ومما يناظر ما تقدّم من البكاء عند الفراق قول محمد بن يوسف: [الكامل]
وكأنّما أثر الدموع بخدّها طلّ تساقط فوق ورد يانع
عذب الفراق لنا قبيل وداعنا ثم اجترعناه كسمّ ناقع
وقال ابن الروميّ: [المنسرح]
لو كنت يوم الوداع شاهدنا وهنّ يطفئن غلّة الوجد
لم تر إلّا دموع باكية تسفح من مقلة على خدّ
كأنّ تلك الدموع قطر ندى يقطر من نرجس على ورد
[ ١ / ٨٨ ]
وقال النّاشي: [المتقارب]
بكيت الفراق وقد راعني بكاء الحبيب لبعد الديار
كأنّ الدموع على خدّها بقيّة طلّ على جلنار
وقال أبو نواس: [الطويل]
تقول غداة البين إحدى نسائهم لي الكبد الحرّى فسر ولك الصّبر (١)
وقد غلبتها عبرة فدموعها على خدّها جمر وفي نحرها صفر
يقول: لون خدها أحمر، فتشكلت الدمعة به جمرا، ولون نحرها أصفر عاجيّ كما قال ذو الرمة: [البسيط]
كأنّها فضّة قد مسّها ذهب فصار فيها للون الدمع صفرته
وقيل للعباس بن محمد: ما لون الماء؟ فقال: لون إنائه.
ولمّا ذكر الحريريّ الحلل السود على الجارية، تذكّرت ما قال أبو عثمان الناجم في جارية رأى عليها ثوبا أزرق: [الخفيف]
ما تعدّت قبول حين جلت زيّ اشبيها بوجهها ذي الضّياء
لبست أزرقا فجاءت بوجه يشبه البدر في أديم السّماء
ولأبي حفص بن برد في غلام بدا له في ثوب لازورديّ، فقال: [مجزوء الكامل]
لمّا بدا في لازور ديّ الحرير وقد بهر
كبّرت من فرط الجما ل وقلت ما هذا بشر
فأجابني لا تنكرن ثوب السماء على القمر
وقال ابن المعتزّ في غلام عليه ديباج بنفسجيّ: [مجزوء الكامل]
وبنفسجيّ الثوب قت ل محبّه من حاله
الآن صرت البدر إذ ألبست ثوب جماله
قوله: «استسنى»، أي استعظم، وقد سنو الرجل، وسنا: شرف وعظم. ديمته:
كلامه بالشعر وهو دائم غير منقطع، أو يريد بها فطنته التي تمدّه بما شاء من الشعر، وأصل الديمة المطر الدائم. واستغزروها: استكثروها ووجدوها غزيرة أجملوا عشرته، أي أحسنوا صحبته وعاشروه بالجميل. جمّلوا قشرته، أي حسّنوها، من لفظ الجمال، أو يكون معناه: جمّلوا من جمّلت الحساب وأجملته، أي جمعته، فكأنهم جمعوا له شيئا
_________________
(١) البيت في ديوان أبي نواس ص ٨.
[ ١ / ٨٩ ]
وكسوه. وقشرته: ثوبه، لأنه قدّم أنّ هيئته كانت رثّة، فاحتاجوا أن يكسوه.
***
قال المخبر بهذه الحكاية: فلمّا رأيت تلهّب جذوته، وتألّق جلوته، أمعنت النّظر في توسّمه، وسرّحت الطّرف في ميسمه، فإذا هو شيخنا السّروجيّ، وقد أقمر ليله الدّجوجيّ، فهنّأت نفسي بمورده، وابتدرت استلام يده، وقلت له: ما الّذي أحال صفتك، حتّى جهلت معرفتك، وأيّ شيء شيّب لحيتك، حتّى أنكرت حليتك! فأنشأ يقول: [المجثث]
وقع الشّوائب شيّب والدّهر بالنّاس قلّب
إن دان يوما لشخص ففي غد يتغلّب
فلا تثق بوميض من برقه فهو خلّب
واصبر إذا هو أضرى بك الخطوب وألّب
فما على التّبر عار في النّار حين يقلّب
ثم نهض مفارقا موضعه، ومستصحبا القلوب معه
***
تلتهب جذوته: اشتعال جمرته واتّقادها؛ وأراد حدّة ذهنه، والجذوة: النار في طرف العود. تألق: لمعان. جلوته: ما جلاه وكشفه من وجهه، وتقول: جلوت العروس جلوة، إذا أزلت نقابها، وأظهرت وجهها، والجلوة بالكسر: هيئة جلوة حين يجلى، وأراد بتألّق جلوته بريق وجهه. أمعنت: بالغت وأدمت النظر، وأصله من أمعن في الأرض إذا أبعد الذهاب فيها. توسمه: نظر سماته، وهي علامته التي يعرف بها، ويريد أنه أدام النظر في نعوته. سرّحت الطّرف: أرسلت العين بالنظر، وأصل الطرف تحرّك العين عند النّظر، تقول: طرفت العين طرفا. والعين: الجارحة، والبصر: ما تدركه بنظرها، ثمّ سمّيت العين طرفا لذلك. وميسمه: علامته. أقمر: ابيضّ، فصار مثل لون القمر. الدّجوجيّ: الشديد السواد، وأراد نبات شعره الأسود.
