وقولهم: طلب أثرا بعد عين، كأنّ رجلا تمكّن من عدوّه أو من صيد ليرميه، فتراخى عنه حتّى فاته، ثم شدّ في طلبه بعد الفوت؛ وأوّل من قال ذلك مالك بن عمرو العامريّ؛ وكان بعض ملوك غسان أخذه وأخاه سماكا بسبب قتيل كان له في عمالته،
_________________
(١) القحم الرجل المتناهي سنا.
[ ١ / ٣٠٥ ]
فحبسهما زمانا، ثم قال لهما: إني قاتل أحدكما، فجعل كلّ واحد منهما يقول: اقتلني مكان أخي، فقتل سماكا وخلّي مالكا، فقال سماك حين ظنّ أنهمقتول: [المتقارب]
وأقسم لو قتلوا مالكا لكنت لهم حيّة راصده (١)
برأس سبيل على مرقب ويوما على طرق وارده
أأمّ سماك فلا تجزعي فللموت ما تلد الوالده
وانصرف مالك إلى قومه، فلبث فيهم زمانا. ثم إن ركبا مرّوا بهم وأحدهم يغنّي بهذا البيت: [المتقارب]
* وأقسم لو قتلوا مالكا*
فسمعت بذلك أمّ سماك، فقالت: يا مالك، قبّح الله الحياة بعد سماك! اخرج في طلب ثأر أخيك، فخرج فلقي قاتل أخيه في ناس من قومه، فقال: من أحسّ لي الجمل الأحمر! فعرّفوه، فقالوا له: لك مائة من الإبل، وكفّ عنه، فقال: لا أطلب أثرا بعد عين، فذهبت مثلا، ثم حمل على قاتل أخيه فقتله.
***
قوله: «جلّ»، أي عظم. عراك: قصدك. رزء الحسين: المصاب بقتله حين قتل بكربلاء.
وحديثه أن معاوية لمّا مات أرسل إليه أهل الكوفة أن قد حبسنا أنفسنا على بيعتك.
وطولب بالمدينة أن يبايع يزيد، فخرج إلى مكة، وأرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى الكوفة وقال له: إن كان حقّا ما كتبوا به، فعرّفني ألحق بك.
فخرج من مكّة للنصف من رمضان، وقدم [الكوفة] لخمس خلون من شوّال، وأميرها النّعمان بن بشير، فدخل مستترا، فبايعه من أهلها ثمانية عشر ألفا. فكاتبه بذلك.
فلمّا همّ بالخروج لقيه ابن عباس ﵄، فقال له: يا بن عمّ، أهل العراق أهل غدر، وإنّما يدعونك للحرب، فقال له: يا ابن عمّ، كتب إليّ مسلم باجتماع أهل الكوفة عليّ، فقال له: قد جرّبتهم، وهم أصحاب أبيك وأخيك. وقتلتك غدا مع أميرهم، إذا بلغ ابن زياد خبرك استفزّهم، فكان الذين كتبوا إليك أشدّ عليك عن عدوّك، فإن أبيت إلّا الخروج فلا تخرجنّ بنسائك وولدك معك، فإنّي لخائف أن تقتل كما قتل عثمان، ونساؤه وولده ينظرون إليه. فردّ عليه: لأن أقتل بموضع كذا، أحبّ إليّ من أن أستحلّ بمكة.
_________________
(١) الأبيات لسماك بن عمرو العاملي في لسان العرب (لوم)، وخزانة الأدب ٩/ ٥٣٤. ويروى صدر البيت الأول: فأقسم لو قتلوا خالدا
[ ١ / ٣٠٦ ]
واتّصل الخبر بيزيد، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بتوليته الكوفة. فخرج مسرعا، فدخلها في حشمه وهو ملثّم، والناس يتوقّعون قدوم الحسين، فجعل عبيد الله بن زياد يسلّم على الناس، والناس يقولون: وعليك السلام يا ابن رسول الله، قدمت خير مقدم، حتى انتهى إلى القصر.
