ونذكر هنا ما يليق بهذا الموضع مما قيل في العذار وفي الالتحاء مما مدح به وذمّ، قال ابن عبد ربه: [الكامل]
[ ١ / ٢٨٥ ]
ومعذّر نقش الجمال بمسكه خدّا له بدم القلوب مضرّجا
لما تيقّن أن سيف جفونه من نرجس جعل النّجاد بنفسجا
وقال ابن صارة: [الكامل]
ومعذّر رقّت حواشي حسنه فقلوبنا حذرا عليه رفاق
لم يكس عارضه السواد وإنّما نفضت عليه سوادها الأحداق
وقال عبد المحسن الصوريّ: [الوافر]
ومعتذر العذار إلى فؤادي لجرم سابق من مقلتيه
وكم أعرضت عنه فأعرضت بي عن الأعراض خضرة عارضيه
ولمّا قلت إنّ الشّعر يسعى لقلبي في الخلاص سعى عليه
وقال أبو القاسم الزاهي: [الكامل]
لولا عذارك ما خلعت عذاري لكنت في وزر من الأوزار
ما كنت أحسب أن أعاين أو أرى تخطيط ليل في بياض نهار
حتى نظرت إلى عذارك فاغتدى سقم القلوب ونزهة الأبصار
وللمعتمد بن عباد: [مخلع البسيط]
تمّ له الحسن بالعذار واختلط اللّيل بالنّهار
أخضر في أبيض تبدّى ذلك آسي وذا بهاري
لقد حوى مجلسي تماما إن يك من ريقه عقاري
وقال ابن حمدون: [مخلع البسيط]
ظلّ على خدّه العذار فافتضح الآس والبهار
وابيضّ هذا واسودّ هذا واجتمع اللّيل والنّهار
أغضّ عيني عنه لأنّي عليه من مقلتي أغار
فهذا كله حسن في مدح العذار؛ وإن كان النّذير بموت الجمال، فإذا تقوّى العذار واسودّ؛ صاروا إلى نعيه، كما قال أبو بكر البلويّ: [السريع]
انظر إلى ميت ولكنّه خلو من الأكفان والغاسل
قد كتب الدهر على خدّه بالشّعر: هذا آخر الباطل
وله في ضدّه: [مجزوء الكامل]
[ ١ / ٢٨٦ ]
لمّا التحى من قد هويت وقلت رسم قد دثر
عاينت من طلّابه زمرا مواصلة زمر
وكذاك أصحاب الحديث نفاقهم عند الكبر
وكما قال أبو الحسن بن الحاجّ:
أبا جعفر مات فيك الجمال فأظهر خدّك لبس الحداد
وقد كان ينبت زهر الرّياض فأصبح ينبت شوك القتاد
أبن لي متى كان بدر السما ء يدرك بالكون أو بالفساد!
وهل كنت في الملك من عبد شمس فأخنى عليك ظهور الفساد
وقال سعيد بن حميد في غلام التحى: [الكامل]
هلّا وأنت بماء وجهك يستقى روض الشّباب قليل شعر العارض
فالآن حين بدت بخدّك لحية ذهبت بحسنك ملء كفّ القابض
مثل السّلافة عاد خمر عصيرها بعد اللّذاذة مثل خلّ الحامض
وقال عليّ بن بسام في أخيه جعفر: [البسيط]
يا من نعته إليّ الإخوان لحيته أدبرت والدّهر إقبال وإدبار
قد كنت ممّن يهشّ الناظرون له تغصّ دونك أسماع وأبصار
أيّام وجهك مصقول عوارضه وللرّياض على خدّيك أنوار
فيا لدهر مضى ما كان أحسنه إذا أنت ممتنع، والشّرط دينار
حانت منيّته فاسودّ عارضه كما تسوّد بعد الميّت الدّار
وفيه يقول أيضا: [البسيط]
حانت وفاتك يا أبا العباس فدع المكاس فلات حين مكاس
ما بال وجهك بعد كثرة نوره قد سوّدوه بحالك الأنفاس!
