[ ٣ / ٧٥٢ ]
وقال الفرزدق لجرير:
سمونا لنجرانَ اليماني وأهلهِ ونجرانُ أرضُ لم تُديّثْ مقاولُهْ
قوله سمونا يعني علونا. تُدّيث تُوطأ وتُذلل. مقاوله مُلوكه. قال: ونجران أرض بين مكة واليمن،
وكان أهلها نصارى. فلما قيل لعمر بن الخطاب - ﵁ - إن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قال: لا أترك بجزيرة العرب نصرانيًا. أخرجهم عمر - ﵁ - منها، وأقطعهم
نجران هذه التي بسواد الكوفة، التي سما لها الأقرع بن حابس، قبيل الإسلام فغنم وظفر. فافتخر
الفرزدق على جرير فقال: سمونا لنجران اليماني وأهله، يعني غزوناهم. قال اليربوعي: وقوله سمونا
لنجران اليماني وأهله، فإن المأمور أخابني الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن جلد بن مذحج،
أغار في بني الحارس بن كعب، على بني دارم، فأصاب امرأتين من بني زرارة بن عدس بن زيد
بن عبد الله بن دارم أمامة وزينب. قال فجمع الأقرع بن حابس بني دارم، ثم سار بهم، فأصاب نعيمة
بنت الصبان بن كعب، وابنتين لأنس بن الديّان، وقد ولدن في بني زرارة، ففخر بيوم الأقرع على
أهل نجران، وهم بنو الحارث بن كعب، وبيوم الكُلاب، وهو يوم لسعد والرباب على بني الحارث
بن كعب، وسائر مذحج، ونهد، وجرم. ففخر جرير على عدي بن الرقّاع العاملي فقال:
خيلي التي وردتْ نجرانَ ثمّ ثنتْ يومَ الكُلابِ بوردْ غيرْ محبوسِ
قدْ أفعمتْ واديَيْ نجرانَ مُعلمةً بالدار عينَ وبالخيل الكراديسَ
قال: وفخر الفرزدق أيضًا، بيوم لعمرو بن حُدير بن سلمى بن جندل بن
[ ٣ / ٧٥٣ ]
نهشل بن دارم، أغار فيه على بني الحارث بن كعب بنجران، فقتل وسبا.
قال وقتل في هذا اليوم ضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل، عمرا،
ويزيد ومالكًا، بني العُزيل الحارثي، قال وفي هذا اليوم يقول ضمرة:
تركتُ بني العُزيل غيرَ فخر كأنّ لحاهم ثمغتْ بورسِ
هرقتُ دماءهم فشرعتُ فيها بسيفيَ شربَ واردةٍ لخمسِ
قال: وفي هذا اليوم يقول عبد العزيز بن جوّال بن سلامة:
ونعمَ رئيسُ القومِ عمرو يقودهمْ بنجرانَ إذْ لاقى لكاكًا منَ الوردِ
فجاءَ يسوقُ السبيَ منهمْ رجالهمْ مُغلّلةً أعناقهمْ في عُرى القِدّ
رجع إلى شعر الفرزدق.
بمختلفِ الأصواتِ تسمعُ وسطهُ كَرِزّ القطار لا يفقهُ الصوتَ قائلهْ
قوله بمختلف الأصوات، يريد سمونا إلى نجران بجيش فيه أصوات مختلفة، من صهيل ورغاء
وشحيج وكلام الناس، والرز الصوت الذي له دوي لا يُفهم. ورز القطا، يعني أن فرقًا من الناس فيه
ودويًا من أصواتهم.
لنا أمرهُ، لا تُعرفُ البُلقُ وسطهُ كثيرُ الوغا من كلّ حيّ قبائلهْ
قوله لنا أمره، يقول نحن أمراءه، وقوله لا تعرف البلق وسطه، يقول لأن البلق أشهر الخيل ألوانًا،
فإذا لم تُعرف البلق فيه، فغيرها أجدر أن لا يُعرف، وذلك لكثرة أهله وخيله. قال والوغا، اجتماع
الأصوات، قال ومثل الوغا الوحا والوعا مقصور كله.
كأنّ بناتِ الحارثيينَ وسطهمْ ظِباءُ صريم لم تُفرّجْ غياطلهْ
[ ٣ / ٧٥٤ ]
ولم تُفرق يُروى. الصريم الرمل، ينقطع من الرمل الكثير، والغياطل الشجر المجتمع، الواحدة
غيطلة قال وظلم الليل غياطل أيضا. وقوله لم تفرج غياطله، يقول لم يتفرق بعض شجره من بعض.
وشبه بنات الحارثيين بالظباء التي تسكن الرمل.
إذا حانَ منهُ منزلٌ أوقدتْ بهِ لأخراهُ في أعلىَ اليفاعِ أوائلهْ
ويروى منزلُ الليل أوقدت واليفاع المشرف من الأرض. وقوله لأخراه، يقول إذا ورد أول الجيش،
فنزلوا منزلا، أوقدوا على شرف من الأرض. وقوله لأخراه، يقول لآخر من ينزل، إنما يفعلون ذلك،
ليهتدي بالنار من يريد النزول من المسافرين، ليعرفوا منزلهم بالنار التي أوقدوها على هذا اليفاع.
تظلُّ بهِ الأرضُ الفضاءُ مُعضلًا وتجهرُ أسدامَ المياهِ قوابلهْ
ويروى الأفق. وقوله الفضاء، يريد الأرض الواسعة البعيدة الأقطار. وهي النواحي. وقوله معضلا،
يقول تضيق عنه هذه الأرض الواسعة البعيدة الأقطار. والأسدام المياه المندفنة. قال: وذلك لطول
عهدها بالناس، فقد دفنها التراب مما تسفي الريح التراب على هذه الآبار. يقول فإذا جاء هؤلاء
المسافرون، يريد الجيش، فأظهروا هذه الآبار، فاستقوا منها، أخرجوا مع الماء القليل الذي فيه من
التراب والطين، فيظهر لهم حينئذ، فذلك الجهر، يقال من ذلك بئر جهير، ومجهورة، إذا استُقي منها
الماء فيه الطين.
ترى عافيات الطيرِ قدْ وثّقتْ لها بشبع منَ السخل العتاقِ منازلهْ
قوله ترى عافيات الطير، يريد سباع الطير التي تطلب ما تأكل. قال: والسخل أولاد الخيل. يقول
إذا نزلوا منزلا أزلقت فيه الخيل، فطرحت أولادها، فإذا ترحّلوا عنه، أكلت الطير أولاد الخيل التي
أزلقت في
[ ٣ / ٧٥٥ ]
المنازل. عافيات الطير التي تعفو، تُجهض أولادها من شدة السير واللغوب.
إذا فزعوا هزّوا لواءَ ابنِ حابسٍ ونادوا كريمًا خيمهُ وشمائلهْ
سعى بتراتٍ للعشيرة أدركتْ حفيظةُ ذي فضل على منْ يفاضلهْ
فأدركها وازدادَ مجدًا ورفعةً وخيرا وأحظى الناسِ بالخيرِ فاعلهْ
أرى أهل نجرانَ الكواكبَ بالضحى وأدركَ فيهم كلّ وترٍ يحاولهْ
وصبّحَ أهلَ الجوفِ والجوفِ آمنٌ بمثلِ الدبا والدهرُ جمّ بلابلهْ
فظلَّ على همدانَ يومٌ أتاهمُ بنحسِ نحوسٍ ظهرهُ وأصائلهْ
وأهلَ حبونا من مرادٍ تداركتْ وجرمًا بوادٍ خالطَ البحرَ ساحلهْ
ويروى وأهلُ بالرفع، وقوله وأهل حبونا من مراد، قال حبونا أرضُ مراد خاصة.
صبحناهمُ الجُردَ الجيادَ كأنها قطًا أفزعتهُ يومَ طلّ أجادلهْ
قوله أجادله، الأجادل الصقور، الواحد أجدل. قال وقد جعلوا البازي أجدلا أيضًا. قال: والظل الذي
يقع على الشجر والنبات، وهو من قوله تعالى ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾. وهو الندى.
يقول فإن لم يصب هذا الشجر والنبات مطر فطل أي فندى.
ألا إنّ ميراثَ الكُليبيّ لابنهِ إذا ماتَ رِبقا ثلّةٍ وحبائله
قال: الربق الحبل الذي تُشد به المعزى وغيرها. والثلة الضأن.
[ ٣ / ٧٥٦ ]
فأقبِلْ على ربقيْ أبيكَ فإنّما لكلّ امريء ما أورثتهُ أوائلهْ
تسربَل ثوبَ اللومِ في بطنِ أمه ذراعاهُ منْ أشهادهِ وأناملهْ
كما شهِدَتْ أيدي المجوسِ عليهمُ بأعمالهمْ والحقُ تبدو محاصلهْ
ويروى تُبلى محاصله، محاصله حمله، كما يقال حصل عليه كذا وكذا، أي بقي عليه وصار ملازمًا له.
عجبتُ لقومٍ يدّعونَ إلى أبي ويهجونني والدهرُ جمّ مجاهله
أتاني على القعساء عادِلَ وطبِه برجليَ هجينٍ وأستِ عبد تُعادلهْ
ويروى بخُصييْ لئيم واستَ عبدٍ.
