن، إذا أقام فيه، فهي «فعيلة» والجمع مدائن بالهمز، والميم أصلية والياء زائدة، ومن أخذها من دان يدين، فالميم
[ ١ / ١٩٠ ]
زائدة والياء أصلية، وهي «مفعولة». يقال: دنت الرّجل ملكته، ودنت له أطعت، ويقال للأمة مدينة لأنها مملوكة، قال الشاعر: [الطويل]
ربت وربا في حجرها ابن مدينة يظلّ على مسحاته يتركّل (١)
يعني عبدا: يوم الزينة: يوم العيد لتزيّن الناس فيه. قوله: «أظل»، أي قرب ودنا حتى دخلنا في ظلّه. بفرضه: يعني زكاة الفطر. ونفله: يعني صلاة العيد.
الفنجديهيّ: فرض العيد: صدقة الفطر، ونفل العيد مثل الصلاة والغسل ولبس الجديد من الثياب.
ابن عمر ﵄: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو شعير، على كل كرّ أو عبد، ذكر أو أثنى من المسلمين.
ابن عباس ﵄: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان لجبر الصيام من اللغو والرّفث طعمة للمساكين، فمن أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعدها فهي صدقة من الصدقات. أجلب بخيله ورجله، أي جمع أصحاب الخيل والرجّالة وجاء بهم، ضرب به المثل لإقباله وتصميمه على المجيء. لبس: لباس، وجاء في لبس الجديد حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته ولعيده».
جابر: كان للنبيّ ﷺ حلّة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة. برزت: خرجت.
التأم: التحم والتصق. المصلّى: موضع صلاة العيد. الزّحام: الضيق لكثرة الناس.
الكظم: تضييق النفس من شدة الزحام. شملتين: عباءتين، والشّملة: نوع من الأكسية، وقيل لها شملة لأنّ صاحبها يشتمل بها، أي يديرها حواليه، محجوب: مستور.
المقلتين: العينين، أراد أنه أعمى. اعتضد: علّقها في عضده. استقاد: جعلها تقوده.
السّعلاة: أنثى الغول، وذكرها يسمّى الكعنكع، وأنشدوا: [الرجز]
* غولا تراعي شرسا كعنكعا (٢) *
والغول: جنّ مسكنها الصحارى تتراءى للإنسان كأنها إنسان فلا يزال يتبعها حتى
_________________
(١) البيت للأخطل في ديوانه ص ١٥٥، ولسان العرب (ركل)، (دين)، (مدن)، وتهذيب اللغة ١٠/ ١٨٨، ١٤/ ١٤٥، ١٨٢، وتاج العروس (ركل)، (دين)، (مدن)، وكتاب العين ٥/ ٣٥٣، ٨/ ٥٣، ومقاييس اللغة ١/ ٣٣٤، ٢/ ٣١٩، ٤٣٠، وأساس البلاغة (ركل)، والمخصص ١٣/ ١٩٩، ومجمل اللغة ٢/ ٤١٣، والبيت بلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٦٨٤.
(٢) يروى الرجز: كأنّها وهو إذا استبّا معا غول تداهي شرسا عكنكعا وهو بلا نسبة في تاج العروس (عكنكع)، ومقاييس اللغة ٤/ ١٢.
[ ١ / ١٩١ ]
يضلّ الطريق فيهلك. قوله: «متهافت»، أي متساقط لضعفه، وتهافت الشيء في يدي:
تناثر. خافت: خفيّ الصوت، وقد خفت الرجل، إذا ظهر عليه الضعف من مرض أو جوع أو غير ذلك، وأصل خفت مات هزالا. فرغ: أتمّ أجال: مشى وصرّف. خمسه:
أصابعه. في وعائه، يعني المخلاة التي اعتضدها، وهي تعليقة يعلّقها السائل في عنقه أو ذراعه، ويجعل فيها ما يعطى من الصّدقة. أبرز: أخرج. أوان: وقت. الفراغ: قلّة الشغل. ناولهنّ: أعطاهنّ. الحيزبون: المسنّة القويّة الخلق. تتوسّم: تنظر. الزّبون:
المنخدع عن ماله «فعول» بمعنى «مفعول»، وهو من ألفاظ أهل المشرق، وأراد به الكثير الصدقة، آنست: أبصرت ندى: كرم. أتاح: ساق. القدر المعتوب: الملوم. [الهزج]
لقد أصبحت موقوذا بأوجاع وأوجال
وممنوّا بمحتال ومختال ومغتال
وخوّان من الإخوا ن قال لي لإملالي
وإعمال من العمّا ل في تضليع أعمالي
فكم أصلى بأذحال وأمحال وترحال
وكم أخطر في بال ولا أخطر في بال
فليت الدّهر لمّا جا ر أطفا لي أطفالي
فلولا أنّ أشبالي أغلالي وأعلالي
لما جهّزت آمالي إلى آل ولا والي
ولا جرّرت أذيالي على مسحب إذلالي
فمحرابي أحرى بي وأسمالي أسمى لي
فهل حرّ يرى تخ فيف أثقالي بمثقال
ويطفي حرّ بلبالي بسربال وسروال!
