وقال القاضي أبو جعفر بن عمر في ذمّ الكبر وما يتعلق به: [الوافر]
ولا تنسب إلى كبر فهذا أبوك التّرب يخفضك انتسابا
ولا تصحب أخا كبر وقدّم على النّفس الأعادي والصّحابا
ولا تحبب محاباة بمدح كفى بالمرء حوبا أن يحابى
وحاذر أن ترى في القوم رأسا ولا تنس الذّنوب وكن ذنابى
ترابا كن هنا فعساك ألّا تمنّى أن تكون غدا ترابا
وقال أبو نواس: [البسيط]
حذّرتك الكبر لا يغشاك ميسمه فإنّه ملبس نازعته الله (١)
يا بؤس جلد على جوف مجوفه يحوي مقادير إن كلمته تاها
يرى عليك له فضلا يبين به إن نال في العاجل السلطان والجاها
إني لأمقت نفسي عند نخوتها فكيف آمن مقت الله إيّاها
وقال أبو العتاهية: [السريع]
_________________
(١) الأبيات فى ديوان أبي نواس ص ١٩٧.
[ ١ / ٤٢ ]
عجبت للإنسان في فخره وهو غدا في قبره يقبر (١)
ما بال من أوّله نطفة وجيفة آخره يفخر!
أصبح لا يملك تقديم ما يرجو ولا تأخير ما يحذر
***
تبارز بمعصيتك، مالك ناصيتك، وتجترئ بقبح سيرتك على عالم سريرتك، وتتوارى عن قريبك، وأنت بمرأى رقيبك، وتستخفي من مملوكك، وما تخفى خافية على مليكك أتظنّ أن ستنفعك حالك إذا آذن ارتحالك! أو ينقذك مالك، حين توبقك أعمالك! أو يغني عنك ندمك، إذا زلّت قدمك! أو يعطف عليك معشرك، يوم يضمك محشرك!
***
قوله: «تبارز» أي تكاشف وتقابل، والبارز: الظاهر المنكشف، والناصية: شعر مقدم الرأس. تجترئ: تقدم وشجع. والجريء: الشجاع المقدام. سيرتك: عادتك، وجمعها سير وهي ما يعامل به الناس من خير أو شرّ، وتقول: سرت سيرة من خير أو شرّ، إذا أحدثتها فعمل بها الناس بعدك، فصارت عادة لهم ولذلك فسرّنا السيرة بالعادة حيث وقعت، وأصل السيرة هيئة فعل السّير، وذلك أنك تقول: جلس فلان جلسة بالفتح، وهي المرة الواحدة من جلوسه، فإذا كسرت الجيم فهي هيئة جلوسه، ومثله ركب ركبة والرّكبة هيئة ركوبه، وتقول: سار هذا الفعل سيرة، والسّيرة بالكسر: هيئة سيره في الناس من حسن أو قبح أو صواب أو خطأ، وسيرة رسول الله ﷺ: هيئة أفعاله حيث كانت. تتوارى: تستتر بمرأى من رقيبك، أي بمنظر ربّك أو بحيث يراك، ورقيب الشيء: حافظه وحارسه. ومليكك: مالكك، وأراد أنّ الإنسان إذا خلا بريبة، استتر بها عن أخيه وعبده حياء منهما، ولا يستحي من ربّه الذي يطّلع على معاصيه، ولا يخفى عليه خافية، وأشار إلى قوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ [النساء: ١٠٨]، وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: [البسيط]
إن كنت تعلم أن الله يا عمر يرى ويسمع ما يأتي وما تذر
وأنت في غفلة من ذاك تركب ما نهاك عنه، فأين الخوف والحذر!
تجاهر الله إقداما عليه، ومن حثالة النّاس تستحيي وتعتذر
وقال نابغة بني شيبان: [الخفيف]
_________________
(١) الأبيات في ديوان أبي العتاهية ١٠٣.
[ ١ / ٤٣ ]
إن من يركب الفواحش سرا حين يخلو بسرّه غير خال (١)
كيف يخلو وعنده كاتباه شاهداه وربّه ذو الجلال
وقال أبو نواس: [الطويل]
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت، ولكن قل عليّ رقيب (٢)
ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب
لهونا لعمر الله حتى تراكمت ذنوب على آثارهن ذنوب
حالك: عزّتك ومالك. آن: حان وقرب. ارتحالك: انتقالك، توبقك: تهلكك، يقال: أوبقته الذنوب، أهلكته فوبق، أي هلك ووبق أيضا.