فقلتُ لهُ رُدَ الحمارَ فإنهُ أبوكَ لئيمٌ رأسهُ وجحافلهْ
يسيلُ على شدقيْ جريرٍ لُعابهُ كشلشالِ وطبٍ ما تجفُ شلاشلهْ
ليغمزَ عزّا قدْ عسا عظمُ رأسه قُراسية كالفحلْ يصرفُ بازلُهْ
بناهُ لنا الأعلىَ فطالتْ فُروعهُ فأعياكَ واشتدتْ عليكَ أسافلهْ
فلا هو مُسطيعُ أبوكَ أرتقاءهُ ولا أنتَ عما قدْ بنى اللهُ عادِلُهْ
عما يريد عن الذي قد بنى الله ﷿:
فإن كنتَ ترجو أنْ توازِن دارمّا فُرمْ حَضَنّا فانظرْ متى أنتَ ناقلُهْ
وأرسلَ يرجو ابنُ المراغةِ صُلحَنا فُردّ ولمْ ترجعْ بنُجحٍ رسائلهْ
ولاقى شديدَ الدرء مُستحصدَ القوى تَفرّقُ بالعصيانِ عنهُ عواذلهْ
إلى كلّ حيّ قدْ خطبنا بناتهمْ بأرعنَ مثل الطودِ جمّ صواهلهْ
قوله بأرعن، يعني جيشا كثير الأهل والسلاح. وإنما شُبه بالجبل، وهو الرعن. ويقال الرعن هو
أنف الجبل، والطود الجبل، أيضا العظيم.
[ ٣ / ٧٥٧ ]
والرعن القطعة منه. ثم قال جمّ أي كثير. وصواهله يعني صهيل الخيل. وجم كثير كما يقال، قد
جمّت البئر وذلك إذا كثُر ماؤها. قال: والمعنى في قوله قد خطبنا بناتهم، يقول غزونا بهذا الجيش
الكثير الأهل، فسبيناهن برماحنا.
إذا ما التقينا أنكحتنا رماحُنا منَ الحيِّ أبكارًا كِرامًا عقائلُهْ
وعقائله كرائمه، قال وعقيلة القوم كريمتهم.
وبنتِ كريمٍ قد نكحنا ولمْ يكنْ لها خاطِبْ إلا السّنانُ وعاملُهْ
قال الأصمعي: عامل الرمح قدر الثلث من أوله.
وأنتمْ عضاريطُ الخميسِ عتادكُمْ إذا ما غدا أرباقهُ وحبائلهْ
العضاريط التِّباع الذين يكونون في الجيش، وهو الخميس، وقوله عتادكم يريد أداتكم. الأرباق وهي
الحبال التي تُربق بها الغنم. ينسبهم إلى أنهم رعاة الغنم، يعيرهم بذلك.
وأنّا لمنّاعونَ نحتَ لوائنا حمانا إذا ما عاذَ بالسيفِ حاملُهْ
وقالتْ كُليبُ قمّشوا لأخيكمُ ففرّوا بهِ إنّ الفرزدقَ أكلهْ
فهلْ أحدٌ يأبنَ المراغةِ هاربُ منَ الموتَ إنّ الموتَ لابُدّ نائلُهْ
ويروى: فهل أحد يأين الأتان بوائل من الموت إن الموت لابد قاتله.
بوائل: بناج.
فإنيّ أنا الموتُ الذي هوَ ذاهبٌ بنفسكَ فأنظرْ كيفَ أنتَ محاولُهْ
[ ٣ / ٧٥٨ ]
ويروى مُزايله، أي مفارقه. وروى أبو عمرو مُزاوله.
أنا البدرُ يُعشي طرفَ عينيكَ فالتمسْ بكفيكَ يا ابنَ الكلبَ هلْ أنتَ نائلهْ
أتحسبُ قلبي خارجًا منْ حجابهِ إذا دُفٌ عبّادٍ أرنّتْ جلاجلهْ
ويروى إذا ما ابن منجار أرنّت جلاجله، قال ابن منجار، فرس عبّاد بن الحصين الحبطي. قال وكان
يركبه في فتنة ابن الزبير. قال وكان عبّاد على شرطة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي.
فقلتُ ولمْ أملكْ أمالِ بنَ مالكٍ لأيّ بني ماء السماء جعائلُهْ
إنما جعله مالك بن مالك، يريد المالكين: مالك بن حنظلة بن مالك، ومالك بن زيد مناة، يقال لهما
المالكان. وقوله أمال بن مالك يريد مالك بن حنظلة. قال والجعائل الرشى الواحد جعالة.
أفي قَمَليّ منْ كُليبٍ هجوتُهُ أبو جهضَم تغلي عليّ مراجلُهْ
أبو جهضم عبّاد بن الحصين الحبطي.
أحارثُ داري مرتين هدمتها وكنتَ ابنَ أختٍ لا تخافُ غوائلهْ
قوله ابن أخت، أراد أسماء بنت مُخربة أم ول هشامِ بن المغيرة، وهي نهشليّة. وقوله ابن أخت،
يعني الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، أخا عمر بن أبي ربيعة الشاعر. ولدته أسماء
بنت مخربة بن جندل بن نهشل بن دارم، فجعله ابن أخت. قال وذلك لأن أمه من بني نهشل، وأسماء
بنت مخربة هي أم أبي جهل، عمرو بن هشام بن المغيرة. قال: وكان الحارث بن عبد الله أميرا على
البصرة، فلقبه أهل البصرة القباع. قال: وذلك أنه مر بقوم يكيلون بقفيز، فقال: إن قفيزكم لقباع، أي
كبير واسع.
[ ٣ / ٧٥٩ ]
وأنت أمرؤ بطحاء مكةَ لمْ يزلْ بها منكمُ مُعطي الجنزيلِ وفاعلهْ
فقلنا لهُ لا تُشمتَنّ عدونا ولا تنسَ منْ أصحابنا منْ نواصلهْ
ويروى من أخلاقنا ما نُحامله، أي نُكافيه. قال أبو سعيد: نُجامله، وليس لنُحامله هاهنا معنى.
فقبلكَ ما أعييتُ كاسرَ عينهِ زيادًا فلمْ تقدرْ عليّ حبائلُهْ
يعني زياد بن أبي سفيان. قال: وكان من خبر زياد، أنه كان ينهى أن يُنهب أحد مال نفسه، وأن
الفرزدق أنهب ماله بالمربد، وذلك أن أباه بعث معه إبلا ليبيعها، فباعها وأخذ ثمنها، فعقد عليه
مطرف خزّ كان عليه، فقال قائل: - ويقال قالت له امرأة - لشدّ ما عقدت على دراهمك هذه، أما
والله لو كان غالب ما فعل هذا الفعل، فحلها ثم أنهبها، وقال: من أخذ شيئا فهو له، قال: وبلغ ذلك
زيادًا، فبالغ في طلبه، فهرب فلم يزل زياد في طلبه، قد بلغ منه كل مبلغ، ليعاقبه على ما صنع. وقد
نهى زياد في ذلك ألا يفعله أحد. وكان زياد إذا قال شيئا وفى به، فلم يزل في هربه ذلك، يطوف في
القبائل والبلاد، حتى مات زياد.
فأقسمتُ لا آتيه سبعينَ حجّةً ولو نُشرتْ عينُ القباع وكاهلُهْ
ويروى ولو كُسرت. وقوله ولو نُشرت يريد ذهبت.
قال وفد الاحنف بن قيس، وجارية بن قُدامة، من بني ربيعة بن كعب ابن سعد، والجَون بن قُدامة
العبشمي، والحُتات بن يزيد، أبو المنازل، أحد بني حويّ بن سفيان بن مُجاشع، إلى معاوية بن أبي
سفيان - ﵄ - فأعطى كل رجل منهم مائة ألف درهم، وأعطى
[ ٣ / ٧٦٠ ]
الحُتات سبعين الفا، فلما كانوا في الطريق، سأل بعضهم بعضًا، فأخبروا بجوائزهم، فرجع الحُتات إلى معاوية،
قال: ما ردّك يا ابا مُنازل؟ قال: فضحتني في تميم، أما حسبي بصحيح، أم لست ذا سنّ، أم لست مطاعًا في
عشيرتي؟ قال: بلى، قال: فما بالك أخسست بي دون القوم؟ فقال إني اشتريت من القوم دينهم،
ووكلتك أنت إلى دينك ورأيك في عثمان بن عفان - ﵁ - وكان عثمانيا فقال له: وأنا
فاشتر مني ديني. فأمر له بتمام الجائزة للقوم، وطُعن في جهازه، فمات، فحبسها معاوية. فقال
الفرزدق في ذلك:.
