وقال فيه السكرادي: [الكامل]
قم سلّ همّي بالمدا م ففيه همّ قد أمضّه
أو ما ترى قمر السّما ء كأنه تعويذ فضّه
فإذا ألمّ به المحا ق تخاله في الخدّ عضّه
وعلى معنى البيت الآخر، قال إسماعيل القاضي يصف الهلال: [مجزوء الخفيف]
اسقني قبل صاحبي واخش صرف النوائب
فالهلال الذي يلو ح خلال الغياهب
مثل فخ اللجين صي غ لصيد الكواكب
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: [المنسرح]
[ ١ / ١٣٤ ]
لمّا رأيت الهلال منطويا في غرّة الفجر قارن الزّهره
شبّهته والعيان يشهد لي بصولجان أوفى لضرب كره
وقال القاضي أبو الحسن بن لبّال: [مجزوء الرجز]
انظر إلى الهلال إذ لاح بهيّ المنظر
كزورق من فضة وسط لجين أخضر
أخذه من قول ابن المعتزّ: [الكامل]
أهلا بفطر قد أنار هلاله فالآن فاغد إلى المدام وبكّر
وانظر إليه كزورق من فضّة قد أثقلته حمولة من عنبر
وله أيضا: [المنسرح]
أهلا وسهلا بالنّاي والعود وشرب كأس بكفّ مقدود
قد انقضت دولة الصيام وقد بشّر مرأى الهلال بالعيد
يتلو الثريّا كفاغر شره يفتح فاه لأكل عنقود
وقد شبّهه ابن المعتزّ بقلامة الظفر، فأحسن حيث يقول: [البسيط]
وجاءني في قميص اللّيل مستترا يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحه مثل القلامة قد قدّت من الظّفر
وأخذه من قول الأعرابيّ: [المتقارب]
كأنّ ابن مزنتها جانحا فسيط لدى الأفق من خنصر (١)
ابن مزنتها: الهلال. الفسيط: قلامة الظفر.
قوله: «غذوا»: أي ربّوا به وجعل غذاؤهم؛ واللّبان للآدميات، واللبن للآدميات وغيرهنّ. سحبوا: جرّوا. سحبان: فصيح العرب، وانظره في السادسة عشرة. ذيل اللسان: طرفه، يريد أنهم بفصاحتهم أنسوا ذكر سحبان، فكأنهم جرّوا عليه ثوب النسيان حتى غطّوه، فلم يذكره أحد من هؤلاء، وأصل ذلك أن يسحب ذيل الثوب على أثر ليخفى، كقول امرئ القيس: [الطويل]
* تعفّى بذيل الدّرع إن جئت موئلي*
وكقوله: [الطويل]
_________________
(١) البيت لعمرو بن قميئة في ملحق ديوانه ص ١٩٣، ولسان العرب (فسط)، وبلا نسبة في أساس البلاغة (فسط)، وجمهرة اللغة ص ٨٣٥، وشرح عمدة الحافظ ص ٤٣٤، وكتاب الصناعتين ص ٢٢٣.