وقال أعشى همدان: [البسيط]
أستغفر الله أعمالي الّتي سلفت من عثرة يعاقبني بها أبق
زلّت: زلقت .. معشرك: قومك. محشرك: موضعك الذي تحشر إليه.
***
هلّا انتهجت محجّة اهتدائك، وعجلت معالجة دائك، وفللت شباة اعتدائك، وقدعت نفسك فهي أكبر أعدائك!
أما الحمام ميعادك فما إعدادك! وبالمشيب إنذارك، فما أعذارك، وفي اللّحد مقيلك، فما قيلك! وإلى الله مصيرك فمن بصيرك! طالما أيقظك الدّهر فتناعست، وجذبك الوعظ فتقاعست، وتجلّت لك العبر فتعاميت، وحصحص الحقّ فتماريت، وأذكرك الموت فتناسيت، وأمكنك أن تواسيفما آسيت.
***
انتهجت: ركبت. والنهج المنهج والمنهاج: الطريق الواضح. محجّة: طريق، من حجة يحجّه، إذا قصده. اهتدائك؛ استقامتك. معالجة: مداواة. فللت كسرت. شباة: حدّ.
اعتدائك: جورك وظلمك. قدعت: كففت قال النبي ﷺ: «ليس عدوّك الذي إن قتلته كان لك نورا، وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك». قال الأصمعي: كنّا بطريق مكة في بعض المنازل، إذ وقفت علينا أعرابية فقالت: أطعمونا مما أطعمكم الله، فناولها بعض القوم شيئا فقالت له: كبت الله لك كلّ عدوّ لك إلا نفسك.
_________________
(١) الأبيات في ديوان النابغة ص ٦٤.
(٢) البيتان في ديوان أبي نواس ص ٢٠١.
[ ١ / ٤٤ ]
قوله: «أما»: حرف إخبار واستفتاح كألا، الحمام: الموت، من حمّ الأمر، قضي:
الموعد. ما إعدادك: ما استعددت له، والاعداد مصدر أعدّ للأمر إذا هيأ له ما يحتاج إليه من عدّة، يقول: الموت: هو الذي وعدت به أن يأتيك ولا بد، فاستعد له من أفعال البر.
وللفقيه الزاهد أبي عمران موسى بن عمران: [السريع]
يا صاح في الموت لنا حكمة بالغة لو أننا ننتفع
فاعمل له قبل مفاجاته ويحصد الزارع ما قد زرع
لا حيلة تنجيك منه ولا ذو وزر عنه به يمتنع
كم أمم أفناهم قبلنا وشمل قوم شتّه فانصدع
ولحبيب: [الطويل]
فقد أيقنت بالموت نفسي لأنّني رأيت المنايا يخترمن حياتيا (١)
فيا ليت أنّي بعد موتي ومبعثي أكون رفاتا لا عليّ ولا ليا
المشيب: الشيب، يقال: شاب رأسه شيبا أو مشيبا. إنذارك: إعلامك، وأنذرك:
أعلمك ممّا تحذر وخوّفك منه، وأراد قوله تعالى: وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر: ٣٧]، وانظر هذا المعنى في الحادية والأربعين مستوفي نظما ونثرا.
أعذارك: جمع عذر، والإعذار بكسر الهمزة مصدر أعذر في طلب الحاجة إذا بالغ فيها قال: ابن السّبتي وجنّس قوافيه: [مخلع البسيط]
الشّيب في مفرقي حلّا وعقد عهد الملاح حلّا
وكان كالآبنوس رأسي فاحتله عاجه فحلّا
وحرّمت وصلي الغواني وقلن قتل العميد حلّا
اللحد: حفرة في جانب القبر، ولحد الميت وألحده: شقّ له في جانب القبر وأصل اللفظة الميل، ومقيلك: مقامك، وأصله النوم في القائلة، قيلك: حديثك المقول وحجّتك الواضحة، والقول مصدر كالطحن والذبح والقيل: اسم للمقول كالطحن بالكسر: اسم للدقيق المطحون، والذبح اسم للمذبوح، يعقوب: القال والقيل اسمان لا مصدران. ابن سيده: القيل في الأصل مصدر، وحكى الفارسيّ قاله قولا وقيلا، مثل ذكره ذكرا، والقال يجوز أن يكون مصدرا، فإنّ سيبويه حكى: ذامه ذاما وعابه عابا، إلا أنه لم ينص على القال، مصيرك: رجوعك نصير: معدول عن ناصر للمبالغة. تناعست،
_________________
(١) البيتان في ديوان أبي تمام الطائي ص ٤٨٤.
