ووفد عبيد بن الأبرص على النعمان الأكبر، وهو ابن الشقيقة وباني الخورنق، فامتدحه فوصله وأكرمه، وكان له يوم نعيم ويوم بؤس في السنة، فورد عليه في ويوم بؤسه، فقال له: ما أخرجك، ثكلتك أمك! فقال: حضور أجلي، وانقطاع أملي؛ وكان من لقيه يوم بؤسه لم يخلّصه من الموت شيء، فاستنشده: [مخلع البسيط]
* أقفر من أهله ملحوب* (١)
فقال له: حال الجريض دون القريض، فعزم عليه أن ينشد، فأنشده: [مخلع البسيط]
أقفر من أهيله عبيد فاليوم لا يبدي ولا يعيد (٢)
ثم قال له: اختر، إن شئت أخرجت نفسك من الأكحل، وإن شئت من الأبجل، وإن شئت من الوريد، فقال عبيد: [السريع]
خيّرتني بين سحابات عاد فردت من بؤسك شرّ المراد
_________________
(١) عجزه: فالقطبيات فالذنوب والبيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص ٢٣، وجمهرة اللغة ص ٢٨٤، وخزانة الأدب ٢/ ٢١٨، ولسان العرب (ذنب)، (لجب)، (رمل)، (هزل)، (قطم)، وبلا نسبة في رصف المباني ص ٤٣٥، وتاج العروس (قطب).
(٢) البيت في ديوان عبيد بن الأبرص ص ٤٥، وكتاب العين ٥/ ١٥١، ومقاييس اللغة ٤/ ١٨١، وأساس البلاغة (بدأ)، وجمهرة الأمثال ١/ ٣٥٩، والفاخر ص ٢٥١، ولسان العرب (قفر)، وبلا نسبة في كتاب العين ٢/ ٢١٨.
[ ١ / ٣٨٨ ]
وكان قتل النعمان لعبيد سبب قطعه يوم بؤسه، فلم يفعله بعد. [السريع]
***
فغيّضت منهم صروف الرّدى بحار جود لم نخلها تفيض
وأودعت منهم بطون الثّرى أسد التحامي وأساة المريض
فمحملي بعد المطايا المطا وموطني بعد البقاع الحضيض
وأفرخي ما تأتلي تشتكي وبؤسا له في كلّ يوم وميض
إذا دعا القانت في ليله مولاه نادوه بدمع يفيض
يا رازق النّعّاب في عشّه وجابر العظم الكسير المهيض
أتح لنا اللهمّ من عرضه من دنس الذّمّ نقيّ رحيض
يطفئ نار الجوع عنّا ولو بمذقة من حازر أو مخيض
فهل فتى يكشف ما نابهم ويغنم الشّكر الطويل العريض
فو الذي تعنو النواصي له يوم وجوه الجمع سود وبيض
لولاهم لم تبد لي صفحة ولا تصدّيت لنظم القريض
***
قوله: «غيّضت»، أي أذهبت. والصروف: الطواري تصرفك من حال إلى حال. لم أخلها: لم أحسبها. أودعت: ضمنت. الثرى: التراب. التّحامي: الحماية والمنعة، وتحاميته: تباعدت منه وتمنّعت عليه. أساة: أطباء: المطايا: الإبل. المطا: الظهر.
محملي: ما أحمل عليه أثقالي. تقول: صرت أحمل على ظهري بعد أن كان محملي ظهور الإبل. اليفاع: الارتفاع من الأرض. الحضيض: أسفل الجبل. ما تأتلي: تقصّر. بؤسا:
ضرّا. وميض: لمعان. القانت: العابد، والقنوت. طول القيام: يفيض: يملأ العين حتى تفيض بالدمع. النّعّاب: فرخ الغراب، اختصّه من الطير لأنهم يزعمون أنه يخرج من بيضته أبيض الزّغب، فيراه الذّكر فيستريب فيضرب أنثاه، وينقرها حتى تفرّ طائرة فيطير خلفها ويتركانه، فيقيّض الله له ذبابا يطير حول عينيه، فيفتح منقاره ليشرّدها، فتدخل في حلقه، فيتغذّى بها حتى يسودّ ريشه، فحينئذ يرجع إليه أبواه، فيكمّلان تربيته. ويا رازق النّعاب، من دعاء داود ﵇. المهيض: الذي انكسر بعد الجبر. أتح: قدّر. رحيض: مغسول.
