ونذكر هنا طرفا من المنظوم في الأزهار يليق الموضع بحول الله تعالى، قال محمد بن عبد الله بن طاهر ملمّا بقول أردشير: [البسيط]
كأنهنّ يواقيت يطيف بها زمرّد وسطه شذر من الذّهب
فاشرب على منظر مستظرف حسن من خمرة مزجت كالجمر في اللهب
وللمعتمد بن عباد: [السريع]
كأنّما ياسميننا الغضّ كواكب في السماء تبيضّ
والطرق الحمر في جوانبه كنهد عذراء مسّه عضّ
ولأبي الفضل الميكاليّ:
وما ضمّ شمل الأنس يوما كنرجس يقوم بعذر اللهو عن خالع العذر
فأحداقه أحداق تبر وساقه كقامة ساق في غلائله الخضر
ولعضد الدولة: [البسيط]
يا طيب رائحة من نفحة الخير إذا تمزق جلباب الدّياجير
كأنما رشّ بالماورد واعتبقت به دواخن ندّ عند تبخير
كأنّ أوراقه في القدّ أجنحة حمر وصفر وبيض من زنابير
[ ١ / ٣٥٠ ]
ولعليّ بن بسام: [البسيط]
أما ترى الورد يدعو للورود على حمراء صافية في لونها صهب
مداهن من يواقيت مركّبة على الزبرجد في أفواهها ذهب
وقال آخر: [المنسرح]
نرجسة عينها محبّرة لم تكتحل قطّ آفة الغمض
باكرها الطّلّ فهي باهتة تنظر فعل السماء في الأرض
وللأسعد بن بليط: [السريع]
بنفسج باتت أكفّ الصبا تنثره في زرقة لا تحدّ
كأنما قطّ بمنثوره رءوس أفلام من اللّازورد
وقال آخر في نور الباقلّى: [البسيط]
نوّارة الباقلا إذا راق منظرها تحكي الفراشة تنقيطا وترييشا
كأنّما هي ما حول الذبالة إذ مدّت جناحا مكان الكفّ مرقوشا
والباب كثير.
***
قوله: «مزهر» عود الغناء. يستبزل: يستسقي منها شرابا، والمبزل الثقب في جانب الخابية تجري منه الخمر صافية، ويبقى العكر في قعرها، قال الأخطل: [البسيط]
لما أتوها بمصباح ومبزلهم سارت إليهم سئور الأبجل الضاري (١)
تدمى إذا طعنوا فيها بجائفة وفي الزّجاج عتيق غير مسطار
أراد أن الخمر خرجت خروج الدم من الأبجل، وهو عرق.
وقال ابن حصين: [السريع]
حجبت عنها الدّنّ فاستعبرت جريا كما قوّس إحليل
كأنها في الكأس منصبّة خيط من الفضة مفتول
وقال آخر في قمع الشراب: [المتقارب]
ولما رأى الناس فضل المدام وخافوا على جرمها أن يسيلا
_________________
(١) البيت الأول في ديوان الأخطل ص ٨٢، والكتاب ٤/ ٥٠، ولسان العرب (سور)، (ضرا)، والبيت الثاني في ديوان الأخطل ص ٢٢، ولسان العرب (صطر)، (مصطر)، والمخصص ١١/ ٧٥، وفي الديوان: «غير مصطار» بدل «غير مسطار».
[ ١ / ٣٥١ ]
تواخوا إلى شربها بينهم سبيل حفاظ فكنت السّبيلا
قوله: «يستنطق»، يأمر بضربها ليسمع صوتها يستنشق: يشمّ يغازل: يلاعب.
عثرت: اطّلعت، وأعثرت في معناه. لبسه: تخليطه. تفاوت: تباعد. أولى لك: كلمة تهديد معناها: قد وليك الشرّ فاحذر. والملعون: المطرود، ولعنه الله: طرده، والاستغراب: الضحك الكثير.
ومما يوافق شعره وحاله قول الببغاء: [الخفيف]
غادني بالصّبوح قبل الصّباح واجر في حلبة الصّبا والمراح
عاصنيها كالجلّنار إذا ما كلّلت من حبابها بالأقاح
في اختصاص التّفاح بالطيب والحم رة لا في كثافة التّفاح
خدمتها الأجسام بالطبع لمّا شاهدت قربها من الأرواح
فتدارك بها حشاشة نفسي أو فحرّك بها سكون ارتياحي
بين وردين من بنان وخدّ وشرابين من رضاب وراح
ونشيد مستنبط من حديث وغناء يغني عن الاقتراح
فألذّ الحياة ما خالط العا قل فيها فساده بصلاح
وله أيضا في مثله: [الخفيف]
زمن الورد أشرف الأزمان وأوان الربيع خير أوان
أشرف الزهر زار في أشرف الدّه ر فصل فيه أشرف الإخوان
وأدرها عذراء وانتهز ال إمكان من قبل عائق الإمكان
في كئوس كأنّها زهر الخش خاش ضمّت شقائق النّعمان
واختدعها عند النزال بألفا ظ المثاني ومطربات الأغاني
وقال [ابن] وكيع في الخشخاش: [الوافر]
وخشخاش كأنّا منه نفري قميص زبرجد عن جسم درّ
كأقداح من البلّور صينت بأغشية من الديباج خضر
وقال آخر في شقائق النعمان: [المتقارب]
كأنّ الشقائق إذا برّزت غلالة درّ وثوبا أحمّ
قصاع من الجمر مشبوبة بأوساطها لمع من حمم
***
لزمت السّفار وجبت القفار وعفت النّفار لأجني الفرح
[ ١ / ٣٥٢ ]
وخضت السّيول ورضت الخيول لجرّ ذيول الصّبا والمرح
ومطت الوقار وبعت العقار لحسو العقار ورشف القدح
ولولا الطّماح إلى شرب راح لما كان باج فمي بالملح
***
قوله: «السفار»: مصدر سافرت. جبت: قطعت. عفت: كرهت خضت: جزت ومشيت فيها. رضت: ذلّلت وركبت. المرح: النشاط والعجب. مطت: نحّيت وأزلت، ويقال: ماط وأماط: باعد، وأيضا باعد غيره، والأصمعيّ يقول: ماط هو، وأماط غيره.
العقار: المال الثابت الذي لا ينقل. حسو: شرب. العقار: الخمر. رشف: مصّ الطّماح: ارتفاع النظر. باح: تكلّم والملح: الكلام الحلو، يريد أنه فعل ما ذكر ليرتاح ويشرب الخمر.
***