***
قوله: «موقوذا»، أي مشرفا على الموت من شدّة الأوجاع والأوجال، والموقوذة في القرآن (١): المقتولة بالخشب، والوقذ: شدة الضرب. أو جال: مخاوف. ممنوّا:
مبتلى. محتال: ماكر كثير الحيلة. مختال: متكبّر. مغتال: مهلك. خوّان: كثير الخيانة.
ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ: «قلّما يوجد في آخر الزمان درهم من حلال، أو أخ يوثق به». قال: مبغض. إقلالي: فقري. إعمال: جدّ وبحث، تقول:
أعملت الشيء في الشيء، إذ جعلته يعمل فيه. والعمال: عاملو كلّ شيء. تضليع:
_________________
(١) أي قوله تعالى: وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ [المائدة: ٣].
[ ١ / ١٩٢ ]
إفساد. أعمال: جمع عمل، يريد أنه مطلوب يبحث على أعماله إذا أتى بها مجموعة فتنقض أعماله وتصير له أضلاعا بعد اجتماعها، وذلك فساد لها. ويحتمل أن يكون التّضليع من «ضلعك مع فلان». أي ميلك معه، فأعماله تميل عن طرقها فتفسد. وقيل:
تضليع الأعمال: تثقيلها، قال الأزهريّ ﵀: ضلع الدين. ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء لثقله، وفي الحديث: «أعوذ بالله من ضلع الدّين». أصلى: أحترق. أذحال:
أحقاد وعداوات. إمحال: فقر. ترحال: سفر ونقلة من بلد إلى بلد. أخطر: أمشي متبخترا، وقد خطر الرجل، إذا أقبل بيديه وأدبر بهما، وهي مشية الشبّان. بال: خلق.
ولا أخطر في بال: لا أمرّ على بال أحد ولا خاطره. جار: مال عن الحق ولم يعدل.
أطفأ: أمات. أطفالي: أولادي، ومثله: أشبالي.
الفنجديهيّ: يقول: ليت الدّهر لمّا ظلم أولادي، وجار عليهم أماتني لأتخلّص، فإنّ مقاساة الولائد سبب الوقوع في المصائد. قال ابن عيينة: قلت لصيّاد: أيّ طائر أسرع إلى مصايدكم؟ قال: الذي يزقّ، يعني الذي يطعم ولده. أغلالي: قيودي. والأعلال:
جمع علّ، وهو القراد الضخم، وهو الذي يلصق بأفخاذ الدوابّ، وهو كثير التشبّث والالتصاق، لا يقلع إلا بجهد، فيريد بالأغلال أولاده لأنهم قيوده فلا يسرح بسببهم، وبالأعلال أنهم قد تعلّقوا به يطلبون ما عنده، وقال الشاعر يصف ناقته: [الطويل]
* ولو ظلّ في أوصالها العلّ يرتقي (١) *
ويقال للقراد: الطّلح والفينق والحجير والعلّ والبرام والقرشوم واللّبود في بعض اللغات. جهّزت: أرسلت. آل: قريب، وآل: أهل، أو يكون آل أميرا وسائسا؛ قال عمر ﵁: ألنا وأيل علينا، أي سسنا الناس وساسنا غيرنا، فيكون على هذا مقلوبا من «آيل»، كما قيل: سار في سائر مسحب: طريق. يقول: لولا ظلّ الأولاد ما قصدت واليا، ولا جررت ذيلي في طريق ذلّ، ويقال: سحب ذيله سحبا إذا جرّه، والمسحب:
موضع جرّه ثوبه محرابي: مسجدي. أحرى: أحق بي. أسمالي. أثوابي الخلقة. أسمى لي: أعزّ لي وأرفع لقدري. أثقالي: همومي أو ديوني، أو كثرة عيالي وأحدها ثقل، وثقل الشيء ثقلا ضدّ خفّ، وأثقل الرجل: كثر عياله. بلبالي: حزني، والبلبال:
وسواس الهموم. سربال: قميص. والسروال: معروف، وفي الحديث أن امرأة سقطت من على حمار فأعرض النبيّ ﷺ بوجهه عنها، فقالوا: إنها متسرولة، فقال النبيّ ﷺ:
«اللهمّ اغفر للمتسرولات من أمّتي- ثلاثا- يا أيّها الناس اتخذوا السراويلات فإنها من أستر ثيابكم، وحضّوا بها نساءكم إذا خرجن».