[ ١ / ١٣٥ ]
خرجت بها تمشي تجرّ وراءنا على أثرينا ذيل مرط مرحّل (١)
قوله: «يحفظ عنه»، أي هم علماء يروون العلم فيحفظ عنهم. يتحفّظ، يتحذّر، وأخذ هذا من قول سليمان بن عبد الملك: قد أكلت الطّيب، ولبست اللّين، وركبت الفاره، وتبطّنت العذراء، فلم يبق لي من لذتي إلا صديق أطرح فيما بيني وبينه مئونة التحفّظ. فهذا الذي طلبه سليمان وجده الحريريّ في أصحابه، وأصل التحفّظ الاجتهاد في حفظ الشيء وقلة الغفلة في الأمور، كأنه على حذر، وأنشد ثعلب: [الكامل]
إنّي لأبغض عاشقا متحفّظا لم تتهمه أعين وقلوب (٢)
قوله: «يميل الرفيق إليه»، تقول: ملت إلى فلان، إذا أحببته وتقرّبت منه، وملت عنه، إذا كرهته وبعدت عنه. والرفيق: الصاحب يرتفق به في السفر. قوله: «استهوانا»، هوى بنا وشغلنا. والسّمر: الحديث يسمر عليه. وذكر الحريريّ أن أصل السّمر ظل القمر، والسّمر:
الحديث، ومنه أخذ السمير، وغالب أحوال السّمار أنهم يتحدثون في ظل القمر- وذكر هذا في تفسير الرابعة والأربعين- وهو الأصل، ثم لتسع فيهفصار الجلوس بالليل للحديث يسمى سمرا، على أيّ حال اتفق. روّق: ضرب رواقه، والرواق. الثوب يستظلّ به من الشمس، يريد أنّ الليل ضرب عليهم من ظلامه رواقا فانحجب عنهم به القمر. والبهيم: الخالص السواد، والبهيم الخالص من كلّ لون. والتهويم: النوم بالليل، والتغوير: النوم في القائلة، وقد هوّم الرجل، إذا أسقط النّعاس رأسه فانتبه بسقوطه فرفعه، فحقيقته سجود الرأس من النعاس، قال ذو الرّمّة في ذلك: [الطويل]
وأشعث مثل السّيف قد لاح جسمه وجيف المهارى والهموم الأباعد (٣)
سقاه النّعاس كأس سكر فرأسه لدين الكرى في آخر اللّيل ساجد
ويقال: خفق رأسه فهو خافق، قال ذو الرّمة: [البسيط]
وخافق الرأس فوق الرّحل قلت له زع بالزّمام وجوز الليل مركوم (٤)
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص ١٤، وخزانة الأدب ١١/ ٤٢٧، والدرر ٤/ ١٠، وشرح التصريح ١/ ٣٨٧، وشرح شواهد الشافية ص ٢٨٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٥٢، ٩٠١، وشرح عمدة الحافظ ص ٤٦٢، ولسان العرب (نير)، وتاج العروس (رجل)، (رجل)، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٣٩، ورصف المباني ص ٣٣٠، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٣٣٨، ومغني اللبيب ٢/ ٥٦٤، وهمع الهوامع ١/ ٢٤٤.
(٢) البيت بلا نسبة في لسان العرب (حفظ)، وتاج العروس (حفظ).
(٣) البيتان في ديوان ذي الرمة ص ١٣٠.
(٤) البيت لذي الرمة في ديوانه ص ٤٢٠، ولسان العرب (زهغ)، وتهذيب اللغة ٣/ ١٠١، ومقاييس اللغة ٣/ ٣٧ ومجمل اللغة ٣/ ٣٢، وتاج العروس (خفق)، وديوان الأدب ٣/ ٣٩٦، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٨١٨، ومقاييس اللغة ٣/ ٢٨٦، والمخصص ٧/ ١٥٢، ١٢/ ١٠٤.
[ ١ / ١٣٦ ]
وقال الرصافيّ فأحسن: [الخفيف]
ومجدّين للسّرى قد تعاطوا غفوات الكرى بغير كئوس
جنحوا وانحنوا على العيس حتّى خلتهم يلثمون أيدي العيس
نبذوا الغمض وهو حلو إلى أن وجدوه سلافة في الرءوس
قوله: «نبأة»، أي صوت. مستنبح: يحكي نباح الكلاب، وكان الرجل إذا تلف بالليل بالصحراء ولم يدر أين يتوجّه، حاكى بصوته نباح الكلب، فإن كان قريبا من العمران نبحت لنباحه كلاب الحيّ، فسمع أصواتها، فقصد الحيّ فتسمّى العرب من يفعل هذا المستنبح. وأنشد أبو عليّ في نوادره: [الطويل]
ومستنبح بات الصدى يستتيهه فتاه وجوز الليل مضطرب الكسر
رفعت له نارا ثقوبا زنادها تليح إلى الساري: هلمّ إلى قدري
وقال حسان بن ماثل: [الطويل]
ومستنبح في جنح ليل دعوته بمشبوبة في رأس صمد مقابل (١)
فقلت له أقبل، فإنّك راشد وإنّ على النار النّدى وابن ماثل (٢)
وقد أنشد أبو تمام في حماسته في باب الأضياف في المستنبح ما فيه كفاية؛ فلينظر هنالك.
