باب جيرون، من أبواب جامع دمشق، وجيرون هذا هو جيرون بن سعد بن عاد، وهو الذي بنى دمشق، ونقل إليها الرّخام، وسمّاها إرم، وعلى هذا نقلة الأخبار؛ وأنّ
_________________
(١) البيت بلا نسبة في لسان العرب (عود)، (طول)، وتاج العروس (عود)، وتهذيب اللغة ٣/ ١٣٢.
[ ١ / ٣٣٤ ]
إرم ذات العماد هي دمشق، يقال: إنه كان فيها أربعمائة ألف عمود. وقد تقدّم أيضا أن دمشق سمّيت باسم بانيها، وهو دماشق بن نمروذ بن كنعان، وقيل: بانيها دمشق بن عامر بن لمك بن أرفخشذ بن سام بن نوح.
قال اليعقوبيّ: جامع دمشق ليس في الإسلام أحسن منه، بناه الوليد بن عبد الملك في خلافته بالرّخام والذهب سنة ثمان وثمانين، مفروش بالرّخام الأبيض المختم بالأزرق، وسقفه لا خشب فيه، مذهّب كلّه، ومنائره ثلاث: واحدة في مؤخر المسجد، مذهّب كلها من أعلاها إلى أسفلها.
وذكر شيخنا ابن جبير في وصف هذا الجامع ووصف دمشق غرائب لا يتّسع لها هذا الكتاب، فلنلمّ هنا ببعض ما وصف في هذا الجامع؛ لنفي بشرطنا. قال: هذا الجامع من أشهر جوامع الإسلام حسنا وإتقان بناء، وغرابة صنعة، واحتفال تنميق وتزيين، ومن عجيب شأنه أنه لا يلمّ به نسج العنكبوت، ولا تلمّ به الطير المعروفة بالخطاف، انتدب لبنائه الوليد، ووجّه إلى ملك الروم بالقسطنطينية يأمره بأشخاص اثني عشر ألف صانع من بلاده، وتقدّم إليه بالوعيد في ذلك إن توقّف [عنه]، فامتثل أمره مذعنا، وشرع في بنائه، وبلغت الغاية في التأنّق فيه، وأنزلت جدره كلها بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء، وخلطت بها أنواع من الأصبغة الغريبة، قد مثلت أشجارا، وفرّعت أغصانا منظومة بالفصوص ببديع الصنعة المعجزة وصف كلّ واصف، فجاء يعشي العيون وميضا وبصيصا. وبلغت النفقة فيه أحد عشر ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار.
وكان أبو عبيدة بن الجراح ﵁ صالح النّصارى لمّا دخلها، بأن أخذ نصف الكنيسة الشرقيّ، فصيّره مسجدا، وبقي النصف الغربيّ للنصارى. فأخذه الوليد، وأدخله في الجامع بعد أن رغب إليهم أن يعوّضهم عنه، فأبوا، فأخذه قهرا. وكانوا يزعمون أنّ من يهدم كنيستهم يجنّ، فبادر الوليد، وقال: أنا أول من يجنّ في الله، وبدأ الهدم بيده، فبادر المسلمون، فأكملوا هدمها. ثم أرضاهم عمر بن عبد العزيز في خلافته عن الكنيسة بمال عظيم.