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٧٤، والأطعمة باب ٢٨، والدعوات باب ٣٥، وأبو داود في الوتر باب ٣٢، والنسائي في الاستعاذة باب ٨، ٢٥، ٤٥، والترمذي في الدعوات باب ٧٠، وأحمد في المسند ٣/ ٢٢٦.
[ ١ / ١٩٣ ]
ومن ملح الصاحب بن عبّاد أن بعض الشعراء كتب له: [المتقارب] (١)
أيا من عطاياه تعطى الغني إلى راحتي من نأي أو دنا
كسوت المقيمين والزائرين كسا لم يخل مثلها ممكنا
وخاشية الدار يمشون في ثياب من الخزّ إلّا أنا
فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أن رجلا قال له: احملني أيّها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثم قال له: لو علمت أنّ الله خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه. وقد أمرنا لك من الخزّ بجبّة وقميص ودرّاعة وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس، ولو علمنا لباسا غير هذا من الخزّ لأعطيناكه. ثم أمر بإدخاله إلى الخزانة؛ وصبّ تلك الخلع عليه.
وأخبار الصاحب مستظرفة كثيرة الملح.
قال الحارث بن همام: فلمّا استعرضت حلّة الأبيات، تقت إلى معرفة ملحمها، وراقم علمها. فناجاني الفكر بأنّ الوصلة إليه العجوز، وأفتاني بأنّ حلوان المعرّف يجوز؛ فرصدتها وهي تستقري الصّفوف صفّا صفّا؛ وتستوكف الأكفّ كفّا كفّا، وما إن ينجح لها عناء، ولا يرشح على يدها إناء، فلمّا أكدى استعطافها، وكدّها مطافها، عاذت بالاسترجاع، ومالت إلى إرجاع الرّقاع، وأنساها الشّيطان ذكر رقعتي، فلم تعج إلى بقعتي، وآبت إلى الشّيخ باكية للحرمان، شاكية تحامل الزّمان؛ فقال: إنّا لله، وأفوّض أمري إلى الله، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله! ثمّ أنشد: [مخلع البسيط]
لم يبق صاف ولا مصاف ولا معين ولا معين
وفي المساوي بدا التّساوي فلا أمين ولا ثمين
***
قوله: «ملحمها»، ناسجها، ولما جعل الشّعر حلّة جعل له ناسجا وراقما. ناجاني:
حدّثني. الوصلة: الموصّلة. استعرضت، أي نظرت وعرضتها على نفسي. تقت:
_________________
(١) صدره: ظللت ثلاثا لا نراع من الشذا والبيت للممزق العبدي في الأصمعيات ص ١٦٥، والحيوان ٥/ ٤٤١، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ١٥٧.
[ ١ / ١٩٤ ]
اشتقت. أفتاني، أعلمني. الحلوان: أجر الكهّان، وأراد أجرة العرّاف، وهو الذي يعرّف بالتلائف الملتقطة أربابها، فيفتكّونها منه بما اتّفقوا عليه، فذهب مالك أنّ من عرّف اللّقطة، وكان من شأنه أخذ الجعل على مثل ذلك، فله أجرة مثله، والشافعيّ لا يوجب له حقّا؛ سواء كان من شأنه أن يعرّف باللّقطة أو لم يكن، تعب في ذلك أو لم يتعب، إلّا أن يشترط قبل الطلب.
