فقد دهاني شؤمه وعقّني فيه أبي
***
استدرّ: طلب الدّرّ وهو اللبن. آمل: راج. حباءكم: عطاءكم. انعطفوا: ميلوا.
منقلبي: مرجعي، يقول: عساكم أن تشفقوا عليّ وتميل قلوبكم بالرحمة إليّ حتى يحسن منقلبي من عندكم. بلوتم: جرّبتم. أسلمني: تركني. الكرب: الهموم. خبرتم:
اختبرتم. حسبي: شرفي. والحسب آباء أشراف بحسب أو أفعال كريمة. مذهبي:
طريقتي. خوت: جمعت. النّخب المختارة. اعترتكم قصدتكم. شبهة: شكّ وحيرة.
دهاني: أهلكني وضرّني. شؤمه: نحسه. عقني قطعني وأساء إليّ بتعليمه، فهو يتطيّر بأدبه.
[الأدب]
والتّطيّر بالأدب مذهب قديم متداول، وقد أشار إليه ابن قتيبة في صدر أدبه:
وقال عمر بن شبّة: من أعجب العجب ثلاثة مقارنة لثلاثة: الحرفة للأدباء، وتباعد المال عن الظرفاء، وإقبال الدنيا على النّوكى.
وقيل للحسن البصري ﵀: لم صارت الحرفة مقرونة مع العلم، والثروة مقرونة مع الجهل؟ فقال: ليس كما قلتم، ولكن طلبتم قليلا في قليل فأعجزكم، طلبتم
[ ١ / ٣٩٨ ]
المال وهو قليل في أهل العلم وهم قليل، ولو نظرتم إلى من تحارف من أهل الجهل لوجدتموهم أكثر؛ وقال الحمدوني: [البسيط]
ما ازددت من أدبي حرفا أسرّ به إلّا تزيّدت حرفا تحته شوم
كذا المقدّم في حذق بصنعته أنى توجّه فيها فهو محروم
وقال أبو إسحاق الصّابي: [الطويل]
إذا جمعت بين امرأين صناعة فأحببت أن تدري الذي هو أحذق
فلا تتفقد منهما غير ما جرت به لهما الأرزاق حين تفرّق
فحيث يكون النّقص فالرزق واسع وحيث يكون الفضل فالرزق ضيّق
أخذه عبد الملك بن وهبون، فقال: [الطويل]
يعزّ على العلياء أنّي خامل وإن أبصرت مني خمود شهاب
وحيث ترى زند النجابة واريا فثمّ ترى زند السّعادة كابي
وقال أبو إسحاق الصّابي: [البسيط]
قد كنت أعجب من مالي وكثرته وكيف تغفل عنه حرفة الأدب
حتى انثنت وهي كالغضبى تلاحظني شزرا فلم تبق لي شيئا من النّشب
واستيقنت أنها كانت على غلط فاستدركته وأفضت بي إلى الحرب
الضبّ والنون قد يرجى اجتماعهما وليس يرجى اجتماع المال والأدب
وقال عليّ بن بسام يرثي عبد الله بن المعتز، على ما كان بينهما من العداوة:
[البسيط]
لله درّك من ميت بمضيعة ناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه «لوّ» ولا «ليت» فتنقصه وإنما أدركته حرفة الأدب
وكان ابن المعتز قام على المقتدر، فلما ظفر به أمر فرمي في صهريج فيه ماء في شدّة البرد فمات. ومن عجائب الدنيا أنّ أباه المعتزّ لما خلع عن الملك أدخل حمّاما، وأغلق عليه فمات من حرّه.
وكما نفوا أنّ يجتمع المال والفهم في الغالب، كذلك نفوا أن تجتمع النجابة في الولد والوالد في الغالب، قال الشاعر. [المتقارب]
إذا أطلع الدهر حرّا لبيبا فكن في ابنه سيّئ الاعتقاد
فلست ترى من نجيب نجيبا وهل تلد النّار غير الرّماد!
ولما أوجع الفقر والحرمان القاضي عبد الوهاب لأجل أدبه على ما شرطوا في
[ ١ / ٣٩٩ ]
الأدب، تمنّى الكفاف ولزوم العلم إلى الممات، فقال: [البسيط]
يا لهف نفسي على شيئين لو جمعا عندي لكنت إذا من أفضل البشر
كفاف عيش كفاني ذلّ مسألة وخدمة العلم حتى ينقضي عمري
فلما فتح عليه باب الرزق مات، على ما يأتي ذكره، فسبحان من أنفذ حكمه في خلقه كيف شاء!
***
فقلنا له: أما أنت فقد صرّحت أبياتك بفاقتك، وعطب ناقتك، وسنمطيك ما يوصّلك إلى بلدك، فما مأربة ولدك؟ فقال له: قم يا بنيّ كما قام أبوك، وفه بما في نفسك لا فضّ فوك. فنهض نهوض البطل للبراز، وأصلت لسانا كالعضب الجراز، وأنشأ يقول: [المجتث]
يا سادة في المعالي لهم مبان مشيده
ومن إذا ناب خطب قاموا بدفع المكيدة
ومن يهون عليهم بذل الكنوز العتيده
أريد منكم شواء وجردقا وعصيده
فإن غلا فرقاق به توارى الشّهيده
أو لم يكن ذا ولا وذا فشبعة من ثريده
فإن تعذّرن طرّا فعجوة ونهيده
فأحضروا ما تسنّى ولو شظى من قديده
وروّجوه فنفسي لما يروج مريده
والزّاد لا بدّ منه لرحلة لي بعيده
وأنتم خير رهط تدعون عند الشّديده
أيديكم كلّ يوم لها أياد جديده
وراحكم واصلات شمل الصّلات المفيدة
وبغيتي في مطاوي ما ترفدون زهيده
وفيّ أجر وعقبى تنفيس كربي حميده
ولي نتائج فكر يفضحن كلّ قصيده
***
قوله: «صرحت» بينت. فاقتك: فقرك، وتصريح أبياته بعطب ناقته هو قوله، «أبدع
[ ١ / ٤٠٠ ]
بي» المتقدّم، وفي معناه: أنّ أعرابيّة خرجت إلى الحجّ، فلما كانت ببعض الطريق عطبت ناقتها، فرفعت يديها إلى السماء وقالت: يا ربّ أخرجتني من بيتي إلى بيتك، فلا بيتي ولا بيتك! قوله: «نمطيك» نعطيك مطيّة. مأربة: حاجة. فه: تكلّم. فضّ: كسر.
