حللت: نزلت، وحلوان: بلدة بينها وبين مدينة بغداد أربع مراحل، وهي من كور الجبل، وسميت باسم بانيها، وهو حلوان بن علي بن الحاف بن قضاعة وهي مدينتان بينهما نهر عظيم مقداره فرسخ، وهي مقابلة لطبرستان، وهي جبلية سهلية بحرية لها زيتون ونخيل، وبها قصب السكر وافتتحت في زمن عمر.
***
بلوت: جربت، الإخوان: الأصحاب. سبرت: فتشت، الأوزان: أقدار الناس، خبرت: جربت وعرفت، شان: عاب. وزان: زيّن؛ يريد أنه دخلها وهو مجرّب عارف بالناس. ألفيت: وجدت، يتقلب: يتنوّع. قولب جمع قالب، وقالب كل شيء: قياسه، وما يصنع عليه. يخبط: المشي في الأرض على غير قصد كمشي الأعمى، أساليب:
طرق. واحدها أسلوب. آل ساسان: ملوك الفرس. يعتزي: ينتسب. أقيال: ملوك غسان: قبيلة باليمن كان منها ملوك، وغسان: ماء كان شربا لولد مازن بن الأزد بن الغوث فسمّوا به، يبرز: يظهر. طورا: حينا. شعار: ثياب. والشّعار ثوب يلي الجسد.
كبر: تكبر، يريد أنه لقي أبا زيد بحلوان يتنوّع بذلك. في أحوال المكدين، ويجري بذلك في طرق اكتساب المعيشة فيدعي أنه من آل ساسان.
وأصل هذا أن الفرس كان فيهم الملك، وكانت العرب تحت حكم ملوكهم، فلما بعث رسول الله ﷺ لملكهم بكتابه يدعوهم إلى الإسلام، مزّقوه، فدعا الله عليهم أن
[ ١ / ٥٧ ]
يمزقوا كلّ ممزق، فأوقع بهم المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ بعد حروب شديدة معظمها بالقادسية، فلم يبق لهم في الملك رسم، وصاروا في خلافة عثمان ﵁ تحت حكم المسلمين، وكانوا أهل دهاء وجراءة وحروب ورماية، فسكن من بقي منهم الأمصار، واستعربوا وتفقهوا. فكان منهم من نفع الله به المسلمين، وكان منهم أهل أهواء وبدع، ونشأت منهم هذه الطائفة الخسيسة أهل الكدية، فكانوا يطوفون على البلدان، ويقولون: نحن من بني ساسان، فينتسبون إلى ملوكهم، ثم يتذلّلون في السؤال، ويذكرون تلاعب الدهر وانقلاب حال الملوك إلى السؤال، فيقع الإشفاق عليهم، والميل بالرزق لهم، حتى شعر الناس بمكرهم وخديعتهم، فطردوا، وصار الناس إذا رأوا سائلا متمسكا قالوا. ساساني، وقيل: إنّ ساسان اسم رجل معين، وهو أول من أسس الكدية، فنسبوا إليه، كما أنّ الطفيلي منسوب إلى رجل اسمه طفيل وهو أول من تطفل، فأراد أن أبا زيد كان يتنوع في أحواله، فيتمسكن تارة ويدعي أنه من ساسان، ويتعاظم أخرى فينتسب إلى غسان، ويبرز مرة في أحلاس الشعراء المكدين، ويظهر ثانية في ثياب فاخرة، ولباس الكبراء المثرين.
***
بيد أنّه مع تلون حاله، وتبيّن محاله، يتجلى برواء ورواية، ومداراة ودراية، وبلاغة رائعة، وبديهة مطاوعة، وآداب بارعة وقدم لأعلام العلوم فارعة، فكان لمحاسن آلاته، يلبس على علاته، ولسعة روايته، يصبي إلى رؤيته، ولخلابة عارضته يرغب عن معارضته ولعذوبة إيراده يسعف بمراده فتعلّقت بأهدابه لخصائص آدابه، ونافست في مصافاته، لنفائس صفاته. [الطويل]
فكنت به أجلو همومي وأجتلي زماني طلق الوجه ملتمع الضّيا
أرى قربه قربي ومعناه غنية ورؤيته ريّا، ومحياه لي حيا
قوله: «بيد أنه»، أي غير، محاله: باطله: والمحال ما لا يمكن أن يتصور، وهو «مفعل» من حال الشيء، إذا تغير، كأنه أزال عن وجهه. يتجلى: يتزين. رواء: نظافة وحسن منظر، مدارة: حسن سياسة في صحبته، وأصلها المخادعة، دراية ودرية: مصدر دريت، بلاغة: فصاحة، رائعة: معجبة، ومن شاهدها ارتاع وتعجب، والبديهة والبداهة:
الأخذ في الكلام من غير فكرة، وهي الارتجال. مطاوعة: منقادة بارعة: فائقة تفضل غيرها أعلام: جبال فارعة: طائلة قد علتها، واللام في قوله: «لأعلام» زائدة، وزيادتها إذا تقدمت أحسن منها إذا تأخرت، مثل ضربت زيدا ولزيد ضربت، آلاته: عدده، وأراد به هذه الأنواع التي قدمها التيتحلى بها يلبس: يصاحب ويخالط علاته: عيوبه التي ذكر من أنواع الغربة، سعة روايته: كثرة علمه وما يرويه. يصبى: يمال. خلابة: خداع، وقد