أين الدّنانير التي عوّدتها هيهات جاء الشعر بالإفلاس
كانت بخد ثيابه ديباجة فاستبدلت حلسا من الأحلاس
وكذا البناء فغير مرتفع إذا كانت بليته من الآساس
وقال مصعب الماجن: [الكامل]
قد صافحت أقطار خدّك لحية تركته وهو مسوّد الأقطار
فكأنّ خط الشّعر في جنباته ليل أقام على نجوم أو نهار
[ ١ / ٢٨٧ ]
وكان لمحمد بن بشر بابان يدخل من الأكبر أصحابه، ومن الأصغر أحبابه فجاء يوما غلام مليح، وأراد الدخول من الأصغر على عادته، فمنع، فجعل يخاصم البوّاب لإدلاله، فبلغ ذلك ابن بشر، فكتب إليه: [مجزوء الرمل]
قل لمن رام بجهل مدخل الظّبي الغرير
بعد أن علق في خدّي هـ مخلاة الشّعير
ليته يدخل إن جا ء من الباب الكبير
وقال ابن الأبّار: [مخلع البسيط]
لست بصاب إلى معذّر بل أنا في حبّه معذّر
لا أعشق الظبي ذا لجام لأنه في الظباء منكر
أحسن ما فيه أن تراه بين مهاة وبين جؤذر
ينظر قوله: «لأنه في الظبا منكر» إلى قول حبيب: [الوافر]
تعشّقك الكبار يدلّ عندي على أنّ الرحى قلبت ثفالا
وقال آخر: [السريع]
لي في أبي يحيى ومشعوقه شغل على ذي شغل شاغل
يا ليت شعري قول ذي حيرة من منهما المفعول والفاعل!
وقال ابن حصين في محبوب صغير: [مجزوء الرمل]
بأبي ظبي صغير الس نّ حازت ثلث سنّي
سرّني أن ليس يدري مذهبي فيه وفنّي
فهو يدعوني عمّا وأنا أدعوه بابني
وللخبز أرزيّ: [البسيط]
قالوا عشقت صغيرا قلت أرتع في روض المحاسن حتى يدرك الثّمر
ربيع حسن دعاني لاتّباع هوى لمّا تفتح فيه النّور والزّهر
وقال التّنوخي في جسيم: [البسيط]
من أين أستر وجدي وهو منتهك ما للمتيّم في نيل الهوى درك
قالوا عشقت عظيم الجسم قلت لهم الشّمس أعظم جسم ضمّه الفلك
وللفقيه ابن حزم: [الطويل]
وذي عذل فيمن سباني حسنه يطيل ملامي في الهوى ويقول:
[ ١ / ٢٨٨ ]
أفي حسن وجه لاح لم تر غيره ولم تدر كيف الجسم، أنت قتيل!
فقلت له: أسرفت في اللّوم ظاهرا وعندي ردّ لو أردت طويل
ألم تر أنّي ظاهريّ وأنّني على ما بدا حتى يقوم دليل!
وأحسن حبيب حين قال: [البسيط]
قال الوشاة بدا في الخدّ عارضه فقلت لا تنكروا وما ذاك عائبه (١)
الحسن منه على ما كنت أعهده والشّعر حرز له ممّن يطالبه
أحلى وأعذب ما كانت شمائله إذ لاح عارضه واخضرّ شاربه
وصار من كان يلحى في مودّته إن سيل عني وعنه قال صاحبه
وقال الحلوانيّ: [البسيط]
قالوا التحى فامّحت بالشّعر بهجته فقلت: لولا الدّجى لم يحسن القمر
خطّت يد الحسن فيه فوق وجنته: هذي محاسن- يا أهل الهوى- أخر
وله أيضا: [الخفيف]
لي حبيب إذا شكوت إليه سامني بالهوى عذابا شديدا
لست أدعو بالشّعر غيظا عليه خيفة أن يكون حسنا جديدا
غير أنّي أدعو بقلب قريح أن أراه مثلي محبّا عميدا
وقال غيره: [مخلع البسيط]
قد حلّ في سوقك الكساد مذ لاح في خدّك السّواد
كأنما الشّعر فيه زرع والنّتف منه له حصاد
وقوله: «ودواتي بالأقلام»، أي ابتلاه الله أن يلاط به، قال: الفنجديهيّ: أنشدني بعض الشعراء بمروروز لبعضهم: [الوافر]
دوادار الأمير له دواة كمثل الياسمين بغير صوف
يرى قلم الأمير يغوص فيها مغاص عصيدة في حلق صوفي
ونقل لفظ الدواة والأقلام من قول ديك الجن؛ وكان يهوى غلاما من حمص، اسمه بكر، فجلس معه ليلة يتحدّث بها حتى غاب القمر، فقام بكر ليمشي، فقال:
[الطويل]
_________________
(١) الأبيات في ديوان أبي تمام ص ٤٣٢.