رصدتها: ارتقبتها. تستقري: تتبع؛ واقتريت الأرض واستقريتها، تتبّعتها متأمّلا.
تستوكف: تستمطر. ينجح: ينفع ويؤثّر؛ يقال: نجحت الحاجة إذا انقضت، ونجح طالبها إذا لم يخب، وأنجح: أشهر؛ يقول: إن مشيها عليهم لم يقض حاجتها ولا نفعها.
وقصد برشح الإناء كرم الكفّ؛ يقول: لم يرشح لها كفّ بعطيّة. أكدي: خاب وصعب، ويقال: أكدي الحافر، وهو أن يحفر البئر يطلب الماء، فإذا بلغ إلى الصّلابة ويئس من الماء ولم يقدر على الحفر قيل له: أكدي فهو مكد، والكدية هي الصلابة التي يتعذّر حفرها. استعطافها: تليينها القلوب. كدّها: أتعبها. مطافها: مشيها وطوفها على الناس، ويحسن أن ينشد هنا في حالها لأبي نواس: [الطويل]
إذا لم يعنك الله فيما تريده فليس لمخلوق إليه سبيل
وإن هو لم يرشدك في كلّ مسلك ضللت، ولو أنّ السّماك دليل
غيره: [الطويل]
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده
عاذت: تعوّذت ولاذت. الاسترجاع؛ قولهم: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وفي حديث أم سلمة ﵂ عن النبيّ ﷺ: «ما قال أحد عند المصيبة إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهمّ أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها؛ إلا استجيب له» (١).
ارجاع: ردّ. تعج: تميل وترجع. بقعتي: موضعي. آبت: رجعت. الحرمان:
الخيبة والمنع. تحامل: مشقّات، وتحاملت في الأمر: تكلفته على مشقة. أفوّض: أردّ.
لا حول، أي لا حيلة، يقال: ما له حيلة ولا حول، وما له احتيال ولا محتال، ولا محالة ولا محيلة؛ كلّه بمعنى. ويقال: ما له محال بالفتح، أي حول، ومحال بالكسر، أي مكر. ثعلب: هو من قولهم: محل به؛ إذا سعى به إلى السلطان وعرّضه للهلاك.
ومحل به القرآن: شهد عليه بالتّقصير؛ وقال الفرّاء: المحالة على ثلاثة أقسام؛ هي
_________________
(١) روي بطرق وأسانيد متعددة. أخرجه مسلم في الجنائز حديث ٣، ٤، وأبو داود في الجنائز باب ١٨، والترمذي في الدعوات باب ٨٣، وابن ماجة في الجنائز باب ٥٥، ومالك في الجنائز حديث ٤٢، وأحمد في المسند ٦/ ٣٠٩، ٣٠٣، ٣١٧، ٣٢١.
[ ١ / ١٩٥ ]
الحيلة، والّتي تجعل على رأس البئر كالبكرة، وواحدة محال الظهر وهي فقاره. ويقال:
أخذت في الحولقة، والحوقلة، إذا قلت: لا حول ولا قوّة إلا بالله، وينتصب «لا حول ولا قوّة» بالتبرئة، وإن شئت رفعتهما بالابتداء، «وبالله» خبر «قوّة»، وحذفت خبر «لا حول» لدلالة الثاني عليه، وإن شئت رفعت «حول» بالابتداء، ونصبت «قوة» بالتبرئة، وإن شئت نصبت «حولا» بالتبرئة ورفعت «قوّة» بالعطف على موضع «لا حول»، وإن شئت نصبت «قوّة» بالتنوين عطفا على اللفظ.
وقوله: «صاف»، أي خالص الودّ. مصاف: صادق في ودّه. معين: ماء كثير، يريد صاحب كرم كثير. معين: يعين بماله. المساوي: ضد المحاسن، واحدها «سوء» على غير قياس، وقيل لا واحد لها. بدا: ظهر. الثمين: النفيس الغالي الثمن؛ يقول: إنّ الناس قد استووا في الأفعال السيّئة، وأراد قوله ﷺ: «لا يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا استووا هلكوا»، ومعناه أنّ الناس في الغالب إنّما يتساوون في الشرّ، ولا تجدهم كلّهم فضلاء لأنّ الخير قليل.