قوله: «تلتها»، أي تبعتها. صكّة: دفعة. مستفتح: طالب فتح الباب الملمّ: الزائر:
المدلهمّ: الشديد السواد، من الدّهمة، ولامه زائدة [الرجز]
***
يا أهل ذا المغنى وقيتم شرّا ولا لقيتم ما بقيتم ضرّا
قد دفع اللّيل الّذي اكفهرّا إلى ذراكم شعثا مغبرّا
أخا سفار طال واسبطرّا حتّى انثنى محقوقفا مصفرّا
مثل هلال الأفق حين افترّا وقد عرا فناءكم معترّا
وأمّكم دون الأنام طرّا يبغي قرّى منكم ومستقرّا
فدونكم صيفا فنوعا حرّا يرضى بما احلولى وما أمرّا
وينثني عنكم ينثّ البرّا
***
_________________
(١) الأبيات في ديوان الرصافي ص ١٠٣.
(٢) البيت لحسان بن ثامل في لسان العرب (لجج)، وتاج العروس (لجج).
[ ١ / ١٣٧ ]
المغنى: المنزل. ووقيتم: كفيتم وإنما دعا لهم بهذا، لأن في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يوشك قلوب الناس أن تملأ شرّا حتى يجري الشرّ فضلا بين الناس فلا يجد قلبا يدخله».
اكفهرّ: تراكم ظلامه وكثر. ذرا. شعثا: متغيّر الشعر، والشعث: ترك غسل الرأس حتى يتغيّر. مغبرّا: عليه الغبار، وفي الحديث عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلا وسخت ثيابه، فقال: «أما وجد هذا ما ينقي به ثيابه!». ورأى رجلا شعث الرأس، فقال: «أما وجد هذا ما يسكّن به شعره!» أخا سفار: صاحب أسفار، أي ملازم لها. اسبطرّ: امتدّ وطال سفره انثنى: رجع عاد. محقوقفا: منحنيا. الأفق: ناحية السماء. افترّ: انفتحت أطرافه ولم يتقارب، كأنه فرّ هذا من هذا، ومنه فررت الدابة، وافترّ: ضحك، وشبّه انحناؤه من السفر بدائرة القمر الناقص، وأكثر ما يوقعون هذا التشبيه على الانحناء من الكبر، قال الشاعر: [الوافر]
تقوّس بعد مرّ العمر ظهري وداستني اللّيالي أيّ دوس
فأمشي والعصا تهوي أمامي كأنّ قوامها وتر لقوسي
وقال ابن لبّال: [المنسرح]
قوّس ظهري المشيب والكبر والدّهر يا عمرو كلّه عبر
كأنني والعصا تدبّ معي قوسها وهي في يدي وتر
قوله: «عرا»: قصد. فناءكم: منزلكم، وفناء الدار: ما أحاط بها من الأرض فحمته. معترّا: قاصدا لطلب معروفكم، أمّكم: قصدكم. طرّا: أجمع. يبغي قرى:
يطلب طعاما. احلولى: اشتدّت حلاوته. ينثّ: يفشي وينشر. البرّ: الإحسان
***
قال الحارث بن همّام: فلما خلبنا بعذوبة نطقه، وعلمنا ما وراء برقه، ابتدرنا فتح الباب وتلقيناه بالتّرحاب، وقلنا للغلام: هيّا هيّا، وهلمّ ما تهيّا.