مذقة: جرعة. حازر. لبن حامض شديد الحموضة. والمخيض: اللبن يمزج بالماء، ويحرّك، والمخض التحريك ليخرج زبده، وإذا طال مكث المخيض واشتدّت حموضته سمي حازرا. نابهم: نزل بهم. العريض: الواسع العرض. تعنو: تذلّ. النّواصي: شعر مقدّم الرأس. صفحة: ناحية العنق. تصدّيت: تعرّضت. القريض الشعر.
***
قال الرّاوي: فو الله لقد صدّعت بأبياتها أعشار القلوب، واستخرجت خبايا
[ ١ / ٣٨٩ ]
الجيوب، حتى ماحها من دينه الامتياح، وارتاح لرفدها من لم نخله يرتاح، فلمّا افعوعم جيبها تبرا، وأولاها كلّ منّا برّا، تولّت يتلوها الأصاغر، وفوها بالشّكر فاغر، فاشرأبّت الجماعة بعد ممرّها، إلى سبرها، لتبلو مواقع برّها. فكفلت لهم باستنباط السّرّ المرموز، ونهضت أقفو أثر العجوز، حتى انتهيت إلى سوق مغتصّة بالأنام، مختصّة بالزّحام، فانغمست في الغمار، وامّلست من الصّبية الأغمار، ثم عاجت بخلوّ بال، إلى مسجد خال، فأماطت الحلباب، ونفضت النّقاب، وأنا ألمحها من خصاص الباب، وأرقب ما ستبدي من العجاب.
***
قوله: «صدعت»: شقّت: أعشار: قطع: خبايا: ما خبّئ فيها من الدراهم.
ماحها: أعطاها. دينه: عادته. الامتياح: طلب المعروف، يريد مشيخة الشعراء الذين قد مرّ ذكرهم، وعيش الشعراء إنما هو من الاستجداء والطلب، ومعلوم أنه من كانت عادته أن يأخذ لا يعطي في الغالب شيئا، ولذلك قال: من لم نخله يرتاح، أي من لم نحسب أنه يهتزّ للعطاء، وقد ارتاح، إذا اهتزّ للكرم والعطاء ولذلك قال حبيب: [الكامل]
لم يخلق الرّحمن أحمق لحية من سائل يرجو النّدى من سائل
وقال آخر: [الطويل]
لموت الفتى خير من الفقر للفتى وللموت خير من سؤال بخيل
لعمرك ما شيء لوجهك قيمة فلا تلق مخلوقا بوجه ذليل
ولا تسألن من كان يسأل مرّة فللموت خير من سؤال سئول
وحدّث عيسى بن عمر النحويّ، قال: قدمت من سفر، فدخل عليّ ذو الرّمة الشاعر، فعرضت عليه أن أعطيه شيئا، فقال: أنا وأنت نأخذ ولا نعطي.
ومدح أبو الشمقمق مروان بن أبي حفصة فقال له: يا أبا الشمقمق، أنت شاعر وأنا شاعر، وغايتنا جميعا السؤال.
وكان بشار يعطيه في كل سنة مائتي درهم، فأتاه مرّة، فقال: هلمّ الجزية يا أبا معاذ، فقال: ويحك! أجزية هي؟ قال: هو ما تسمع، فقال له بشار يمازحه: أنت أفصح منّي؟ قال: لا، قال: فأعلم؟ قال: لا، قال: فأشعر؟ قال: لا، قال: فلم أعطيك؟ قال:
لئلا أهجوك، قال: إن هجوتني هجوتك، قال أبو الشمقمق: أو كذا هو؟ اسمع: [الرجز]
إني إذا ما شاعر هجانيه أدخلت في است أمّه علانيه
بشار يا بشار وأراد أن يقول: يا بن الزانية، فأمسك بشّار بفمه، وقال: أراد والله
[ ١ / ٣٩٠ ]
أن يشتمني. ثم دفع إليه مائتي درهم، وقال: لا تسمعنّ منك هذا الصبيان.
