قوله «ويغلّب حبّ البنين على البنات» نذكر هنا من الولاة المتهمين بهذه الهنات ما يليق بالموضع. قال أهل الأخبار: إن القاضي يحيى بن أكثم، كان مشتهرا بحبّ الغلمان، وإن أهل البصرة رفعوا أمره إلى المأمون قبل اتّصاله به، وقالوا فيه: إنه قد أفسد أولادهم، وظهرت منه الفواحش، وأنه القائل في صفة الغلمان: [السريع]
أربعة تعشق ألحاظهم فعين من يعشقهم ساهره
[ ١ / ٢٦٧ ]
فواحد دنياه في وجهه منافق ليست له آخره
وآخر دنياه منقوصة من خلفه آخرة وافره
وثالث فاز بكلتيهما قد جمع الدّنيا مع الآخرة
ورابع قد ضاع ما بينهم ليست له دنيا ولا آخره
فاستعظمها المأمون وعزله عنهم.
ثم اتصل بعد ذلك يحيى بالمأمون، ونادمه، فخرج معه في يوم عيد، وقد ركب الجند أمامه، ويحيى يحادثه ويضاحكه، فنظرت إلى غلام أمرد من أولاد الجند في غاية الفراهة، عليه ثوب حرير أخضر، ودرع موشّاة مزرّرة بالذهب. فالتفت إلى يحيى، وقال له: ما تقول في هذه البضاعة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ هذا لقبيح من إمام مثلك مع فقيه مثلي، قال: فمن الذي يقول: [المنسرح]
قاض يرى الحدّ في الزّناة ولا يرى على من يلوط من باس
قال: من عليه لعنة الله وغضبه، ابن أبي نعيم، الذي يقول:
أميرنا يرتشي وحاكمنا يلوط والشرّ بيننا راسي
قاض يرى الحدّ .. البيت، وبعده: [المنسرح]
لا أحسب الموت ينقضي وعلى ال أمّة وال لآل عبّاس
قال: أو صحيح هذا؟ قال: نعم، قال: ينفى إلى السّند، وإنما مازحناك، ثم قال المأمون في الغلام: [مجزوء الرمل]
أيّها الراكب ثوبا هـ حرير وحديد
جئت للعيد وفي وج هك للأعين عيد
أنت جنديّ ولكن فيك للحسن جنود
وفي يحيى يقول ابن أبي نعيم: [الراجز]
يا ليت يحيى لم يلده أكثمه ولم تطأ أرض العراق قدمه
ألوط قاض في البلاد نعلمه أيّ دواة لم يلقها قلمه
* وأيّ جحر لم يلجه أرقمة*
وهذا كقول الآخر: [الرمل]
* يدخل الأفعى إلى خيس الأسد*
ويحيى خراسانيّ من مرو. وبلغ من تحكّمه على المأمون أن فرض لأربعمائة غلام
[ ١ / ٢٦٨ ]
مرد، واختارهم حسان الوجوه يركبون لركوبه، فقال راشد بن إسحاق: [الوافر]
خليلي انظرا متعجّبين لأظرف منظر تقلاه عيني
لفرض ليس يقبل فيه إلا أسيل الخدّ حلو المقلتين
يقودهم إلى الهيجاء قاض شديد الطّعن بالرّمح الرّديني
إذا شهد الوغى منهم غلام تجدّل للجبين ولليدين
وبات الشيخ منحنيا عليه وصدغاه تحاذي الركبتين
وقال فيه: [الطويل]
وكنا نرجّي أن نرى العدل بيننا فأعقبناه بعد الرّجاء قنوط
متى تصلح الدّنيا ويصلح أهلها إذا كان قاضي المسلمين يلوط
***
وكان القاضي أبو القاسم عليّ بن محمد التنوخيّ مولعا بالغلمان، وكان له غلام اسمه نسيم، في نهاية من الحسن، وكان يؤثره على سائر غلمانه، ويخصّه بتقريبه واستخدانه، فكتب إليه بعض من يأنس به: [الرمل]
هل على من لامه مدغمة لاضطرار الشعر في ميم نسيم
فوقع تحت البيت: نعم، ولم لا!
وسنذكر من شعره في هذه المقامة ما يستملح.
وممن كان يميل إلى الغلمان من الأمراء أبو العشائر الحمدانيّ الذي يقول فيه المتنبي: [الوافر]
فيا بحر البحور ولا أورّي ويا ملك الملوك ولا أحاشي (١)
كأنّك ناظر في كلّ قلب فما يخفى عليك محلّ غاش
وقال بعض الرواة: دخلت على أبي العشائر أعوده من علّة، فقلت: ما يجد الأمير؟
فأشار إلى غلام قائم بين يديه، كأنّ رضوان قد غفل عنه بأبق من الجنة، ثم أنشأ يقول:
[مخلع البسيط]
أسقم هذا الغلام جسمي بما بعينيه من سقام
فتور عينيه من دلال أهدى فتورا إلى عظامي
وامتزجت روحه بروحي تمازج الماء بالمدام
_________________
(١) البيتان في ديوان المتنبي ٢/ ٢١١.
[ ١ / ٢٦٩ ]
ولأبي العشائر: [البسيط]
سطا علينا ومن حاز الجمال سطا ظبي من الجنة الفردوس قد هبطا
له عذاران قد خطّا بوجنته فاستوقفا فوق خدّيه وما انبسطا
وظلّ يخطو فكلّ قال من شغف: يا ليته في سواد الناظرين خطا!
ومع هذا الميل، كان نزيه النفس، رفيع الهمة، سليم الناحية، وكان في الجود غاية، وفي الشجاعة نهاية، وفي الشعر آية. وإذا كان المتنبي الذي هو أشعر الناس عند الأكثرية، يقول حين عوتب في آخر أيامه على فتور شعره: قد تجوّزت في شعري، وأعفيت طبعي، واغتنمت الراحة، مذ فارقت آل حمدان، ومنهم الذي يقول- يعني أبا العشائر:
أأخا الفوارس لو رأيت مواقفي والخيل من تحت الأسنة تنحط
لقرأت منها ما تخطّ يد الوغى والبيض تشكل والأسنة تنقط
فهكذا تستعار المعاني البديعة في الألفاظ الرفيعة؛ فما ظنك بمن يثني عليه المتنبي هذا الثناء!
***
وممّن وصف غلاما فأحسن، الأمير تميم بن المعزّ صاحب مصر، حيث يقول:
[الطويل]
وبات ضجيعي منه أهيف ناعم وأدعج وسنان وألعس أشنب
كأنّ الدجى من لون صدغيه طالع وشمس الضّحى في صحن خدّيه نغرب
وقال أيضا: [البسيط]
يا ليلة بات فيها البدر معتنقي وكانت الشمس فيها بعض جلّاسي
وبتّ مستغنيا بالثّغر عن قدحي وبالخدود عن التّفاح والآس
وقال أيضا: [مجزوء الكامل]
ورد الخدود أرقّ من ورد الرياض وأنعم
هذا تنشّقه الأنو ف وذا يقبّله الفم
فإذا عدلت فأفضل ال وردين ورد يلثم
قوله: «ندوته»، أي مجلسه.