فقال الضّيف: والّذي أحلّني داركم، لا تلمّظت بقراكم، أو تضموا لي ألّا تتّخذوني كلّا! ولا تجشّموا لأجلي أكلا؛ فربّ أكلة هاضت الآكل، وحرمته مآكل، وشرّ الأضياف من سام التّكليف، وآذى المضيف، خصوصا أذى يعتلق بالأجسام، ويفضي إلى الأسقام، وما قيل في المثل الذي سار سائره: «خير العشاء سوافره»، إلّا ليعجّل التّعشّي، ويجتنب أكل اللّيل الّذي يعشي، اللهمّ إلّا أن تقد نار الجوع، وتحول دون الهجوع.
***
[ ١ / ١٣٨ ]
قوله: «خلبنا»، أي خدعنا. علمنا ما وراء برقه، يريد أن ما أبدى لهم من الكلام الفصيح دلّهم على ما عنده من العلم، كما أن البرق إذا ظهر ولمع علم ما وراءه من المطر. ابتدرنا: استبقنا، التّرحاب: من قولهم. مرحبا مرحبا. هيّا هيّا، أي سق سق.
هلم ما تهيّا، أي أحضر ما تيسر. لا تلمّظت بقراكم: لا تذوّقت بطعامكم، وأصل التلمّظ تتبع اللسان ما بقي من الطعام في الفم بعد الأكل. كلا: ثقيلا، وفلان كلّ على أهله، إذا لم يكفهم مئونة نفسه، والكلّ: الإعياء، وجمعه كلول، وعلى فلان كلّ كثير، قال النابغة الجعديّ: [الطويل]
رأيتم بني سعد كلولا كثيرة شهيد بذاك ابنا حماد بن أحمرا (١)
تجشّموا: تكلفوا أكلا: طعاما، والأكلة: الغداء والعشاء، والأصل في هذا أنّ الأكل بالفتح، مصدر أكل، وبالضمّ ما أكل، والأكلة بالفتح: المرّة الواحدة، وبالضم اللقمة، وبالكسر هيئة الأكل. هاضت: أضعفت، وأدخلت عليه هيضة، وهي القيء والاسهال، وأصل المثل: رب أكلة تمنع أكلات؛ وقال ابن هرمة: [الوافر]
وربّت أكلة منعت أخاها بلذّة ساعة أكلات دهر
وكم من طالب يشفى بشيء وفيه هلاكه لو كان يدري
والمآكل: جمع مأكلة أو مأكل، وهي الأكل، وهي أيضا ما يؤكل سام التكليف، أي عرّض مضيفه إلى تكلّف ما يشقّ عليه. والأذى: الضرر، والمضيف: صاحب المنزل.
يفضي: يؤول. سار سائره: انتشر التحدّث به ومشى في الناس خير العشاء سوافره؛ بواكره، أي ما أكل منه بضوء النهار، واحدها سافرة، والسافرة: التي سفرت نقابها عن وجهها، أي كشفته؛ فكأن اللقمة إذا أبصرتها عند أكلها قد سفرت الظلام عن نفسها، وتجمع على سوافر على هذا المعنى، حكى أبو بكر بن شعبان النحويّ، قال: دخلت على محمد اليزيديّ وهو يتغدّى، فقال: يا أبا بكر، خير الغداء بواكره، فخير العشاء ماذا؟ فقلت: لا أدري، فقال:
دخلت على حسين بن الخادم، وهو يتغدّى فقال: يا أبا سليمان، خير الغداء بواكره، فخير العشاء ماذا؟ فقلت: لا أدري، فقال: كنت بحضرة الرشيد وهو يتغدّى، فدخل الأصمعيّ، فقال: يا أصمعيّ، خير الغداء بواكره، فخير العشاء ماذا؟ فقال: بواصره، يعني ما يبصر من الطعام قبل الظلام. وحكى أبو يعقوب في الغداء التأخير. فقال: قال الحكيم- وقيل هو لعليّ بن أبي طالب ﵁- من سرّه البقاء ولا بقاء، فليبكر الغداء، وليباكر العشاء، وليخفف الرّداء- يريد ثقل الدّين.
التعشّي: أكل العشاء، وهو ما يؤكل بالعشيّ. يعشي: يورث العشا، وهو سواد البصر ليلا، قال ابن دريد: [مجزوء الكامل]
_________________
(١) البيت في ديوان النابغة الجعدي ص ٦٥.
