روى الحارث بن همّام قال: حضرت ديوان النّظر بالمراغة، وقد جرى به ذكر البلاغة؛ فأجمع من حضر من فرسان اليراعة، وأرباب البراعة، على أنّه لم يبق من ينقّح الإنشاء، ويتصرّف فيه كيف شاء، ولا خلف، بعد السّلف، من يبتدع طريقة غرّاء، أو يفترع رسالة عذراء، وأنّ المفلق من كتّاب هذا الأوان، المتمكّن من أزمّة البيان، كالعيال على الأوائل، ولو ملك فصاحة سحبان وائل.
***
ديوان النظر، أي مجلس المناظرة. المراغة: بلدة من كور أذربيجان. اليراعة:
القلم قبل أن يبرى ويسوّى، فإذا بري وسوّي قيل له قلم، وبقي عليه الاسم الأوّل وهو اليراعة، واليراع: القصب. أرباب البراعة: أصحاب أصالة الرأي. والبارع: الأصيل الجيّد الرأي، ويقال: برع يبرع بروعا وبراعة، إذا فاق في السؤدد. وينقّح: يحسن ويخلّص. الإنشاء. الكتابة. خلف: بقي. السلف: المتقدمون، وسلفوا: ذهبوا وتقدّموا.
يبتدع: يحدث. طريقة: حالة موصوفة، وطريقة فلان كذا، أي حالته التي هو عليها.
غرّاء: واضحة مشهورة لم يقل أحد مثلها. وغرّة الشيء: أوّله. يفترع: يفتضّ. عذراء:
بكر، سمّيت عذراء لصعوبة جماعها، وتعذّر الشيء: تصعّب، وافتراع البكر: إدماؤها وإزالة ما تصعّب منها، وكلّ ما أدميته فقد فرعته وافترعته، فمعنى يفترع رسالة عذراء أي يأتي برسالة قد تصعّب طريقها على غيره، فاقتدر هو على سلوك طريقها والإتيان بها.
المفلق: الفصيح المعرب الذي يأتي بالفلق؛ وهو الشيء العجيب. الأوان: الوقت.
العيال: من يتّكل في مئونته على غيره ولا يقوم بنفسه، وعال الرجل عيلة إذا افتقر، وعلته عولا: قمت بمؤنته، فيريد أن كتّاب هذا الزمان عيال على من تقدّمهم حيث افتقروا إلى الأخذ من كلامهم.
وقد وعدنا أن نذكر سحبان فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
***
وكان بالمجلس كهل جالس في الحاشية، عند مواقف الحاشية، فكان كلّما
[ ١ / ١٥٧ ]
شطّ القوم في شوطهم، ونثروا العجوة والنّجوة من نوطهم، ينبئ تخازر طرفه، وتشامخ أنفه، أنّه مخرنبق لينباع، ومجرمّز سيمدّ الباع، ونابض يبرى النبال، ورابض يبغي النّضال. فلمّا نثلت الكنائن، وفاءت السّكائن، وركدت الزّعازع، وكفّ المنازع، وسكنت الزّماجر، وسكت المزجور والزاجر، أقبل على الجماعة، وقال:
***
الكهل: التامّ الخلق، بين الشابّ والشيخ. الحاشية: طرف المجلس. والحاشية الثاني. الأتباع وخدمة القوم، وأصلها رذال المال وصغاره، قال يعقوب: الحاشية والحواشي والحشو: صغار الإبل، وأنشد: [الرجز]
* جلّلتها والأخر الحواشيا (١) *
ل: جرى. شوطهم: طلقهم. نثروا: ألقوا عليها. العجوة: التمرة الطيبة.