وطول هذا الجامع من الغرب إلى الشرق: ذرعه مائتا خطوة، وهما ثلاثمائة ذراع، وذرعه في السعة من القبلة إلى الشمال مائة وخمس وثلاثون خطوة، وهي مائتا ذراع، وتكسيره بالمرجع المغربيّ أربعة وعشرون مرجعا، وهو تكسير مسجد النبيّ ﷺ؛ غير أنّ طوله من القبلة إلى الشمال، وبلاطاته المتّصلة بالقبلة ثلاث، مستطيلة من المشرق إلى المغرب، سعة كلّ بلاطة منها ثمان عشرة خطوة، وقامت البلاطات على ثمانية وستين عمودا، منها ثمانية أرجل تتخللها واثنتان مرخّمة ملصقة بالجدار الذي يلي الصخرة، وأربع أرجل مرخّمة أبدع ترخيم، مرصّعة بفصوص من الرّخام ملوّنة، قد نظمت خواتيم، وصوّرت محاريب وأشكالا غريبة قائمة في البلاط الأوسط، دور كلّ رجل منها اثنان
[ ١ / ٣٣٥ ]
وسبعون شبرا، ويستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهاته، سعته عشر خطا، وعدد قوائمه سبع وأربعون، منها أربع عشرة رجلا، والباقي سوار، وسقف الجامع كله من خارج ألواح رصاص. وأعظم ما فيه قبة الرصاص المتّصلة بالمحراب، وهي سامية في الهواء، عظيمة الاستدارة، وقد استقلّ بها هيكل عظيم، هو عماد لها يتّصل من المحراب إلى الصحن والقبّة، قد أغصّت بالهواء، فإذا استقبلتها رأيت مرأى هائلا، ومن أيّ جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء، كأنها معلقة في الجوّ، وعدد شمسياتها الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون، فإذا قابلتها الشمس واتصل شعاعها بها انعكس الشعاع إلى كلّ لون منها، واتصل ذلك بالجدار القبليّ، ويتصل بالأبصار منها أشعة ملوّنة هائلة لا تبلغ العبارة تصوّرها، ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية حسنا وغرابة صنعة يتقد ذهبا كلّه، وقد قامت في وسطه محاريب صغار متصلة بجداره، تحفّها سويريات مفتولات فتل الأسورة، فإنها مخروطة، بعضها أحمر، كأنها مرجان لم ير شيء أجمل منها.
وفيها ثلاث مقاصير: مقصورة معاوية، وهي أول مقصورة وضعت في الإسلام، طولها أربعة وأربعون شبرا، وعرضها نصف الطّول. ويليها بجهة الغرب المقصورة التي أحدثت عند زيادة الكنيسة فيه، وهي أكبر. والثالثة بالجانب الغربيّ، يجتمع الحنفيّة فيها للتدريس.
وله أربعة أبواب: باب قبليّ يعرف بباب الزيادة، وباب شمالي يعرف بباب الناطفيين، وباب غربي يعرف بباب البريد، وباب شرقيّ يعرف بباب جيرون، وهو أعظمها.
وله وللغربي دهاليز متسعة يفضي كل دهليز منها إلى باب عظيم كانت كلها مداخل للكنيسة، فبقيت على حالها.
ثم ذكر في الصحن عجائب من الأبنية والقباب والصوامع الثلاث والمياه المدبرة فيه ما يطول وصفه واختصاره. قال: وهذا الصّحن من أجمل المناظر وأحسنها، وفيه مجتمع أهل البلد ومتفرّجهم ومنتزههم، كل عشيّة تراهم فيه ذاهبين وراجعين من باب جيرون إلى باب البريد، لا يزالون على هذه الحالة إلى انقضاء صلاة العشاء الأخيرة، منهم من يتحدّث مع صاحبه، ومنهم من يقرأ، فهذا دأبهم أبدا بالعشي والغداة، وأكثر الاحتفال بالعشي، [فيخيّل لمبصر ذلك أنّها ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم لما يرى من احتفال الناس واجتماعهم، لا يزالون على ذلك كل يوم]، وأهل البطالة يسمونهم الحراثين.
وللجامع أربع سقايات في كل جهة سقاية. وأعظمها سقاية باب جيرون.
وذكر أنّ حول باب جيرون من الأبنية الغريبة ما يطول وصفه، وذكر باب جيرون فقال: يخرج من دهليزه إلى بلاط طويل عريض له خمسة أبواب مقوّسة، لها ستة أعمدة
[ ١ / ٣٣٦ ]