أبوكَ وعمي يا مُعاويَ أورَثا تُراثًا فيحتازُ التراثُ أقاربهْ
فما بالُ ميراثِ الحُتاتِ أخذتَهُ وميراثُ حربٍ جامدٌ لكَ ذائبهْ
فلو كان هذا الأمرُ في جاهلية علمتَ منِ المرء القليلُ حلائبهْ
ولو كان في دين سوى ذا شنئتمُ لنا حقنا أو غصّ بالماء شاربهْ
وقدْ رُمتَ أمرا يا معاوي دونهُ خياطِفُ علوَدٍ صِعابٍ مراتبهْ
وما كنتُ أعطي النصفَ عن غيرْ قُدرةٍ سواكَ ولو مالتْ عليّ كتائبه
ألستُ أعزّ الناسِ قومًا وأسرةً وأمنعهمْ جارًا إذا ضيمَ جانبهْ
وما ولدتْ بعدَ النبيّ وأهلهِ كمثلي حصانُ في الرجال يُقاربهْ
أبي غالبُ والمرء صعصعةُ الذي إلى دارمٍ ينمي فمن ذا يناسبهْ
[ ٣ / ٧٦١ ]
وبيتي إلى جنب الثريا فناؤهُ ومنْ دونهِ البدرُ المُضيء كواكبهْ
أنا ابنُ الجبال الشمّ في عدد الحصى وعِرقَ الثرى عرقي فمن ذا يحاسبهْ
أنا ابنُ الذي أحيى الوئيدَ وضامنٌ على الدهرِ إذْ عزّتْ لدهر مكاسبهْ
وكمْ منْ أب لي يا مُعاويَ لمْ يكنْ أغرّ يُباري الريحَ ما أزوَرّ جانبهْ
نمتهُ فروعُ المالكينِ ولمْ يزلْ أبوكَ الذي منْ عبدِ شمس يُقاربهْ
تراهُ كنصلِ السيفِ يهتزُ للنّدى كريمًا تلقّى المجدَ ما طرّ شاربهْ
طويلُ نجادِ السيفِ مُذْ كانَ لم يكنْ قُصيّ وعبدُ الشمسِ ممنْ يخاطبهْ
فرد ثلاثين ألفًا على ورثته. فكان هذا أيضًا قد أغضب زيادًا عليه. قال: فلما استعدت عليه نهشل،
ازداد عليه غيظًا، فطلبه فهرب، فأتى عيسى ابن خصيلة بن مغيث بن نصر بن خالد البهزي، أحد
بني سُليم والحجّاج بن عِلاط بن خالد السّلمي.
قال أبو عبيدة: فحدثني أبو موسى الفضل بن موسى بن خصيلة، قال: لما اطرّد زياد الفرزدق، جاء
إلى عمي عيسى بن خصيلة ليلا، فقال يا ابا خُصيلة: إن هذا الرجل قد أخافني، وإن صديقي وجميع
من كنت أرجوه، قد لفظوني، وإني أتيتك لتُغيّبني عندك، فقال: مرحبا بك. فكان عنده ثلاث ليال، ثم
قال له: قد بدا لي أن ألحق بالشأم. قال: ما أحببت إن أقمت ففي الرحب والسعة، فإن شخصت فهذه
ناقة أرحبية أمتّعك بها. قال فركب بعد ليل، وبعث عيسى معه حتى جاوز البيوت. قال: وأصبح وقد
جاوز مسيرة ثلاث ليال فقال الفرزدق في ذلك:
كفاني بها البهزيٌ حملانَ مَنْ أبيَ مِنَ الناس والجاني تخافُ جرائمهْ
[ ٣ / ٧٦٢ ]
فتى الجُودِ عيسى ذو المكارمِ والعُلىَ إذا المالُ لمْ ترفعْ بخيلا كرائمهْ
ومَنْ كانَ يا عيسى يُؤنّبُ ضيفَهُ فضيفكَ محبورُ هَنيء مطاعمُهْ
وقالَ تعلّمْ أنها أرحبيّةٌ وأنّ لها الليلَ الذي أنتَ جاشمُهْ
فأصبحتُ والمُلقى ورائي وحنبلٌ وما صدرتْ حتى علا الليلَ عاتمُهْ
تَزاورُ عنْ أهلِ الحُفيرْ كأنها ظليمٌ تبارى جُنحَ ليل نعائمُهْ
رأتْ عينُها رُويّةٌ وأنجلىَ لها بهِ الصبحُ عنْ صعل أسيلٍ مخاطمُهْ
كأنّ شراعًا فيه مجرى زمامها بدجلةَ إلا خطمُهُ وملاغمُهْ
إذا أنا جاوزتُ الغريّينْ فاسلمي وأعرضَ منَ فلجٍ ورائي مخارمُهْ
وقال الفرزدق في ذلك أيضًا:
تدارَكني أسبابُ عيسى منَ الردى ومنَ يكُ مولاهُ فليسَ بواحدِ
ونعمَ الفتى عيسى إذا البُزلُ حاردتْ وجاءتْ بصرّادٍ معَ الليل بارد
[ ٣ / ٧٦٣ ]
نَمتهُ النواصي منَ سُليم إلى العُلى وأعراقُ صِدقٍ بين نصرٍ وخالدِ
هما أشرفا فوقَ البُناةِ وأثّلا مساعيَ لمْ تُكذبْ مقالةَ حامدِ
بحقكَ تحوي المكرُماتِ ولمْ تجدْ أبا لكَ ألا ماجدًا وابنَ ماجدِ
وأنت الذي أمستْ نِزارُ تُعدهُ لدفع الأعادي والأمورِ الشدائدِ
فدىً لكَ نفسي يا ابنَ نصرْ ووالدي وما لي منْ مال طريفٍ وتالدِ
سأثني بما أوليتني وأربهُ إذا القومُ عدّوا فضلكمْ في المشاهدِ
نماكَ مُغيثٌ للمكارمِ والعُلى إلى خيرِ حيّ منْ سُليم ووالدِ
همُ الغُر والكهفُ الذي يُتقى بهِ إذا نزلتْ بالناس إحدى الماودِ
وبلغ زيادًا أنه شخص، فبعث عليّ بن زهدم أحد بني موألة بن فُقيم في طلبه. قال أعين: فطلبه في
بيت نصرانية يقال لها ابنة مرّار، من بني قيس بن ثعلبة، تنزل قُصيبة كاظمة. قال فسلّته من كسر
بيتها، فلم يقدر عليه. فقال الفرزدق:
أبيتَ ابنةَ المرّارِ هتّكت تبتغي وما يُبتغى تحتَ الثويةِ أمثالي
ولكنْ بُغائي إنْ أردتَ لقاءنا فضاء الصحارى لا اختباء بأدغالِ
فإنك لو لاقيتني يا بنَ زهدمٍ لا بتَ شُعاعيّا على شرَ تمثالِ
[ ٣ / ٧٦٤ ]
وزعم عصام، أنها رُبيعة بنت المرّار بن سلمة العجلي، وانها أم أبي النجم الراجز، هي التي ألجأت
الفرزدق فأتى ميةَ الضبيةَ في هربه من زياد، فاستحملها فلم تحمله، فأتى عُزيزة من بني ذُهل بن
ثعلبة، فحملته وزودته تعضوضًا، فقال في ذلك:
لأختُ بني ذُهلٍ غداةَ لقيتُها عُزيزةُ فينا منكِ يا مَيّ أرغبُ
أتتنا بتعضوضٍ وأفقرنا ابنُها مَروحا برجليها تجولُ وتذهبُ
وقالتْ لنا أهلًا وسهلا وزوّدتْ جنى النحل أو ما زودتْ هوَ أظيبُ
أبوها ابنُ عمّ الشعثمينْ وحسبُها إذا كانَ منَ أشياخِ ذُهلٍ لها أبُ
قال أو عبيدة، قال مسمع بن عبد الملك: فأتى الروحاء، فنزل في بكر بن وائل، فأمن وقال في ذلك:
قدْ ميّلتْ بين المسير فلمْ تجدْ لعورتها كالحيّ بكر بنِ وائلِ
أعفّ وأوفى ذمةً يعقدونها إذا وازنتْ شُمٌ الذرى بالكواهلِ
فقلتُ لها سيري إليهمْ فإنهمْ حِجازُ لمن يخشى مُلمّ الزلازل
فسارتْ إلى الأجفارِ خمسًا فأصبحتْ مكانَ الثريا منْ يدِ المتناولِ
وما ضرّها إذ جاورتْ في بلادها بني الحصن ما كان اختلافُ القبائلِ
يعني بالحصن ثعلبة بن عُكابة الأغر.
