وفيد بلد مشهور، في نصف المسافة التي بين مكة وبغداد، وفيها عين ماء، وينزلها عمّال طريق مكة وأهلها من طيّئ، وهم في سفح جبلهم المعروف بسلمى، وقد ذكرها زهير في قوله: [البسيط]
ثم استمرّوا وقالوا إنّ مشربكم ماء بشرقيّ سلمى فيد أو ركك (١)
قال الزجاجيّ: سمّيت بفيد بن حام، وهو أوّل من نزلها، قال: ويقول أهل العراق: هي من قولهم: فاد الرجل يفيد فيدا إذا مات، أو من قولهم: استفاد فائدة، وقلّما يقولون: أفاد فائدة، والفيد أيضا نور الزّعفران. قال شيخنا ابن جبير ﵁: إنه خرج من مدينة رسول الله ﷺ بضحوة يوم السبت الثامن من المحرم سنة سبع وتسعين مع أمير الحاج، وصبّحوا فيدا يوم الأحد في اليوم الرابع عشر من خروجهم. ثم وصفها فقال: هي مصر كبير، منفرج في بسيط من الأرض، يمتدّ حوله ربض، يطيف به سور عتيق. وهو معمور بسكان من الأعراب يتعيشون من الحجّاج في التّجارات
_________________
(١) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ١٦٧، والعقد الفريد ٥/ ٣٥٥، ولسان العرب (فيد)، (ركك)، وتاج العروس (فيد)، (ركك)، والمحتسب ١/ ٨٧، ٢/ ٢٧، ومعجم البلدان (ركك)، والمنصف ٢/ ٣٠٩، وبلا نسبة في معجم ما استعجم ص ١٠٣٣، والمقتضب ١/ ٢٠٠، والمعرب ٢/ ١٥٦، والممتع في التصريف ٢/ ٦٤٣.
[ ١ / ١٤٨ ]
والمبايعات وغير ذلك من المرافق، وفيها يترك الحجاج بعض أزوادهم إعدادا للإرمال (١) من الزاد عند انصرافهم يتركونها عند معارفهم، بها، فإذا رجعوا أخذوا أزوادهم، ووهبوا لمن أودعوها عندهم شيئا من ذلك.
وهي نصف الطريق من بغداد إلى مكّة أو أقلّ يسيرا، ومنها إلى الكوفة اثنا عشر يوما في طريق سهلة. ودخلها أمير الحاجّ على تعبية وأهبة إرهابا للمجتمعين بها من الأعراب لئلّا يداخلهم الطمع في الحاجّ، لكنّهم لا يجدون إليهم سبيلا والحمد لله.
والمياه كثيرة في آبارها، تمدّها عيون تحت الأرض، وامتلأت أيدي الحجاج القادمين من أغنام العرب بالمبايعة، فلم يبق خيمة ولا ظلالة إلا وإلى جانبها كبش أو كبشان، بحسب الوجد، فعمّ جميع المحلّة الغنم واللبن والسمن والعسل، فأكلوا واحتملوا، وكان ذلك اليوم عيدا للركب.
قال: وبهذه المحلة العراقية، وما انضاف إليها من الخراسانية والموصليّة وسائر جهات الآفاق ينزل من صحبة أمير الحاج جمع لا يحصى عددهم إلا الله تعالى، يغصّ بهم البسيط الأفيح، ويضيق بهم المهمه الضحضح، فترى الأرض تميد بهم ميدا، وتموج بجمعهم موجا، فتصير بهم بحرا طامي العباب، ماؤه السراب، وسفينه الركاب، وشراعه الظّلال المرفوعة والقباب، ويسير سير السحاب، متداخلا بعضها على بعض، فتعاين تزاحما في البراح المنفسح يهول ويروع، واصطكاكا لمبيع التجارات فيه، فبعضها ببعض مقروع؛ فمن لم يشاهد هذا السفر العراقي لم يشاهد عجبا يتحدّثبه، ويتحف السامع بغرائبه، والقرة والقوّة لله وحده وحسبك أنّ النازل في منزل من هذه المحلّة متى خرج لبعض حاجاته، ولم يكن له دلالة على موضعه ضلّ وتلف، وعاد منشودا بجملة الضوالّ، وربما اضطر به الحال إلى الوصول لمضرب الأمير ورفع المسألة إليه، فيأمر أحد المنشدين بما أعدّ لذلك فيردفه خلفه على جمل، ويطوف به المحلّة مناديا باسم جماله وبلده، إلى أن يؤدّيه إلى رفقته.