ولقيت بسجلماسة شاعرها وعينها الحاج أمدحثر، وكان له شعر رائق، فحدّثت عنه أنه قصده يوما فتى شاعر يستجديه بشعر، فوقع الحاجّ تحت شعره: [الرجز]
نحن بزاة النّاس لا نصاد من كان ذا فهم بنا يصطاد
ثم كتب له، قطعة من شعره، وقال له: اقصد بها فلانا فإنه يصك بما يرضيك، فعلم المقصود بالشعر بنية الحاج، فوصله بما أرضاه.
وعد أبو نواس أبا الطفيل الشاعر وعدا فألحّ عليه، فقال: [الطويل]
وأخرس ولاج وغاد ورائح رجاء نوال لو يعان بجود
وإني وإياه كعريان يصطلي من الطّلّ نارا غير ذات وقود
زويت له وجها قطوبا عن النّدى وألبسته من وعده بوعيد
فإن كنت لا عن سوء فعلك مقلعا فدونك فاستظهر بنعل حديد
فعندي مطل لا يطير غرابه مطير ولا يدعى له بوليد
قوله: «افعوعم»، امتلأ، وافعوعل بينت للمبالغة. تبرا: ذهبا. أولاها: أعطاها.
البرّ: الإكرام. فاغر: منفتح. اشرأبّت: تطلّعت، وتقول: اشرأبّ الرجل، إذا مدّ عنقه لينظر. سبرها: اختبارها. تبلو تختبر، يريد أن الجماعة أرادت أن تعرف: هل أوقعت إكرامها فيمن يستحقه أم لا. كفلت ضمنت. استنباط: استخراج. المرموز: المخفي.
نهضت: تقدّمت للمشي أقفو: أتبع. مغتصّة: ممتلئة. انغمست: غابت ودخلت.
الغمار: كثرة الخلق وجماعتهم الّتي تغمر الأرض، أي تغطّيها، وردّه ابن الأنباري وجعله من خطأ العامّة، وقال: إنما تقول العرب دخل في خمار الناس، بالخاء، وهو جمعهم، إذا استتر بهم، ومنه الخمار لتغطية الرأس، ومنه الخمر. وقال يعقوب: هو كلّ ما استتر به الإنسان من شجر أو غيره، فإن كان من شجر خاصّة فهو الضّراء، وحكى بعضهم غمارا، جعله من غمر الماء الشيء، إذا غطاه. قوله: امّلست: انفلتت بسهولة، والامّلاس: أن يسقط الشيء من يدك ولا تشعر به. الأغمار: الجهّال. عاجت: مالت.
بخلوّ بال، أي خالية منفردة. أماطت: أزالت. الجلباب: ثوب أوسع من الخمار يتجلبب به، أي يلتف فيه والجلباب كالملحفة للمرأة والرداء للرجل. نضت: نحّت وجرّدت:
النقاب: ما يغطّى به الوجه ألمحها: أنظرها. خصاص: فرج، يريد به من شقوق الباب.
***
فلمّا انسرت أهبة الخفر، ورأيت محيّا أبي زيد قد سفر، فهممت بأن أهجم عليه، على ما أجري إليه، فاسلنقى اسلنقاء المتمرّدين. ثم رفع عقيرة المغردين، واندفع ينشد: [المجتث]
[ ١ / ٣٩١ ]
يا ليت شعري أدهري أحاط علما بقدري
وهل درى كنه غوري في الخدع أم ليس يدري
كم قد قمرت بنيه بحيلتي وبمكري
وكم برزت بعرف عليهم وبنكري
أصطاد قوما بوعظ وآخرين بشعر
وأستفزّ بخلّ عقلا وعقلا بخمر
وتارة أنا صخر وتارة أخت صخر
ولو سلكت سبيلا مألوفة طول عمري
لخاب قدحي وقدحي ودام عسري وخسري
فقل لمن لام: هذا عذري فدونك عذري
***
انسرت: زالت، ويروى: بفصل سرت عن إن، ومعناه إن أزالت بالهمزة- والمنفصل فعل العجوز، والمتصل فعل الأهبة، وهي العدّة؛ يريد لمّا أن زالت عنها هيئة لباسها التي استترت بها عنا كان الخفر وهو الحياء يمنعها أن تكشف وجهها حتى نعرفها. محيّا: وجه سفر: انكشف. أهجم: آخذه على غفلة. أعنّفه: أقبّح فعله. اسلنقى: صار على ظهره.