في جهة اليسار، منه مشهد كبير كان فيه رأس الحسين ﵁، قبل أن ينقل إلى القاهرة، وبإزائه مسجد صغير لعمر بن عبد العزيز ﵁، وقد انتظمت أمام البلاط أدراج ينحدر عليها إلى الدهليز، وهي كالخندق العظيم تتصل إلى باب عظيم الارتفاع ينحسر الطرف دونه سموّا، قد حفّته أعمدة كالجذوع طولا، وكالأطواد ضخامة، وبجانبي الدّهليز أعمدة قامت عليها شوارع مستديرة، فيها حوانيت العطّارين وغيرهم، وعليها شوارع مستطيلة فيها الحجر والبيوت للكراء مشرفة على الدهاليز، وفوقها سطح بيت فيه سكّان الحجر والبيوت، وفي وسط الدّهليز حوض كبير مستدير من الرخام، عليه قبة تقلّها أعمدة من الرخام. وفي وسط الحوض أنبوب صفر يزعج الماء بقوّة، فيرتفع في الهواء أزيد من القامة، وحوله أنابيب صغار ترمي الماء علوّا، فيخرج منها كقضبان اللجين، فكأنها أغصان تلك الدوحة المائية، ومنظرها أبدع من أن يوصف، وعن يمين الخارج من باب جيرون في جدار البلاط الذي أمامه شبه غرفة، بها هيئة طاق كبير مستدير، فيه طيقان من صفر وقد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار، ودبرت تدبيرا هندسيا، فعند انقضاء ساعة من النهار، تسقط صنجتان من صفر من فمي بازيّين من صفر قائمين على طاستين من صفر مثقوبتين، فتبصر البازيين يمدّان أعناقهما للصنجتين إلى الطّاستين، ويقذفانهما بسرعة، بتدبير عجيب تتخيّله الأوهام سحرا، فعند وقوعهما يسمع لهما دوي، فيعودان من الأثقاب إلى داخل الجدار إلى الغرفة، ويتعلّق الباب تلك الساعة بلوح أصفر، فلا يزال كذلك حتى تنقضي الساعات، فتغلق الأبواب كلها، ثم تعود إلى حالاتها الأولى. ولها بالليل تدبير آخر، وذلك أنّ في القوس المنعطف على الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرّمة، في كلّ دائرة زجاجة. وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عمّ الزّجاجة ضوء المصباح، وأفاض على الدائرة شعاعا، فلاحت دائرة محمرة، ثم ينتقل إلى الأخرى، حتى تنقضي ساعات الليل، وقد وكلّ بها من يدير شأنها، فيعيد فتح الأبواب، ويسرح الصّنج إلى موضعه وهي التي تسمى الميقات.
ثم ذكر في باب جيرون، وفي الجامع وفي خارج البلد عجائب ليست من شرطنا، وإنما ذكرنا منها ما دعت إليه الحاجة من ذكر باب جيرون.
***
قوله: «الاستخارة» أي طلب الخيرة، واستخرت الله: سألته أن يهب لي الخيرة.
شزر: عقد. سحل: حلّ، وشزرت الحبل شزرا شددت فتله، وسحلت النّسج سحلا أفردت سداه ولم تفتله. نفد: تم وفرغ. التناجي: التحدّث سرّا. قنط: يئس الراجي:
الطامع. حذتهم: قريبا منهم، تقول: داري حذوه وحذوته وحذته، أي حذاءه. ميسمه:
علامته، وأصل الميسم الموسم، لأنه من وسمت الشيء، فقلبت الواو ياء لسكونها وكسر ما قبلها. لبوسه: ثيابه. الرّهبان: العبّاد. والترهّب: ترك النساء. سبحة: خيط ينظم فيه
[ ١ / ٣٣٧ ]
خرز يعدّ به التسبيح، وكانت لأبي هريرة ﵁ سبحة من النوى المجزّع، وهو الذي حكّ حتى اختلف لونه. وفرغ من سبحته، أي من صلاته وما يتبعها من الذّكر.
ترجمة: علامة. النّشوان: السّكران. قيّد لحظه: ربط نظره، أي شخص فيهم. أرهف:
أحدّ. آن: حان وقرب، ويروى «ناء» مقلوب «آن». انكفاؤهم: انقلابهم ورجوعهم.
برح: انكشف. خفاؤهم: سرّهم.
ليفرخ كربكم: ليزول ويسكن، ومثل العرب: أفرخ روعك، ومعناه: انجلى وانكشف كما ينكشف ما في البيضة إذا انشق عن الفرخ. وقيل: معنى أفرخ، ذهب.
وقال الفارسيّ في التذكرة: معنى أفرخ روعك: صار له فرخ، وإذا أفرخ الطائر طار، لأنه فارق الحضن، وهذا قول حسن.
