والبيت الذي اقتضى النّظم على أسلوبه هو لأبي الفرج الغسّاني الدّمشقي، المعروف بالوأواء، ذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمته، فقال: أبو الفرج من حسان الدهر، وصاغة الكلام.
ومن عجائب أمره أنه كان مناديا بدار البطّيخ بدمشق ينادي على الفواكه، وما زال يشعر حتى جاد شعره، ووقع له ما يروق، ويشوق ويفوق، حتى تعلّق بالعيّوق.
[ ١ / ٧٩ ]
وقال الفتح بن خاقان: إني انصرفت البارحة من مجلس أمير المؤمنين، فلما دخلت مجلسي لقيت خلافة جاريتي، فلم أتمالك أن، قبّلتها، فوجدت ما بين شفتيها هواء، لو رقد المحموم فيه لأفاق. وهذا مستطرف من كلام الفتح، فقال الوأواء ملمّا به: [الطويل]
سقى الله ليلا طاب إذ زار طيفه فأفنيته حتى الصّباح عناقا (١)
بطيب نسيم منه يستجلب الكرى فلو رقد المحموم فيه أفاقا
وله أيضا: [البسيط]
بالله ربّكما عوجا على سكني وعاتباه، لعلّ العتب يعطف (٢)
وعرّضا بي وقولا في حديثكما ما بال عبدك بالهجران تتلفه!
فإن تبسّم قولا في ملاطفة ما ضرّ لو بوصال منك تسعفه!
وإن بدا لكما من سيّدي غضب فغالطاه، وقولا: ليس نعرفه
وله في النحول: [الوافر]
وما أبقى الهوى والشوق منّي سوى روح تردّد في خيال (٣)
خفيت عن العواذل أن تراني كأنّ الرّوح منّي في محال
وله في الزّرقة: [البسيط]
يا من هو الماء في تكوين خلقته ومن هو الخرّ في أفعال مقلته (٤)
ومن بزرقة سيف اللحظ طلّ دمي والسيف، ما فخره إلا بزرقته
علّمت إنسان عيني أن يعوم فقد جادت سباحته في بحر دمعته
وله أيضا: [المتقارب]
تملّكت يا مهجتي مهجتي وأسهرت يا ناظري ناظري (٥)
وما كان ذا أملى يا ملول ولا هجس الهجر في خاطري
فجد بالوصال فدتك النفوس فلست على الهجر بالقادر
وفيك تعلّمت نظم القريض فلقّبني الناس بالشاعر
وله من قصيدة:
يقمن لنا برق الثّغور أدلّة إذا ما ضللنا في ظلام الذّوائب
_________________
(١) ديوان الوأواء الدمشقي ص ١٦٤.
(٢) ديوانه ص ١٤٦، ١٤٧.
(٣) ديوان الوأواء ص ١٨٩.
(٤) ديوانه ص ٦٥.
(٥) ديوانه ص ٩٩.
[ ١ / ٨٠ ]
قال: ومن بديع تشبيهاته قوله:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس (١) البيت.
ثم قال: هذا البيت ضمّنه خمسة تشبيهات بغير أداة التشبيه، وذكر المتنبّي منها أربعة فأجاد، وهي ما ضمنها قوله ﵀: [الوافر]
بدت قمرا، ومالت خوط بان، وفاحت عنبرا، ورنت غزالا (٢)
وللفقيه أبي محمد بن حزم خمسة تشبيهات في بيت واحد، ولا يقدر أحد على أكثر منه، إذ لا يحتمل العروض ولا أبنية الأسماء أكثر من ذلك، قال: [الطويل]
خلوت بها والكأس ثالثة لنا وجنح ظلام اللّيل قد مدّ واتّلج
فتاة عدمت العيش إلّا بقربها وهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج!
كأنّي وهي والكأس والخمر والدّجى ثرى وحيا والدّرّ والتّبر والسّبج
وقبل بيت الوأواء: [البسيط]
إنسيّة لو بدت للشمس ما طلعت للنّاظرين ولم تغرب على أحد
قالت وقد فتكت فينا لواحظها: ما إن أرى لقتيل الحبّ من قود
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
ثم استمرت وقالت وهي ضاحكة: قوموا انظروا كيف فعل الظّبي بالأسد!
وأول القصيدة: [البسيط]
لمّا وضعت على صدري يدا ليد وصحت في اللّيلة الظلماء واكبدي!
وقال أيضا: [الوافر]
أتاني زائرا من كان يبدي لي الهجر الطّويل ولا يزور (٣)
فقال النّاس لمّا أبصروه ليهنك زارك القمر المنير
فقلت لهم ودمع العين يجري على خدّي له درّ نثير
ولو نصبوا رحا بإزاء عيني لكانت من مدامعها تدور
***
فلم يكن إلّا كلمح البصر أو هو أقرب، حتّى أنشد فأغرب: [البسيط]
سألتها حين زارت نضو برقعها ال قاني وإيداع سمعي أطيب الخبر
_________________
(١) ديوانه ص ٨٤.
(٢) البيت في ديوان المتنبي ٣/ ٢٢٤.
(٣) ديوان الوأواء الدمشقي ص ١١٠.
[ ١ / ٨١ ]
فزحزحت شفقا غشّى سنا قمر وساقطت لؤلؤا من خاتم عطر
***
قوله: «لمح البصر»، يعني نظر العين إلى الشيء بسرعة ثم تغيب عنه بسرعة، وأصل البصر الإدراك بالعين. أغرب: أتى بغريب. نضو: كشف. القاني: الأحمر. إيداع سمعي: إعطاء أذني، كأنه جعله وديعة عنده. زحزحت: أزالت. الشفق: حمرة الشمس بعد الغروب. غشّى: غطّى. سنا: ضوء. عطر: فوّاح طيّب التنفس. وبيت الحريريّ في صنعة البديع فائق، وإن لم يأت بعدد تشبيهات بيت أبي الفرج، وبيانه أن أبا الفرج يصف امرأة باكية، فيقول: إنها نثرت دموعها على من قتلت من عشاقها، فسقطت على خدّها فبلّلته، وعضّت على أصابعها المصبوغة بالحنّاء بأسنانها، فجعل البيت كلّه استعارة، فقال: «فأمطرت لؤلؤا»، وهو يريد: بكت دمعا، وذكر نرجسا ووردا، وهو يريد عينا وخدّا، وذكر عنّابا وبردا، وهو يريد أنامل وأسنانا، فضمّن تحت ألفاظه هذه المعاني، وزاد فائدة التشبيه؛ وهذا يفعله أهل القدرة على الشعر، فقابل الحريريّ هذا بقوله:
«فزحزحت شفقا»، وهو يرى نقابا أحمر، وذكر «سنا قمر» وهو يريد ضوء وجهها، وذكر لؤلؤا من خاتم، وهو يريد كلاما من فم. والبيت الثاني في مقابلة بيت أبي الفرج، والأول توطئة له، وهو يصف امرأة زارته متنقّبة فسألها، أن تكشف عن وجهها وتحدّثه، فأزالت نقابها، وأسمعته كلاما حسنا من فم عطر.