ونصل هذا الدعاء الذي ذكر أنه مستجاب وصدق إذا صحب الدعاء به الإخلاص، والتضرّع بأدعية ينتفع بها إن شاء الله تعالى.
كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا قال: «اللهمّ أنت الصاحب في السّفر، والخليفة في الحضر. اللهمّ إنّى أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ومن سوء المنظر في الأهل والمال والولد» (١).
_________________
(١) روي بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه مسلم في الحج حديث ٤٢٥، ٤٢٦، وأبو داود في الجهاد باب ٧٢، والترمذي في الدعوات باب ٤١، والنسائي في الاستعاذة باب ٤١، ٤٣، وابن ماجة في الدعاء باب ٢٠، والدارمي في الاستئذان باب ٤٢، ومالك في الاستئذان حديث ٣٤، وأحمد في المسند ١/ ٢٥٦، ٣٠٠، ٢/ ١٥٠، ٤٠١، ٤٣٣، ٥/ ٨٢، ٨٣.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وقالت أمّ سلمة ﵂: من خرج في طاعة الله تعالى فقال: اللهم إنّي لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا رياء، ولا سمعة، ولكنّي خرجت ابتغاء مرضاتك، واتقاء سخطك، فأسألك بحقك على جميع خلقك أن ترزقني من الخير أكثر ممّا أرجو، وتصرف عنّي من الشرّ أكثر مما أخاف .. استجيب له بإذن الله تعالى (١).
وقالوا: كلمات الفرج عند الكرب: لا إله إلا الله الحليم الكريم، وسبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
قال جعفر بن محمد لسفيان الثّوريّ: إذا كثرت همومك فأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإذا درت عليك النعم فأكثر من الحمد لله العالمين، وإذا أبطأ عليك الرزق فأكثر من الاستغفار.
ومن قال في ليل أو نهار: اللهم ربّي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، اللهمّ إني أعوذ بك من شرّ نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها. إنّ ربّي على صراط مستقيم لم يضرّه شيء.
ومن قال: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ليلا أو نهارا أمن مما يخاف.
ومن قال: سبحان الله وبحمده، ولا حول ولا قوة إلا بالله ثلاث مرات بعد صلاة الصبح أمن من كلّ غمّ وجذام وبرص وفالج.
ومن قال: باسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ما شاء الله كل نعمة من الله، ما شاء الله الخير كلّه بيد الله، ما شاء الله لا يصرف السّوء إلا الله، من قالها إذا أصبح أمن من الحرق والغرق.
ومن دخل على سلطان يخاف سطوته فقال: الله أعزّ وأكبر مما أخاف وأحذر، اللهمّ رب السّماوات السّبع وربّ العرش العظيم، كن لي جارا من عبدك فلان، وجوره وأشياعه وأتباعه. تبارك اسمك وجلّ ثناؤك. وعزّ جارك، ولا إله غيرك ثلاث مرات أمن من شره.
وقال المنصور للربيع: عليّ بجعفر، قتلني الله إن لم أقتله! فلما مثل بين يديه حرّك شفتيه، ثم قرب وسلم فقال: لا سلّم الله عليك يا عدوّ الله، تعمل عليّ الغوائل في ملكي قتلني الله إن لم أقتلك! فقال: يا أمير المؤمنين إنّ سليمان أعطى فشكر، وإن أيوب ابتلى فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، ﵈، وأنت على أثر منهم، وأحقّ من تأسّى بهم. فنكس المنصور رأسه مليّا ثم رفع رأسه، وقال: إليّ أبا عبد الله، فأنت القريب
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في المساجد باب ١٤، وأحمد في المسند ٣/ ٢١.
[ ١ / ٣٤٤ ]
القرابة، وأنت ذو الرحم الواشحة. والسليم الناحية، والقليل الغائلة. ثم صافحه بيمينه، وعانقه بشماله، وأجلسه معه على فراشه، وأقبل يسائله ويحادثه، ثم قال: عجّلوا لأبي عبد الله إذنه وجائزته وكسوته. فلما خرج أمسكه الربيع وقال له: رأيتك قد حرّكت شفتيك فانجلى الأمر، وأنا خادم السلطان، ولا غنى لي عنه، فعلّمني إياه، فقال: نعم، قلت: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بحفظك الذي لا يرام، لا أهلك وأنت رجائي، فكم من نعمة أنعمتها عليّ قلّ عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بليّة ابتليت بها قلّ عندها صبري فلم تخذلني. اللهمّ بك أدرأ في نحره، وأعوذ بك من شره.