وقال عروة بن مضرّس: أتيت النبيّ ﷺ بجمع قبل أن يصلّي الصبح، فقلت: يا رسول الله، طويت الجبلين، ولقيت شدّة، فقال: «أفرخ روعك، من أدرك إفاضتنا هذه فقد أدرك الحج»: وقال الأخطل يصف الثّور والكلاب: [الكامل]
حتّى إذا ما الثّور أفرخ روعه وأفاق أقبل نحوها يتذمّر (١)
أضما وهزّ لهنّ روقي رأسه إذ قد أتيح لهنّ موت أحمر
فقوله: «أفاق» بعد «أفرخ روغه» يدلّ على أنه أراد ذهب فزعه وزال ويتذمّر، يحضّ نفسه على الإقدام، يقال: ذمرته إذا حضضته. وأضما، أي غضبان، والموت الأحمر مذكور في المقامة بعد هذه. قوله: «كربكم» أي همكم سربكم، أي جمعكم، أي تأمنوا في نفوسكم. سأخفركم: سأجيركم. يسرو: يكشف ويزيل. روعكم: فزعكم. يبدو:
يظهر. طوعكم: منقادا لكم، وأراد سأجيركم بشيء يزيل عنكم الفزع، ويكون منقادا لكم، وذلك الشيء هو الكلمات التي يأتى بها.
***
قال الرّاوي: فاستطلعنا منه طلع الخفارة، وأسنينا له الجعالة عن السّفارة، فزعم أنّها كلمات لقّنها في المنام، ليحترس بها من كيد الأنام، فجعل بعضنا يومض إلى بعض، ويقلّب طرفيه بين لحظ وغضّ، وتبيّن له أنّا استضعفنا الخبر، واستشعرنا الخور، فقال: ما بالكم اتّخذتم جدّي عبثا؛ وجعلتم تبري خبثا! ولطالما والله جبت مخاوف الأقطار، وولجت مقاحم الأخطار، فغنيت بها عن مصاحبة خفير، واستصحاب جفير. ثمّ إنّي سأنفي ما رابكم، وأستسلّ الحذر الّذي
_________________
(١) البيتان في ديوان الأخطل ص ٢٣١.
[ ١ / ٣٣٨ ]
نابكم، بأن أوافقكم في البداوة، وأرافقكم في السّماوة، فإن صدقكم وعدي، فأجدّوا سعدي، وأسعدوا جدّي. وإن كذبكم فمي، فمزّقوا أدمي، وأريقوا دمي.
قال الحارث بن همام: فألهمنا تصديق رؤياه، وتحقيق ما رواه، فنزعنا عن مجادلته، واستهمنا على معادلته، وفصمنا بقوله عرى الرّبائث، وألغينا اتّقاء العابث والعائث.
***
استطلعنا منه طلع الخفارة، أي استخبرناه عن خبر الإجارة، قال ابن الأنباريّ:
معنى السّفارة في كلامهم الإصلاح، والسفير: المصلح.
قال الشاعر: [الوافر]
وما أدع السّفارة بين قومي وما أمشي بغشّ إن مشيت
وأسنينا له الجعالة عن السّفارة، أي كثّرنا له العطاء ليدلّنا على المجير، وأن يكون رسولا بيننا وبينه. ويمكن أن تكون السّفارة فعالة، من لفظ السّفير، فيكون اسما للحرفة كالنّجارة والخياطة. لقّنها: حفظها. ليحترس، ليمتنع يومض: يشير. لحظ: نظر بطرف عينيه. غضّ: كسر النظر؛ أي جعلوا يتغامزون عليه استضعافا لخبره. استشعرنا الخور، أي ظهر علينا الفزع والضعف من كلامه. العبث: اللعب. تبري: ذهبي، والتبر: كل ما لم يصنع من الجواهر من نحاس وغيره. خبثا: فاسدا. جبت: قطعت. مخاوف: مواضع الخوف الأقطار: نواحي الأرض. ولجت: دخلت. مقاحم: مهالك، والفحمة الأمر العظيم لا يركبه أحد لهوله. الأخطار: جمع خطر، وهو الغرر. جفير: جعبة السهام.
رابكم: شكّككم، أستسلّ: أزيل. الحذر: الخوف. نابكم: قصدكم. أوافقكم:
أساعدكم وأمشي معكم مصاحبا لكم. أرافقكم: أسافر معكم، والرفيق: الصاحب في السفر. السماوة: مفازة بين الشأم والعراق، وسماوة كل شيء شخصه، وبذلك سميت السماوة لأنها منازل ثمود، وفيها إلى الآن أشخاص منازلهم وآثارهم. أجدّوه: ردوه ذا جدّ، وهو السعد والحظّ، والمعنى أنه يقول: إن كان سعدي قليلا فأجدّوه، أي كثّروا حظّه بعطيتكم حتى يعود صاحبه كثير السّعد، وكذلك يقدّر: أسعدوا جدّي، فيريد: إن صدقتكم وعدي، وسلمتم، فهبوا لي من أموالكم ما يتقوّى به سعدي الضعيف، ويكثّر حظّي القليل. ويقال أيضا: أجدّ الشيء إذا صيّره جديدا. مزّقوا: قطّعوا. أدمي: جلدي.