[ ١ / ١٣٩ ]
وأرى العشا في العين أك ثر ما يكون من العشاء (١)
أراد من تأخير العشاء، لأن أكل الطعام بالليل يحدث ضعف البصر أكثر من غيره، وقال كشاجم: [مجزوء الخفيف]
ونديم مخالف لا يشاء الّذي أشا (٢)
هو في الصّحو لي أخ وعدوّ إذا انتشى
اقترحت العشاء يو ما عليه فأدهشا
ساعة ثم قالى لي: العشا يورث العشا
كأن هذا التطبّب أخذه كشاجم من قول [ضيف] الصاحب بن عباد، قال الصاحب:
ما أفحمني أحد كأبي الحسن البديهيّ، فإنه كان عندي، فقدّمت إليه فاكهة، فأمعن في المشمش، فقلت: المشمش يلطّخ المعدة، فقال: لا يعجبني المضيف إذا تطبّب، فوددت أني لم أقلها.
وورد النهي عن ترك العشاء في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تدعوا العشاء، ولو بكفّ من حشف، وإنّ تركه مهرمة» (٣).
وقوله: «تحول دون الهجوع»، أي تمنع من النوم، وجاء في الحديث النّهي عن التكلف، قال سفيان: ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان، فقال: لولا أنّ رسول الله ﷺ نهى عن التكلّف لتكلّفت لكم، ثم جاء بخبز وملح، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر! فبعث سلمان مطهرته، فأرهنها، فجاء بصعتر، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي أقنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة! وجاء في حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «نعم الإدام الخلّ» (٤)، وكفى بالمرء إثما أن يسخط ما قرّب إليه. الهجوع، أي النوم.
***
قال: فكأنّه اطّلع على إرادتنا، فرمى عن قوس عقيدتنا، لا جرم أنّا آنسناه بالتزام الشّرط، وأثنينا على خلقه السّبط ولمّا أحضر الغلام ما راج، وأذكى بيننا السّراج، تأمّلته فإذا هو أبو زيد، فقلت لصحبي: ليهنئكم الضّيف الوارد، بل
_________________
(١) البيت في ديوان ابن دريد ص ٣٠.
(٢) الأبيات في ديوان كشاجم ص ١٠٦.
(٣) أخرجه الترمذي في الأطعمة باب ٤٦، بلفظ: «تعشّوا ولو بكف من حشف».
(٤) أخرجه أبو داود في الأطعمة باب ٣٩، والنسائي في الأيمان باب ٢١، وابن ماجة باب ٣٣، والدارمي في الأطعمة باب ١٨.
[ ١ / ١٤٠ ]
المغنم البارد! فإن يكن أفل قمر الشّعرى فقد طلع قمر الشّعر، أو استسرّ بدر النّثرة فقد تبلّج بدر النّثر. فسرت حميّا المسرّة فيهم، وطارت السّنة عن مآقيهم، ورفضوا الدّعة الّتي كانوا نووها وثابوا إلى نشر الفكاهة بعد ما طووها؛ وأبو زيد مكبّ على إعمال يديه، حتّى إذا استرفع ما لديه، قلت له: أطرفنا بغريبة من غرائب أسمارك، أو عجيبة من عجائب أسفارك.
***
قوله: «عقيدتنا»؛ أي ما انعقدت عليه نيّاتنا، ويقال: رميت عن القوس، ولا يقال:
رميت بها، إلا أن ترميها من يدك. لا جرم، بمعنى حقا، ولا بدّ ولا محالة. السّبط:
السهل. راج: تيسر. أذكى: أوقد. السّراج: المصباح تأملته: نظرته ليهنئكم، أي ليسرّكم. الوارد: القاصد. المغنم البارد: الهنيء الذي يغنم دون قتال ولا تعب. أفل:
غاب الشّعري: كوكب معروف، وهما شعريان: العبور والغميصاء، سمّوها عبورا لأنهم يزعمون أنها عبرت المجرّة، وسموا الأخرى الغميصاء لأنها بكت على أختها حتى غمصت عينها. أي خفيت استسرّ: غاب وخفي. النّثرة: ثلاثة أنجم مجتمعة. تبلّج: ظهر وأضاء. النثر: ضد النظم، يقول: إن غاب قمر السماء الذي يتحدّث بضوئه، فهذا أبو زيد قمر الفصاحة قد طلع، فجدّدوا حديثكم ودعوا النوم.