والنجوة: الرديئة، هكذا كان يفسّرها شيخنا أبو بكر بن أزهر عن ابن جهور، وما وجدت في كتاب لغة أن النّجوة اسم للتّمرة الرديئة، وقد بحث عنها بعض أصحابنا غاية البحث في كلّ كتاب فيه ذكر النخل والتّمر، فأخبرني أنه ما وجد لها ذكرا، وأظنها لغة بصرية متعارفة بينهم في التمر الرديء، لا أنها لغة عربية، فاستعملها كما استعمل غيرها من لغة بلده، لأن البصرة أكثر بلاد الله نخلا، فيسمون كل نوع من التمر باسم، والتمر تكثر أنواعه عندهم. ورأيت أكثر أهل سجلماسة لا يكادون يحصون أنواعه لكثرتها، ورأيت بها نوعا من التمر زعموا أنه لا يطيب أبدا، وإنما حاله أن ينكمش على نواه، فلا تجد إلا جلدا يابسا على النواة، فيعلفونه المعز، فيحتمل أن يكون مثل هذا في نخل البصرة يسمّى نجوة، ويقابل بالعجوة التي هيأشرف التمر وأطيبه. وأما من فسر النّجوة هنا بالمرتفع من الأرض، فلا معنى له. الفنجديهي: النّجوة، قيل: إنها لفاظة التمر إذا سقطت لا يبالي بها، فإن صحّت روايتها فكأنها سمّيت بالنجوة التي هي العذرة. نوطهم: وعاء تمرهم، قال أبو حنيفة: النّوطة: الجلّة الصغيرة من جلال التمر، والجلّة: الوعاء الذي يكنز فيه التمر، وكلّ وعاء له علاقة فهو نوطه، والجمع نوط، وقد ناطه ينوطه، إذا علقه، فأراد: ألقوا الكلمة الجيدة والرديئة من كلامهم. ينبئ: يخبر. تخازر طرفه: كسر عينيه بالنّظر، وتخازر: نظر بمؤخر عينيه، وهو نظر المنكر للشيء. تشامخ: ارتفاع، وهو فعل المستحقر للشيء مخرنبق: متهيّئ. لينباع: لينهض، وفسره أبو عبيدة في الأمثال، فقال: المخرنبق: المطرق الساكت، لينباع. ليثب إذا أصاب فرصة، قال: ومعناه أنه
_________________
(١) يروى الرجز: ترى المصكّ يطرد العواشيا جلّتها والأخر الحواشيا وهو بلا نسبة في لسان العرب (صكك)، (عشا)، وتاج العروس (صكك)، (عشا).
[ ١ / ١٥٨ ]
سكت لداهية يريدها، وقيل: المخرنبق: الساكت على السّوء. لينباع: ليظهر الذي في ظنه في الشرّ. مجرمّز: منقبض، وهو كقول النابغة:
وقلت يا قوم إنّ الليث منقبض على براثنه للوثبة الضاري (١)
فأخذه ابن الرومي فقال: [الطويل]
سكن سكونا كان رهنا بوثبة غماس كذاك اللّيث للوثب يلبد
نابض: رام، ويقال: أنبض القوس، إذا جذب وترها ثم أطلقه ليختبر شدّتها.
ونبض العرق: تحرّك، فيكون: «نابض» على النسب، أو على حذف الزائد. الفنجديهيّ:
أورد أبو الحسين بن فارس اللغويّ في كتابه المجمل أنّ نبض لغة في أنبض، وهما بمعنى واحد، قال الشاعر: [الطويل]
فإن أباها مقسم بيمينه لئن نبضت كفّي فإني لنابض (٢)
فصحّ بهذا قوله. رابض: لاطئ بالأرض، وربضت الشاة: اضطجعت. يبغي النّضال، أي يطلب المراماة، وأراد أنه يريد أن يلقي عليهم المسائل ليجاذبوه. قوله:
«نثلت»، أي نفضت وصبّ ما فيها. الكنائن: الجعاب، وهي أوعية السهام. فاءت:
رجعت. السكائن: جمع سكينة، وهي الوقار، يريد: أتمّ أهل المجلس كلامهم فسكتوا.
ركدت: سكنت. الزعازع: الرياح الشديدة المزلزلة، واحدها زعزع. كفّ المنازع:
أمسك المخالف، يريد انقطع كلامه.
***
لقد جئتم شيئا إدّا، وجرتم عن القصد جدّا، وعظّمتم العظام الرّفات، وافتتّم في الميل إلى من فات، وغمصتم جيلكم الّذين فيهم لكم اللّدات، ومعهم انعقدت المودّات. أنسيتم يا جهابذة النّقد، وموابذة الحلّ والعقد، ما أبرزته طوارف القرائح، وبرّز فيه الجذع على القارح، من العبارات المهذّبة، والاستعارات المستعذبة، والرسائل الموشّحة، والأساجيع المستملحة! وهل للقدماء إذا أنعم النّظر، من حضر، غير المعاني المطروقة الموارد، المعقولة الشّوارد، المأثورة عنهم لتقادم الموالد، لا لتقدّم الصّادر على الوارد! وإني لأعرف الآن من إذا أنشا، وشّى، وإذا عبّر، حبّر، وإن أسهب، أذهب، وإذا أوجز، أعجز، وإن بده، شده، ومتى اخترع، خرع.
_________________
(١) البيت في ديوان النابغة ص ٤٢.
(٢) البيت بلا نسبة في المخصص ٨/ ١٦، وفيه «وإني لنابض» بدل «فإني لنابض».
[ ١ / ١٥٩ ]
إدّا: أمرا فظيعا منكرا. جرتم عن القصد: خرجتم عن الاستقامة. جدّا: كثيرا.