[ ٣ / ٧٦٥ ]
بهمْ يحسمُ العِرقُ النعورُ ويُمترى بهمْ قادما مخشيّةِ السيء بازِل
ومحبوسةٍ في الحقِ ضامنةِ القِرىَ عروفٌ أوابيها حبالَ المعاقل
وقال لهم أيضًا:
إني وإنْ كانتْ تميمٌ عمارتيَ وكنتُ إلى القدموسِ منها القُماقمِ
لمُثنٍ على أفناء بكرِ بنِ وائلٍ ثناءً يوافي ركبهمْ في المواسمَ
همُ يومَ ذي قارٍ أناخوا فصادموا برأس بهِ تُردى صفاةُ المُصادمِ
أقاموا لكسرى يومَ جاشتْ جنودهُ وبهراءَ إذ جاءوا وجمعِ الأراقمِ
إذا فرغوا من جانبِ مالَ جانبُ فذادوهمُ فيها ذيادَ الحوائمِ
بمخشوبةٍ بيضٍ إذا ما تناولتْ ذُرى البيضِ أبدتْ عن فراخِ الجماجمِ
فما برحوا حتى تهادتْ نساؤهمْ ببطحاء ذي قارٍ عيابَ اللّطائمِ
كفى بهمِ قومَ امرئ يمنعونهُ إذا جُردَتْ أيمانهمْ بالقوائمِ
أُناسُ إذا ما أنكرَ الكلبُ أهلهُ أناخوا فعاذوا بالسيوف الصوارمِ
قال: وكان الفرزدق إذا نزل زياد البصرة، نزل الكوفة. وإذا نزل زياد الكوفة، نزل البصرة. وكان
زياد يقيم ها هنا ستة أشهر، وها هنا ستة أشهر. فبلغ زيادًا صنيعُ الفرزدق، فكتب إلى عامله على
الكوفة، عبد الرحمن بن عُبيد، إنما الفرزدق فحل الوحوش، يرعى القفار، فإذا ورد عليه الناس ذُعر،
ففارقهم إلى أرض أخرى فرتع، فاطلبه حيث تظفر به. فقال الفرزدق: فطُلبتُ أشد طلب، حتى جعل
[ ٣ / ٧٦٦ ]
من كان يؤويني يُخرجني من عنده، فضاقت عليّ الأرض، فبينا أنا نائم ملفف رأسي في كسائي على
ظهر طريق، إذ مر بي الذي جاء في طلبي، فلما كان الليل، لم أكن طعمت قبل ذلك طعامًا ثلاثًا،
أتيت بعض أخوالي، بني ضبة، وعندهم عرس، فقلت أتيهم فأصيب من طعامهم، فبينا أنا قاعد إذ
نظرت إلى هادي فرس، وصدر رمح، قد جاوز باب الدار داخلا إلينا، فقاموا إلى حائط قصب
فرفعوه، فخرجت منه وألقوا الحائط مكانه، وقالوا: ما رأيناه. فمكثوا ساعة، ثم خرجوا، فلما أصبحنا
جاءوني فقالوا: اخرج إلى الحجاز عن جوارِ زيادٍ لا يظفر بك، ولو ظفروا بك البارحة لأهلكتنا،
وجمعوا لي ثمن راحلتين، وكلموا لي مُقاعسًا، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة، وكان دليلًا يسافر للتجار،
قال: فخرجنا إلى بانقيا، حتى انتهينا إلى بعض القصور التي تُنزل، فلم يُفتح لنا الباب، فألقينا رحالنا
إلى جنب الحائط، والليلة مقمرة، فقلت: أرأيت يا مقاعس، إن بعث زياد بعد أن نصبح إلى العتيق
رجالًا، وهو خندق كان للعجم، ما تقول العرب؟ يقولون أمهله يومًا وليلة، ثم أخذه، ارتحل. قال: إني
أخاف السباع. قلت: السباع أهون علي من زياد. فارتحلنا، لا نرى شيئًا إلا خلّفناه، ولزمنا شخص لا
يفارقنا. فقلت يا مقاعس: أترى هذا الشخص، لم نمر بشيء إلا جاوزناه غيره، فإنه يُسايرنا منذ
الليلة. قال: هذا السبع. قال: فكأنه فهم كلامنا، فتقدم حتى ربض على ظهر الطريق، فلما رأينا ذلك
نزلنا، فشددنا ناقتينا. بشاءين، وأخذت قوسي وقلت: يا ثعلب، أتدري من فررنا منه إليك؟ فررنا من
زياد. فحصب بذنبه حتى غشينا غباره وغشي ناقتينا. قال: فقلت أرميه. فقال: لا تهجه، فإنه إذا
أصبح ذهب. قال: فجعل يرعد ويزأرُ، ومقاعس يوعده، حتى انشق الصبح، فلما رآه ولّى وأنشأ
الفرزدق يقول:
ما كنتُ أحسبنُي جبانًا بعدَ ما لاقيتُ ليلةَ جانب الأنهار
ليثًا كأنّ على يديه رِحالةً شَننَ البراثِنِ مُؤجدَ الأظفار
[ ٣ / ٧٦٧ ]
لمّا سمعتُ لهُ زمازمَ أجهشتْ نفسي إليّ فقلتُ أينَ فراري
فربطتُ جروتها وقلتُ لها اصبري وشددتُ في ضيقِ المقامِ إزاري
فلأنتَ أهونُ من زياد عندنا اذهبْ إليكَ مخُرمَ السفّارِ
قال أبو عبيدة، فحدثني أعين بن لبطة قال: حدثني أبي شبث بن ربعي الرياحي قال: فأنشدت زيادًا
هذه الأبيات، فكأنه رقّ له وقال: لو أتاني لآمنته وأعطيته. فبلغ ذلك الفرزدق فقال:
تذكّرَ هذا القلبُ منْ شوقهِ ذكرا تذكّرَ ذكرى ليسَ ناسيها عصرا
تذكَرَ ظمياءَ التي ليسَ ناسيًا وأنْ كانَ أدنى عهدها حججًا عشرا
وما مُغزلُ بالغورِ غورِ تهامةٍ تُراعي أراكًا في منابتهِ نضرا
منَ الأدمِ حوراء المدامعِ ترتعي إلى رشا طفلٍ تخالُ بهِ فترا
أصابتْ بأعلى ولولين حبالةً فما أستمسكتْ حتى حسبتَ بها كسرا
بأحسنَ من ظمياء يومَ تعرضَتْ ولا مُزنةُ راحت غمامتها قصرا
وكمْ دونها من عاطفٍ في صريمةٍ وأعداء قومٍ يندرونَ دمي نذرا
إذا أوعدوني عندَ ظمياء ساءها وعيدي وقالتْ لا تقولوا لهُ هُجرا
دعاني زيادٌ للعطاء ولم أكنْ لآتيهُ ما ساقَ ذو حسّب وفرا
[ ٣ / ٧٦٨ ]
وعندَ زيادٍ لو يريدُ عطاءهمْ رجالْ كثيرُ قدْ ترىَ بهمِ فقرا
فُعودا لدى الأبوابِ طُلاّبَ حاجة عوانٍ منَ الحاجاتِ أو حاجةً بكرا
فلما خشيتُ أن يكونَ عطاؤهُ أداهمَ سُودا أو محدرجةً سُمرا
نميتُ إلى حَرفٍ أضرّ بنيّها سُرى الليل وأستعراضُها البلدَ القفرا
تنفّسُ في بهوٍ منَ الجوّ واسعِ إذا مدّ حيز وما شرا سيفها الضفرا
تراها إذا صامَ النهارُ كأنما تُسامى فنيقًا أنْ تخالطهُ خطرا
تخوضُ إذا صلَ الصدى بعدَ هجعةٍ منَ الليل مُلتجًا غياطلهُ خُضرا
وأن أعرضتْ زوراء أو شمّرتْ بنا فلاةُ ترىَ منها مخارمها غُبرا
تعدّينَ عن قُهبِ الحصى وكأنما رضحنَ بهِ منْ كلّ رضراضةٍ جمرا
وكم من عدوّ كاشحٍ قد تجاوزتْ مخافتهُ حتى يكونَ لها جسرا
يؤمُ بها الموماةَ من لا يرى لهُ إلى أبنِ أبي سفيان جاهًا ولا عُذرا
فلا تُعجلاني صاحبيّ فربما سبقتُ بورد الماء غادية كُدرا
وحضنينْ من ظلماء ليل سريتهُ بأعيدَ قدْ كانّ النعاسُ لهَ سُكرا
رماهُ الكرى في الرأسِ حتى كأنهُ أميمُ جلاميدٍ تركنَ بهِ وقرا
منَ السيرِ والادلاجِ تحسبُ إنما سقاة الكرى في كلّ منزلةٍ خمرا
جررنا وفديناهُ حتى كأنما يرى بهوادي الصبح قنبلةً شُقرا
[ ٣ / ٧٦٩ ]
قال: ومضينا فقدمت المدينة، وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص ابن أمية عليها، فكان في
جنازة، فتبعته فوجدته قاعدًا والميت يُدفن، حتى قمت بين يديه، فقلت: هذا مقام العائذ من رجل لم
يُصب دما ولا مالا. فقال: قد أجرت، إن لم تكن أصبت دما ولا مالا. من أنت؟ فقلت: أنا همّام بن
غالب بن صعصعة، وقد أثنيت على الأمير ن فإن رأى الأمير أن يأذن لي فأسمعه. قال: هاتِ.
فأنشدته:
وكومٍ تنعمُ الأضيافَ عينًا وتُصبحُ في مباركها ثقالا
حتى أتيت إلى آخرها. فقال مروان: قعودًا ينظرون إلى سعيد. فقلت: كلا إنك لقائم يا أبا عبد الملك
قال، فقال كعب بن جعيل: هذا والله الرؤيا التي رأيت البارحة.
