ومما ينتظم في باب الحضّ على السفر وترك العجز قولهم: لا ينبغي للعاقل أن يكون إلا في إحدى المنزلتين، إما في الغاية من طلب الدنيا، وإما في الغاية من تركها، ولا ينبغي للعاقل أن يرى إلّا في أحد مكانين، إما مع الملوك مكرّما، وإما مع العباد متبتّلا، ولا يعدّ الغرم غرما إلا إذا ساق غنما، ولا الغنم غنما إلّا إذا ساق غرما؛ ونظم هذا المعريّ فقال: [الوافر]
ذر الدّنيا إذا لم تخط فيها وكن فيها كثيرا أو قليلا (٢)
وأصبح واحد الرّجلين إمّا مليكا في العشائر أو أبيلا
_________________
(١) البيت الأول للنابغة الجعدي في ديوانه ص ٧٣، وبلا نسبة في كتاب العين ٥/ ٣٩٠، والبيت الثاني ليس في ديوان النابغة، وهو لعروة بن الورد في ديوانه ص ٨٩، ولأبي عطاء السندي في الأغاني ١٧/ ٢٤٤، ولربيعة بن الورد في العقد الفريد ٣/ ٣١، وبلا نسبة في رصف المباني ص ١٣٣، والمقرب ١/ ٢٦٣.
(٢) البيتان في سقط الزند ١٣٧١.
[ ١ / ٢٣٦ ]
الأبيل: الراهب.
وفي كتاب الهند: من لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب.
وفي التوراة: ابن آدم، خلقت من الحركة إلى الحركة، فتحرّك وأنا معك.
وفي بعض الكتب: امدد يدك إلى باب من العمل؛ أفتح لك بابا من الرزق.
وقالوا: من ضعف عن عمله اتّكل على رزق غيره.
وقال عليّ ﵁: الحرص مقدّمة الكون.
وقال النبيّ ﷺ لوفد عبد القيس: «ما المروءة فيكم»؟ قالوا: العفّة والحرفة.
ورئي عكرمة وراء نهر بلخ، فقيل له: ما جاء بك هاهنا؟ فقال: بناتي.
وقال رجل لمعروف الكرخيّ: يا أبا محفوظ أتحرّك لطلب الرزق أم أجلس؟ قال:
لا بل تحرّك، فإنه أصلح لك، فقال: أتقول هذا؟ قال: وما أنا قلته ولكن الله ﷿ أمر به، قال لمريم ﵍: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [مريم: ٢٥] ولو شاء لأنزله عليها.
وأنشد الثعالبيّ: [الطويل]
ألم تر أن الله أوحى لمريم وهزّي إليك الجذع يسّاقط الرّطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزّها جنته، ولكن كلّ شيء له سبب
وقال موسى بن عمران ﵇: لا تلوموا السّفر؛ فإني أدركت فيه ما لم يدركه أحد؛ يريد أن الله كلّمه فيه.
ونظم هذا المعنى حبيب فقال: [المنسرح]
فإن موسى صلّى على روحه الله صلاة كثيرة القدس (١)
صار نبيّا وعظم بغيته في جذوة للصّلاء والقبس
قال المأمون: لا شيء ألذّ من السفر في كفاية؛ لأنك تحلّ كل يوم في محلّة لم تحلّها، وتعاشر قوما لم تعاشرهم.
الثعالبي: من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علما بقدرة الله، ويدعوه إلى شكر نعمته.
وفي الأثر الصحيح: سافروا تصحّوا وتغنموا.
آخر: السفر يشدّ الأبدان، وينشّط الكسلان، ويشهّي إلى الطعام.
_________________
(١) البيتان في ديوان أبي تمام ص ١٧٠.
[ ١ / ٢٣٧ ]
آخر: ليس بينك وبين بلد نسب، فخير البلاد ما حملك.
قال ابن رشيق: كتبت إلى بعض إخواني: مثل الرجل القاعد- أعزّك الله- كمثل الماء الراكد، إن ترك تغيّر، وإن تحرّك تكدّر، ومثل المسافر كالسحاب الماطر، هؤلاء يدعونه رحمة، وهؤلاء يدعونه نقمة، فإذا اتصلت أيامه، ثقل مقامه، وكثر لوّامه، فاجمع لنفسك فرجة الغيبة، وفرحة الأوبة، والسلام.