وعجائب هذه المحلّة كثيرة، ولأهلها من اليسار ما يغنيهم على ما هم بسبيله.
وما ذكرنا أمر هذه المحلة إلا ليستدلّ على أن فيها بلدا في غاية القوّة والعمارة، حيث أمدّ هذا الجمع الكثير والجم الغفير بما تقدم من أنواع الأرزاق، وإن قبائل طيئ متوفرة بحيث تطلع إلى الغارة على مثل هذه المحلّة. والملك لله وحده مفني الجميع بعد كمال العدّة.
قوله: «وردت»، أي أتيت. المدرة: البلد. عبس: قبيلة.
***
_________________
(١) الإرمال: أي نفاد الزاد.
[ ١ / ١٤٩ ]
فقلت له: زدني إيضاحا، عشت ونعشت، فقال: أخبرتني أمّي برّة، وهي كاسمها برّة؛ أنّها نكحت عام الغارة بماوان، رجلا من سراة سروج وغسّان، فلمّا آنس منها الإثقال- وكان باقعة فيما يقال- ظعن عنها سرّا وهلمّ جرّا فما يعرف:
أحيّ هو فيتوقّع، أم أودع اللّحد البلقع.
قال أبو زيد: فعلمت بصحّة العلامات أنّه ولدي، وصدفني عن التّعرّف إليه صفر يدي، ففصلت عنه بكبد مرضوضة، ودموع مفضوضة. فهل سمعتم يا أولي الألباب، بأعجب من هذا العجاب! فقلنا: لا ومن عنده علم الكتاب، فقال:
أثبتوها في عجائب الاتّفاق، وخلّدوها بطون الأوراق، فما سير مثلها في الآفاق فأحضرنا الدّواة وأساودها، ورقشنا الحكاية على ما سردها.
***
إيضاحا: بيانا. نعشت: جبرت. وبرّة الأول اسمها والثاني صفتها، يريد أنها مكرّمة كثيرة البرّ. نكحت: تزوّجت. عام الغارة، أي عام أغار عليهم عدوّهم. ماوان: بلدة.
سراة: سادة. آنس: أبصر والإثقال: الامتلاء بالولد. باقعة: داهية، ويقال: إنه الذي جال بقاع الأرض وعرف خيرها وشرها.
قال ابن الأنباريّ رحمة الله: فلان باقعة، أي داهية حذر محتال حاذق، والباقعة عند العرب: الطائر الحذر المحتال الذي يشرب الماء من المباقع (١)، ولا يرد المشارع والمياه المحصورة خوفا من أن يحتال عليه فيصطاد، ثم شبّه به كل حذر محتال. هلم جرّا، معناه إلى الآن، قال ابن الأنباريّ: هلمّ جرّا، سيروا على هينتكم، أي تثبّتوا على سيركم، ولا تجهدوا أنفسكم ولا تشقّوا عليها، أخذ من الجرّ في السوق، وهو أن تترك الغنم والبقر ترعى في السير، وينتصب «جرّا» في قول الكوفيين على المصدر، لأن في «هلمّ» معنى «جرّ»، وفي قول البصريين: هو مصدر في موضع الحال تقديره «هلم جارّين» أي مستثبتين، قياسا على: جاء عبد الله مشيا، وأقبل ركضا، وجاء وأقبل عند الكوفيين بمعنى مشى وركض وقال بعضهم: ينصب على التمييز. يتوقّع: ينتظر، أودع:
أدخل اللّحد البلقع: اللحد الخالي. صدفني: أمالني. التعرّف: أن يعرّفه أنه أبوه. صفر يدي: فراغها من الدراهم. فصلت: زلت مرضوضة: مدقوقة مكسورة. مفضوضة:
مفترقة. أولي الألباب: أهل العقول. العجاب: مبالغة في العجب.