الرفات: البالية. افتتّم: فعلتم ما لا يجب وتجاوزتم فيه، ويقال: افتتات الرجل «افتعل» من الفوات، وفات: ذهب وعدم. غمصتم: حقّرتم وغطيتم. جيلكم: أهل عصركم.
اللّدات: جمع لدة، وهو الذي ولد معك. جهابذة: حذّاق؛ الواحد جهبذ. النقد: معرفة الكلام، نقده: ميّزه، وأصله من ميز الدراهم الجيدة من الرديئة. موابذة: حكام، والموبذ: الكثير الجاه من الفرس، مثل الوزير والقائد. أبرزته: أظهرته. طوارف، جديدات وغريبات. القرائح: الأذهان. برز: غلب. الجذع من الخيل ابن سنتين.
القارح: ابن خمس، أي غلب فيه الحديث العصر القديم. عبارات: جمع عبارة وهي التفسير، وعبّرت عن فلان: تكلّمت عنه وكنت لسانه. المهذّبة: المخلصة من العيب.
الاستعارة: أن تعير اللفظ ما يستحقّه غيره، وهي من العاريّة. الموشّحة: المزيّنة.
الأساجيع: جمع أسجوعة، وهي الكلام المربوط بقافية. أنعم: بالغ. المطروقة: التي نزل عليها. المعقولة: المربوطة. الشوارد: الفارّة، يقول: ليس للقدماء. إلا المعاني التي قصدها المتأخّرون، كما قصدها المتقدّمون، وقيّدها المتأخرون بالكتاب كما قيّدها المتقدّمون، فكان تقييدها سببا لأن مشت في الأقطار فعرفت وحفظت. المأثورة:
المحدّث بها. الصادر: الخارج عن الماء، والوارد: الداخل إليه، وذكر هنا أنّ الصادر يتقدّم الوارد، وذلك أنا إذا فرضنا موضع ماء لا يمكن وروده إلا واحدا بعد واحد، فالصادر يسبق الوارد على ما ذكره في المقامة. قال الحريري في درة الغواص: إنّ الخواصّ يقولون: هذا أمر يعرفه الصادر والوارد، ووجه الكلام أن يقال: الوارد والصادر، لأنه مأخوذ من الورد والصدر، ولما كان الورد يقدم الصّدر، وجب أن يقدّم لفظ «الوارد» على الصادر، وهذا كما ترى، الورد يقدم الصدر في حق واحد، ورد الماء ثم صدر عنه، وأما في حق اثنين كما قدّمنا وكما ذكر هو في هذه المقامة، فالصادر يتقدّم الوارد. وقول الناس: هذا أمر يعرفه الصادر والوارد في حق اثنين، فهم فيه على صواب، ومحال أن يكون المثل في حق واحد، لأنّ الشيء لا يعطف على نفسه، ولو كان الوارد على زعمه يتقدّم الصادر لجاز تقديم الصادر عليه، لأنّ الواو لا تعطي رتبة، يقول: لا نتحدّث بكلمهم ونظمهم ونثرهم لفضلهم علينا، لكن لسبقهم لنا.
أنشأ: كتب. وشّى: زيّن ورقّم. عبّر: تكلم أو فسّر. حبّر: حسّن. أوجز: اختصر.
أعجز، أي عجز عن فعله غيره. أسهب: أطال الكلام. أذهب: جاء بالذهب، وأصل أسهب، حفر بئرا بعيدة القعر، وأذهب: صادف معدن الذهب في حفير. بده: ارتجل ولم يتفكّر. شده: حيّر من يتعاطى منزلته. اخترع: قال ما لم يسبق إليه. خرع: شقّق المعاني.
***
فقال له ناظورة الدّيوان، وعين أولئك الأعيان: من قارع هذي الصّفاة،
[ ١ / ١٦٠ ]
وقريع هذه الصّفات؟ فقال: إنّه قرن مجالك، وقرين جدالك؛ وإذا شئت ذاك فرض نجيبا، وادع مجيبا، لترى عجيبا. فقال له: يا هذا، إنّ البغاث بأرضنا لا يستنسر، والتّمييز بين الفضّة والقضّة متيسّر، وقلّ من استهدف للنّضال، فخلص من الدّاء العضال، أو استثار نقع الامتحان، فلم يقذ بالامتهان، فلا تعرّض عرضك للمفاضح، ولا تعرض عن نصاحة النّاصح. فقال: كلّ امرئ أعرف بوسم قدحه، وسيتفرّى اللّيل عن صبحه. فتناجت الجماعة فيما يسبر به قليبه، ويعمد فيه تقليبه؛ فقال أحدهم: ذروه في حصّتي؛ لأرميه بحجر قصّتي، فإنّها عضلة العقد، ومحكّ المنتقد. فقلّدوه في هذا الأمر الزّعامة، تقليد الخوارج أبا نعامة.
