ومن حسن التشبيه في ضوء الصبح قول ذي الرمّة:
وقد لاح للسّاري الذي كمّل السّرى على أخريات اللّيل فتق مشهّر (١)
كلون الحصان الأبيض البطن قائما تمايل عنه الجلّ واللون أشقر
شبه اختلاط الضوء بالظلمة بالفرس الأشقر الأبيض البطن.
وقال ابن المعتزّ: [الوافر]
وساق يجعل المنديل منه مكان حمائل السيف الطّوال
غدا والصبح تحت الليل باد كطرف أشقر ملقى الجلال
وقال يوسف الرمادي: [الطويل]
وليلة أنس قد غمرنا ظلامها بأوجه راح تستنير فترشف
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنّما تحمّل لقمان، وأقبل يوسف
_________________
(١) البيتان في ديوان ذي الرمة ص ٦٥٥، ولسان العرب (شهر)، (نبط)، (فتق)، وتاج العروس (نبط)، (فتق)، وتهذيب اللغة ٦/ ٨٠، ٩/ ٦٣، وكتاب العين ٣/ ٤٠٠، ٥/ ١٣١، وأساس البلاغة (فتق).
[ ١ / ١٢١ ]
قوله: «غدت»، أي بكرت. استقلال: ارتفاع وقيام. والركاب: الإبل واحدتها، راحلة. ولا اغتداء الغراب، أي ولا مثل اغتدائه؛ فحذف «مثل» المنصوبة بلا، وأقام «اغتداء» مقامها لأن «لا» لا تنصب المعارف، وأراد أن اغتدائي كان قبل أن يغتدي الغراب، والغراب أكثر الطير بكورا، وهذا وما شابهه في هذا الكتاب مثل قوله: «ولا كيد فرعون موسى»، «ولا انهلال السحب»، «ولا عمرو بن عبيد»، إذا طلبت حقيقة معناه صار المشبّه أقوى من المشبه به، ولم يأت هذا إلا عن العرب، تقول العرب: «فتى ولا كمالك» فيريدون مالكا أفضل من الفتى، ومثله «مرعى ولا كالسّعدان» أي أن المرعى فاضل في طيبه، ولكن السعدان أفضل منه، ومثله: «ماء ولا كصدّاء»، فصدّاء أفضل من ذلك الماء على طيبه، فهذا مذهب العرب في ذكر «لا» بين المشبّهين.
وأما قول الحريري: «غدوت ولا اغتداء الغراب»، فيريد أن غدوّي أبكر من اغتداء الغراب، وكذلك «ولا انهلال السّحب»، وهو يريد أنّ جودهم فوق جود السحاب، لأن كلام العرب: فلأن أبكر من الغراب، وأجود من السحاب، ولا يقولون السحاب أجود من فلان، ولا الغراب أبكر من فلان، ولا فائدة في ذلك، فإذا حققت لفظه «ولا» في تشبيه الحريريّ على ما يجب لها في كلام العرب انقلب المعنى، وإنما اللفظ من كلام عامّة العراق، فاستعملها لأنها عندهم متعارفة وليس بعربية، ومثل هذا قد جوّزه المولدون في أشعارهم، وجاء منه في مقامات البديع كثير. ويستعمل أهل فاسّفي مغربنا لفظة «ولا» في تشبيهاتهم كثيرا جدّا على حدّ استعمال الحريريّ لها، ولا يستعملها أهل الأندلس.
وقال الفنجديهيّ: الرفع في قوله: «ولا اغتداء الغراب»، أكثر مبالغة في التشبيه من النصب.
قوله: «أستقرئ»، أي أتتبع. صوب: جهة وناحية الليليّ: الذى سمع بالليل أتوسّم، أتعرّف وأنظر سمتها. الجليّ: البيّن. لمحت: رأيت. بردان رثّان: ثوبان خلقان. نجيّا ليلتي، أي المتحدّثان فيها، وجعلهما متحدثين مع الليلة مجازا لما أوقعا الحديث فيها، كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ: ٣٣] ولا يمكران إنما يمكر فيهما، فنسب ذلك المكر إليهما. صاحبا روايتي. أي اللذان أروى عنهما هذه القصة.