خلدوها، أي أثبتوها. الآفاق: البلدان وجهات الأرض جميعها. أساودها:
_________________
(١) المباقع: أي الأمكنة التي يستقى منها.
[ ١ / ١٥٠ ]
أقلامها. رقشنا: كتبنا. على ما سردها، أي كما حكاها وتكلّم بها.
***
ثم استبطنّاه عن مرتآه، في استضمام فتاه، فقال: إذا ثقل ردني، خفّ عليّ أن أكفل ابني؛ فقلنا: إن كان يكفيك نصاب من المال، ألّفناه لك في الحال؛ فقال: وكيف لا يقنعني نصاب، وهل يحتقر قدره إلّا مصاب!
قال الراوي: فالتزم منه كلّ منّا قسطا، وكتب له به قطّا، فشكر عند ذلك الصّنع، واستنفد في الثّناء الوسع، حتى إنّنا استطلنا القول، واستقللنا الطّول. ثمّ إنّه نشر من وشي السّمر، ما أزرى بالحبر، إلى أن أظلّ التّنوير، وجشر الصّبح المنير، فقضيناها ليلة غابت شوائبها، إلى أن شابت ذوائبها، وكمل سعودها، إلى أن انفطر عودها.
***
استبطنّاه: سألناه وطلبنا منه معرفة باطنه. مرتآه: رأيه وغرضه. ردني: كمّي.
أكفل: أضمّ. نصاب: عشرون دينارا. ألفناه: جمعناه. يقنعني: يكفيني. مصاب:
مجنون. قوله: «قسطا»، أي نصيبا. قطّا: كتابا. الصنع: الفعل الجميل، استنفد:
استتمّ. الوسع: الطاقة، ووسع الرجل قدر ما يجد من مال أو كلام أو غير ذلك، وهو من السعة، أي أثنى غاية ما يمكنه من الثناء. استطلنا: استكثرنا ووجدناه كثيرا طويلا، والطّول: الإنعام والفضل، أي رأينا ما أنعمنا به عليه قليلا. والوشى: ثياب مرقومة بألوان شتّى من الحرير. والحبر: ثياب فيها خطوط ورقوم مختلفة، والحبر تصنع باليمن، فشبّه حسن حديثه بالوشى، وخصّ الحبر لحسن فنونه، وقال ابن الزقّاق- وكأنه وصف الليلة والعجاب الذي سامرهم به أبو زيد، وزاد عليه الشجاعة:
[الكامل]
لله ليلتنا الّتي استجدى بها فلق الصّباح لسدفة الإظلام
طرأت عليّ مع النجوم بأنجم من فتية بيض الوجوه كرام
إن حوربوا فزعوا إلى بيض الظّبا أو خوطبوا فزعوا إلى الأقلام
فترى البلاغة إن نظرت إليهم والبأس بين يراعة وحسام
جتر: طلع. قضيناها: أتممناها. شوائبها: ما ينكدها ويكدرها. الذوائب: الشعر الطويل الأسود، وأراد به ظلام الليل، وجعل فيه بياض الصبح بمنزلة الشيب في سواد الشعر، قال ابن دريد: [الرجز]
إمّا ترى رأسي حاكي لونه طرّة صبح تحت أذيال الدّجى
[ ١ / ١٥١ ]
انفطر: انشقّ وطلع. عودها: بياض صبحها، ويقال: انفطر القضيب، إذا بدا نبات ورقه، وقال امرؤ القيس: [المتقارب]
* كخرعوبة البانة المنفطر (١) *
***
ولمّا ذرّ قرن الغزالة، طمر طمور الغزالة، وقال: انهض بنا لنقبض الصّلات، ونستنضّ الاحالات، فقد استطارت صدوع كبدي، من الحنين إلى ولدي. فوصلت جناحه، حتّى سنّيت نجاحه؛ فحين أحرز العين في صرّته، برقت أسارير مسرّته، وقال لي: جزيت خيرا عن خطا قدميك، والله خليفتي عليك! فقلت: أريد أن أتّبعك لأشاهد ولدك النّجيب، وأنافثه لكي يجيب.