[ ١ / ٤٥ ]
أي أظهرت أنك ناعس. جذبك: قادك بعنف، ويقال: جذب وجبذ وهي أقلّ من الأولى، وصحفت العامة هذه الثانية وقالوا: «حبد» بدال غير منقوطة، تقاعست: تأخرت وتصعبت وتشبهت بالأقعس؛ وهو الذي دخل ظهره وخرج صدره، أي قادك الوعظ إلى الخير فلم تنقد له والعرب تقول: عزة قعساء كأنها تتقعّس عن الذلة. تجلت: ظهرت والعبر: ما يتخوف ويتعظ به عند رؤيته حصحص: تبين، من الحصّ وهو ذهاب الشعر فيتبين ما تحته، والحاء الثانية مبدلة من صاد ثالثة، وإذا اجتمع الأمثال في مثل هذا، أبدلت العرب من الحرف الأوسط حرفا من جنس الحرف السابق، ومثله حثحثت ورقرقت، أصلهما حثثت ورققت، هذا قول الكوفيين، وقال البصريون: هما لغتان تقاربتا، إذ لا يبدل الحرف إلا من مثله أو من مقاربه في المخرج، هذه الحروف متباعدة لا يصحّ إبدالها، ماريت: شككت: تؤاسي: تعطي.
***
تؤثر فلسا توعيه، على ذكر تعيه، وتختار قصرا تعليه على برّ توليه، وترغب عن هاد تستهديه، إلى زاد تستهديه، وتغلّب حبّ ثوب تشتهيه، على ثواب تشتريه.
يواقيت الصّلات، أعلق بقلبك من مواقيت الصّلاة، ومغالاة الصّدقات، آثر عندك من موالاة الصّدقات، وصحاف الألوان، أشهى إليك من صحائف الأديان.
ودعابة الأقران، آنس لك من تلاوة القرآن.
***
تؤثر: تفضل. توعيه: تجعله في وعاء. برّ إحسان. توليه: تعطيه وتلصقه بمن تبره. هاد: مرشد لطريق الخير. ترغب عنه: أي تتركه. تستهديه، أي تسترشده وتسأله أن يهديك إلى الخير، وتستهديه الثانية: تطلب أن يهدي لك هدية. يقول: تترك من يهديك إلى طريق الخير، فلا تسأله الهداية، وتقصد أعراض الدنيا من الأطعمة وغيرها، وترغب أن تعطي منها هدية، قال الزاهد بن عمران: [الطويل]
توقّ وحاذر من قبول هديّة وإن جاءك فيها الحديث المرغّب
فقد حدثت بعد الرّسول حوادث تحذّرنا منها، وعنها ترغّب
وكانت هديّات الأوائل قبلنا تؤلّف فيما بينهم وتحبّب
فعادت بلايا يسرع المنّ نحوها تفرّق فيما بيننا وتجنّب
وله في مثله: [السريع]
احذر هدايا النّاس تأمن المن ها أو قول واش يشي
فقلّ من يهديك إلّا امرؤ من رغبة أو رهبة قد حشي
[ ١ / ٤٦ ]
التبس الأمر فلا تقدمن واخش مقام الله فيمن خشي
كانت هدايا ثم عادت رشا وفي الرّشّا الهلك لمن يرتشي
حذّرنا منها نبيّ الهدى إذ لعن الرّاشي والمرتشي
الثواب: المكافأة على الفعل، وأراد به ما يجازي الله به عباده على إحسانه من الأجر، وهو من ثاب يثوب إذا رجع، وأثبت الرجل: أعطيته الثواب، وهو المكافأة على فعله، قوله «يواقيت»: أي جواهر. الصّلات: العطايا.
أعلق: ألصق. مواقيت: أوقات، وهي جمع ميقات.
***