فحسر اللّثام، ففتح له النعمان الباب، وتنادي النّاس: ابن مرجانة، فحصبوه بالحصباء، ففاتهم. ووضع الرّصد في طلب مسلم، فصاح مسلم: يا منصور- وكان شعارهم- فاجتمع له في ساعة واحدة ثمانية عشر ألفا. فأحاطوا بالقصر فقاتلوا ابن زياد، فلم يمس المساء ومعه مائة رجل. فلما رأى تفرّقهم سار نحو أبواب كندة، فبلغ الباب ومعه ثلاثة، فخرج وليس معه أحد، فبقي حائرا لا يدري أين يتوجّه، فنزل من على فرسه، ودخل أحد أزقّة الكوفة، فانتهى إلى باب مولاة لمحمد بن الأشعث، فاستسقاها فسقته، وأعلمها حاله، فرقّت له، فآوته وأعلمت محمد بن الأشعث بمكانه، فمشى إلى ابن زياد، فأعلمه، فوجّه معه سبعين رجلا، فاقتحموا عليه، فقاتلهم مسلم، وأمّنه محمد بن الأشعث، وحمله إلى ابن زياد فضرب عنقه، وبعث برأسه إلى يزيد بن معاوية، فصلب جثّته.
وانتهى الأمر إلى الحسين، وقد بلغ القادسيّة، فهمّ بالرجوع، فقال له إخوة مسلم:
لا نرجع أو نقتل، أو نأخذ بثأرنا، فقال الحسين: لا خير في العيش بعدكم، فسار حتى لقي خيلا لابن زياد، وعليها عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فعدل إلى كربلاء، وهو في نحو خمسمائة فارس، فلما كثرت العساكر أيقن أنّه لا محيص له، فقال: اللهمّ احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا، ثم هميقاتلوننا! ثم خطب قومه فقال: يا عباد الله، اتّقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر، فإن الدنيا لو بقيت على أحد، أو بقي عليها أحد، لكانت الأنبياء أحقّ بها وبالبقاء، غير أنّ الله خلقها للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحل، وسرورها مكفهرّ، والدار قلعة، والمنزل تلعة (١)؛ فتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلكم تفلحون.
ثم قاتل حتى قتل ﵁ وفيه ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة؛ وتولّى قتله سنان بن أنس النّخعيّ، واحتزّ رأسه، وانطلق به مسرعا إلى ابن زياد، وهو يقول: [الرجز]
أوقر ركابي فضة وذهبا إني قتلت الملك المحجّبا
* قتلت خير الناس أمّا وأبا*
وبعث معه الرأس إلى يزيد بن معاوية، وعنده أبو برزة، فجعل ينكت بالقضيب على فيه، وهو يقول: [الطويل]
_________________
(١) التلعة: مجرى الماء من أعلى بطون الأرض.
[ ١ / ٣٠٧ ]
نفلّق هاما من رجال أعزّة علينا، وهم كانوا أعقّ وأظلما (١)
فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك عن فمه، فلقد رأيت رسول الله ﷺ يلثمه.
وقتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وقتل معه سبعة وثمانون، منهم عليّ ابنه الأكبر، ومن ولد أخيه الحسن عبد الله والقاسم وأبو بكر، ومن إخوته العباس وعبد الله وجعفر ومحمد وعثمان بنو عليّ، ومن بني عمّه جعفر ومحمد وعون أبناء عبد الله بن جعفر. ومن ولد عقيل عبد الله وعبد الرحمن وجعفر، ودفنهم أهل القادسيّة بعد قتلهم بيوم، وقتلوا هم من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانين.
***
قوله: «اعتضت»: اقتلعت من العوض. يبغي ذين: يطلب هذين. الظّباء: الغزلان.
يلج: يدخل. محدقا باللّجين، أي محلّقا بالفضة، والصائد يفرّق حول الفخ حبّ القمح وشبهه، فيلقطه الطائر حتى يتوصّل إلى ما نصب له فيقع، فقال: ما كلّ طائر يخدع، ولو حلّق له الفخّ بحبّ اللّجين بدلا من القمح، وإني من هذا الصنف.
قوله: «ولكم من سعى ليصطاد فاصطيد»، من قول الصابي: [الرجز]
يا قمرا كالخشف في نظرته وكالقضيب اللّدن في نضرته
خلتك صيدا كان في قبضتي فصرت من صيدي في قبضته
والسابق له كعب بن زهير في قوله: [البسيط]
طاف الرّماة بصيد راعهم فإذا بعض الرّماة بنبل الصيد مقتول (٢)
***