قال سعيد: وما رأيت؟ قال: رأيت كأني أمشي في سكة من سكك المدينة، فإذا أنا بابن قترة في
جحر، فكأنه أراد أن يتناولني فاتقيته. قال: فقام الحطيئة فشق ما بين رجلين، حتى تجاوز إليّ، فقال:
قل ما شئت، فقد أدركت من مضى ولا يُدركك من بقي. وقال لسعيد: هذا والله الشعر لا ما نُعلل به
منذ اليوم قال: فلم يزل بالمدينة مرة، وبمكة مرة. وقال الفرزدق في ذلك:
ألا مَن مُبلغُ عني زيادًا مُغلغلةً يخبُ بها بريدُ
بأني قد فررتُ إلى سعيدٍ ولا يُسطاعُ ما يحمي سعيدُ
فررتُ إليه من ليثِ هزبرٍ تفادى من فريستهِ الأسودُ
[ ٣ / ٧٧٠ ]
فإن شئتَ انتسبتُ إلى النصارى وإنْ شئتَ أنتسبتُ إلى اليهود
وإنْ شئتَ انتسبتُ إلى فُقيم وناسبني وناسبتُ القرودُ
وأبغضهمْ إلىّ .. بنو فقيمٍ ولكنْ سوفَ أتيِ ما تريدُ
وقال الفرزدق أيضًا لزياد:
أتاني وعيدٌ من زيادٍ فلمْ أنمْ وسيلُ اللوىَ دوني فهضبُ التهائمِ
فبتٌ كأنيّ مُشعرٌ خيبريّةً سرتْ في عظامي أو سمامَ الأراقم
زيادَ بنَ حربٍ لو أظنكَ تاركي وذا الضغنِ قد خشمتُهُ غير ظالمِ
وقد جاحفتْ مني العراقَ قصيدةٌ رجومُ معَ الأقصى رؤوسَ المخارمِ
خفيفةُ أقواهِ الرواةِ ثقيلةٌ على قرنها نزّالةٌ بالمواسمِ
وهي طويلة قال: فلم يزل بين مكة والمدينة، حتى كتب زياد إلى معاوية: قد ضبطت لك العراق
بشمالي، ويميني فارغة، فأشغلها بالحجاز. وبعث في ذلك الهيثم بن الأسود النخعي، فكتب له عهده مع
الهيثم فلما بلغ ذلك أهل الحجاز، أتى نفر منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ -
فذكروا ذلك له، فقال: ادعوا عليه الله يكفكموه، واستقبل القبلة، واستقبلوها، فدعوا ودعا، فخرجت
طاعونة على إصبعه، فأرسل إلى شريح، وكان قاضيه، فقال: حدث ما ترى، وقد أمرت بقطعها فأشر
علي. فقال شريح: إني أخشى أن يكون الجراح على يدك، والألم على قلبك، وأن يكون الأجل قد
حضر، فتلقى الله، ﷿، أجذم، ويعيّره ولدك، فتركها. وخرج شريح، فسألوه فأخبرهم ما أشار
به، فلاموه وقالوا: هلاّ أشرت عليه بقطعها، فقال:
[ ٣ / ٧٧١ ]
قال رسول الله - ﷺ – المستشار مؤتمن. ولم يلبث زياد أن مات.
وقد خرج متوجهًا إلى الحجاز، فدُفن بالثوية، إلى جنب الكوفة. فرثاه
مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو بن عمرو بن عُدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، فقال:
رأيتُ زيادةَ الإسلام ولّتْ فبانتْ حينَ ودّعنا زيادُ
ولم يكن الفرزدق هجا زيادًا حياته، حتى هلك. فلما رثاه مسكين بن عامر، قال الفرزدق مجيبًا له:
أمسكينُ أبكى اللهُ عينكَ إنما جرىَ في ضلالٍ دمعها فتحدّرا
رثيتَ امرءًا من أهل ميسانَ كافرا ككسرىَ على عدّانهِ وكقيصرا
أقولُ لهُ لمّا أتاني نعيهُ بهِ لا بظبي في الصرّيمةِ أعفرا
فأجابه مسكين، فقال:
ألا أيها المرء الذي لستُ ناطقًا ولا قاعدًا في القومِ إلا انبرى ليا
فجئني بعمّ مثل عمّي أو أب كمثل أبي أو خال صدق كخاليا
كعمرو بن عمرو أو زُرارةَ والدًا أو البشر من كلّ فرعتُ الرواسيا
[ ٣ / ٧٧٢ ]
وما برحتْ مثلُ القناةِ وسابحٌ وخطّارةٌ عُبر السرىَ من عياليا
فهذا لأيام الحفاظِ وهذهِ لرحلي وهذي عدةٌ لارتحاليا
وقال الفرزدق لزياد:
أبلغْ زيادًا إذا لاقيتَ مصرعهُ إنّ الحمامةَ قدْ طارتْ منَ الحرمِ
طارتْ فما زالَ ينميها قوادمها حتى استغاثتْ إلى الأنهارِ والأجمِ
ولما بلغ الفرزدق موت زياد جعل يرتجز وشخص عن المدينة:
كيفَ تراني قالبًا مجنّى أضربُ أمري ظهرهُ لبطنِ
قدْ قتلَ اللهُ زيادًا عني
رجع إلى القصيدة:
فما كانَ شيء كانَ مما نُجنهُ منَ الغشَ إلا قد أبانتْ شواكلُهْ
وقلتُ لهمْ صبرًا كُليبَ فإنهُ مقامُ كظاظٍ لا تتمُّ حواملُهْ
فإن تهدموا داري فإن أرومتي لها حسبُ لا ابن المراغة نائلُهْ
أبي حسب عود رفيعْ وصخرةٌ إذا قرعت لم تستطعها معاوله
تصاغرتَ يابنَ الكلبَ لما رأيتني معَ الشمس في صعب عزيزِ معاقلُهْ
ويروى مناقله. والمنقل أعلى الجبل، وهو العقبة. قال أبو عبد الله: المنقل بفتح الميم الآلة.
[ ٣ / ٧٧٣ ]
وقد مُنيتْ مني كُليبٌ بضيغمٍ ثقيلٍ على الحُبلى جريرَ كلاكلُهْ
قوله كلاكله يعني صدره وما يليه. قال: وإنما عيره بقصة صُرد بن جمرة، الذي سُقي مني عبد أبي
سواج، فانتفخ بطنه، وتفسير ذلك في غير هذا الموضع.
شتيمُ المُحيا لا يخاتلُ قرنهُ ولكنهُ بالصّحصحان يُنازلُهْ
هزبر هريتُ الشدقَ ريبالُ غابة إذا سارَ عزّتهُ يداهُ وكاهلُهْ
قال أبو عبد الله، قال ابن الأعرابي: تربل السبع وتربيل، إذا كان شابا كثير اللحم. قوله هزبر،
يعني قويا شديدًا، والهزبر من نعت الأسد، وإنما شبّهه بالأسد في قوته. وهريتُ الشدق أي واسع
الشدق. قال: والريبال أيضًا من نعت الأسد، يعني يصيد وحده، ولا يحتاج إلى من يعاونه على
صيده، يقال من ذلك: خرج القوم يتربلون. قال: وذلك إذا خرجوا للغارة واللصوصية متخففين. قال:
والغابة الأجمة التي يسكنها الأسد. عزته يداه وكاهله، أي كانتا أقوى شيء وأشده، وقوله عزته، أي
قوّته يداه وكاهله التي يغلب بهما ويقهر. قال: ومنه قولهم "من عزّ بزّ"، يريد من غلب قهر وبز
صاحبه، أي سلبه ثيابه وما معه، ومنه قوله ﷿: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي غلبني، وقوله إذا
سار يريد إذا ساور فريسته فأخذها، يقال سار وساور بمعنى واحد، وقول إذا واثب ووثب، قال أبو
عثمان: سمعت الكسائي وغيره يقول: هو لص بيّن اللصوصية، بفتح اللام، وهو حُرّ بين الحَرورية،
بنصب الحاء، وهو خاص بالأمير بيّن الخصوصية، بنصب الخاء. قال أبو عثمان: وسمعت
الأصمعي، وأبا عبيدة، وغيرهما، يقولون: لم نسمع
[ ٣ / ٧٧٤ ]
شيئًا من النحو على هذا الباب، وعلى هذا الوزن بالفتح، إلا هذه الثلاثة الأحرف،
والباقي من هذا الجنس مضموم الأول كله، قال: وسألت عن ذلك، الأصمعي أبا عبيدة.
عزيزُ منَ اللآئي يُنازلُ قِرنهُ وقدْ ثكلتهُ أمهُ مَنْ يُنازلُهْ
ويروى: عزيز متى ما يلقَ بالسيفِ قرنهُ فقده هبلته.
وإنّ كُليبًا إذ أتنني بعبدها كمن غرّهُ حتى رأى الموتَ باطلُه
رجوا أن يردّوا عنْ جريرٍ بدرعهِ نوافذَ ما أرمي وما أنا قائلهْ
عجبتُ لراعي الضانِ في خُطميّةَ وفي الدرعِ عبدٌ قدْ أصيبتْ مقاتلُهْ
وهلْ تلبسُ الحُبلى السلاحَ وبطنها إذا أنتطقتْ عبْء عليها تُعادلُهْ
ويروى وقد تلبس. ويروى ثقيل تعادله، ويروى عبْء عليها تُزاولهْ.
أفاخَ وألقى الدرعَ عنهُ ولمْ أكن لألقيَ درعي منْ كميَ أقاتلُهْ
قوله أفاخ، يقول: تفلّج وفتح فخذية وفسا، وفي مثل يقال: كل بائلة تُفيخ، يقول: من بال خرجت منه
ريح. وعن النبي - ﷺ - كل بائلة تفيخ. قال، وقال أبو عبيدة: وقف جرير
بالمربد، وقد لبس درعًا وسلاحًا تامًا، وركب فرسًا أعاره إياه أبو جهضم، عبّاد بن حصين الحبطي.
قال: فبلغ ذلك الفرزدق، فلبس ثياب وشي وسوارًا، وقام في مقبرة بني حصن، ينشد بجرير، والناس
يسعون فيما بينهما بأشعارهما، فلما بلغ الفرزدق لباس جرير السلاح والدرع قال: عجبت لراعي
الضأن في حطميّه. قال: ولما بلغ جريرًا أن الفرزدق في ثياب وشي، قال:
[ ٣ / ٧٧٥ ]
لبستُ سلاحي والفرزدقُ لُعبة عليه وِشاحا كُرّجٍ وجلاجلُه
الكرج لعبة يلعبها المخنثون.
ألم ترَ ما يلقى من استه إذا أحتضرتْ حقويْ حريرٍ قوابلُه
يقلنَ لهُ داركْ زحيركَ واسترحْ فإلاّ تجيءْ سرحًا فإنكَ قابلُهْ
ملأتُ استهُ ماءً فإلا يفضْ بهِ يكنْ ولدًا إنْ لم تُضعهُ مهابلُهْ
المهبل متسع الرحم. والمهبل ما بين حلقتي الرحم.