[ ١ / ٢٨٩ ]
دع البدر فليغرب فأنت لنا بدر إذا ما تجلّى عن محاسنك الشّعر
إذا ما انقضى سحر الذين ببابل فأنت لنا سحر وريقك لي خمر
ولو قيل لي قم فادع أحسن من ترى لصحت بأعلى الصّوت: يا بكر يا بكر!
وكان هذا الغلام شديد التصاون والتمنع، فاحتال عليه قوم من حمص، فأخرجوه إلى متنزّه، فأسكروه وفسقوا به، فبلغ ذلك ديك الجن فقال: [الكامل]
يا بكر ما فعلت بك الأرطام يا دار ما فعلت بك الأيّام
في الدار بعد بقية نستامها أم ليس فيك بقية تستام
شغل الظّلام كراك في أبوابهم فتفرّغت لدواتك الأقلام
وله فيه أيضا: [البسيط]
قولا لبكر بن مهديّ إذا اعتكرت عساكر اللّيل بين الطّاس والجام
ألم أقل لك إنّ الكبر مهلكة والبغي والعجب إفساد لأقوام
قد كنت تفرق من سهم تعاينه فصرت غير رميم رقعة الرّامي
وكنت تفزع من لمس ومن قبل فقد ذللت لإسراج وإلجام
إن تدم فخذاك من ركض فربّتما أمسى وقلبي منك الموجع الدّامي
قال أبو عليّ بن رشيق: كنت أوصي غلاما وضيئا، كان يختلف إليّ، وأحذّره من كثرة التخليط، فخرج يوما في جماعة من أصحابه، فأوقع به، فأخبرت بذلك، فقلت:
[السريع]
يا سوء ما جاءت به الحال إن كان ما قالوا كما قالوا
ما أحذق النّاس بصوغ الخنا صيغ من الخاتم خلخال
وهذا من قول ابن المعتز: [الطويل]
مضى خالد والمال تسعون درهما وآب ورأس المال ثلث الدّراهم
وهذا المعنى الخبيث يتبين بعقد التسعين والثلاثين في اليد.
وقال ابن رشيق: [الكامل]
سقطت ثنّيته فأوجع قلبه لسقوطها وجرى عليه عظيم
فإذا مررت به فسلّ فؤاده عنها وقل صبرا كذاك الريم
عجبا للؤلؤة هوت من سلكها والسّلك لا واه ولا مفصوم
أتعدّيا يا خطب وهو مصوّن أبدا بخاتم ربّه مختوم
[ ١ / ٢٩٠ ]
ويستحبّ لمن وسم بوسمة الجمال، أن يكون شديد التصاون، قليل التبذّل، فذلك أدعى للسلامة، وقد قال ابن وكيع في ذلك: [البسيط]
قالوا عشقت كثير البخل ممتنعا فقلت: هيهات عنكم غاب أطيبه
لو جاد هان، وقلت الجود عادته وإنما عزّ لمّا عزّ مطلبه
فإذا تبذّل وأجاب كلّ من دعاه صار عرضة للظنون، ونبت عن محاسنه العيون، لأنّ النفس الحرّة لا تنفك من غيرة، وقد قال العباس بن الأحنف: [الكامل]
يا قوم لم أهجركم لملالة منّي ولا لمقال واش حاسد (١)
لكنّني جرّبتكم فوجدتكم لا تصبرون على طعام واحد
وقال أبو الوليد بن حزم: [الكامل]
لمّا استمالك معشر لم أرضهم والقول فيك كما علمت كثير
داويت دونك مهجتي فتماسكت من بعد ما كادت إليك تطير
فاذهب فغير جوانحي لك منزل واسمع فغير وفائك المشكور
وله أيضا: [المتقارب]
يقول وقد لمته في الهوى فلان، وعرّضت شيئا قليلا:
أتحسدني؟ قلت: لا، والذي أحلّك في الحبّ مرعى وبيلا
وكيف وقد حلّ ذاك الإزار وقد سلك النّاس تلك السبيلا!