ومن قال إذا سمع المؤذن: رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيّا، غفرت له ذنوبه.
ومن دعاء الأعراب: قال عمر بن عبد العزيز ﵁: ما من قوم أشبه بالسّلف من الأعراب لولا جفاء فيهم.
وقال: غيلان إذا أردت أن تسمع الدعاء فاسمع دعاء الأعراب.
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيّا بفلاة من الأرض يقول: اللهمّ إن استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي للؤم، وإن تركي الاستغفار مع معرفتي سعة رحمتك لعجز، إلهي كم تتحبّب إليّ برحمتك وأنت غني عني، وكم أتبغّض إليك بذنوبي وأنا فقير إليك:
يا من إذا وعد وفّى، وإذا أوعد عفا، أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك، يا أرحم الراحمين.
قال: وسمعت آخر يقول في دعائه: اللهم إنّي أسألك عمل الخائفين، وخوف العاملين، حتى أتنعّم بترك النعيم طمعا فيما وعدت، وخوفا ممّا أوعدت. اللهمّ أعذني من سطواتك، وأجرني من نقماتك.
قال: ودعت أعرابيّة لابن لها خرج مسافرا، فقالت: كان الله صاحبك في السفر، وخليفتك في أهلك، وانجح طلبتك، امش مصاحبا مكلوءا، لا أشمت الله بك عدوّا، ولا أرى فيك لمحبّك سوءا.
وهذا الباب كثير، وإنما ذكرنا من الأدعية ما جرّب واستحسن، والله ينفع بها آمين.
قال أعرابي يصف دعوة: [الطويل]
وسارية لم تسر في الليل تبتغي محلّا ولم يقطع بها البيد قاطع
سرت حيث لم تسر الرّكاب ولم تنخ لورد ولم يقصر لها القيد مانع
تحلّ وراء الليل والليل ساقط بأوراقه فيه سمير وهاجع
تفتّح أبواب السماء لوفدها إذا قرع الأبواب منهنّ قارع
إذا وفدت لم يردد الله وفدها على أهلها، والله راء وسامع
[ ١ / ٣٤٥ ]
وإني لأرجو الله حتى كأنّني أرى بجميل الظنّ ما الله صانع
***
ثمّ سرنا نزجي الحمولات، بالدّعوت، لا بالحداة، وبحمى الحمولات، بالكلمات لا بالكمماة، وصاحبنا يتعهّدنا بالعشيّ والغداة، ولا يستنجز منّا العدات، حتى إذا عاينّا أطلال عانة، قال لنا: الإعانة الإعانة، فأحضرناه المعلوم والمكتوم، وأريناه المعكوم والمختوم، وقلنا له: اقض ما أنت قاض، فما تجد فينا غير راض، فما استخفّه سوى الخفّ والهين، ولا حلي بعينه غير الحلي والعين. فاحتمل منهما وقره، وناء بما يسد فقره، ثم خالسنا مخالسة الطّرّار، وانصلت منّا انصلات الفرّار فأوحشنا فراقه، وأدهشنا امتراقه، ولم نزل ننشده بكلّ ناد، ونستخبر عنه كلّ مغو وهاد، إلى أن قيل: إنه مذ دخل عانة، ما زايل الحانة.
***
قوله: «نزجي»، أي نسوق. الحمولات، بفتح الحاء: الإبل، وبضمها الأحمال.
الحداة: خدمة الإبل، بمنزلة المكارين للدوابّ. نحمي: نمنع الكماة: الشجعان.
يتعهّدنا: يتفقّدنا. يستنجز: يطلب إحضار ما وعد به عانة، بعين غير منقوطة: قرية بالجزيرة كثيرة الأعناب.
وقال امرؤ القيس: [الكامل]
* من خمر عانة أو كروم شبام* (١)
وأطلالها: آثارها، يريد أنه لمّا أشرف على عانة، قال لهم: أعطوني ما أستعين به.
المعلوم: الظاهر. والمكتوم: المستور. والمعكوم: المجعول في عكم، قال يعقوب:
العكم: نمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها، أو يكون المعكوم المشدود بالعكام، وقد تقدّم آنفا، والمختوم: المطبوع عليه، يريد: أريناه أنواع أموالنا. استخفّ: استحقر. الخف:
الخفيف. الهين: الهين. حلي: حسن. الحلي: ما يتحلّى به النّساء. والعين: الذهب والفضة، يريد أنه استحقر الخفيف القدر الهيّن القيمة، مثل الإمتاع، وشبهها فتركها، وأعجبه الحليّ والذهب فحملهما، أو يكون معنى «استخفّ» وجده خفيفا، والخفّ والهين، يريد الخفيف عليه حمله، الهيّن عليه نقله؛ يريد الذهب والجوهر، ويكون قوله
_________________
(١) صدره: أفق كلون دم الغزال معتق والبيت في ديوان امرئ القيس ص ١١٥، وهو بلا نسبة في مقاييس اللغة ١/ ١٤٨.