***
فقصدتهما قصد كلف بدماثتهما، راث، لرثاثتهما، وأبحتهما التّحوّل إلى رحلي، والتّحكم في كثري وقلّي، وطفقت أسيّر بين السّيّارة فضلهما، وأهزّ الأعواد المثمرة لهما، إلى أن غمرا بالنّحلان، واتّخذا من الخلّان. وكنّا بمعرّس نتبيّن منه بنيان القرى، ونتنور نيران القرى.
[ ١ / ١٢٢ ]
فلمّا رأى أبو زيد امتلاء كيسه، وانجلاء بوسه، قال لي: إنّ بدني قد اتّسخ، ودرني قد رسخ، أفتأذن لي في قصد قرية لأستحمّ؛ وأقضي هذا المهمّ؟ فقلت: إذا شئت فالسّرعة السّرعة، والرّجعة الرّجعة، فقال: ستجد مطلعي عليك، أسرع من ارتداد طرفك إليك.
***
كلف: محبّ. دماثتهما: سهولتهما، والدّماثة سهولة الأرض، وكل ما وطئته وسهّلته وأذللته بيدك فهو دمث. راث: باك مشفق. ورثاثتهما: سوء حالهما. أبحته:
جعلته له مباحا كثري وقلّي: أي كثير مالي وقليله. طفقت: أخذت. أسيّر: أمشي.
السيارة: القوم الذين يسيرون في الأسفار. أهزّ الأعواد، استعارة، وأراد أنه يستعطف لهما أصحاب الأموال فيواسونهم، فكنى عنهم بالأعواد، وقد كرّر هذا المعنى نظما حين قال: [الرجز]
قصدته والشيخ يبغى جنى عود له ما زال مهزوزا
وقال الشاعر في مثله: [البسيط]
إلّا يكن ورقي غصّا أراح به للمعتفين فإني ليّن العود
أراد إن لا أكن كثير المال فإني كريم. والورق: المال غير الصامت، وأراح به:
أهتزّ به، من الأريحيّة. وراح الشجر: أتى بورق في آخر الصيف لا أصل له، ويقال لها الخلفة. قوله: «غمرا»، أي أعطيا. النّحلان: العطايا. الخلّان: الأصحاب. وقوله:
«وكنا بمعرّس»، المعرّس موضع النزول آخر الليل نتنوّر: ننظر النيران. القرى: طعام الضيف. كيسه: وعاء دراهمه، والكيس: خريطة تسع خمسمائة درهم والبدرة تسع عشرة آلاف درهم، قال حبيب:
من بعد ما صارت هنيدة صرمة والبدرة النّجلاء صارت كيسا (١)
قوله: «انجلاء بوسه»، انكشاف فقره. درني: وسخى. ورسخ الشيء في الأرض رسوخا: غاب فيها، ورسخ العالم في العلم: دخل فيه. استحمّ: أدخل الحمام، واستحمّ الرجل: اغتسل بالحميم؛ وهو الماء الحارّ. أقضى: أقطع وأزيل، وقضيت الشيء: صنعته. المهمّ: أراد به فرض الصّلاة، قال عمر بن الخطاب ﵁: إنّ أهم أموركم عندي الصّلاة، فمن ضيّعها فهو لما سواها أضيع. وقيل: المهمّ: الوسخ لأنّ
_________________
(١) الهنيدة: اسم للمائة من الإبل، والصرمة: ما بين العشرة إلى بضعة عشر، والنجلاء: الواسعة. والبيت في ديوان أبي تمام ص ١٧٧.
[ ١ / ١٢٣ ]
الأمر المهمّ، هو الذي في القلب منه همّ وشغل، وقد ذكر أن الذي أوجب عليه قصد الحمام هو ما عليه من الوسخ، فيكون قوله: «وأقضى هذا المهمّ» من قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [الحج: ٢٩]، وقد أهمّني الشيء فهو مهمّ، وهذا القول أوفق بمراده.