أريقوا: صبّوا.
ألهمنا، أي ألقي في قلوبنا. نزعنا: أقلعنا. مجادلته: مخالفته. استهمنا: ضربنا السّهام وتخاطرنا على من يركب معه رفيقا. ومعادلته: الركوب معه في المحمل، وهو أن يركب هذا في الأيمن، وهذا في الأيسر، مأخوذة من العدل.
[ ١ / ٣٣٩ ]
ونذكر هنا حكاية مضحكة تزيد المعادلة بيانا، كان المعتصم يأنس بعليّ بن الجنيد الإسكاف، وكان عجيب الصّورة والحديث، فقال المعتصم لابن حماد: اذهب إلى ابن الجنيد، وقل له: يتهيّأ ليزاملني، فأتاه فقال له: تهيأ لمزاملة أمير المؤمنين، فإنّ مزاملة الخلفاء كبيرة، فقال: كيف أتهيّأ لها؟ أصيب رأسا غير رأسي! أشتري لحية غير لحيتي! قال ابن حمّاد: شروطها الامتناع عن الحديث والمذاكرة والمنادمة، وألّا تبصق ولا تسعل ولا تمخط ولا تتنحنح، وأن تتقدّم في الركوب إشفاقا عليه من الميل، وأن يتقدّمك في النزول، فمتى لم يفعل هذا المعادل كان ومثقلة الرصاص التي تعدل بها القبّة واحدا، فقال لابن حماد: اذهب قل له ما يزاملك إلا من أمّه زانية. فرجع إلى المعتصم وأعلمه، فضحك وقال: عليّ به، فلما جاء قال: يا عليّ، أبعث إليك أن تزاملني فلا تفعل! فقال له: إن رسولك هذا الأرعن جاءني بشروط حسّان السامي وخالويه الحاكمي، فقال: لا تبصق ولا تعطس، وجعل يقرقع بصاداته، وهذا لا أقدر عليه؛ فإن رضيت أن زاملك، فإذا جاءني الفساء والضراط فسوت وضرطت، وإلا فليس بيني وبينك عمل. فضحك المعتصم حتى فحص برجليه، وقال: نعم زاملني على هذه الشروط، فسار ساعة فلمّا توسط البرّ، قال: يا أمير المؤمنين، قد حضر ذلك المتسامح، قال: ذلك إليك، قال:
يحضر ابن حمّاد، فحضر، فناوله كمّه، وقال أجد في كمّي دبيب شيء، فانظر ما هو، فأدخل رأسه فشمّ رائحة الكنيف، فقال: ما أرى شيئا، ولكني أعلم أن في جوف ثيابك كنيفا، والضّحك قد ذهب بالمعتصم كلّ مذهب، وابن الجنيد يفسو فساء متّصلا، ويقول لابن حماد: قلت: لي: لا تسعل أو لا تمخط، فخريت عليك، ثم قال: قد نضجت القدر، وأريد أخرى، فأخرج المعتصم رأسه من العماريّة حين كثر عليه الضحك، وصاح: ويلك يا غلام، الأرض: الساعة أموت! .
قوله: «فصمنا»، أي قطعنا وحللنا والعرا: عيون من شريط أو غيره يشدّ بها فم الخرج أو العدل، واحدها عروة. والرّبائث: العلق، واحدها ربيثة، وهو ما يثبّت الإنسان ويحبسه عن أمر يريده، وقد ربثتك عن الأمر ربثا، وتربّثت أنا تربّثا، إذا تثبطت. ألغينا:
اطّرحنا. اتقاء: خوف. العابث: الذي يعبث بأموالهم من أهل الشر فيفسدها، والعابث:
المفسد، ويقال: عبث بفتح الباء عبثا: وبكسرها عبثا: لعب واستخف، وعاث عيثا:
أفسد.