قال أبو العباس التّطيليّ فيما يتعلّق بهذا المعنى: [البسيط]
والنّاس كالناس إلّا أن تجرّبهم وللبصيرة حكم ليس للبصر
كالأيك مشتبهات في منابتها وإنما يقع التفضيل بالثمر
وقال التّهاميّ:
ومن الرّجال معالم ومجاهل ومن النّجوم غوامض ودراري
ولربّما اعتضد الحليم بجاهل لا خير في يمنى بغير يسار
والنّاس مشتبهون في إيرادهم وتفاضل الأقوام بالإصدار
***
ثمّ قال لها: منّي النّفس وعديها، واجمعي الرّقاع وعدّيها، فقالت: لقد عددتها لمّا استعدتها، فوجدت يد الضّياع، قد غالت إحدى الرّقاع، فقال: تعسا لك يا لكاع، أنحرم ويحك القنص والحبالة، والقبس والذّبالة! إنّها لضغث على إبّالة. فانصاعت تقتصّ مدرجها، وتنشد مدرجها؛ فلمّا دانتني قرنت بالرّقعة، درهما وقطعة، وقلت لها: إن رغبت في المشوف المعلم- وأشرت إلى الدّرهم- فبوحي بالسرّ المبهم. وإن أبيت أن تشرحي، فخذي القطعة واسرحي. فمالت إلى استخلاص البدر التّمّ، والأبلج الهمّ، وقالت: دع جدالك، وسل عمّا بدا لك، فاستطلعتها طلع الشّيخ وبلدته، والشّعر وناسج بردته.
***
[ ١ / ١٩٦ ]
قوله: «عديها»، أي طمّعيها. استعدتها: رددتها. غالت: أهلكت، واستعار للتضييع «يدا» مجازا. تعسا: هلكا، والتّعس: الدّعاء ألّا تقال عثرته يا لكاع: يا لئيمة يا منتنة، واللّكاع: وسخ الفرج. واللّكع: ولد الحمار. القنص: الصيد.
الحبالة: الشبكة، وصفة الحبالة أن يعمد لحبل من شعر مخلوط بيسير من صوف، فذلك أقوى له، فيعقد في أحد طرفيه عين يجري فيها الحبل، ويربط في الطرف الثاني خشبة، وربّما حدّدوا طرفها، ثم يأتون إلى الطريق الذي يدخل منه الصيد إلى الماء فيحفرون فيه حفرة فيغطّونها بورق الشجر وشبهها، ويفتحون عليها عين الحبل، ثم يغطّونها بالتراب والزّبل، حتى تصير في طبع الأرض، فإذا أقبل الصيد للماء، فوضع يده أو رجله في الحفرة، سقطت به، وانضمّ على يده أو رجله الحبل، فيثب فازعا ويفرّ، فتتبعه تلك الخشبة، فكلّما انتفض أقبلت عليه، فتضربه بين يديه ورجليه وبطنه وظهره، فتوهي أعضاءه، وربّما كسرت يديه أو رجليه، فلا يسير بها قدر ميل، حتى يقف موقوذا منها، فيأتيه الصائد فيأخذه، وأنواع الحبالة كثيرة.
قوله: «القبس»، يريد به نور المصباح، والذّبالة: الفتيلة. ضغث: حزمة من حشيش صغيرة، وأصلها جماعة القضبان، وشبهها من النبات، يجمعها أصل واحد، وكلّ ما جمعت عليه كفّك من حشيش أو عيدان فانتزعته من أصله ضغث. إبّالة: حزمة كبيرة، والضّغث على الإبّالة مثل حزمة الحطّابإذا حملها للبيع، وجعل فوقها حزيمة صغيرة لنفسه؛ فالكبيرة إبّالة والصغيرة ضغث، فكأنه قال: إنها خسارة على خسارة، ويقال لها:
إبالة وأبيل وأبيلة، وضغث على إبّالة، مثل أخذه من قول الشاعر: [مجزوء الكامل]
في كلّ يوم من ذؤاله ضغث يزيد على إبّاله (١)
وقال آخر وذكر ناقته: [البسيط]
ردّت عواري غيطان الفلا ونجت بمثل إبّالة من خالص الشّعر
وهذا مثل قول حبيب: [الطويل]
فكم جزع واد جبّ ذروة غارب وبالأمس كانت أتمكته جوانبه (٢)
قوله: «انصاعت»، أي ذهبت نافرة وانثنت مسرعة، وكلّ ما ثنيته ولويته بسرعة؛ فقد صعته صوعا، وكذلك إذا جمعته وفرّقته، فذهب عنك بسرعة، وصاع الشجاع القوم
_________________
(١) البيت لأسماء بن خارجة في لسان العرب (حشأ)، (أوس)، (أبل)، (ذأل)، وتاج العروس (حشأ)، (ذأل)، (هبل)، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٣٨٠، ١٠٢٧، وتهذيب اللغة ٥/ ١٣٨، والمخصص ٨/ ٦٦، ١٣/ ١٧٧، وديوان الأدب ٤/ ١٧٧.
