ونريد أن نأتي بفصل في مدح الشيء وذمّه على حكم ما مدح الحريريّ الدّينار وذمّه، ونبيّن مذهب العرب وأهل الأدب في ذلك، فقد ألّف ابن رشيق فيه كتابا جلبت في هذا الكتاب عيونه.
قال أبو عثمان الجاحظ: العربيّ يعاف الشيء ويهجو به غيره، فإن ابتلي به فخر به، ولكنه لا يفخر به لنفسه من جهة ما هجا به غيره، فافهم هذا؛ فإنّ الناس يغلطون على العرب، ويزعمون أنّهم يمدحون بالشيء الذي يهجون به، وهذا باطل؛ ليس شيء إلا وله وجهان، فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين، وإذا ذمّوا ذكروا أقبح الوجهين.
[ ١ / ١٠٧ ]
قال ابن رشيق: وأكثر ما تجري هذه الممادح والمذامّ على جهة المنافقة، لا على جهة المناصفة، ومن باب المسامحة لا من باب المشاححة، وإلّا فالشيء لا يوافق ضده، فيكون الحسن قبيحا في حالة واحد، والمدح ذمّا لمعنى واحد، لكن لكلّ شيء- كما ذكر الجاحظ- مساوئ ومحاسن؛ كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله ﷺ وقد استشهده الزّبرقان بن بدر على ما ادّعاه من الشرف في قومه، قال عمرو: أجل يا رسول الله، إنه مانع حوّزته، مطاع في أنديته، شديد العارضة. فقال الزبرقان: أما والله لقد علم أكثر مما قال؛ ولكن حسدني شرفي، فقال عمرو: أما وقد قال ما قال، فو الله ما علمته إلا ضيّق الطعن زمر المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى فرأى الكراهة في عين رسول الله ﷺ لمّا اختلف قوله، فقال: يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت؛ وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، فقال رسول الله ﷺ: «إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة» (١).
وكتب يزيد بن معاوية في صدر كتابه إلى عبيد الله بن زياد- وقد ولّاه محاربة الحسين بن عليّ ﵄- وكان قبل ذلك يسيء الرأي فيه: أمّا بعد، فإن المسبوب يوما ممدوح، وإنّ الممدوح يوما مسبوب.
ويروى أن عيسى ﵊ لم يعب شيئا قط، فمرّ يوما بكلب ميّت، فقال أصحابه: ما أنتن ريحه! فقال عيسى ﵊: ما أحسن بياض أسنانه! .
وقالت للحضين بن منذر امرأة: كيف سدت وأنت دميم بخيل! فقال: لأني سديد الرأي، شديد الإقدام.
وقال مسلمة بن عبد الملك لأخيه هشام: كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل، وأنت جبان! فقال: لأني حليم، وأنا عفيف؛ فسلّم لعائبه ما ادّعاه من مساوئه، وذكر من محاسنه ما لم ينازع فيه.
صعد خالد بن عبد الله القسريّ منبر مكة يوم الجمعة، وهو أمير للوليد بن عبد الملك بن مروان، فأثنى على الحجّاج خيرا، فلما كانت الجمعة الثانية وقد مات الوليد، ورد عليه كتاب سليمان يأمره بشتم الحجّاج وذكر عيوبه، وإظهار البراءة منه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ إبليس كان يظهر من طاعة الله ﷿ ما كانت الملائكة ترى له به عليهم فضلا، وكان الله قد علم من غشّه ما خفي عن الملائكة، فلما أراد الله فضيحته ابتلاه بالسّجود لآدم، فظهر لهم ما كان يخفيه منهم، فلعنوه. وإنّ
_________________
(١) روي بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الأدب باب ٩٠، والترمذي في الأدب باب ٦٩، وابن ماجة في الأدب باب ٤١، والدارمي في الاستئذان باب ٦٨، وأحمد في المسند ١/ ٢٦٩، ٢٧٣، ٣٠٣، ٣١٣، ٣٢٧، ٣/ ٤٥٦، ٥/ ١٢٥.
[ ١ / ١٠٨ ]
الحجّاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنّا نرى له به فضلا، وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين من غلّه وغشّه على ما خفي عنّا؛ فلما أراد فضيحته أجرى ذلك على يد أمير المؤمنين فالعنوه لعنة الله. ثم نزل.