***
قوله: «ناظورة»، أي كبير القوم ومقدّمهم الذي ينظرون إليه. الديوان: دار الكتّاب وموضع اجتماعهم. والديوان، الزمام يكون فيه أسماء الجند وأرزاقهم، وأصله «دوّان»، فقلبت واوه الأولى ياء لانكسار ما قبلها، ودلّ عليه دواوين في جمعه، وهو اسم أعجمي عرّب، والأصل في تسميته أن كسرى أمر الكتّاب أن يجتمعوا له في دار، ويعملوا حساب السواد في ثلاثة أيام، وأعجلهم فيه، فأخذوا في ذلك، واطّلع عليهم لينظر ما يصنعون؛ فنظر إليهم يحسبون بأسرع ما يمكن، وينسخون كذلك، فعجب من كثرة حركتهم، فقال:
أرى «ديوان» ومعناه شياطين، ثم سمّى موضعهم ديوانا، ثم استعملته العرب، وجعل كل محصّل من كلام أو شعر ديوان. قارع: ضارب وكاسر. الصّفاة: الصخرة الملساء، استعارها للصعب من الكلام. قريع: سيّد. الصّفات: النعوت التي تقدّم أنه يعرف بفعلها. وقرن مجالك: صاحب كلامك الذي تجول فيه- يعني نفسه. قرين جدالك:
صاحب مجادلتك، والقرن بالكسر: الذي يماثلك في شدّة أو خصام أو علم، وإن لم يكن بينكما معرفة، وقرينك: صاحبك الذي لا يفارقك كأنهقرن معك. والمجال:
الموضع الذي تراض فيه الخيل. رض: سس وليّن. النجيب: الفحل الكريم من الإبل، وعنى نفسه. ادع مجيبا، يقول: سسني ثم ادعني أستجب لك. ترى عجيبا، في حسن جوابي. البغاث: صغار الطير. يستنسر: يصير نسرا، يقول: نحن أهل علم ومعارف، فلا تجوز علينا المخاوف، والعرب تقول في أمثالها: «إن البغاث في أرضنا يستنسر»، أي يرجع الضعيف قويا لعزّنا وحمايتنا له ممن يريده، وقيل في البغاث: إنه ذكر الرّخم، وقيل: البغاث كلّ ما يصاد من الطير، والجوارح: كلّ ما يصيد، والرّهام: ما لا يصيد ولا يصاد، كالخطّاف وغيره. القضّة: الحصى البيض الصغار، ويقال: جاء بالقضّ والقضيض بالقاف والضاد، ومعناه جاء بالكبير والصغير. والقضيض: صغار الحصى وما تكسّر منه، وقالوا: جاءوا قضّهم بقضيضهم. أي كلّهم. استهدف: صار هدفا، وهو
[ ١ / ١٦١ ]
الغرض للسهم. النّضال: المراماة. العضال: الذي لا يبرأ منه. استثار: حرّك نقع غبار.
الامتحان: الاختبار. يقذ: يقع في عينه القذى، وهو ما يسقط في العين، ويقول: من صار غرضا للألسنة قلّ أن يسلم، ومن صار طالبا لمناظرة أهل المعارف أهين وأفحم.
المفاضح: المخزيات واشتهار العيوب. وسم: علامة. قدحه: سهمه، يريد قداح الميسر، وكان كلّ رجل يعمل في قدحه علامة يعرف بها، قال دريد بن الصمّة: [الوافر]
وأصفر من قداح النّبع فرع به علمان من عقب وضرس (١)
الضّرس: العضّ بالضّرس وسنذكر في الثالثة والأربعين قداح العرب:
سيتفرّى: سيتكشّف. قوله: «تناجت»، أي تحدّثت سرّا. يسبر: يقاس. قليبه: بئره.
يعمد: يقصد. تقليبه: تجريبه. ذروه: اتركوه. حصّتي: نصيبي. قصتي: خبري، وجعل لمسألته حجرا يرميه به مجازا. عضلة: صعبة. العقد: جمع عقدة، يريد أن عقدها صعب الحلّ. محك المنتقد: وهو حجر يقاس جيّد الفضة والذهب من الرديء؛ أراد أن مسألته نهاية في الصعوبة، والعضلة: كل مسألة شديدة لا يهتدى لمثلها، ولا يوقف على جوابها، من قولهم: داء عضال ومعضل، إذا كان شديدا لا يهتدى لدوائه، ولا يوقف على علاجه، وعضّلت المرأة تعضيلا، نشب ولدها في بطنها، وعضّلت الدجاجة بيضها كذلك، وفلان عضّلة من العضل، أي داهية لا يهتدى لمكره. قوله: «الزعامة»، أي الرئاسة.