وقال محمد بن السريّ: [الكامل]
قايست بين جماله وفعاله فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
والله لا كلمته ولو أنه كالبدر أو كالشّمس أو كالمكتفي
وقال آخر: [الطويل]
أيا حسنا أزرت قبائح فعله عليه كما أزرى الكسوف على البدر
لقد فقت كلّ الناس حسنا وزينة ولكنّما قبّحت ذلك بالغدر
وقال ابن عيينة: [الكامل]
ضيعت عهد فتى لعهدك حافظ في حفظه عجب وفي تضييعك
إن تقتليه وتذهبي بفؤاده فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
***
_________________
(١) البيتان في ديوان العباس بن الأحنف ص ١٠٦.
[ ١ / ٢٩١ ]
فقال الغلام: الاصطلاء بالبليّة، ولا الإيلاء بهذه الأليّة، والانقياد للقود؛ ولا الحلف بما لم يحلف به أحد. وأبى الشيخ إلّا تجريعه اليمين الّتي اخترعها، وأمقر له جرعها. ولم يزل التّلاحي بينها يستعر، ومحجّة التّراضي تعر، والغلام في ضمن تأبّيه، يخلب قلب الوالي بتلوّيه، ويطمعه في أن يلبّيه، إلى أن ران هواه على قلبه، وألبّ بلبّه، فسوّل له الوجد الّذي تيّمه، والطّمع الّذي توهّمه، أن يخلّص الغلام ويستخلصه، وأن ينقذه من حبالة الشّيخ ثم يقتنصه.
***
قوله: «الاصطلاء»، أي الاتصال والتلبّس. والبلية، أراد دعوة الباطل التي ادّعى عليه الشيخ. والإيلاء: الحلف: والأليّة: اليمين. والقود: قتل النفس بالنفس، فيقول:
الصبر على الضرب أو القتل أهون من هذه اليمين التي لم يحلف بها أحد اخترعها:
استنبطها. أمقر: أمرّ، من المقر؛ وهو الصير.
وهذه اليمين المخترعة، حكى الأصمعيّ شبهها، فقال: اختصم أعرابيّان عند بعض الولاة في دين، فجعل المدّعى عليه يحلف بالطلاق والعتاق، فقال المدّعي: دعني من هذه الأيمان، واحلف بما أقول لك، فقال: ما قولك؟ قال: قل: لا ترك الله لك خفّا يتبع خفّا، ولا ظلفا يتبع ظلفا، وحتّك من أهلك وولدك، كما يحاتّ الورق من الشجر؛ إن كان بقي لي هذا الحق قبلك. فأعطاه حقّه ولم يحلف له.