***
ولمّا عكمت الرّحال، وأزف التّرحال، استنزلنا كلماته الرّاقية، لنجعلها الواقية الباقية، فقال: ليقرأ كلّ منكم أمّ القرآن، كلّما أظلّ الملوان. ثم ليقل بلسان خاضع، وصوت خاشع: اللهمّ يا محيي الرّفات، ويا دافع الآفات، ويا واقي المخافات، ويا كريم المكافاة، ويا موئل العفاة، ويا وليّ العفو والمعافاة، صلّ
[ ١ / ٣٤٠ ]
على محمد خاتم أنبيائك، ومبلّغ أنبيائك، وعلى مصابيح أسرته، ومفاتيح نصرته، وأعذني من نزغات الشّياطين، ونزوات السّلاطين، وإعنات الباغين، ومعاناة الطّاغين، وعدوان المعادين، وغلب الغالبين، وسلب السّالبين، وحيل المحتالين، وغيل المغتالين، وأجرني اللهم من جور المجاورين، ومجاورة الجائرين، وسطوة الجبّارين، وكفّ عنّي أكفّ الضّائمين، وأخرجني من ظلمات الظالمين، وأدخلني برحمتك في عبادك الصّالحين.
***
عكمت الرحال، أي شدّت الأحمال بالعكام، والعكام ما يشدّ به فم العكم وهو العدل. وقيل: إنّ أصل العكام كمامة تربط على فم البعير، ومثله اللّجام، يستعار لما يشدّ به المتاع ويقال: عكمت المتاع عكما شددته في العكم، أو شددته بالعكام، وعكمت البعير شددت عليه العكم، أو ربطت العكام على فمه، وأعكمتك أعنتك.
أزف: دنا وقرب. استنزلنا: طلبنا منه إنزالها، أي تلطّفنا به ليذكرها الرّاقية: الرفيعة، من رقيّ في الدّرجة، أو المعوذة لنا، من رقيت المريض، وهو أشبه لموافقتها لمعنى الواقية، وهي الكافية، لما يخاف من الشرّ، أظلّ الأمر: قرب ودنا وكأنه ألقي عليك ظلّه.
الملوان: الليل والنهار، والخاضع: الذليل، وخضع خضوعا: أقرّ بالذل. والخاشع:
المتواضع، وخشع خشوعا: خفض صوته، ورمى ببصره إلى الأرض، والخضوع قريب منه، إلّا أنّ أكثر ما يستعمل الخشوع في الصّوت والخضوع في الأعناق. الرّفات: العظام البالية الآفات: المضرّات. المكافأة: المجازاة. موئل: ملجأ. العفاة: جمع عاف، وهو سائل العفو وليّ العفو: صاحب المغفرة. والمعافاة. المباعدة من الضّرر، وقد عافاه ممّا يكره وأعفاه. أنباؤك: أخبارك، والنبأ الخبر. أسرته: رهطه، وأراد بالمصابيح المهاجرين، وبالمفاتيح الأنصار. أعذني: أجرني النّزغات: الإفساد، نزغ الشيطان بين القوم، أي أفسد ذات بينهم، والشيطان: البعيد من الخير، من قولهم: دار شطون، أي بعيدة، ونوى شطون.
قال النابغة: [الوافر]
* نأت بسعاد عنك نوى شطون* (١)
_________________
(١) عجزه: فبانت والفؤاد بها رهين والبيت للنابغة الذبياني ص ٢١٨، ولسان العرب (شطن)، ومقاييس اللغة ٣/ ١٨٤، ولزياد بن معاوية في تاج العروس (نبغ)، وبلا نسبة في مجمل اللغة ٣/ ١٥٦.
[ ١ / ٣٤١ ]
وقال نابغة بني شيبان: [الوافر]
فأضحت بعد ما وصلت بدار شطون لا تعاد ولا تعود
نزوات: وثوب، وقد نزا نزوا ونزوّا، إذا وثب، ونزا على الشيء، ارتفع. إعنات: مشقّة.
الباغين: المتعدين، وقد بغى عليه بغيا: تعدّى عليه. معاناة: معالجة ومقاساة. الطاغين: المسرفين في الظّلم والمعاصي، والعادين: المتجاوزين الحدّ في الظلم. غيل: جمع غيلة، وهي الهلاك.
والمغتال: المهلك أجرني: أمّنّي. سطوة: بطش وتهديد. الضائمين: المذلين.
