والغمر: الحقد، وصاحبه مذموم، ولا أعرف من تعرّض من الفصحاء لمدح حامله سوى ما يحكى أن عبد الملك بن صالح جيء به إلى الرشيد في قيوده، فقال له ابن خالد- وأراد أن يبكّته: بلغني أنك حقود، فقال عبد الملك: أيها الوزير، إن كان الحقد هو بقاء الخير والشر؛ إنهما لباقيان في صدري- وفي رواية أخرى: إنما صدري خزانة تحفظ ما استودعت من خير أو شرّ- فقال الرشيد: والله ما رأيت أحدا احتجّ للحقد بمثل ما احتجّ به عبد الملك، ففتح الباب لابن الروميّ، فقال يخاطب بعض من عابه بالحقد:
[الطويل]
لئن كنت في حفظي لما أنا مودع من الخير والشرّ انتحيت على عرضي
لما عبتني إلّا بفضل أمانة وربّ امرئ يزري على خلق محض
ولولا الحقود المستكنّات لم يكن لينقض وترا آخر الدّهر ذو نقض
وما الحقد إلّا توأم الشّكر في الفتى وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
فحيث ترى حقدا على ذي إساءة فثمّ ترى شكرا على حسن العوض
ثم رجع إلى الطريقة المثلى، فانتحل المذهب الأعلى، وقال يعيبه، ضاربا بسهم البلاغة في الوجهين: [البسيط]
يا مادح الحقد محتالا له شبها لقد سلكت إليه مسلكا وعثا
يا دافن الحقد في ضعفي جوانحه ساء الدّفين الذي أضحت له جدثا
الحقد داء دويّ لا دواء له يري الصدور إذا ما جمره حرثا
_________________
(١) البيت في ديوان أبي تمام ص ١٥٤.
[ ١ / ٣٣ ]
فاستشفينه بصفح أو محادثة فإنما يبرأ المصدور ما نفثا
إنّ القبيح إذا أصلحت ظاهره يعود ما لم منه مرّة شعثا
كم زخرف القول ذو زور ولبّسه على العقول ولكن قلّما لبثا
***
قوله «يضع منّي» أي يحط من منزلتي. الوضع: الكتاب. يندّد: يشهر العيب، ندّد به، إذا أسمعه المكروه، نقد الأشياء: فتّش وبحث عليها. المعقول: العقل.
أنعم: بالغ. وأصل النظم جعل حبّات الجواهر في خيطها وضمها فيه لغيرها ثم سمّي بيت الشعر نظما، لأن الكلام فيه ملتصق بعضه ببعض كحبّ الجواهر، والبيت يضمه كالخيط، والسلك: خيط الجوهر. والإفادات: الفوائد. سلك: قصد. الموضوعات:
الكتب المؤلفة، أي أدخلها مدخل هذه الكتب. العجماوات: البهائم، وسمّيت واحدتها عجماء لأن صوتها لا يفهم منه معنى. والجمادات: ما عدا الحيوان، وأراد ما ألّف من الكتب مما لا حقيقة له في الظاهر، وقد ضمّن الحكم الشافية في الباطن، مثل كتاب كليلة ودمنة وغيره مما ألف على ألسنة ما لا عقل له ولا روح. وكذلك المقامات، وإن كان ظاهرها كذبا فالقصد بها تمرين الطالب وتهذيبه وتذكية عقله، وأن يكتسب تجارب الدّنيا من حكايات السّروجيّ، فيكون متنبّها لما يطرأ عليه من النّوازل، فتؤمن على عقله الغفلة والخديعة، إلى ما ينضاف إليه من تعليم صنعة الكتابة والشعر، فإنّها أعون شيء عليها.