وحكى المسعوديّ أنّ الفضل بن الربيع قال: صار إليّ عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ﵄، فقال: إنّ موسى بن عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب قد أرادني على بيعته، فأخبرت الرشيد بذلك، فجمع بينهما، فقال الزبيريّ لموسى: سعيتم علينا، وأردتم نقض بيعتنا ودولتنا، فقال له موسى: ومن أنتم! فغلب الرّشيد الضحك حتى رفع رأسه إلى السقف لئلا يظهر منه الضحك، ثم قال موسى: يا أمير المؤمنين، هذا المشنّع عليّ، خرج مع أخي محمد على جدّك المنصور، وهو القائل [من أبيات]:
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا إنّ الخلافة فيكم يا بني الحسن
وليست سعايته حبّا لك، ولا مراعاة لدولتك؛ ولكن بغضا لنا جميعا أهل البيت، وأنا أستحلفه بيمين، فإن حلف بها أنّي قلت ذلك، فدمي حلال لأمير المؤمنين. فقال له الرشيد: احلف له يا عبد الله، فامتنع، فقال له الفضل: لم تمتنع وقد زعمت أنه قال ما ذكرته؟ قال: فإني أحلف له، قال موسى: قل: تقلّدت الحول والقوّة دون حول الله وقوّته إلى حولي وقوّتي، إن لم يكن ما قلته حقا. فحلف له، فقال موسى: الله أكبر! حدثني أبي عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما حلف أحد بهذه اليمين وهو
[ ١ / ٢٩٢ ]
كاذب إلّا عجّل الله له العقوبة قبل ثلاث»، وها أنذا بين يدي أمير المؤمنين في قبضته، فإن مضت ثلاث ولم يحدث له حادث، فدمي حلال لأمير المؤمنين.
قال الفضل: فو الله ما صلّيت العصر من ذلك اليوم، حتى سمعت الصراخ من داره.
فدخلت عليه، فو الله ما كدت أعرفه: لأنه صار كالزّق العظيم، ثم اسودّ حتى صار كالفحم، فعرّفت الرشيد في الحين، فما انقضى كلامنا حتى عرفنا أنه قد مات، فبادرت بتعجيله، وتولّيت الصلاة عليه. فلما ووري في قبره انخسف به، وخرجت رائحة مفرطة النّتن، ومرّت أحمال شوك على الطريق، فأمرت بها فطرحت في قبره، فانخسف ثانية، فأمرت بألواح ساج، فطرحت على قبره وألقى التراب عليها، وانصرفت، وأعلمت الرشيد. فأكثر التعجّب، وأحضر موسى؛ فأعطاه ألف دينار، وقال له: لم عدلت عن اليمين المتعارفة عند الناس؟ فقال: أخبرت بالسند المتقدّم عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بيمين كاذبة مجّد الله فيها، استحيا الله من تعجيل عقوبته، ومن حلف بيمين كاذبة نازع الله فيه حوله وقوّته إلّا عجّل الله له العقوبة قبل ثلاث».
***
قوله: «التلاحي»، السّباب والتشاتم. عليّ ﵁، قال النبي ﷺ: «من لاحى الرجال سقطت مروءته وذهبت كرامته، وما زال جبريل ينهاني عن ملاحاة الرجال كما ينهاني من عبادة الأوثان» (١). وفي المثل: من لا حاك فقد عاداك.
يستعر: يتّقد. محجّة التراضي: أي طريق الرضا تعر: تصعب. وفي ضمن تأبّيه، أي في أثناء كلامه وامتناعه. يخلب: يخدع ويأخذ قلبه. تلوّيه: انعطافه يطمعه: يدعوه للطمع. يلبّيه: يجيبه لمراده. وران: غلب وغطّى. أبو هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ: «إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقلت، وإن عاد زادت حتى تعظم في قلبه، فذلك الران» (٢)، قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ [المطففين: ١٤].
ألبّ: أقام. لبّه: عقله: سوّل: زيّن. الوجد: حرقه القلب. تيّمه: عبّده وذلّله، والمتيّم: المستعبد لهواه. توهمه: ظنه. يستخلصه: يختصه لنفسه. حبالة: آلة الصيد.