(٢) البيت في ديوان أبي تمام ص ٤٤.
[ ١ / ١٩٧ ]
في الحرب؛ إذا جمعهم بهيبته ثم صدمهم، ففروا سراعا متفرّقين، وكلّ نافر مسرع منصاع، وقال ذو الرمّة في الخمر: [البسيط]
رمى فأخطأ والأقدار غالبة فانصعن والويل هجّيراه والحرب (١)
تقتصّ، أي تتبع. مدرجها: طريقها الّتي مشت فيها لتفريق الرقّاع، ويقال: درج الشيخ والصبيّ درجا ودرجانا، إذا تقاربت خطاهما، والمدرج: الموضع الذي درجا فيه، والمدرجة: قارعة الطريق. تنشد: تطلب من نشدت الضّالّة، ومدرجها: رقعتها، ويقال:
أدرجت الكتاب والثوب طويتهما. القطعة: عند أهل المشرق: الواحدة من صرف يعرّفونه الحندوس، يعمدون إلى دراهمه فيقطعونها قطعا، فهي صرفهم، وبها يتصدقون، فأراد أنه قرن برقعة الشعر درهما، وقطعة من الحندوس، وقال لها: إن خبرتني بقائل الشعر، فخذي الدرهم أجرة، وإن أبيت أن تعرّفيني به فخذي القطعة صدقة وانصرفي. المشوف:
المصقول المجلوّ، والشوف: الجلاء، والمعلم: المنقوش، ونقشه علامته، وقيل: هو الذي عليه علامة الملك، وأخذه من قول عنترة: [الكامل]
ولقد شربت من المدامة بعد ما ركد الهواجر بالمشوف المعلم (٢)
بوحي. تكلمي. المبهم: المغلق الملبس. أبيت: امتنعت. اسرحي: اذهبي.
استخلاص: تخليص، واستخلص الشيء، جعله خالصا. التمّ: الكامل. والأبلج: النقيّ الأبيض، وفعله إبلاجّ كاحمارّ. الهمّ: الكبير الذي يهمّ به من رآه، وشيخ همّ: مسنّ، والهمّ:
الرقيق النحيف، وهو من همته النار إذا أذابته، وهممت الشحم: أذبته. استطلعتها طلعه:
استخبرتها خبره، وسألتها أن تطلعني عليه، وتقول: استطلعت طلع الشيء، إذا حاولت الاطلاع عليه، وأردت معرفة خبره الّذي تطلع منه عليه، وطلع بالكسر. بردته: ثوبه.
***
فقالت: إنّ الشّيخ من أهل سروج، وهو الّذي وشّى الشعر المنسوج، ثمّ خطفت الدّرهم خطفة الباشق، ومرقت مروق السّهم الرّاشق، فخالج قلبي أنّ أبا زيد هو المشار إليه، وتأجّج كربي لمصابه بناظريه، وآثرت أن أفاجيه وأناجيه، لأعجم عود فراستي فيه، وما كنت لأصل إليه إلّا بتخطّي رقاب الجمع، المنهيّ عنه في الشّرع، وعفت أن يتأذّى بي قوم، أو يسري إليّ لوم، فسكدت بمكاني،
_________________
(١) البيت في ديوان ذي الرمة ص ٧١، ولسان العرب (هجر)، وتهذيب اللغة ٦/ ٤٣، وكتاب الجيم ٣/ ٣٢٥، وجمهرة أشعار العرب ص ٩٥٣، وتاج العروس (هجر)، وأساس البلاغة (هجر).