المتمردين: الشياطين ومن لا يرجى صلاحه. عقيرة: صوت. المغرّدين. المطربين بالغناء، والعقيرة بمعنى معقورة، أي جارحة مقطوعة. كان رجل قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى. ورفع صوته فقيل لكلّ من رفع صوته: قد رفع عقيرته.
قوله: «يا ليت شعري» معناه: ليت درايتي وفطنتي، ومعنى الشاعر في كلامهم الفطن العالم، وسمّي شاعرا، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره. وأجاز الفرّاء: ليت شعري أباك ما صنع، على معنى: ليتني أعلم أباك ما صنع، وأنشد: [الخفيف]
ليت شعري مسافر بن أبي عم رو وليت يقولها المحزون (١)
ومعناه ليتني أعلم مسافرا.
وقال آخر: [الخفيف]
خمّر الشيب لممّتي تخميرا وحدا بي إلى القبور البعيرا
ليت شعري إذا القيامة قامت ودعي بالحساب أين المصيرا
_________________
(١) البيت لأبي طالب في الاشتقاق ص ١٦٦، وخزانة الأدب ١٠/ ٣٦٣، وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ٢٦١، ولسان العرب (شعر).
[ ١ / ٣٩٢ ]
قال ثعلب: المصير منصوب بشعري، أي ليتني أعلم المصير أين هو، والبعير منصوب بحدا، أي وحدا الشيب البعير إلى القبور بي. كنه: حقيقة. غوري: آخر أمري، وأصل الغور: قعر الحرجة والمنخفض من الأرض. قمرت: غلبت وخدعت. مكري:
خداعي. أستفزّ: أستخف وأخدع، واستفزّه من كذا: أخرجه منه، والخلّ كناية عن الشرّ، والخمر كناية عن الخير، هذا على مذهب العرب. وكانت الخمر أجلّ ما عندهم، ويقولون: ما عنده خلّ ولا خمر، أي ما عنده شرّ ولا خير، وإذا فسدت الخمر عندهم صارت خلا، وقد قال في ألغازه: [مجزوء الوافر]
وما شيء إذا فسدا تحوّل غيّه رشدا
يريد أنّ الخمر إذا فسدت، صارت خلا، فبعد أن كانت حراما رجعت حلالا، وزال تأثيرها في العقول.
صخر: هو ابن الشريد، وأخته الخنساء، فأراد أنه مرّة رجل، ومرّة، أخرى امرأة.
ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «أربعة لعنوا في السماء:
رجل خلقه الله ذكرا فتأنّث، وامرأة خلقها الله أنثى فتذكرت، تتشبّه بالرجال. والذي يضلّ الأعمى، ورجل حصور؛ ولم يجعل الله حصورا إلّا يحيى بن زكريا ﵉».
وأما صخر، فهو ابن عمرو بن الحارث بن الشّريد بن رباح، من بني سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. وكان في جماله أجمل رجل في العرب، وسنذكر لمعة من أخبار صخر وأخته الخنساء في المقامة الأربعين إن شاء الله تعالى.
سلكت سبيلا: دخلت طريقا. مألوفة: مركوبة ملتزمة قدحي: سهمي. قدحي:
ضربي بالزّند. عسري: فقري. خسري: ضدّ ربحي، والخسر: النقص، يريد: لو مشيت على طريقه واحدة أبدا لخسرت وخبت. دونك، أي خذ.
***
قال الحارث بن همّام: فلمّا ظهرت على جليّة أمره، وبديعة إمره، وما زخرف في شعره من عذره، علمت أن شيطانه المريد، لا يسمع التفنيد، ولا يفعل إلا ما يريد. فثنيت إلى أصحابي عناني، وأبثثتهم ما أثبته عياني، فوجموا لضيعة الجوائز، وتعاهدوا على محرمة العجائز.
***
جلية: ظاهرة. بديعة: غريبة. إمره: دهائه وعجبه. زخرف: زيّن. المريد: العاري من الخير إنما هو شرّ كله. التفنيد: اللوم، وفنّدت فعله، إذا عبته. ثنيت: عطفت، وتقول: جاء ثانيا عنانه، إذا بلغ مراده ولم يجهد نفسه. أبثثتهم: أخبرتهم: أثبته. حققه. عياني: معاينتي.
وجموا: غضبوا. الجوائز: العطايا. تعاهدوا: تحالفوا. محرمة: منع وحرمان.
[ ١ / ٣٩٣ ]