يقتنصه: يصيده؛ يقول: إنّ هذا الغلام في أثناء كلامه بالتمنع وترك الانقياد للشيخ يطمع الوالي في الانقياد له، وإنه إذا دعاه لما يريده منه أجابه، وإنما فعل هذا حين رأى إدامة نظر الوالي في وجهه، واستحسانه كلامه، ولو فسّر الوالي حال الغلام بمنظوم لأنشد:
[البسيط]
_________________
(١) روى ابن الأثير الجزري، في النهاية في غريب الحديث ٤/ ٢٤٣، الحديث بلفظ: «نهيت عن ملاحاة الرجال».
(٢) أخرجه بنحوه الترمذي في تفسير سورة ٨٣، باب ١، وابن ماجة في الزهد باب ٢٩.
[ ١ / ٢٩٣ ]
يهدي لك الدّر من لفظ ومبتسم ضربان: منتثر منه ومنظوم
يجني الذنوب، وأحنو أن أؤاخذه من أجل ذلك قيل الحسن مرحوم
ولأنشد إذا غلب عليه هواه: [البسيط]
مرآك مرآك لا شمس ولا قمر وورد خدّيك لا ورد ولا زهر
في ذمّة الله قلب أنت ساكنه إن بنت بان فلا عين ولا أثر
لولا محلّك من قلبي لما أسفت نفسي عليك، فرفقا أيّها القمر
هذه الأبيات لأبي الوليد بن حزم؛ وقد كرر معنى البيت الأخير فقال: [الكامل]
أذكيت من قلبي بنأيك لوعة حتى خشيت على محلّك فيه
ومما يتعلق بهذا المعنى قول الآخر: [الطويل]
ولمّا رماني بالسهام تعمّدا وفيها نصال الهجر حتى امتلا صدري
فقلت له لا ترم قلبي فإنّه مكانك والمرميّ أنت ولا تدري
وقال آخر: [الطويل]
حملتك في قلبي فهل أنت عالم بأنّك محمول وأنت مقيم!
ألا أنّ شخصا في فؤادي محلّه وأشتاقه، شخص عليّ كريم
وقال التّهاميّ: [الكامل]
قلبي فداؤك وهو قلب لم يزل تذكى شهاب الشّوق في أثنائه
جاورته شرّ الجوار وزرته لمّا حللت فناءه بفنائه
حرّق سوى قلبي ودعه فإنني أخشى عليك وأنت في سودائه
وقال آخر: [السريع]
أودع فؤادي حرقا أودع نفسك تؤذى أنت في اضلعي
أمسك سهام اللّحظ أو فارمها أنت بما ترى مصاب معي
موقعها القلب وأنت الذي مسكنه في ذلك الموضع
***
فقال للشّيخ: هل لك فيما هو أليق بالأقوى، وأقرب للتّقوى! فقال: إلام تشير لأقتفيه، ولا أقف لك فيه؟ فقال: أرى أن تقصر عن القيل والقال، وتقتصر منه على مائة مثقال، لأتحمّل منها بعضا، وأجتبي الباقي لك عرضا، فقال الشّيخ:
[ ١ / ٢٩٤ ]
ما منّي خلاف، فلا يكن لوعدك إخلاف، فنقده الوالي عشرين، ووزع على وزعته تكملة خمسين. ورقّ ثوب الأصيل، وانقطع لأجله صوب التّحصيل، فقال له: خذ ما راج، ودع عنك اللّجاج، وعليّ في غد أن أتوصّل، إلى أن ينضّ لك الباقي ويتحصّل، فقال الشّيخ: أقبل منك على أن ألازمه ليلتي، ويرعاه إنسان مقلتي، حتى إذا أعفى بعد إسفار الصبح، بما بقي من مال الصّلح، تخلّصت قائبة من قوب، وبرئ براءة الذّئب من دم ابن يعقوب، فقال له الوالي: ما أراك سمت شططا، ولا رمت فرطا.
قال الحارث بن همام: فلمّا رأيت حجج الشّيخ كالحجج السّريجيّة، علمت أنّه علم السّروجيّة.
