صنعاء، بلد باليمن، وأضافها إلى اليمن، لأن ثمّ صنعاء أخرى، وهي قرية بدمشق. وكان اسم صنعاء في القديم «أزال»، قال ابن الكلبيّ والشرقي (٢): ولما وافتها الحبشة قالوا: نعم، فسمّى جبلها نعم أي انظر، فلما نظروا إلى مدينتها ورأوها حصينة مبنية بالحجارة قالوا: هذه صنعاء، وتفسيرها هنيّة، فسميّت صنعاء.
وحكى الهمذاني قال: وأهل صنعاء يقولون في الإسلام: إنها القرية المحفوظة، وأنهم
_________________
(١) البيت للحارث بن نهيك في خزانة الأدب ١/ ٣٠٣، والكتاب ١/ ٢٨٨، وللبيد بن ربيعة في ملحق ديوانه ص ٣٦٢، ولنهشل بن حري في خزانة الأدب ١/ ٣٠٣، ولضرار بن نهشل في الدرر ٢/ ٢٨٦، وللحارث بن ضرار في شرح أبيات سيبويه ١/ ١١٠، ولنهشل، أو للحارث، أو لضرار، أو لمزرد بن ضرار، أو للمهلهل في المقاصد النحوية ٢/ ٤٥٤، والبيت بلا نسبة في الخصائص ٢/ ٣٥٣، ٤٢٤، ولسان العرب (طوح).
(٢) هو الشرقي بن قطامي، واسمه الوليد والشرقي لقبه.
[ ١ / ٣٨ ]
سمعوا هاتفا يقول في بعض أيام من حاربهم: كلّ عليك يا أزال، وأنا أتحنن عليك!
وأقدم قصور اليمن وأنبهها ذكرا، وأبعدها صيتا غمدان وقصر أزال، وهي صنعاء.
والذي أسس غمدان وابتدأ بنيانه واحتفر بئره الذي هو اليوم سقاية لمسجد جامع صنعاء، سام بن نوح ﵇، على ما يذكره علماء صنعاء واليمن، وذلك أنّه لما مات نوح اجتوى بعده السكنى في الأرض الشمالية، فأقبل طالعا في الجنوب يطلب أطيب البلاد، حتى صار إلى الإقليم الأول، فوجد اليمن أطيبه مسكنا، وصنعاء أطيب اليمن، فوضع مقراته- وهى الخيط الذي يقدر به البناء ويبنى على حده- فوضع الأساس في ناحية فجّ غمدان في غربيّ الجبل، وهو اليوم معروف بصنعاء، فلما ارتفع بعث الله طائرا، فاختطف المقراة فطار بها، وتبعه سام، لينظر أين يقع؛ فأمّ بها جنوب النّعم من سفح نعم، فوقع بها، فلما اتبعه طار بها، وطرحها على حرّة غمدان، فلما قرّت، علم سام أنه قد أمر بالبناء هنالك؛ فأسس غمدان. واحتفر بيده بئره المسمى كرامة. ويستقى منها إلى اليوم لكنها أجاج.
خاوي الوفاض: فارغ المزاد، ويقال: خوى الرّجل، إذا سجد فترك بين جسده وبين الأرض خواء، وخوى البعير: برك على هذه الحال. والوفاض: جمع وفضة وهي شبه الجراب، وهي أيضا كنانة السهام إذا كانت من جلد لا من خشب، فإن كانت من خشب مجلد أو غير مجلد فهي كنانة أو جعبة.
ابن سيده في المحكم: الوفضة خريطة يحمل فيها الراعي أداته وزاده. والوفضة:
جعبة السهام. قال أبو منصور الأزهري معنى قول النبي ﷺ «أنه أمر بصدقة [أن] توضع في الأوفاض» (١): إنهم أخلاط الناس. قال الفراء: هم أهل الصّفّة. أبو عبيد: هذا كله عندنا واحد؛ لأن أهل الصّفّة أخلاط من قبائل شتّى، ويمكن أن يكون مع كل واحد منهم وفضة، فعلى هذا من قصر الوفضة على الجعبة، وخطأ الحريري بأن الزاد لا يكون في الجعبة، فهو المخطي والجاهل باتساع اللغة. بادي الإنفاض: ظاهر الفقر، وقد أنفض، إذا فنى زاده. وأنفض الجراب إذا انتفض وسقط ما من فيه من بقية الزاد، ومنه قولهم:
النّفاض يقطّر الجلب، أي فناء زادهم يجعل إبلهم قطارا، أي مربوطة بعضها خلف بعض، تساق إلى السوق فتباع، فيأكلون ثمنها، قال الهذلي: [المتقارب]
له ظبية وله عكّة إذا انفض القوم لم ينفضّ (٢)
ظبية: جريب صغير من جلد ظبي. بلغة: زاد للمسافر يبلغ به من يومه إلى
_________________
(١) أخرجه بنحوه أحمد في المسند ٦/ ٣٩٠، ٣٩١.