***
قرن الغزالة: شعاعها وحاجبها، والغزالة من أسماء الشمس، وأسماؤها كثيرة؛ ذكرها يعقوب وغيره، وذكر منها عشرة خمسة بالهاء، وهي: الغزالة، والجارية، والجونة، ومهاة، والإلهة. وخمسة بغير الهاء وهي: الشمس، والسّراج، والضّحّ، وذكاء، وبوح.
طمر: وثب. الغزالة: الظبية. انهض أي قم: الصّلات: العطايا. نستنضّ:
نستحضر. والنّاضّ: المال الحاضر. والإحالات: الديون التي وعدوه بها. استطارت:
توسعت وانتشرت. صدوع: شقوق. والحنين: الشوق والرحمة.
وصلت جناحه، أي مشيت معه ويدي في يده، وجناح الرجل: يده. سنّيت:
يسّرت. نجاحه: قضاء حاجته. أحرز العين: حصّل المال. وصرّته: خرقة دراهمه.
برقت: لمعت. أسارير: طرق الوجه، ومنه الحديث عن رسول الله ﷺ: «فخرج تبرق أسارير وجهه»، ويقال لها الأسرّة؛ ويقال لخطوط الكف: الأسرّة، وقد جمعهما التّهامي في لفظ واحد في قوله: [الكامل]
يبدي أسرّة وجهه ويمينه في ساعة الإعسار والإيسار
مسرّته: سروره، أراد: انطلق وجهه سرورا بالمال. خطا: مشى. والنجيب: الجيّد العقل الكريم الأصل. قوله: «أنافثه»، أي أكلمه.
***
_________________
(١) صدره: برهرهة رؤدة رخصة والبيت لامرئ القيس في ديوانه ص ١٥٧، ولسان العرب (خرعب)، (بون)، (بره)، وتهذيب اللغة ٣/ ٢٧٥، والمخصص ١٠/ ٢١٤، ١١/ ٣، وديوان الأدب ٢/ ٨٧، وتاج العروس (خرعب) (بون)، (بره)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٢/ ٢٥١.
[ ١ / ١٥٢ ]
فنظر إليّ نظرة الخادع إلى المخدوع وضحك حتّى تغرغرت مقلتاه بالدّموع، وأنشد: [مخلع البسيط]
يا من تظنّى السّراب ماء لمّا رويت الّذي رويت
ما خلت أن يستسرّ مكري وأن يخيل الّذي عنيت
والله ما برّة بعرسي ولا لي ابن به اكتنيت
وإنّما لي فنون سحر أبدعت فيها وما اقتديت
لم يحكها الأصمعيّ فيما حكى، ولا حاكها الكميت
تخذتها وصلة إلى ما تجنيه كفّي متى اشتهيت
ولو تعافيتها لحالت حالي، ولم أحو ما حويت
فمهّد العذر أو فسامح إن كنت أجرمت أو جنيت
ثمّ إنّه ودعني ومضى، وأودع قلبي جمر الغضى.
***
تغرغرت: امتلأت. تظنّى: حسب. حلت: حسبت. يستسرّ: يخفي. مكري:
خداعي. يخيل: يلبّس ويشبّه. عرسي: زوجتي. فنون: أنواع. أبدعت فيها: أحدثتها ولم أقتد بغيري فيها. يحكها: يحدّث بها. حاكها: نسجها وقال مثلها. الأصمعيّ مذكور في المقامة الأربعين.