ألستَ تُرى يا ابن المراغةِ صامتًا لِما أنتَ في أضعافِ بطنكَ حاملُهْ
يقول: قد كان ينبغي لك كذلك، أن تلزم الصمت والسكوت.
وقدْ علمَ الأقوامُ حولي وحولكُمْ بني الكلبِ أني رأسُ عِزّ وكاهلُهْ
ألمْ تعلموا أني ابنَ صاحبِ صوأرٍ وعندي حُساما سيفهِ وحمائلُه
ويروى وعندي حسام، وحسام سيفه وحمائله. قوله: حساما سيفه وحمائله، يعني حدّا سيفه، قال:
والحسام من السيوف، القاطع الذي يحسم ما يقع عليه أي يقطعه، وقوله صاحب صوأر، يعني غالب
بن صعصعة. وصوأر ماء لكلب. وهو فوق الكوفة مما يلي الشام قال أبو عبيدة: وكان أعين بن
لبطة، وجهم السليطي، يحكيان عن إياس بن شبّة بن عقال بن صعصعة، قالوا: أجدبت بلاد بني
تميم، وأصاب
[ ٣ / ٧٧٦ ]
بني حنظلة سنة، وذلك في خلافة عثمان بن عفان - ﵁ - فبلغهم خصّب
عن بلاد كلب بن وبرة. قال: فانتجعها بنو حنظلة، فنزلوا صوأر. قال، فكانت بنو يربوع قدّام الناس،
فنزلوا أقصى الوادي، ولم يكن مع بني يربوع من بني مالك، غير غالب. فلما نزلوا صوأر، ووردت
إبله، حبس ناقة منها كوماء، يعني عظيمة السنام، قال: فنحرها فأطعمها، قال: فلما وردت إبل سحيم
بن وثيل الرياحي، حبس منها ناقة فنحرها فأطعهما. فقيل لغالب إنما نحر سحيم مواءمة، يعني
مباراتك ومساواتك. قال فضحك غالب، وقال: كلا ولكنه امرؤ كريم وسوف أنظر. فلما وردت أبل
غالب، حبس منها ناقتين فنحرهما وأطعمهما. قال فلما وردت أبل سحيم، نحر ناقتين وأطعمهما، فقال
غالب: الآن علمت أنه يوائمني، فعقر غالب عشرًا فأطعمها بني يربوع وغيرهم. فعقر سحيم بعد ذلك
خمسة عشر، أو عشرين. قال: فلما بلغ غالبًا ضحك، وكانت إبله ترد لخمس، فلما وردت عقرها كلها
عن آخرها، فالمكثر يقول: كانت أربع مائة، والمقلل يقول كانت مائتين. قال: ثم إن سحيما عقر بعد
ذلك بكناسة الكوفة مائتي ناقة وبعير، وذلك في خلافة عليّ بن أبي طالب - ﵁ - فجعل
الناس يقولون: اللحم اللحم! وخرجوا بالزبل والحبال والجواليف، فرآهم علي بن أبي طالب - رضي
الله عنه - فقال: يا أيها الناس، لا يحل لكم، لأنها أهل بها لغير الله تعالى. قال جهم السليطي: فلم
يُغن هذا عنهم شيئا، لأنه بعد صوأر بزمن، ولم يعقر حيث عاقره غالب.
تركنا جريرًا وهو في السوقِ حابسٌ عطيّةَ هل يلقى بهِ منْ يُبادلُهْ
فقالوا لهُ رُدّ الحمار فإنهُ أبوكَ لئيمٌ رأسهُ وجحافلُهْ
وأنتَ حريسٌ أنْ يكونَ مجاشعٌ أباكَ ولكنّ ابنهُ عنكَ شاغلُهْ
وما ألبسوهُ الدرعَ حتى تزيّلتْ منَ الخزي دون الجِلدِ منهُ مفاصلُهْ
وهل كانَ إلاّ ثعلبا راضَ نفسهُ بموجٍ تسامى كالجبالِ مجاولُهْ
[ ٣ / ٧٧٧ ]
ضغا ضغوة في البحرِ لمّا تغطمطتْ عليهِ أعالِي موجهِ وأسافلُه
قوله تغطمطت أي جاشت عليه الأمواج فاضطربت في البحر، فضرب لنفسه مثلا به.
فأصبحَ مطروحًا وراءَ غُثائهِ بحيثُ ألتقى من ناجخِ البحرِ ساحلُهْ
ويروى منبوذًا، الناجخ ما ضرب الساحل من الماء، يقال قد نجخ الماء الساحل، أي صربه، وقوله
من ناجخ، يقال من ذلك نجخ الماء، وذلك إذا فاض وسال.
وهلْ أنتَ إنْ فاتتكَ مسعاةُ دارمٍ وما قد بنى آت كُليبًا فقاتلُهْ
وقالوا لعبادٍ أغثنا وقد رأوا شآبيبَ موتٍ يُقطرُ السمّ وابلُه
فخرتَ بشيخٍ لم يلدكَ ودونهُ أب لكَ تخفي شخصهُ وتُضائلُهْ
فخرت بشيخ، يعني عتيبة بن الحارث بن شهاب. وقوله تخفي شخصه، يعني عطية، يقول: تُخفيه
لصغره ومحقرته. قال: والضئيل من الرجال، هو القليل الجسم الدقيق. بشيخ يعني يربوعًا، وتُخفي
شخصه يعني كُليبًا. قال أبو عبد الله: هذا هو الكلام الصحيح.
فلّله عِرضي إنْ جعلتُ كريمتي إلى صاحبِ المعزى الموقّع كاهلُهْ
[ ٣ / ٧٧٨ ]
ويروى المورّم كاهله، قوله الموقّع، قال: هو البعير الذي به آثار الدبر.
جبانًا ولم يعقدْ لسيفٍ حمالة ولكنْ عصامُ القربتينْ حمائلُهْ
قال: العصام الحبل يُجمع به بين يدي القربة ورجليها، ثم يضعه المُستقي على صدره إذا ملأ قربته.
قال تأبط شرًا:
وقِربة أقوامٍ جعلتُ عصامها على كاهل مني ذلولٍ مُرحّلِ
يظلّ إليه الجحشُ ينهقُ إنْ علتْ بهِ الريحُ منْ عِرفانِ مَنْ لا يُزايلُهْ
يقول: إذا وجد الجحش ريحه، عرفه من كثرة ركوبه أمه، ومُزايلته إياها.
لهُ عانةُ إعفاؤها آلفاتُهُ حمولتهُ منها ومنها حلائلُهْ
لعفو الجحش عفو وأعفاء، ويروى له ثلّة.
مُوقّعةٌ أكتافها منْ ركوبهِ وتعرفُ بالكاذاتِ منها منازلُهْ
قوله منازله، أي أنه يثب عليها فيُرى إنزاله عليها. قال: والكاذة من الحمار، هي حيث يُكوى من
أعلى فخذ الحمار. قال: وهما الحلقتان اللتان تراهما في فخذي الحمار، يعني الرقمتين، ويروى موقّعة
أكتادها.
[ ٣ / ٧٧٩ ]
ألا تدّعي إن كانَ قومُكَ لمْ تجدْ كريمًا لهم إلاّ لئيمًا أوائلُهْ
ويروى إن كان قومك لم تجد لهم حسبا.
ألا تفتري إذا لمْ تجدْ لكَ مفخرًا ألا ربما يجري مع التحقِ باطلُه
ويروى:
لهم يومَ بأسٍ أو أبًا يحمدونهُ كريمًا وهلْ يجري معَ الحقّ باطلُهْ
فتحمدَ ما فيهمْ ولوْ كنتَ كاذبًا فيسمعه يا بنَ المراغةِ جاهلُهْ
ولكنْ تدعّى مَنْ سواهمْ إذا رمى إلى الغرضِ الأقصىَ البعيد مُناضلُهْ
فتعلمُ أنْ لوْ كنتَ خيرًا عليهم كذبت وأخزاكَ الذي أنتَ قائله
تعاطَ مكان النجم إن كنتَ طالبًا بني دارمٍ فانظرْ متى أنتَ نائلُهْ
فلَلنجمُ أدنىَ منهمُ أنْ تنالهُ عليكَ فأصلحْ زربَ ما أنتَ آبلُهْ
ألمْ يكَ مما يُرعَدُ الناسَ أنْ ترى كُليبًا تغنّى بابنِ ليلىَ تُناضلُهْ
أبي مالكَ ما منْ أب تعرفونهُ لكم دونَ أعراقِ الترابِ يُعادلهْ
قوله أبي مالك، يعني مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وكان مالك بن حنظلة لقبه
الغَرف، وهو الذي يقول فيه الأسود بن يعفر:
في آل غَرف لو بغيت ليَ الأسى لوجدتِ فيهمْ إسوةَ العَدّادِ
ويروى العُداد. وقوله دون أعراق التراب يعني آدم - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - لأن الله خلقه من تراب.
[ ٣ / ٧٨٠ ]
عجبتُ إلى خلقِ الكُليبيّ عُلّقتْ يداهُ ولمْ تشتدّ قبضًا أناملُهْ
فدونكَ هذي فأنتقضْها فإنها شديدٌ قُوى أمراسِها مواصلُهْ
فأجابه جرير فقال:
ألمْ ترَ أنّ البهلَ أقصرَ باطِلُهْ وأمسى عماء قد تجلّتْ مخايلُهْ
قال: العماء السحاب الرقيق. وقوله مخايله، المخايل السحاب المخيل للمطر. يقال من ذلك: إن لها
لمخيلة حسنة، وذلك إذا تهيأت للمطر. ويروى ألم ترَ أن الدهر.