(٢) البيت لأبي المثلم الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص ٣٠٥، ولسان العرب (نفض)، (أبل)، وجمهرة اللغة ص ٣٦٣، وتاج العروس (نفض)، (عكك)، وبلا نسبة في أساس البلاغة (ظبي).
[ ١ / ٣٩ ]
غده، الجراب: وعاء من جلد يصنع للزاد- مضغة: لقمة.
***
فطفقت أجوب طرقاتها مثل الهائم، وأجول في حوماتها جولان الحائم، وأرود في مسارح لمحاتي، ومسايح غدواتي وروحاتي، كريما أخلق له ديباجتي، وأبوح إليه بحاجتي، أو أديبا تفرّح رؤيته غمّتي، وتروي روايته غلّتي؛ حتى أدّتني خاتمة المطاف وهدتني فاتحة الإلطاف إلى نادر رحيب، محتو على زحام ونحيب، فولجت غابة الجمع، لأسبر مجلبة الدّمع، فرأيت في بهرة الحلقة، شخصا شخت الخلقة، . عليه أهبة السّياحة، وله رنّة النّياحة، وهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه ويقرع الأسماع بزواجر وعظه، أحاطت به أخلاط الزمر إحاطة الهالة بالقمر، والاكمام بالثمر، فدلفت إليه لأقتبس من فوائده، وألتقط بعض فرائده، فسمعته يقول حين خبّ في مجاله وهدرت شقاشق ارتجاله:
***
طفقت: أخذت وجعلت، ومعناها ابتداء الفعل والدخول فيه. أجوب: أقطع وأخرق، وجوب الأرض: قطعها بالمشي، الهائم: الحيران. أجول: أتصرف. حوماتها:
جهاتها، الحائم: الطائر العاطش يحوم حول الماء، أي يدور به، أراد: ألتمس المسارح:
مراعي البهائم. لمحاتي: نظراتي، يريد المواضع التي يسرح عينيه فيها بالنظر، مسايح:
مسالك، أراد طرقه التي يسير فيها بالمشي بالغدوّ والعشيّ، والسيح: الماء الجاري على وجه الأرض، وتكون المسائح أيضا جمع مسيحة أو مسحة، وهي الطوافة، من قولك:
مسحت البيت، أي طفت به، فيكون على هذا «فعائل» ميمها أصيلة، وعلى الأول «مفاعل». أخلق: أهين، ديباجتي: جلدة وجهي، يريد أنه يخلق وجهه بالمسألة كما يخلق الثوب، وهذا من قول النبي ﷺ: «المسألة كدوح وخدوش في وجه صاحبها» (١) وقوله ﷺ: «لا تزال المسألة بالرّجل حتى يلقى الله ﷿، وما على وجهه مزعة لحم» (٢)، أي قطعة. أبوح: أذكر، حاجتي: فقري. تفرّج: تزيل. غمّتي: غمّي وما يضيق نفسي. غلّتي: عطشي. أدتني: أوصلتني. خاتمة المطاف: آخر المشي هدتني: دلتني.
والإلطاف: حسن السؤال وفاتحته، أراد به سؤالك من تلقى في الطريق إذا دخلت بلدا غريبا، فإذا سألت بتلطّف أرشدت بسرعة، فسؤالك هو الذي فتح لك الطريق. ويقال:
لطف سؤال الرجل، إذا رقّ لفظه ولم يكن فيه جفاء، فتقبله القلوب، وألطف الرجل
_________________
(١) أخرجه بنحوه أبو داود في الزكاة باب ٢٦، والنسائي في الزكاة باب ٩٢، وأحمد في المسند ٢/ ٩٤ ٥/ ١٩، ٢٢.
(٢) أخرجه البخاري في الزكاة باب ٥٢، والنسائي في الزكاة باب ٨٣، وأحمد في المسند ٢/ ١٥، ٨٨.