وقال ابن رشيق: [البسيط]
غب عن بلادك وارج حسن مغبّة إن كنت حقا تشتكي الإقلالا
فالبدر لم يجحف به إدباره ألّا يسافر يطلب الإقبالا
وقال أبو الطّيب: [الطويل]
وما بلد الإنسان غير الموافق ولا أهله الأدنون غير الأصادق (١)
وقال البحتريّ: [الخفيف]
وإذا ما تنكرت لي بلاد أو صديق فإنني بالخيار (٢)
وقال أبو الطّيب: [الطويل]
إذا لم أجد في بلدة ما أريده فعندي لأخرى عزمة وركاب
وقال إبراهيم بن العبّاس الصوليّ: [البسيط]
لا يمنعنّك خفض العيش في دعة نزوع نفس إلى أهل وأوطان (٣)
تلقى بكلّ بلاد إن حللت بها أهلا بأهل وجيرانا بجيران
أي لا يمنعنّك الشوق إلى الوطن في الغربة من الاستمتاع بلذة العيش، فالأرض واحدة، والناس جنس واحد. وفي غير الحماسة: [البسيط]
لا يمنعنّك خفض العيش في دعة من أن تبدّل أوطانا بأوطان
برفع «خفض»، أي لا يمنعنك عيشك الهنيء في بلدك أن تجول في البلدان، وترى الناس، فتستفيد النزهة والتجربة.
وقالوا: المسافر يسمع العجائب، ويكشف التجارب، ويجلب المكاسب. أوحش أهلك إذا كان أنسك في إيحاشهم، واهجر وطنك إذا نبت نفسك عنه.
قيل لأعشى بكر: إلى كم ذا الاغتراب؟ أما ترضى بالدّعة! قال: لو دامت الشمس عليكم يومين لمللتموها.
_________________
(١) البيت في ديوان المتنبي ٢/ ٣٢٠.
(٢) البيت في ديوان البحتري ص ٩٨٧.
(٣) البيتان في ديوان الصولي ص ١٥١.
[ ١ / ٢٣٨ ]
أخذه حبيب فقال: [الطويل]
وطول مقام المرء في الحيّ مخلق لديباجتيه فاغترب تتجدّد (١)
فإنّي رأيت الشّمس زيدت محبّة إلى النّاس أن ليست عليهم بسرمد
وقال الحكماء: لا تنال الراحة إلا بالتعب، ولا تدرك الدّعة إلا بالنّصب. وقال حبيب: [الطويل]
على أنني لم أحو وفرا مجمّعا ففزت به إلّا بشمل مبدّد (٢)
ولم تعطني الأيّام يوما مسكّنا ألذّ به إلا بنوم مشرّد
وقال ابن عبد ربه: هل يجوز في عقل، أو يمثل في وهم، أو يصحّ في قياس، أن يحصد زرع بغير بذر، أو يثمّر مال بغير طلب، أو تجني ثمرة بغير غرس، أو يورى زند بغير قدح! وقد يكون الإكداء مع الكدّ، والخيبة مع الغيبة.
وقال الشاعر: [المتقارب]
وما زلت أقطع عرض البلاد من المشرقين إلى المغربين
وأدّرع الخوف تحت الدّجى وأستصحب الجدي والفرقدين
وأطوي وأنشر ثوب الهموم إلى أن رجعت بخفّي حنين
وقال ابن رشيق: [الكامل]
يعطى الفتى فينال في دعة ما لم ينل بالكدّ والتّعب
فاطلب لنفسك فضل راحتها إذ ليست الأشياء بالطّلب
إن كان لا رزق بلا سبب فرجاء ربّك أعظم السّبب
وقال محمد بن يسير: [المنسرح]
قد يرزق الخافض المقيم وما شدّ لعنس رحلا ولا قتبا (٣)
ويحرم المال ذو المطية والرّ حل ومن لا يزال مغتربا
وقال آخر: [البسيط]
قد يرزق المرء لم تتعب رواحله ويحرم الرّزق بالأسفار والتّعب
إنّي وعمرك ما أحصى ذوي حمق الرزق أعدى بهم من لاصق الجرب
_________________
(١) البيتان في ديوان أبي تمام ص ١٠٠، ١٠١.