قوله: «بمورده»، أي بقدومه وإتيانه، تقول: ورد علينا فلان، إذا قدم عليك من بلد آخر، والمورد: مصدر ورد، وهو بمعنى الورود، لأنه قدّم أنه غاب عنه مدّة لا يعرف له موضعا، ولا يجد عنه مخبرا؛ حيث قال: «واستتر عنّي حينا»، فلما رآه ببلده بالبصرة فرح بقدومه وهنّأ نفسه على ذلك.
استلام: تقبل اليد. ابن الأنباريّ: استلم الحجر، معناه أخذه ومسّه بيده، واستلم، افتعل، من المسالمة. يريد أخذ الحجر وضمّه إليه، أو يكون استفعل، من اللأمة وهي
[ ١ / ٩٠ ]
السلاح، يريد أنه حصّن نفسه بمسّ الحجر من العذاب، لأن السلاح إنما يلبس ليمتنع به ويتحصّن. أحال: غيّر. حليتك: صفتك، ولذلك احتاج أن يمعن النظر لمّا تغيرت صفاته التي كان يعرفه بها من الفتوّة والشبيبة، فلما رآه قد شاب شعره، وتغيّرت صفاته لم يعرفه إلّا بعد طول تأمّل. وقال الحلواني القيروانيّ: [الكامل]
ولربّ باكية رأت في لمّتي وخز المشيب تألّقت ضحكاته
قالت: أغصنا قد علاه فلا أرى زهر الرّياض ونوّرت ورقاته
فأجبتها: قارعت في جنب الهوى صرف الزّمان، وهذه نكباته
ولابن الجدّ: [الكامل]
نكرت نحولي وهو من فرط الأسى لفراق إخوان عليّ كرام
وتعجّبت للشّيب لا تتعجّبي هذا غبار وقائع الأيّام
قوله: «فأنشأ يقول» أي ابتدأ، وأنشدوا: [مجزوء الكامل]
أنشأت تطلب ما تغيّ ر قد تناشبت الأظافر
أي ابتدأت تطلب. الشوائب، أصله ما يقع في الماء الصافي من الأقذاء فيكدّره، فأراد أن أنكاد الدهر شيّبته. وقلّب: كثير التقلّب، فيحوّل من حال إلى حال. دان: طاع وانقاد. يتقلّب: يتحوّل عن الطاعة. وميض: لمع خفيّ. خلّب: خدّاع، لا ماء فيه، وأراد: لا تثق بالدّهر، إذا ما كسبت فيه شيئا من المال فإنه يحوّل عنك ولا يترك لك منه شيئا. أضرى: أغرى وألصقها بك، وأصل «أضرى» من ضراوة الكلب، تقول ضري الكلب بالصيد؛ إذا تعلّم الصيد، وأضربته أنا بمعنى عرّضته للصيد. والخطوب: الأمور الشداد. وألّب: حشد، أي اصبر للشدائد إذا أضراها الدهر بك وحشدها، فما عليك في ذلك عيب، كما أن الذهب يسبك بالنار وهو مع ذلك عزيز القدر. والتّبر: الذهب قبل سبكه، وانظر هذا المعنى عند قوله في السابعة والأربعين: [البسيط]
وطالما أصلي الياقوت جمر غضى ثم انطفأ الجمر والياقوت ياقوت
وزاد الآخر في المعنى فقال: [البسيط]
إني أنا الذّهب المحمى ومخبره يزيد في السّبك للدينار دينارا
وأنشدوا: [الكامل]
اصبر على نوب الزّما ن فهكذا مضت الدّهور
فرح وحزن تارة لا الحزن دام ولا السّرور
[ ١ / ٩١ ]