[ ١ / ٤٠ ]
سؤاله، إذا سألك بحنان وتلطف، واللطف الرفق، وألطفتك أيضا: بررتك وأكرمتك.، فالإلطاف مصدر ألطف، ويروي: «الألطاف» جمع لطف وهو الرّفق، يقال: لطف الله بالعباد لطفا رفق بهم رفقا، وهو راجع إلى الأول. ناد مجلس. رحيب: واسع محتو:
مشتمل، نحيب: بكاء. ولجت: دخلت، غاية الجمع: وسط الناس، وأصل الغابة الشجر الملتف يغيب فيه من يدخله، لأسبر: لأفتش، وأراد دخلت بين الناس لأجرب وأعرف ما الذي أبكاهم وجلب دموعهم. ويروي «محلبة» بالحاء، وهي من الحلب، يقال: انحلبت عينه، إذا سالت بالدمع. بهرة: وسط. شخت: دقيق ورقيق، والشّخّت: الحطب الرقيق. أهبة السياحة: آلة العبادة وهي مثل العصا وركوة الماء وثياب الصوف وغير ذلك. يطبع الأسجاع، أي يرتبها ويصنعها، تقول: طبعت الدرهم والسيف إذا صنعتهما، وطبعت الكتاب إذا ختمته، وكانت الملوك تكتب في فصوص خواتمها «لا إله إلا الله» و«الملك لله» وتطبع بذلك كتبها هذا المعني أليق بطبع الأسجاع، أي يزينها ويختمها بجواهر كلامه، ومن روى «الجواهر» باللام فعلى «يصنعها» لا غير، والتفسير على الروايتين أخذته عن أبي ذرّ. والأسجاع الكلام المفقر، له قافية. كقافية الشعر، وكان من كلام الكهّان، وهذه الموعظة التي في المقامة من الأسجاع، وسجعت الحمامة، إذا غنّت على طريقة واحدة، يقرع: يضرب. الأسماع: الآذان. زواجر: نواه، وزجره: نهاه وانتهره. أحاطت؛ حلّقت: أخلاط: أصناف. مختلطون. الزّمر: الجماعات. الهالة:
الدارة حول القمر من نوره، والطّفاوة: الدارة حول الشمس. والساهور: هو غلاف القمر الذي يستتر فيه ما نقص منه. الأكمام: جمع كم، وهو الغلاف الذي ينشق عن الثمر ويحيط به وسمّي كما لأنه يستر ما تحته، والأكمام: جمع قليل، والكثير كمام، والثمر حمل الأشجار، دلفت: قربت. ودلف الشيخ في مشيته إذا أسرع من ضعف فقارب خطوه، اقتبس من فوائده: التمس وطلب أخذها واكتسابها، والفرائد: شذور الذهب تفصل ما بين الجواهر. خبّ في مجاله: أخذ في كلامه، والخبّ عدو سهل وهو الذي تسميه العامة السير، وفرس مسيار والمجال للخيل: موضع تصرّفها وجريها، هدرت:
صوّتت. شقاشق: جمع شقشقة، وهي النّفاخة يخرجها فحل الإبل من حلقه عند هياجه ورغائه، ويرجع فيها هديره؛ شبّه صوت الواعظ حين يرفعه ويزجر به الناس بصوت البعير يهيج ويتابع الهدير، قال الأخطل: [الوافر]
إذا هدرت شقاشقه ونشبت له الأظفار ترك له الهدار (١)
أراد: نشبت وترك، فخفف.
***
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الإنصاف ١/ ١٢٤، وفيه «المدار» بدل «الهدار». ولم أجد البيت في ديوان الأخطل.
[ ١ / ٤١ ]
أيّها السّادر في غلوائه، السّادل ثوب خيلائه، الجامح في جهالاته، الجانح إلى خزعبلاته إلام تستمرّ على غيّك، وتستمرئ مرعى بغيك! وحتام تتناهى في زهوك، ولا تنتهي عن لهوك!
***
السّادر: الراكب هواه، لا يردّه شيء استطالة وبغيا، ويقال للذي يطيل الجلوس في الشمس حتى يتحير بصره: قد سدر فهو سادر. في غلوائه: في ارتفاعه للشرّ ولجاجة فيه، وهو من غلا يغلو في الأمر، إذا جاز الحدّ؛ فيقول: يا أيّها الأعمى الكثير اللجاج في ركوب المعاصي؛ هلّا نظرت بعين البصيرة، ورجعت عمّا أنت عليه من الضلال! السّادل: المرخي، خيلائه: كبره. الجامح: الجاري إلى غير غاية، وقد جمح الفرس إذا أكبّ رأسه، وجرى في غير قصد، فيريد أنه أكثر الفساد حتى جرى منه في غير طريق الجانح: المائل. الخزعبلات: الأباطيل، وهو ما يتراءى للإنسان في نومه من الخيال.
تستمرّ: تدوم في زورك. غيّك: ضلالك. تستمرئ: تستطيب من المريء، وهو ما يلتذ به من الطعام. بغيك: ظلمك. تتناهى: تبلغ النهاية، ونهاية الشيء، آخره، زهوك: كبرك وعجبك. اللهو: ما يشغل عن الخير من أنواع الطرب.