(٢) البيتان في ديوان أبي تمام ص ١٠٠.
(٣) البيتان لابن عبدل الأسدي في الأغاني ٥/ ٢١.
[ ١ / ٢٣٩ ]
ولآخر: [الطويل]
ألا ربّ باغي حاجة لا ينالها وآخر قد تقضى له وهو جالس
آخر: [البسيط]
قد يرزق المرء، لا من حسن حيلته ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الدّاهي
ما مسّني من غنى يوم ولا عدم إلا وقولي فيه: الحمد لله
آخر: [البسيط]
لو كان باللبّ يزداد اللبيب غنى لكان كلّ لبيب مثل كافور
لكنّه الرّزق بالقسطاس من حكم يقصى اللبيب، ويعطى كلّ ماخور
ومثل هذا قليل في كثير وإنما يحكم بالأغلب، والنّجح مع الطلب أكثر، والحرمان للعاجز أصحب، وشرح حبيب هذا المعنى فقال: [الكامل]
همّ الفتى في الأرض أغصان المنى غرست وليست كلّ حين تورق
أوصى بعض الحكماء ابنه وأراد سفرا، فقال: إنّك تدخل بلدا لا تعرفه، ولا يعرفك أهله، فتمسّك بوصيّتي تنفق بها؛ عليك بحسن الشمائل؛ فإنها تدلّ على الحريّة، ونقاء الأطراف فإنها تشهد بالملوكية، ونظافة البزّة فإنها تشهد بالنشء في النعمة، وطيب الرائحة فإنها تظهر المروءة، والأدب الجميل فإنه يكسب المحبّة، وليكن عقلك دون دينك، وقولك دون فعلك، ولباسك دون قدرك، والزم الحياء والأنفة فإنّك إن استحييت من الفظاظة اجتنبت الخساسة، وإن أنفت من الغلبة لم يتقدّمك نظير في مرتبة.
قوله: «لقفت»، أخذت، واللّقف: أخذ ما يرمى إليك بيدك. ثقفت: قيدت، ويمدح الرجل الحازم به فيقال: فلان ثقف لقف. والأريب: العاقل، وقد أرب أرابة وأربا، صار أريبا، والأريبة من أربت العقدة أربا، شددتها. يستميل: يستنزل ويدعوه أن يميل إليه. يستخلص مراضيه، أي يحوزها لنفسه. ومراضيه: ما يرضي القاضي ويوافقه، وهو جمع مرضاة، ويقال: صلة الرحم مرضاة للربّ، أي يرضيه برّها، يقول: العاقل إذا دخل بلدة استعطف قاضيها لنفسه، بحسن خلقه حتى يخفّ عليه أمره. ليشتدّ: ليتقوّى.
جور: ظلم، إماما: قدوة، زماما: حبلا أقودها به. ولجت: دخلت. عرينة: بلدة، وأصلها بيت الأسد. الراح: اسم الخمر، وأبهم، على ابن الرومي ممّ اشتقّ اسمها حين قال: [الكامل]
والله ما أدري لأيّة علّة يدعونها في الرّاح باسم الرّاح
ألريحها أم روحها تحت الحشا أم لارتياح نديمها المرتاح!
[ ١ / ٢٤٠ ]
وانظر الامتزاج الذي ذكر في الخامسة والأربعين.
عنايته: اعتناؤه به واهتمامه.
***
فبينما أنا عند حاكم الإسكندريّة، في عشيّة عريّة، وقد أحضر مال الصّدقات، ليفضّه على ذوي الفاقات، إذ حلّ شخص عفرية، تعتله امرأة مصبية، فقالت: أيّد الله القاضي، وأدام به التّراضي، إنّي امرأة من أكرم جرثومة، وأطهر أرومة، وأشرف خئولة وعمومة، ميسمي الصّون، وشيمتي الهون، وخلقي نعم العون، وبيني وبين جاراتي بون، وكان أبي إذا خطبني بناة المجد، وأرباب الجدّ، سكّتهم وبكّتهم، وعاف وصلتهم وصلتهم، واحتجّ بأنّه عاهد الله بحلفة، ألّا يصاهر غير ذي حرفة
***