شخصت، أي خرجت. الغوطة: موضع بالشأم خصيب بخارج دمشق، قال رسول الله ﷺ: «ستفتح عليكم الشأم فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، هي خير مدائن الشأم وفسطاط المؤمنين بأرض منها يقال لها الغوطة» (١). قال الأصمعيّ: أحسن أنهار الدنيا ثلاثة أنهار: الغوطة، وسمرقند، ونهر الأبلّة، وهو قريب من البصرة، وحشوشها ثلاثة:
عمان، وأردبيل، وهيت. وسمّيت دمشق باسم صاحبها الذي بناها، وهي إرم ذات العماد.
وقال اليعقوبيّ: مدينة دمشق جليلة المقدار قديمة، وهي مدينة الشأم في الجاهلية والإسلام، وليس لها نظير في جميع بلاد الشأم في أنهارها وبساتينها، ومبانيها وكثرة عمارتها. وافتتحت في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ سنة أربع عشرة.
وقال شيخنا ابن جبير: مدينة دمشق هي جنّة المشرق، ومطلع حسنه المونق، وعروس المدن. قد تحلّت بأزاهير الرياحين، وتجلّت في حلل سندسيّة من البساتين، وحلّت من موضع الحسن بمكان مكين، وتجلّت في منصتها بأجمل تزيين، وتشرفت بأن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في السنة باب ٨.
[ ١ / ٣٣٢ ]
آوى الله المسيح وأمّه منها إلى ربوة ذات قرار ومعين. ظلّ ظليل، وماء سلسبيل، ينساب انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض تحيي النفوس بنسيمها العليل، تبرز لناظريها بمجتلى صقيل، وتناديهم: ألا هلمّوا إلى معرّس للحسن ومقيل، وقد سئمت أرضها كثرة المياه حتى اشتاقت إلى الظمأ، فتكاد تناديك بها الصمّ الصّلاب: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ [ص: ٤٢]. قد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر، واكتنفتها اكتناف الأكمام للزهر، وامتدّت بشرقيّها غوطتها الخضراء امتداد البصر، فكل موقع لحظته بجهاتها الأربع، نضرته اليانعة قيد النظر، ولقد صدق القائلون عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك منها، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها.
وقال فيها البحتري: [البسيط]
إذا أردت ملأت الطّرف من بلد مستحسن، وزمان يشبه البلدا (١)
يمسي السحاب على أجبالها فرقا ويصبح النّبت في صحرائها بددا
فلست تبصر إلّا واكفا خضلا أو يانعا خضرا، أو طائرا غردا
كأنّما القيظ ولّي بعد وفدته أو الربيع دنا من بعد ما بعدا
***
قوله: «جرد»، أي خيل قصيرة شعر الجسد. جدة: غنى. مغبوطة: محسودة، أراد مغبوط عليها مالكها، فقلب. يلهيني: يدعوني إلى اللهو. خلوّ الذّرع: فراغ البال والصدر من الهمّ، يزدهيني: يحملني على الزّهو. حفول الضّرع: كثرة المال، والضّرع للبقرة والشاة بمنزلة الثّدي للمرأة، وحفوله: امتلاؤه باللبن. شقّ: مشقة. إنصاء: إهزال.
والعنس: الناقة القوية. ألفيتها: وجدتها النّوى: البعد والانتقال من بلد إلى بلد، وأراد أنه شكر سفره. ويد النّوى: النعمة التي أنعم بها عليه، بأن أوصله إلى الغوطة. الهوى: ما تهواه النفس وتشتهيه. طفقت: أخذت. أفضّ: أكسر. ختوم: ربوط؛ يريد أنّ شهوته التي كانت قد شدّت وربطت أخذ يكسر ختومها ويسرّحها في المآكل والمشارب واللذات. أجتني: أجمع. جناة قطوف: ما يجنى من الثمار، وجعله للذّات اتساعا.
شرع: أخذ وابتدأ. من شرعت الدّابة في الماء، إذا دخلته لتشرب سفّر: مسافرون، الإعراق: المشي إلى العراق، أشفقت: خفت الإغراق: الفقر من أجل الزاد والمأكل، وكأنه غرق في ذلك، فهو يرجع إلى الغرق والإغراق: المبالغة في الشيء، يقال: أغرق الرجل في القول والرمي بالقوس، إذا بالغ فيهما.
عادني: زارني. عيد: شوق، وكلّ ما تذكرته واشتقت إليه فهو عيد، كأنه عاد إلى قلبه بعد نسيانه، ونقل لفظ الشاعر: [الخفيف]
_________________
(١) الأبيات في ديوان البحتري ص ٧١٠.
[ ١ / ٣٣٣ ]
عاد قلبي من الطّويلة عيد واعتراني من حبّها تسهيد (١)
ابن الأنباري، العيد هنا: الوقت الذي يعود فيه الحزن والشوق، وقال تأبط شرّا:
[البسيط]
يا عيد ما لك من شوق وإيراق ومرّ طيف على الأهوال طرّاق
العيد: ما يعتاد من الحزن والشوق، ومعنى «يا لك من شوق»: ما أعظمك من شوق. الحنين: الشوق. العطن: مبارك الإبل حول الماء، وأراد به بلده. قوّضت:
هدّمت. خيام: بيوت. الأوبة: الرجوع، وأراد قطعت أسباب الإقامة.
***
ولمّا تأهّبت الرّفاق، واستتبّ الاتّفاق، ألحنا من المسير، دون استصحاب الخفير، فردناه من كلّ قبيلة، وأعملنا في تحصيله ألف حيلة، فأعوز وجدانه في الأحياء، حتّى خلنا أنّه ليس من الأحياء، فحارت لعوزه عزوم السّيّارة، وانتدوا بباب جيرون للاستخارة؛ فما زالوا بين عقد وحلّ، وشزر وسحل، إلى أن نفد التّناجي، وقنط الرّاجي.
وكان حذتهم شخص ميسمه ميسم الشّبّان، ولبوسه لبوس الرّهبان، وبيده سبحة النّسوان، وفي عينيه ترجمة النّشوان، وقد قيّد لحظه بالجمع، وأرهف أذنه لاستراق السّمع. فلمّا أنى انكفاؤهم، وقد برح له خفاؤهم، قال لهم: يا قوم ليفرخ كربكم، وليأمن سربكم، فسأخفركم بما يسرو روعكم، ويبدو طوعكم.
***
استتبّ: تهيّأ وأقام. ألحنا: خفنا. الخفير: المجير، وهو الذي تمشي الرفاق في ذمته، وتسمّيه العامة الغفير. ردناه: طلبناه. أعوز: عدم. الأحياء الأول: القبائل، والثاني ضدّ الموتى. حالت: تغيّرت. لعوزه: لفقده. عزوم: جمع عزم، وهو الجدّ.
السّيّارة: الرفقة، وهي فعّالة من السير. انتدوا: اجتمعوا.
***