***
قوله: «أليق» أي أشكل وأصقل. بالأقوى: بصاحب القوّة. والذي هو أقرب للتقوى، وهو العفو لقوله تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [البقرة: ٢٣٧]. أقتفيه:
أتبعه. لا أقف لك فيه، أي لا أتوقّف فيما تشير به. تقصر: تكفّ. عن القيل والقال، أي عن كل كلام. أجتبي: أجمع. عرضا: كلّ ما ليس فيه روح من الأمتعة غير العين؛ وهو ليس بنقد من السّلع التي يتجر فيها من متاع ورقيق وغير ذلك. أتحمّل: أضمن، وفلان حميل بكذا، أي ضامن له. إخلاف: كذب وعد. نقده: أعطاه نقدا. وزّع: فرّق.
وزعته: شرطته الذين يكفون عنه الناس، واحدهم وازع مثل كافر وكفرة، وقد وزعته وزعا كففته، وأيضا دفعته. وقال الحسن البصريّ ﵀: لا بدّ للسلطان من وزعة.
الأصيل العشيّ. وثوبه: ضوء الشمس، وهو في ذلك الوقت رقيق. صوب: وقع، وصاب السهم صوبا وصيّبا: وقع بالرميّة، وصاب السحاب الموضع: أمطر. والتحصيل:
أن يحصّل بقية المال. راج: حضر وتيسّر، ويقال: راج الشيء روجا فهو رائج إذا جاء جاء سريعا. قوله: «إنسان مقلتي»، أي سواد عيني. يرعاه: يحفظه وينظره. أعفى: أتى بالبقيّة، والعفاوة: بقية المرق في القدر. تخلّصت: انفصلت. والقائبة: البيضة.
والقوب: الفرخ، وهذا مثل يضرب للرجلين يفترقان بعد الصّحبة، وجاء مقلوبا لأن الذي ينفصل ويخرج إما هو الفرخ من البيضة، والقوب، من تقوّب الشيء إذا انتشر، ومنه القوباء لداء الحزاز. وابن يعقوب هو يوسف ﵉، وبراءة الذئب من دمه، هو ما يحكى أنّ إخوته لما جاءوا أبيهم يبكون على يوسف، علموا أنه لا يصدّقهم، فاصطادوا ذئبا فلطّخوه بدم، وأتوه يبكون، وقالوا له: هذا الذئب قد ضري، أكل أغنامنا وأكل يوسف أخانا، قال لهم: أطلقوه، ودعا الله يعقوب أن ينطقه له، فقال للذئب: ادن منّي، فجعل يبصبص بذنبه ويدنو منه، حتى وضع خدّه على فخذيعقوب، فقال له: لم
[ ١ / ٢٩٥ ]
أكلت ابني، وفجعتني فيه؟ فقال: لا والله يا نبيّ الله، ما رأيته ولا أكلته، وإني لغريب في أرضكم اليوم، وصلت من مصر في طلب أخ لي فقدته، فأوثقني هؤلاء وساقوني إليك، فقال لهم يعقوب ﵇: الذئب مع أخيه أوفى منكم مع أخيكم.
قوله: «سمت»: أي كلّفت. شططا: شيئا بعيدا، والشّطط: مجاوزة القدر.
ورمت فرطا: طلبت شيئا متفاوتا، وكيف لم يسمّه شططا، وقد حرمه لذة ليلة مع هذا الغلام أحسن من ليلة الخفاجي حيث يقول: [مخلع البسيط]
وليلة طلقة قضتني من موعد للحبيب دينا
بتنا نجرّ الذيول فيها والخمر تمشي بنا بالهوينى
أرسل في روض وجنتيه لحظة عين تفيض عينا
كأنّما اللحظ كيمياء تذهب من وجهه لجينا
وما توهّمت أنّ طرفا يقلب عين اللجين عينا
أو ليلة الآخر حين يقول: [الكامل]
لمّا رأى من ظلت فيه متيّما جسمي ضئيلا والفؤاد مولّها
جادت شمائله عليّ بليلة أهدت إلى الصبّ المعنّى ما اشتهى
عانقت فيها البدر ليلة تمّه يا من رأى بدرا يعانقه السّها!