[ ١ / ٣٤٦ ]
«حلي بعينه» وما بعده مفسّرا ومؤكدا لاستخفّ وما بعده، وهذا أشبه من الأول.
وقره: حمله. ناء: نهض بثقل. خالسنا: سارقنا وتسلل عنّا. الطّرّار: الذي يشقّ الجيوب ويستخرج ما فيها، والطّرّ: القطع، وقد طر طرّا، وطرّة الشعر منه، لأنها مقطوعة من جملته، مفصولة عنه. والمنتهز الذي يخطف من يدك الشيء بسرعة.
انصلت: انسلّ ولم يشعر به. والانصلات: سقوط السيف من الغمد. والفرّار، وهو الزّاووق، ويسمّى الزئبق، سمي فرارا لأنه سريع السّيلان لا يستقرّ في موضع، والفرار من كثر فراره. أوحشنا: أذهب أنسنا أدهشنا: حيّرنا. امتراقه: خروجه مسرعا، ومرق السهم: خوج من القوس، ومن الرميّة. ننشده: نطلبه مغو وهاد: مضلّ ومرشد. الحانة:
بغير نقط: بيت الخمّار أو حانوته، والحان والحانة هي الدسكرة التي ذكر، وقال ابن شهيد فيه: [الكامل]
يا رب حان قد أدرت بديره خمر الصّبا مزجت بصفو خموره
في فتية جعلوا الزّقاق تكاءهم متصارعين تخشّعا لكثيره
يهدى إلينا الراح كلّ معصفر كالخشف خفّره التماح خفيره
والى عليّ بطرفه وبكفّه فأمال من رأسي لعبّ كبيره
وترنّم الناقوس عند صلاتهم ففتحت من عيني لرجع هديره
زايل: فارق
***
فأغراني خبث هذا القول بسبكه، والانسلال فيما لست من سلكه، فأدلجت إلى الدّسكرة، في هيئة منكّرة، فإذا الشّيخ في حلّة ممصّرة، بين دنان ومعصرة، وحوله سقاة تبهر، وشموع تزهر، وآس وعبهر، ومزمار ومزهر، وهو تارة يستبدل الدّنان، وطورا يستنطق العيدان، ودفعة يستنشق الرّيحان، وأخرى يغازل الغزلان.
فلمّا عثرت على لبسه، وتفاوت بين يومه من أمسه، قلت له: أولى لك يا ملعون، أأنسيت يوم جيرون! فضحك مستغربا ثم أنشد مطربا:
***
أغراني: حثّني. سبكه: تجريبه. الانسلال: الدخول. سلكه: شكله، وانسلكت حبة اللؤلؤ: جرت في السّلك، وهو خيط النظام. أدلجت: مشيت بالليل. الدسكرة، بناء كالقصر حوله بيوت يسكنها الخمار والحشم، قال الجعديّ: [المتقارب]
ودسكرة صوت أبوابها كصوت المواتح بالحوأب
سبقت صياح فراريجها وصوت نواقيس لم تضرب
[ ١ / ٣٤٧ ]
بريّة ذي عتب شارف وصهباء كالمسك لم تقطب
المواتح: البكرات، والحوأب: اسم ماء الفراريج: الديوك عتب: أوتار، وشارف:
اسم العود، شبّهه بالشارف من الإبل، لأنها أغنّ صوتا وأطربه، قال متمّم: [الطويل]
إذا شارف منهنّ قامت فرجّعت حنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا (١)
ممصرة: مصبوغة بالمصرة، وهي العصفر قبل أن يوضع فيه الخلّ، فلونها أصفر، فإذا وضع فيها الخلّ أحمر ما يصبغ به وسمّي معصفرا. والحلّة: ثوبان: إزار ورداء، وسمّيت حلّة، لأنها تحلّ على لابسها كما يحلّ الرّجل على الأرض دنان: جمع دنّ، وهو نوع من الخوابي طويل الأسفل ضيّقه، ويسمّى الراقود.
وهذه الحالة التي وجد عليها الحريريّ السّروجيّ بعد ذلك الترهّب الذي كان عليه في أول المقامة لها نظائر لرجال مشاهير بالعلم والفصل.
***