[ ١ / ٥٨ ]
خلبه خلبا وخلابة: خدعه، عارضته: قوة كلامه. معارضته: مقابلته ومناقضة كلامه، وتقول: رغبت عن الشيء تركته وتزهدت فيه، ورغبت فيه، إذا أحببته، فيريد أنّه لقوّة كلامه وصلابته لا يتعرّض أحد لجداله فهو يخادع به الناس حتى لا يعترض له فيما يقول، وقيل: معنى فلان شديد العارضة، إذا أفحش وأسمع المكروه، ورجل شديد العارضة، أي لا تقرب ناحيته، إيراده: أخذه في الكلام، يسعف: يساعد، أهدابه: أطراف ثوبه وخصائص الشيء: ما يختص به، أي ينفرد، نافست: زايدت وغاليت مصافاته:
مصاحبته، نفائس جمع نفيس، وهو الرفيع من كل شيء، يسمى نفيسا، من النّفس وهو العين، حتى كأنه لرفعته تتعلق به العين، وقد قال المعري:
فالعين يسلم منها ما رأت فنبت عنه وتلحق ما تهوى من الصّور (١)
قوله: «أجلو»، أي أكشف أجتلى: نظر طلق الوجه: مستبشرا، والطلق ضدّ العابس، ملتمع: منير بادي اللمعان: قربي: نسبا، ومغناه: منزله، من قولهم: غني بالمكان يغني غنيانا، إذا أقام به غنية: غنى، يقال: غني يغني غنى فهو غنيّ، إذا استغنى، والاسم: الغنية، ريّا: شبعا من الماء، ورويت من الماء ضدّ عطشت: محياه:
حياته. حيا: مطر عام. يقول: أنه بمصاحبته أبا زيد يزول همه، ويلقاه ببشر منه، فيرى قربه منه بالودّ كقرابة النسب، وكان منزله لما يجد فيه من الخصب أو من غزارة العلم يرى أنه غناه، وإذا رآه زال عطشه للعلم أو للماء برؤيته، وقصد تجنيس الألفاظ يبعد المعنى.
***
ولبثنا على ذلك برهة، ينشئ لي كلّ يوم نزهة، ويدرأ عن قلبي شبهة، إلى أن جدحت، له يد الإملاق كأس الفراق، وأغراه عدم العراق بتطليق العراق، ولفظته معاوز الإرفاق، إلى مفاوز الآفاق ونظمه في سلك الرّفاق خفوق راية الإخفاق، فشحذ للرّحلة غرار عزمته، وظعن يقتاد القلب بأزمته. [الطويل]
فما راقني من لاقني بعد بعده ولا شاقني من ساقني لوصاله
ولا لاح لي مذ ندّ ندّ لفضله ولا ذو خلال حاز مثل خلاله
لبثنا: أقمنا. برهة: مدة، ينشئ: يصنع ويبتدئ، والنزهة أصلها التّباعد عن الرّيب، ثم كثرت حتى صارت الخروج للرياض، للتفرج، ثم استعملت في المعاني فقيل: نزه فلان في آدابه، وكنى بهذا عمّا يستفيده من علمه. يدرأ: يدفع. شبهة: إشكال والتباس. جدحت: حركت ومزجت، والمجدح: آلة يمزج بها المشروب الصعب
_________________
(١) البيت في ديوان أبي العلاء المعري ص ١٥٠.
[ ١ / ٥٩ ]
الامتزاج، الإملاق: الفقر من الملقة وهي الصخرة الملساء، فأملق كأنه صادف ملقة لا تنبت شيئا، ولم يصادف خصبا بعد أن كان في ترفه وغنى، أغراه: حرّضه.
والعراق، اختلفوا فيه، فقال صاحب العين: العراق: العظم بلا لحم، فإن كان عليه لحم فهو عرق.
ابن قتيبة، يقال للعظم الذي عليه اللحم عراق، وللخالي من اللحم عرق.
أبو عبيد، العراق: القطعة من اللحم، أبو زيد، قول العامة: ثريده العراق خطأ؛ إذ كان العراق العظام، وأنشد لرجل يطرد الطير عن زرعه في عام جدب: [الرجز]
عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن طرادي الطّير عن أرزاقها (١)
في سنة قد كشفت عن ساقها حمراء تبرى للّحم عن عراقها
ابن الأنباريّ، قول أبي عبيد هو الصواب؛ لأن العرب تقول: أكلت العراق ولا تقول: أكلت العظم، وفي حديث أم إسحاق العنزية: فجعلت لا آكل العراق ولا أضعه، فقولها: «لا آكل» يدل على أن العراق لحم مفرد أو لحم على عظم،
الأصمعي، قيل لأعرابي: أي الطعام أطيب؟ قال: ثريده دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمض، ذات حفافين من البضع، لها جناحان من العراق، قيل: كيف أكلك لها؟
قال: أصدع بهاتين- يعني السبابة والوسطى- وأسند بهذين- يعنى الإبهام والخنصر- وأجمع ما شذ منها بهذه- يعني البنصر- وأضرب فيها ضرب وليّ السوء في مال اليتيم، فهذا يدل على أن العرق قطع اللحم إذا كانت العرب لا تصف الثريد والأطعمة بكثرة العظام.