(٢) البيت لعنترة في ديوانه ص ٢٠٥، ولسان العرب (شوف)، (علم)، وتهذيب اللغة ٢/ ٤٢٠، ١١/ ٤٢٥، وجمهرة اللغة ص ٨٧٥، ومقاييس اللغة ٣/ ٢٢٩، وتاج العروس (شوف)، وكتاب العين ٦/ ٢٨٩، وبلا نسبة في المخصص ١٣/ ١٤٣.
[ ١ / ١٩٨ ]
وجعلت شخصه قيد عياني، إلى أن انقضت الخطبة، وحقّت الوثبة، فخفقت إليه، وتوسّمته عليّ التحام جفنيه، فإذ ألمعيّتي ألمعيّة ابن عبّاس، وفراستي فراسة إياس.
***
وشّى: زيّن ورقّم. خطفت: أخذت بسرعة. الباشق: من جوارح الطير. مرقت:
خرجت بسرعة. الرّاشق: الّذي يرشق الصيد، أي ينشبه، ويكون الراشق بمعنى المرشوق، كقوله تعالى: مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦]، أي مدفوق. قوله: «خالج»، أي داخل وجاذب. تأجّج: اشتعل. كربي: همّي، والتأجّج «التفعّل» من الأجيج، وهو تصويت النار ولهبها إذا اشتعلت وعظمت. آثرت: اخترت وفضّلت، وآثرته بكذا: فضّلته به والإيثار المصدر. أفاجيه: آتيه فجأة وهو لا يشعر. أناجيه: أحدّثه. أعجم: أجرّب.
فراستي: نظري، وجعل لها عودا مجازا. تخطّى رقاب الجمع: الجواز على أعناق الناس؛ خرّج الترمذيّ في النهي عن ذلك، قال: قال رسول الله ﷺ: «من تخطّى رقاب الناس يوم الجمعة اتّخذ جسرا إلى جهنم» (١).
عفت: كرهت. يتأذّى: يصيبهم أذى. يسري: يصل. اللوم: ضدّ الحمد، وهو أن تأخذ الإنسان بلسانك ذمّا لما فعل. سكدت: التصقت ولزمت. قيد عياني: غرض نظري، أي قيّدت نظري فيه. انقضت: تمّت. حقّت الوثبة، أي وجبت القفزة إليه.
خففت: أسرعت. توسّمته: نظرته. التحام: التصاق وانغلاق. ألمعيّتي: ذكائي وصدق ظنّي، والألمعيّ، هو الذي يظن بك الظّنّ، ولا يخطئ، وهو اليلمعيّ من اللّمعان، كأنه يلمع لذكائه وجودة فطنته، وقال أوس: [المنسرح]
الألمعيّ الذي يظنّ بك الظّنّ كأن قد رأى وقد سمعا (٢)
ولا يبيّن أحد الألمعيّ بأحسن مما بيّنه أوس، فإذا سئلت: ما الألمعيّ؟ فأنشدت بيته تأت بالجواب الشافي.
والفراسة، أن تنظر الشيء فتستدلّ بظاهره على باطنه، وبما حضر على ما غاب، وقيل: الألمعيّة أن ترى الشيء على بعد فتعرفه وتحقّقه، والفراسة أن ترى الرجل بين يديك فتحكم عليه بما أضمر، أو بما يريد أن يفعله، فالألمعيّة في البعد، والفراسة في
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في الإقامة باب ٨٨، وأبو داود في الطهارة باب ١٢٧، والترمذي في الجمعة باب ١٧، والنسائي في الجمعة باب ٢٠، وأحمد في المسند ٣/ ٤١٧، ٤٣٧، ٤/ ١٩٠.
(٢) البيت لأوس بن حجر في ديوانه ص ٥٣، ولسان العرب (حظرب)، (لمع)، وتهذيب اللغة ٢/ ٤٢٤، وديوان الأدب ١/ ٢٧٣، وكتاب الجيم ٣/ ٢١٤، وديوان الأدب ١/ ٢٧٣، وكتاب الجيم ٣/ ٢١٤، والكامل ص ١٤٠٠، وذيل أمالي القالي ص ٣٤، ومعاهد التنصيص ١/ ١٢٨، ولأوس أو لبشر بن أبي خازم في تاج العروس (لمع)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٥/ ٢١٢.
[ ١ / ١٩٩ ]
القرب، وكيف اختلفت الألمعيّة والفراسة، فالظنّ الصادق يجمع بينهما.