سرت: مشت حميّا المسرّة: شدة السرور، والحميّا: حدّة الخمر وتسمّى الخمر الحميّا. السّنة: أخفّ من النوم. مآقيهم: عيونهم، والمآق: طرف العين من جهة الأنف.
رفضوا: تركوا. الفكاهة: الحديث المظرّف، وأصلها المزاح، ومنه قولهم: لا تمازحنّ صبيّا ولا تفاكهنّ أمة، قال ابن الأنباريّ: المعنى: لا تمازحنّ، إلا أنه استسمج إعادة اللفظ فأتى بلفظ في مثل معناه، مخالف للفظه. وتفاكهنّ، مشتق من الفكاهة، وهي المزاح، وقال طرفة: [الطويل]
وإن امرأ لم يعف يوما فكاهة لمن لم يرد سوءا بها لجهول (١)
ووصف أبو العيناء بن أبي دواد، فقال: له هزل يؤثم به، وجدّ يتقدم الجدّ، وبين ذلك فكاهة تستملح، ودعا به تستظرف. ومزح، مصادره ثلاثة: مزح ومزاح وممازحة.
اليزيديّ: بالكسر لا غير. أبو عمرو: ما ذكره اليزيديّ مصدر مازحت مزاحا وممازحة.
قوله: «مكبّ»، أي مائل الرأس. إعمال يديه: استعمالها بالأكل. واسترفع: أمر برفعه، ويروى «استفرغ»، أي أتمّ. أطرفنا، أي حدّثنا بطرفة، وهي الحديث المستملح، والطرفة عند العرب: الشيء المحدث الذي لم يكن عرف، وجاء فلان بطرفة وشيء
_________________
(١) البيت في ديوان طرفة بن العبد ص ١٢٠.
[ ١ / ١٤١ ]
طريف. وهو مشتقّ من الطريف والطارف، وهما المال المستحدث الذي جمعه الرجل واكتسبه. والتالد: ما ورثه عن الآباء، قال الشاعر: [الطويل]
وأصبح مالي من طريف وتالد لغيري وكان المال بالأمس ماليا
أسمارك: جمع سمر، وهو الحديث يسمر عليه.
***
فقال: لقد بلوت من العجائب ما لم يره الرّاءون، ولا رواه الرّاوون؛ وإنّ من أعجبها ما عاينته اللّيلة قبيل انتيابكم، ومصيري إلى بابكم؛ فاستخبرناه عن طرفة مرآه، في مسرح مسراه، فقال: إنّ مرامي الغربة، لفظتني إلى هذه التّربة، وأنا ذو مجاعة وبؤسى، وجراب كفؤاد أمّ موسى. فنهضت حين سجا الدّجى، على ما بي من الوجى، لأرتاد مضيفا، أو أقتاد رغيفا، فساقني حادي السّغب، والقضاء المكنّى أبا العجب، إلى أن وقفت على باب دار، فقلت على بدار:
***
قوله: «ما لم يره الراءون»، أي الناظرون إليه، وقوله: «ولا رواه الراوون» أي حفظه الحافظون، عاينته: شاهدته ورأيته بعيني. انتيابكم: قصدكم مصيري: رجوعي.
مرآه: رؤيته. مسرح: حيث يسرح ويمشي. مسراه: سيره بالليل مرامي: قواذف التّربة:
البلدة مجاعة: جوع. بؤسى: ضرر. جراب: وعاء الزاد. كفؤاد أم موسى، أي فارغا لقوله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا [القصص: ١٠].