والعراق في البيت: الأكل، تقول: عرقت العظم عراقا، أكلت ما عليه من اللحم، والعظم معروق، وهو بمنزلة سكتّ سكاتا.
العراق: قال صاحب العين: هو شاطئ البحر، وبه سميّت العراق لأنها على شاطئ دجلة، ابن الأعرابي، سمي عراقا لأنه سفل عن نجد، ودنا من البحر، أخذ من عراق القربة، وهو الخرزفي أسفلها، قطرب، سمّي عراقا لأنه دنا من البحر، . وبه يناخ وينجد.
ويقال: استعرقت إبلهم، إذا أتت ذلك الموضع، لفظته، أي رمته. ومعاوز: جمع معوز، والمعوز هو العوز نفسه، والمعوز بالكسر: الثوب الخلق وجمعه معاوز، الإرفاق ومصدر أرفقته، إذا أوصلت إليه نفعا يرتفق به، ورفقته بمعناه فأراد بمعاوز الإرفاق فقد ما يرتفق به والمفاوز: جمع مفازة وهي الصحراء سميت مفازة على التفاؤل، لأن الرجل إذا
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في لسان العرب (عرق)، وتاج العروس (عرق).
[ ١ / ٦٠ ]
قطعها فاز ونجا. والآفاق: نواحي الأرض، نظمه: ضمّه وجمعه سلك: خيط، الرّفاق:
جمع رفقة، وعنى بسلك الرفاق الطريق الذي ينتظمون فيه إذا أخذوا في السير، لأنهم يمشون فيه واحدا بعد واحد، فنظمهم الطريق، وصار لهم كالسلك. خفوق: اضطراب، وقد خفق خفقا وخفوقا، والإخفاق: الخيبة، ويقال: غدا فأخفق، إذا خاب، ومثله في الصائد: صاد فأروق. شحذ: حدّ وسن، وشحذ الرجل سيفه.، إذا ألحّ عليه بالتحديد، ومنه قولهم للملحّ في المسألة: شحاذ، والعامة تصحّفه فتقول: شحات، بالتاء. غرار:
حدّ. وأراد أنه لما عزم على الارتحال حدّ عزمته، أي عوّل على السفر يجدّ. والعزمة:
مصدر عزم إذا جدّ، وجعل لها حدا، مبالغة في تعجيل السفر. ظعن: ذهب وارتحل.
أزمة: جمع زمام، وهو حبل من جلود يشدّ به في حلقه مجعولة في وتد أنف البعير، فجعل تعلّق قلوب أصحابه به عند فراقه، وحنينهم إليه؛ كأنه قد ربطها بأزمّة وقادها معه، فمن روى «القلوب» عادت الهاء من «أزمّته» على السروجيّ، ومن روى «القلب» عادت على القلب أو على السروجيّ، والقلب لابن همام.
وقوله: «راقني»، أي أعجبني، وقد راق الشيء يروق روقا فهو رائق إذا أعجب، لاقني: لصق بي وصحبني. شاقني: شوقني. ساقني لوصاله: دعاني لصحبته، لاح:
ظهر، ندّ: فرّ وشرد. ندّ: مثل، والجمع أنداد، خلال: جمع خلّة الضم؛ وهي الصداقة، خلاله: جمع خلّة بالضم أيضا، وهي الخصلة. وهذا النّمط في وصف الصديق وغيبته بارع ولابن عمران في ذلك: [البسيط]
يا مرحبا بصديق لست أبصره إلّا تجدّد لي أنس بمرآه
وإن تغيّب عن عيني فلم أره فلي فؤاد بظهر الغيب يرعاه
***
واستسرّ عنّي حينا، لا أعرف له عرينا، ولا أحد عنه مبينا، فلمّا أبت من غربتي، إلى منبت شعبتي، حضرت دار كتبها التي هي منتدى المتأدّبين، وملتقى القاطنين منهم المتغرّبين، فدخل ذو لحية كثّة، وهيئة رثة، فسلم على الجلّاس، وجلس في أخريات النّاس.
***
استسرّ: غاب واختفى، وأصله من سرار الهلال في آخر الشهر وهو يستسرّ ليلة لا يظهر أو ليلتين، والعرين: بيت الأسد ومأواه، مبنيا: معلما به يبين لي أين استقرّ. أبت:
رجعت، منبت شعبتي، أي بلدة قرابتي التي نبتوا فيها، يريد البصرة. والشعبة: القرابة، دار كتبها: مدرسة العلم. منتدى: مجتمع القاطنين: الساكنين، وقطن بالمكان: أقام فيه، كثّة: كثيرة الأصول من غير طول.
[ ١ / ٦١ ]