ومرّ غيلان بن خرشة الضّبّي مع عبد الله بن عامر بنهر أم عبد الله الذي يشقّ البصرة، فقال عبد الله: ما أصلح هذا النّهر لأهل هذا المصر! فقال غيلان: أجل والله أيّها الأمير؛ يتعلّم العوم فيه صبيانهم، ويكون لسقائهم ولسيل مياههم، ويأتيهم بميرتهم؛ ثم عاد ابن عامر فساير زيادا عليه، فقال زياد: ما أضرّ هذا النهر لأهل هذا المصر! فقال:
أجل والله أيّها الأمير، تنزّ منه دورهم، ويغرق فيه صبيانهم، ويكثر لأجله بعوضهم.
ومدح الجاحظ العروض، فقال: هو ميزان الشّعر ومعياره، به يعرف الصحيح من السقيم، والعليل من السليم، وعليه مدار القريض والشعر، وبه يسلم من الأود والكسر.
ثم ذمّه فقال: هو علم مولّد، وأدب مستبرد، ومذهب مرفوض، تستنكره العقول، مستفعلن فعول، من غيره فائدة ولا محصول.
وكان العباس بن عليّ عمّ المنصور يأخذ الكأس بيده، ثم يقول: أمّا النفس فتسمحين، وأما الهمّ فتطردين، أفتراك منّي تفلتين! ثم يشربها.
وشكا أبو العنياء حاله إلى عبد الله بن سليمان، فقال: أليس قد كتبنا لك إلى إبراهيم بن المدبّر! قال: كتبت إلى رجل قد حصر من همّته طول الفقر، وذلّ الأسر، ومعاناة محن الدهر، فأخففت في طلبتي. قال: أنت اخترته، قال: وما علمي أعزّ الله الامير في ذلك! قد اختار موسى قومه سبعين رجلا وما كان منهم رشيد، واختار رسول ﷺ ابن أبي سرّح كاتبا فرجع إلى المشركين مرتدّا، واختار عليّ ﵁ أبا موسى حكما، فحكم عليه.
***
قال الحارث بن همّام: فناجاني قلبي بأنّه أبو زيد، وأنّ تعارجه لكيد.
فاستعدته وقلت له: قد عرفت بوشيك، فاستقم في مشيك. فقال: إن كنت ابن همّام، فحيّيت بإكرام، وحييت بين كرام. فقلت: أنا الحارث، فكيف حالك والحوادث؟ فقال: أتقلّب في الحالين: بؤس ورخاء، وأنقلب مع الرّيحين: زعزع ورخاء. فقلت: كيف ادّعيت القزل، وما مثلك من هزل! فاستسرّ بشره الّذي كان تجلّى، ثم أنشد حين ولّى: [المتقارب]
تعارجت لا رغبة في العرج ولكن لأقرع باب الفرج
وألقي حبلي على غاربي وأسلك مسلك من قد مرج
[ ١ / ١٠٩ ]
فإن لامني القوم قلت اعذروا فليس على أعرج من حرج
***
قوله: «فاستعدته»، أي قلت له أعد عليّ. عرفت بوشيك، أي عرفت بحسن كلامك وتزيينه. استقم استعدل وأزل عوجك. حيّيت: طال بقاؤك، والتحية البقاء:
حييت: عشت. والحوادث: ما يحدث من الخير والشر. بؤس: شدّة العيش. رخاء: لينه وسعته. زعزع: ريح شديدة تحرّك الشجر وتقلعه. والزعزعة: تحريك الشيء إذا أردت قلعه. رخاء: ريح ليّنة سريعة، من الإرخاء في السّير، وهو عدو فوق التقريب، وناقة مرخاء: سريعة القزل: أسوأ العرج، وقد قزل قزلا.
وهزل هزلا: ترك الجدّ في قول أو فعل، يقول: كيف تحيّلت بالعرج ومثلك لا يهزل ولا يقع في هذه النقيصة! فهو يهزأ به، فغضب عند ذلك استسرّ بشره: زال عنه سماحه وطلاقة وجهه. تجلّى: ظهر. ولّى: ذهب.
قوله: «أقرع»، أي أضرب. الفرج: كشف الهمّ. ألقي حبلي على غاربي: أي أسرح وأمشي حيث أحببت، والعرب تطلق هذا اللفظ، فتقول للمرأة: حبلك على غاربك، أي أنت مسيّبة فتوجّهي حيث شئت لا مانع لك ولا حابس، والغارب: ما انحدر من السّنام، والحبل هو الذي يعقل به البعير، فإذا سرّحوه حلّوا عقاله وألقوه على غاربه، قال ابن الأنباريّ: أصله أن يلقى على حبل الناقة على غاربها فتفزع، ولا ترعى إذا لم تره على الأرض.
أسلك مسلك، أي أدخل مدخل، والمسلك: الطريق. مرج: خلط الجدّ بالهزل.
حرج: إثم والله تعالى أعلم.
[ ١ / ١١٠ ]