***
اللهمّ حطني في تربتي، وغربتي وغيبتي، وأوبتي ونجعتي، ورجعتي، وتصرّفي ومنصرفي، وتقلّبي ومنقلبي. واحفظني في نفسي، ونفائسي، وعرضي وعرضي، وعددي وعددي، وسكني ومسكني، وحولي وحالي، ومالي ومآلي، ولا تلحق بي تغييرا، ولا تسلّط عليّ مغيرا، واجعل لي منك سلطانا نصيرا، اللهم احرسني بعينك وعونك، واخصصني بأمنك ومنّك، وتولّني باختيارك وخيرك. ولا تكلني إلى كلاءة غيرك، وهب لي عافية غير عافية، وارزقني رفاهية غير واهية. واكفني مخاشي اللأواء، واكنفني بغواشي الآلاء، ولا تظفر بي الأعداء، إنك سميع الدّعاء.
***
قوله: «اللهم حطني في تربتي»، أي احفظني في بلدتي. أوبتي: رجعتي. نجعتي:
سفري في طلب الرزق. نفائسي: كرائم مالي. عرضي: نفسي وعرضي: مالي. عددي:
أهلي. عددي: آلاتي، وما أستعدّه. سكني: أهلي. حولي: قوّتي. حالي: بالي. مآلي:
مرجعي. منّك: إحسانك. تولّني: كن لي وليّا. تكلني: تحوجني. كلاءة: حفظ وحراسة. وعافية: عيش سالم من الآفات.
قال أبو الدرداء ﵁: ذكر رسول الله ﷺ البلاء وما أعدّ الله لصاحبه من الثواب إذا صبر، وذكر العافية وما أعدّ الله لصاحبها من الثواب إذا شكر، فقلت: يا رسول الله، أعافى فأشكر، أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر، فقال رسول الله ﷺ: نحبّ معك العافية. غير عافية، أي غير دراسة. رفاهية: غنى متّسع. واهية: ناقصة ضعيفة.
مخاشي: ما يخشى ويخاف. اللأواء: الشدّة. اكنفني: استرني. غواشي: أي ما يتغشّى به، أي يتغطّى. الآلاء: النعم.
***
ثمّ أطرق لا يدير لحظا، ولا يحير لفظا، حتى قلنا: قد أبلسته خشية، أو أخرسته غشية. ثمّ أقنع رأسه، وصعّد أنفاسه وقال:
[ ١ / ٣٤٢ ]
أقسم بالسّماء ذات الأبراج، والأرض ذات الفجاج، والماء الثّجّاج، والسّراج الوهّاج، والبحر الفجّاج، والهواء والعجاج، إنّها لمن أيمن العوذ، وأغنى عنكم من لابسي الخوذ، من درسها عند ابتسام الفلق، لم يشفق من خطب إلى الشّفق، ومن ناجى بها طليعة الغسق، أمن ليلته من السّرق.
قال: فتلقّنّاها حتّى أتقنّاها، وتدارسناها، لكيلا لا ننساها.
***
أطرق، أي نظر إلى الأرض ساكنا، وقد فسّر قوله: «أطرق» بقوله: «لا يدير لحظا، ولا يحير لفظا»، فيدير لحظا يجيل نظره في الجهات الأربع، ويحير لفظا: يردّ كلاما، والغشية: أن يغشى على عقله. أقنع: رفع. صعد: جعلها تصعد، أي ترتفع.
الأبراج، أي منازل القمر. الفجاج، أي المسالك، واحدها: فجّ، والفجّ الطريق الواسع في الجبل، وقيل: هو المتسع بين مرتفعين، وقيل: هو الفتح بين الشّيئين: الثّجاج:
السّيّال الكثير الصبّ. السراج: الشمس. الوهّاج: الوفّاد المتلألئ، وهو من وهج النار، وهو اتقادها وحرّها، العجّاج: المصوّت لاضطراب أمواجه. الهواء: ما بين السماء والأرض. والعجاج: الغبار. والعوذ: الرّقى. أغنى: أجزأ وأكفى، والغنى الكفاية، وأغنى فلان مغني فلان، أي كفاه الحضور وقام مقامه. والحوذ، بالحاء المهملة الدّرع، وينقط الحاء بيض السّلاح. ابتسام الفلق: ظهور الفجر. يشفق: يخاف. خطب: أمر شديد. الشّفق: الحمرة بعد غروب الشمس. ناجي: تكلّم بها سرّا، طليعة الغسق، أول طلوع الظلام. تلقناها، أي فهمناها. أتقناها: أحكمناها. تدارسناها، الدّرس في كلامهم الرّياضة والتذليل، وطريق مدروس: كثر مشى الناس فيه، فذلّلوه وأثروا فيه، فمعنى درس القرآن أو الدعاء، ذلّل لسانه وراضه.