أجنّ الهوىَ أم طائرُ البينِ شفّني بِجُمدِ الصفا تنعابُهُ ومحاجلُهْ
قوله أجنّ الهوى، يعني حركة الهوى الذي يصيبه منها، مثل الجنون: أهو من الهوى؟ أم طائر
البين، ويريد غراب البين. شفّه حزنه، قوله بجُمد الصفا، هو المكان الذي هاج فيه شوقه. قال:
والنعب صياح الغراب، ومحاجله يريد حجله ومشيه.
لعلك محزونْ لِعرفانِ منزِل محيلٍ بوادي القريتينْ منازلُهْ
يقول: لعل شوقك هاج إذا عرفت منزلا مُحيلًا، يعني قد أتى عليه حول، فأنت محزون لذلك، لما
عرفت من اجتماع أهله ثم تفرقهم.
فإني ولوْ لامَ العواذلِ مُولع بحبِ الغضامِنْ حبِ مَنْ لا يزايلُهْ
وذا مَرجٍ أحببتُ مِنْ حُبِ أهلهِ وحيثُ انتهتْ في الروضتينْ مسايلُهْ
[ ٣ / ٧٨١ ]
قوله انتهت، يريد صادفت موضعًا يحبس الماء فاحتبست.
أتنسى لطولِ العدِ أمْ أنتَ ذاكرُ خليلكَ ذا الوصلِ الكريمِ شمائلُهْ
شمائله يعني طبائعه، الخليل الصادق الواصل أخاه.
لحَبّ بنارٍ أوقدتْ بين مخلِب وفردةَ لو يدنو منَ الحبلِ واصلُهْ
قوله مُحلب قاع. وفردة اسم قارة، والقارة الجبل الصغير.
وقد كانَ أحيانًا بيِ الشوقُ مولعا إذا الطرفُ الظعّانُ ردّت حمائلُهْ
قال الطرف الذي يتطرف المرعى. يقول ردّت حمائله من المرعى إلى الحي للارتحال. قال:
والظعّان الذي يُكثر الظعن، وهو الكثير السفر، من قوله تعالى ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾.
فلما التقىَ الحيّانِ ألقيتِ العصي وماتَ الهوى لمّا أصيبتْ مقاتلُهْ
ويروى فلما أستقر الحي. قوله ألقيت العصا، يعني استقروا ونزلوا. وقوله ومات الهوى، يقول:
سكن الهوى مني وذهب سورته حين اجتمعنا. قال أبو عثمان، قال الأصمعي: في قوله لما أصيبت
مقاتله، يريد مقاتل الهوى، وإذا أصيبت مقاتل الشيء فقد مات.
لقدْ طالَ كتماني أمامةَ حُبها فهذا أوانُ الحبّ تبدو شواكلُهْ
يعني أشباهه ونواحيه.
[ ٣ / ٧٨٢ ]
إذا حُلّيتْ فالحليُ منها بمعقدِ مليحٍ وإلاّ لمْ تشنها معاطلهْ
يقول: إن لبست الحلي فهي حسنة، فإن لم تلبس الحلي، لم تشنها معاطل الحلي. يقال من ذلك، امرأة
عاطل، إذا لم يكن عليها حلي، فأضمر ابتداء الجزاء كما قال العبدي في مثل ذلك:
أقيموا بني النعمانِ عنّا صدوركم وإلا تُقيموا صاغرينَ رُؤوسا
وقالَ اللواتي كُنّ فيها يلُمنني لعلّ الهوى يومَ المُغيزل قاتلُهْ
مغيزل جبل دقيق فيما ذكر الحرمازي. والمغيزل هو اسم مكان معروف.
وقلنَ تَروّحْ لا تكنْ لكَ ضيعةً وقلبكَ لا تشغلْ وهُنّ شواغلُهْ
ويومٍ كابهام القَطاةِ مُزيّن إليَ صِباهُ غالب ليَ باطلُهْ
قوله كابهام القطاة، يعني قصيرًا كقصر إبهام القطاة، وإنما المعنى في قصر اليوم، يقول: كنا في لهو
وسرور، فقصُر يومنا فيه، لانّا لم نشتف من لهونا فيه، فلذلك نسبه إلى القِصر.
لهوتُ بجنّيّ عليهْ سُموطُهُ وإنْسُ مجاليهِ وأنسُ شمائلُهْ
السموط عقود اللؤلؤ. قال: والسموط هي القلائد، يقول: هي مُثناة بعضها على بعض. قال: ومجاليه،
ما يحسن أن يبرُز مثل الوجه واليدين.
[ ٣ / ٧٨٣ ]
فما مُغزِل أدماء تحنو لشادِن كطوقِ الفتاةِ لمْ تشدّدْ مفاصلُهْ
قوله فما مغزل، يعني ظبية غزالها، وأدماء بيضاء في ظهرها جُدّتان إلى الخضرة. والسواد سوداء
المقلة والمدامع. وتحنو تعطف، وقوله شادن، يقول ولد قد تحرك وقارب الفِطام، وقوله كطوق الفتاة،
يريد في بياضه وتثنيه، وذلك إذا عطف نفسه، قال وهو أحسن ما يكون إذا كان كذلك. ثم قال: لم
تُشدد مفاصله، يقول هو ضعيف بعد، يقول: هذا الخشف صغير لم تُشدد مفاصله.
بأحسن مِنها يومَ قالتْ أناظر إلى الليل بعضَ النّيل أم أنتَ عاجلهْ
فلو كانَ هذا الحبّ حُبا سلوتُه ولكنه داء تعودُ تقابلُهْ
ولمَ أنسَ يوما بالعقيقِ تخايلتْ ضُحاهُ وطابت بالعشيِ أصائلُهْ
رُزقنا به الصيدَ الغزيرَ ولم أكنْ كمن نبلُهُ محرومة وحبائلهْ
ثواني أجياد يُودّعنَ مَنْ صحا ومَنْ بثّهُ عنْ حاجةِ اللهو شاغلُهْ
فأيهاتَ أيهات العقيقُ ومَنْ بهِ وأيهات وصلٌ بالعقيقِ تُواصلُهْ
لنا حاجةُ فانظرْ وراءكَ هلْ تَرى بروضِ القَطا الحيّ المُروّحَ جاملهْ
رِعانُ أجًا مثلُ الفوالجِ دونهمْ ورملٌ حَبتْ أنقاؤهُ وخمائلُهْ
قوله رعان واحدها رعن وهو أنف الجبل. وأجا جبل. وقوله ورمل حبت، يقول: أشرفت هذه لرّمال
فعلت لارتفاعها. وقوله وخمائله، الخميلة أرض سهلة تُنبت ويخالطها رمل.
رددنا لِشعثاءَ الرسولَ ولا أرىَ كيَومئذٍ شيئا تُردّ رسائلُهْ
ويروى وجدنا لَشَعثاء. شَعثاء امرأة من بني كعب بن مالك بن حنظلة.
[ ٣ / ٧٨٤ ]
فلوْ كُنتَ عندي يومَ قَو عَذَرْتَني بيوم زَهتني جنّهُ وأخابلُهْ
قوله زهتني يعني استحفّتني. وقو موضع كانوا يجتمعون فيه فيتحدثون ويلهون، وجنّه وأخابله، يريد
جنون الشباب ومرحه، فهذا الذي استخفه حتى لها وطرب. ويروى شمسه وأخابله.
يقُلنَ إذا ما حلّ دَينُكَ عندنا وخير الذي يُقضيَ منَ الدّين عاجلُهْ
لكَ الخير لا نقصيكَ إلا نسيئة منَ الدين أو عرضا فهل أنتَ قابلهْ
أمنْ ذِكرِ ليلىَ والرسومٍ التي خلتْ بنعفِ المُنقّى راجعَ القلب خابلُهْ
يقول: أمن ذِكر ليلى، هذه المرأة وذكر الرسوم التي خلت، يريد التي مضت، قال: والرسوم آثار
الديار وما بقي منها ومن معالمها، هاج شوقك.
عشيّةَ بعنا الحلمْ بالجهلْ وانتحتْ بنا أريحياتُ الصّبَى ومجاهله
وذلكَ يومٌ خيرهُ دونَ شرهَ تغيّبَ واشيهِ وأقصرَ عاذلُهْ
وخرق منَ الموماةِ أزورَ لا تُرى من البُعد إلا بَعدَ خمس مناهلُهْ
قوله وخرق، هي الأرض الواسعة البعيدة الأقطار، وهي النواحي، تتحرق فيه الريح من سعته، قال:
وهي الموماة أيضا. قال: وإنما جاز له أن يأتي بلفظين في معنى واحد، لآن اللفظ إذا اختلف وإن جاء
جميعًا بمعنىً واحد، جاز. فإذا اختلف اللفظ استحسنوه، يعني خرقًا، ويعني موماة، وهما جميعًا
الأرض الواسعة. وقوله أزورَ أي اعوجّ طريقها في جانب، لا تستقيم الطريق إليه. والمنهل الماء.
ازور مال عن القصد.
