ومما يحكى على ألسنة البهائم ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينا راع في غنم إذ عدا عليها الذئب، فأخذ شاة منها، فطلبه الراعي منه حتى استنقذها، فالتفتت إليه الذئب وقال: من لها يوم السّبع، يوم ليس لها راع غيري!» (١).
بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها، فالتفتت إليه البقرة فكلّمته فقالت: أنا لم أخلق لهذا، وإنما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله! تعجبا وفزعا؛ أبقرة تتكلم! فقال رسول الله ﷺ: «فإني مؤمن بذلك وأنا وأبو بكر وعمر» (٢).
السّبع، بسكون الباء: أرض المحشر والسبع: الفزع.
وقال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود وحتى يختبئ اليهوديّ
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٥٤، وفضائل أصحاب النبي باب ٥، ٦، ١٣، والحرث باب ٤، ومسلم في الفضائل حديث ١٨٥٧، والترمذي في المناقب باب ٧.
(٢) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٥٤، ومسلم في الفضائل حديث ١٨٥٨.
[ ١ / ٣٤ ]
وراء الحجر فيقول الحجر: يا عبد الله، يا مسلم هذا يهوديّ ورائي فاقتله» (١).
قالوا خرج أسد وذئب وثعلب يتصيدون، فاصطادوا حمار وحش وغزالا وأرنبا فقال الأسد للذئب: اقسم بيننا هذا، فقال: الحمار للملك، والغزال لي، والأرنب للثعلب؛ فرفع الأسد يده فضربه ضربة، فإذا هو مجدّل بين يديه. ثم قال: للثعلب:
اقسمها، فقال: الحمار يتغذّى به الملك، والغزال يتعشى به، والأرنب بين ذلك، فقال الأسد: ويحك ما أقضاك! من علّمك هذا القضاء؟ قال: رأس هذا الذئب.
وحدّث الشعبيّ، قال: صاد رجل قبّرة، فقالت: ما تريد أن تصنع بي؟ قال: أذبحك وآكلك. فقالت: والله ما أشبع من جوع وخير لك من أكلي أن أعلّمك ثلاث خصال:
واحدة وأنا في يدك، والثانية وأنا على الشجرة، والثالثة وأنا على الجبل؛ قال:
هاتي: قالت: لا تلهفنّ على ما فات، فخلى سبيلها، فلما صارت على الشجرة قالت: لا تصدّقن بما لا يكون أنه سيكون، فلما صارت على الجبل قالت له: يا شقيّ لو ذبحتني أخرجت من حوصلتي درتين، كل واحدة عشرون مثقالا، قال: فعض الرجل على شفته تلهّفا، ثم قال: هاتي الثالثة، فقالت: أنت قد نسيت ثنتين فكيف أخبرك بالثالثة! ألم أقل لك: لا تلهفنّ على ما فات، ولا تصدقن بما لا يكون أنه سيكون! أنا ولحمي ودمي وريشي لا يكون فيّ عشرون مثقالا، فكيف يكون في حوصلتي درّتان كلّ واحدة عشرون مثقالا! ثم طارت وذهبت. وأمثال هذه الملح أكثر من أن تحصى.
***
ولم يسمع بمن نبا سمعه عن تلك الحكايات، أو أثّم رواتها في وقت من الأوقات.
ثمّ إذا كانت الأعمال بالنّيات، وبها انعقاد العقود الدّينيّات، فأيّ حرج على من أنشأ ملحا للتّنبيه، لا للتّمويه، ونحا بها منحى التّهذيب، لا الأكاذيب! وهل هو في ذلك إلّا بمنزلة من انتدب لتعليم، أو هدى إلى صراط مستقيم! [الطويل]
على أنّني راض بأن أحمل الهوى وأخلص منه، لا عليّ ولا ليا
قوله: «نبا سمعه» أي ارتفع، وأصله في السّيف إذا ارتفع فلم يمض في الضربة.
أثّم: جعلهم أصحاب إثم، انعقاد العقود، أي ارتباط العقائد. حرج: إثم، وأصل التحريج التضييق، للتنبيه، أي لينبّه به الغافل الذهن فيجعله حاضر الخاطر، نحا منحى:
قصد مقصد. التهذيب: التلخيص، وهذبت الطالب: أخرجته وخلّصته، ورجل مهذّب:
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٩٤، ومسلم في الفتن حديث ٢٢٣٩، وأحمد في المسند ٢/ ٤١٧، ٥٣٠.
[ ١ / ٣٥ ]
مخلص من العيوب. ويروى: ندب وانتدب، فندب دعا، وانتدب أجاب. وهدى:
أرشد. صراط مستقيم: طريق معتدل، ومن فعل ما ذكر مأجور غير آثم، لكنّه مع هذا رضي أن يخلص ممن يتكلم في كتابه بتعييب، وأن يخرج من هذا الكتاب كفافا لا أجر ولا وزر؛ بل نرجو له الأجر على نيّة الإفادة والتعليم، إن شاء الله تعالى.
***
وبالله أعتضد، فيما أعتمد، وأعتصم ممّا يصم وأسترشد، إلى ما يرشد؛ فما المفزع إلا إليه، ولا الاستعانة إلا به، ولا التّوفيق إلا منه، ولا الموئل إلا هو؛ عليه توكّلت وإليه أنيب، وبه نستعين، وهو نعم المعين!
أعتضد: أستعين. أعتمد: اقتصد. أعتصم: أمتنع يصم، يعيب. أسترشد:
أستهدي. يرشد: يهدي ويدل على الخير. والمفزع: الملجأ، وكذلك الموئل. وتقول:
فزعت إلى فلان، إذا لجأت إليه واستعنت به ليحميك ويمنعك، وفزعت منه: خفته، والمفزع الذي ذكره مصدر بمعنى الفزع. وتقول: ووألت من ذلك إذا نجوت منه، وأنت موئلي منه، أي الذي تنجّيني منه. والمفزع: الموئل والحصن، تفزع إليه فينجيك من طالبك. أنيب: أرجع. والإنابة: الرجوع إلى الله تعالى والتوبة إليه.
[ ١ / ٣٦ ]