نهض: تقدّم. أصلت: جرّد. العضب. الجراز: السيف القاطع. مشيدة: مرتفعة. ناب خطب: قصد أمر شديد. والمكيدة، هي الكيد، وكل ما يكاد به فهو مكيدة. وقاموا بدفعها: اقتدروا عليها، يقول: إذا قصدوا بأمر عظيم وكيدوا به اقتدروا على دفع الكيد واكتفوا بمن يريد ضرّهم. العتيدة: الحاضرة المذخورة. رقاق: خبز رقيق. توارى:
تغطّى. الشّهيدة: الشاة المشوية، وقلّما يؤكل لحمها إلا بالرّقاق، وربما سمّوا الهريسة شهيدة، وأنشدوا في ذلك: [الطويل]
هلمّوا إلى من عذّبت طول ليلها بأضيق سجن في الجحيم تسعر
وقد جلدوها الحدّ وهي برّيّة فسيروا إلى دفن الشهيدة تؤجروا
وقيل: الشهيدة الدّجاجة المحشوّة، وقيل: السمكة المحشوّة. طرّا: جميعا.
عجوة: نوع من التمر الطيّب. والنّهيدة: الزّبدة، والتمر بالزّبد شيء يلذ عندهم أكله.
تسنّى: حضر. شظّى: قطعة. روّجوه: عجّلوه. ولا بدّ منه، أي قد وجب عليكم فالتزموه لي، تقول: لا بدّ من كذا، معناه قد ألزمته نفسي وجعلته واجبا عليّ، من قول العرب: قد أبد الرّجل القوم، وأبد الرامي الوحش، إذا ألزمهنّ الحتف، قال أبو ذؤيب:
[الكامل]
فأبدهنّ حتوفهنّ فهارب بذمائه أو بارك متجعجع (١)
قوله: «أياد»: أي نعم. راحكم: أكفّكم. واصلات شمل الصّلات: أي تؤلّف وتصل متفرق العطايا والفوائد. بغيتي: إرادتي. مطاوي ما ترفدون. مطاوي الثوب:
معاطفه وما يطوى منه. وترفدون: تعطون، وتقدير البيت: بغيتي زهيدة أي قليلة في مطاوي عطاياكم، أي ما طلبته منكم قليل في أثناء ما تهبون. قوله: «وفيّ أجر»: عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ: «من أطعم أخاه المؤمن طعاما وافق به شهوته أدخله الله الجنة». وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص «من أطعم أخاه خبزا حتى يشبعه وسقاه ماء يرويه أبعده الله من النار سبع خنادق». تنفيس: تفريج، وترويح، يقول:
عاقبة تفريج همي لمن فرّجه محمودة للأجر الّذي فيها، والثناء بشعري عليه، وعلى هذا رتّب: «ولي نتائج فكر»: وهي أشعاره الحسان. يفضحن: يشهرن عيوبها، يقول: إذا أنشدت شعري افتضحت قصائد الشعراء وتنقصت.
_________________
(١) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص ٢٤، ولسان العرب (بدد)، (جعع)، (ذمي)، ومقاييس اللغة ١/ ١٧٦، ٤١٦، وكتاب العين ١/ ٦٨، وأساس البلاغة ذمي، وتهذيب اللغة ١/ ٦٩، ١٤/ ٧٨، ١٥/ ٢٦، وتاج العروس (بدد)، (جعع)، (ذمي)، وبلا نسبة في المخصص ٣/ ٢٣، ٨٠.
[ ١ / ٤٠١ ]
قال الحارث بن همام: فلمّا رأينا الشّبل يشبه الأسد، أرحلنا الوالد وزوّدنا الولد، فقابلا الصّنع بشكر نشرا أرديته، وأدّيا به ديته. ولمّا عزما على الانطلاق.
وعقدا للرّحلة حبك النّطاق، قلت للشيخ: هل ضاهت عدتنا عدة يعقوب، أو هل بقيت حاجة في نفس يعقوب! فقال: حاش لله وكلّا، بل جلّ معروفكم وجلّى، فقلت له: فدنّا كما دنّاك، وأفدنا كما أفدناك أين الدّويرة، فقد ملكتنا الحيرة! .
***
الشّبل: ولد الأسد. أرحلناه: أعطيناه راحلة يركبها. الصنع: الفعل الجميل. نشرا أرديته: استعارة لنشر الشكر. أدّيا: أعطيا. ديته: حقّه، يقول: جعلا شكرهما حقّا لبرّنا ومكافأة لصلتنا، وكأن المال الموهوب قد استهلكه الآخذ له، فإن شكر عليه فالشّكر للواهب هو دية ماله الهالك. وإنما أراد قول النبي ﷺ: «من نشر معروفا فقد شكره، ومن ستره فقد كفره».