[ ٣ / ٧٨٥ ]
قطعتُ بشَجعاء الفؤادِ نَجيبَة مَروحٍ إذا ما النَسعُ غُرّزَ فاضلُهْ
قوله بشجعاء الفؤاد، يعني ناقة جزلة ماضية، قطعت هذا الطريق الطويل بها. وقوله إذا ما النسع
غُرّز فاضله، يقول: إذا ضمرت قلق نسعها وطال، فيُشد بعروةٍ ثالثة، ثم يُغرّز فضوله بعد، وإنما
أخبرك أنها قد أنضاها السفر، فأضمر جسمها، حتى صارت إلى تلك الحال، وذلك كما قال الممزق
العبدي:
وقدْ ضمرتْ حتى التقى مِنْ نُسوعِها عُرى ذي ثلاث لم تكن قبل تلتقي
وقد قلّصتْ عنْ منزل غادرت بهِ منَ الليلِ جونًا لمْ تَفرجْ غياطلُهْ
قال: الجون، يريد ها هنا الليل، وغياطله ظلمه. يقول: ارتحلت بليل وتركته، يريد تركت الجون،
ومضت وغادرت، يقول خلّفت الليل إذا أدبر.
وأجلادَ مضعوفٍ، كأنّ عظامهُ عُروقُ الرخامىَ لم تُشدّدْ مفاصلُهْ
قوله وأجلاد مضعوف، يعني ولد الناقة حين خدجت به أمه، يريد أزلقت به. يقول: فتركته في
مبيتها، وفي مُعرّسها. قال: والرخامى شجر ينبت في الرخو من الأرضين، له عروق كثيرة بيض
كثيرة الماء تحفر عنه الثيران فتأكلها.
ويَدمى أظلاّها على كُلّ حَرّة إذا استعرضتْ منها حزيزا تُناقلهْ
[ ٣ / ٧٨٦ ]
أي هي حاذقة بنفي الحجارة إذا مشت. قال: والحزيز من الأرض، الموضع ينقاد ويطول، كثير
الحصى. وقوله تُناقله، يعني تُحسن المشي، يريد أنها تُحسن نقل يديها ورجليها، يقول كيف تضع
يديها ورجليها لأنها مجربه، لذلك، لكثرة سيرها فيه، ومعرفتها به.
أنخنا فسبّحنا ونوّرت السرى بأعرافِ ورد اللونِ بُلق شواكلُهْ
قوله فسبحنا، يريد فصلينا الغداة، والسبحة الصلاة، ويقال السبحة النافلة، وقال الأصمعي: هي
التطوع والفريضة، قال أبو عبد الله: فسبحنا أي استرحنا. قال وينيخُ المعرّسون تلك الساعة، وفي
ذلك الوقت من السحر، وفيه يستريح المسافرون وظهرهم. وقوله بأعراف ورد اللون، يريد الصبح،
وذلك لحمرة الشفق، فلذلك سمّاه ورداء وشواكله يريد جوانبه.
وأنصبُ وجهي للسموم ودونهَا شَماطيطُ عَرضيّ تطيرُ رعابلهْ
قوله عرضي يريد بُرودًا من بُرود اليمن. ورعابله قطعه المتخرفة، وهي الشماطيط أيضًا. قال:
والمعنى في ذلك، أنه تعمم بذلك البرد فمزقته السموم وأيلته. يقول: هذا البرد الذي تعمم به هو خلق.
لنا إبلْ لمْ تستجِرْ غيرْ قومِها وغيرْ القَنا صُما تهُزُ عواملهْ
قال: إنما قال هذا، لأن الفرزدق استجار بكر بن وائل، من زياد بن أبي سفيان، حين هرب عند
إنهابه ماله، فكان يطلبه زياد فأجاروه، قال: وفي ذلك يقول الفرزدق:
[ ٣ / ٧٨٧ ]
لقدْ عَدَلتْ أينَ المسيرُ فلمْ تحِدْ لعورتها كالحيّ بكر بن وائلِ
رَعتْ مَنبِتَ الضمران مِنْ سَبَل المِعَى إلى صًلبِ أعيارٍ تُرن مساحلِهْ
قوله تُرن مساحله يقول تصيح حميره، قال: وسحيل الحمار صوته، والرنه الصوت العالي. وقوله
منبت الضمران، وهو مكان بعيد من محل الحي. قال وذاك أنّ الضمران يبعد نباته. ويروى من بلد
المعى. قال: والمعى أطراف الرمل حيث انقطع في الصلبة من الأرض، وصلبة جمع صُلب. يقول:
فإبلنا من عزّها ومنعتها ترعى حيث شاءت. قال: ومعي واحد الأمعاء.
سقتها الثُريا ديمَة واستقتْ بِها غُروبَ سِماكيّ تهلّلَ وابلُهْ
قوله سقتها الثريا، يقول: مُطروا بنوء الثريا وهو مكروه. كانوا في الجاهلية يقولون: مُطلانا بنوء
كذا وكذا، فلما أتى الإسلام نهوا عن ذلك. وقالوا هو الشرك، لأن الله تعالى هو الممطر، والديمة من
المطر مطر يدوم اليومين والثلاثة. وقوله واستقت غروب سماكي، يقول: وأعان الثريا أيضًا نوء
السّماك وهو نجم، وقوله تهلل، هو صوت من المطر الشديد، له وقع على الأرض يسمع صوته،
ومنه قولهم: قد أهلّ فلان بالحج، وقد أهل الصبي، إذا وقع من بطنِ أمه إذا صاح.
ترى لحبييهِ رَبابًا كأنهُ غوادي نَعامٍ ينفُضُ الزِفّ جافلهْ
تُراعي مطافيلَ المها ويروعُها ذُبابٌ لندى تغريدهُ وصواهلهْ
المها البقر، ومطافيلها ذوات الأولاد منها. وقوله ويروعها ذباب الندى، يقول: يُفزعها قليل الصوت
من فزعها وفرقها.
[ ٣ / ٧٨٨ ]
إذا حاولَ الناسُ الشؤونَ وحاذروا زلازلَ أمرٍ لم تَرُعها زَلازِلهْ
يُبيحُ لها عمرو وحنظلةُ الحِمى ويدفعُ رُكنُ الفِرزِ عنها وكاهلهْ
الفرز سعد بن زيد مناة. وقوله يبيح، يقول: يُخلّي لها باحة الدار. قال: والباحة الساحة. يقال باحة
وساحة وعرصة بمعنى واحد. وحنظلة ابن مالك بن زيد مناة. والركن ركن القوم وكهفهم. وعمرو بن
تميم.
بَني مالِكِ مَنْ كانَ للحيّ مَعقِلا إذا نظرَ المكروبُ أينَ معاقلِهْ
يريد الملجأ الذي يُتحصّن فيه.
بذي نجَبٍ ذُدنا وواكلَ مالكٌ أخا لم يكنْ عندَ الطعانِ يُواكلهْ
تفُشّ بنو جوخي الخزيرَ وخيلنا تُشظَي قلالَ الحَزنِ يوم تُناقِلهْ
قوله تفش الخزير، يريد تُخرج الجشاء. وخيلنا تُشطي قلال الحزن جمع قلة، وقلة الجبل أعلاه، أي
تُكسّر هذه الحجارة بحوافرها. قال: وقلال الحزن أعاليه، ويروى مما تُناقله.
أقمنا بما بين الشربةِ والمَلا تُغنيّ ابن ذي الجَدّينِ فينا سَلاسِلهْ
ويروى أقمنا وسرنا بالشربة. قوله ابن ذي الجدين، يعني بسطام بن قيس. يقول: هو فينا أسير في
القيود. قال أبو عبيدة: وإنما سُمي عبد الله بن همام ذا الجدين، أي هو ذو الحظين. قال: وهو جد
بسطام
[ ٣ / ٧٨٩ ]
بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله بن همام. قال خِراش: إنما سُمي ذا الجَديْن،
لأن قائلا قال لعبادي: إنه لذو جَدّ، أي بخت وحظ ونصيب من قسم. فقال لهم العبادي: إي والله وذو
جَدّيْن ويروى أقمنا على رأس الشرَبّة.
ونحنُ صَبَحنا الموتَ بِشرا ورهَطَه صرُاحًا وجاد ابني هُجيمةَ وابِلهْ
قوله بْشرا، يريد بِشر بن عبد عمرو بن بِشر بن عمرو بن مَرثد. قتله سُويد بن شهاب عم عُتيبة بن
الحارث بن شهاب، وابنا هجيمة قيس والهرماس ابنا عباس، قتلهما عُتيبة بن الحارث. وقوله وابله،
يريد وابل الموت، يقول أمطرهم الموت جَودًا.
ألا تسألونَ الناسَ مَنْ يُنهلُ القَنا ومَنْ يمنعُ الثّغرَ المخوفَ تلاتلهْ
قوله يُنهل القنا، يعني يوردها فيسقيها الدماء بالطعن، كما تُنهل الإبل إذا عطشت فتروى من الماء،
فضربه مثلا للدم. وقوله الثغر، هو الموضع الذي يخاف العدو من ناحيته، وتلاتله شدائده.
لنا كُلّ مشبوبٍ يُروى بِكفّه جناحا سِنان دَيْلَميّ وعاملهْ
المشبوب الذي إذا دعوته إلى شيء أجابك إليه، وهو المُرتاع والمُرتاح. قال أبو سعيد: هو الذكي
الملتهب، شبهه بنار تلتهب. وجناحا السنان طرفاه.
يُقلّصُ بالفضلين فَضل مفُاضَة وفضل نجاد لمْ تُقطعْ حمائلهْ
وعَمّي رئيسُ الدّهم يومَ قُراقرٍ فكانَ لنا مرباعهُ ونَوافلهْ
[ ٣ / ٧٩٠ ]