وأما حديث البراجم، فإن ضابئ بن الحارث بن أرطاة بن شهاب
[ ٢ / ٣٩٢ ]
بن شراحيل بن عبيد بن خاذل بن قيس بن حنظلة، وهو ابن الحذاقية،
وكان رجلًا يقتنص الوحش، واستعار من بني عبد الله بن هوذة
بن جرول بن نهشل بن دارم كلبًا لهما يقال له قُرحان، فكان يصيد به الظباء والبقر والضباع، فلما
بلغهم ذلك حسدوه، فركبوا يطلبون كلبهم، فقال لامرأته اخلطي لهم في قدرك من لحوم البقر والظباء
والضباع، فإن عافوا بعضًا وأكلوا بعضًا تركوا كلبك لك، وإن لم يعرفوا بعضه من بعض فلا كلب
لك، فلما أطعمهم أكلوه كله ولم يعرفوا بعضه من بعض، ثم أخذوا كلبهم. فقال ضابئ بن الحارث في
ذلك:
تجشَّمَ دوني وفْدُ قُرحانَ شُقَّةٍ تظلُّ بها الوجناءُ وهي حسيرُ
ويروى الأدماء.
فأردفتُهُم كلبًا فراحُوا كأنَّما حَبَاهم ببيْتِ المرزُبانِ أَمير
فيا راكبًا إمَّا عرضتَ فبلِّغنْ ثُمامةَ عنِّي والأمورُ تَدور
فإنَّكَ لا مُستضعفٌ عن عنائِهِ ولكنْ كريمُ المُستطاعِ فَخُور
فأُمَّكُمُ لا تُسلمُوها لِكلبكُم فإن عُقوقَ الوالِداتٍ كبير
وإنَّكَ كلبٌ قد ضريتَ بما تَرى سميعٌ بما فوق الفِراشِ بَصير
إذا عثَّنتْ من آخرِ الليلِ دُخنةً ببيتُ له فوق الفِراشِ هَرِير
[ ٢ / ٣٩٣ ]
العثان الدخان. فاستعدى عليه بنو عبد الله بن هوذة، عثمان بن عفان ﵁، فأرسل إليه،
فأقدمه، وأنشدوه الشعر الذي قال في أُمهم، فقال عثمان: ما أعلم في العرب رجلًا أفحش ولا ألأم منك،
وإني لأظن رسول الله ﷺ لو كان حيا لنُزل فيك قرآن. فقال ضابئ:
منْ يَكُ أَمسَى بالمدينةِ رَحْلُهُ فإني وقيَّارًا بها لغَريبُ
قيار بعيره وفرسه أو رفيقه.
وما عاجلاتُ الطيرِ يُدنينَ مِلْ فَتَى رَشَادًا ولا عَنْ ريثهنَّ يخيبُ
ويروى تدني من الفتى:
ورُبَّ أُمورٍ لا تضيرُكَ ضيرةً وللقلبِ من مخشاتِهنَّ وجِيبُ
ولا خيرَ فيمنْ لا يوطِّنُ نفسهُ على نائِباتِ الدَّهرِ حينَ تنُوبُ
وفي الشَّكِّ تفريطٌ وفي العَزْمِ قُوَّةٌ ويخطِئُ بالحدْسِ الفتى ويُصيبُ
ولستَ بمُستبقٍ صديقًا ولا أَخًا إذا لم تعدِّ الشَّيءَ وهو يَريبَ
ورواية إذا لم تعد بالصفح، ويروى بالفضل حين يريب. فقضى عثمان ﵁ لبني هوذة
على ضابئ، بجز شعره
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وخُمس إبله. وانحدروا من المدينة إلى لصاف، فحبسوه عند أُمهم الرباب
بنت قرط إحدى نساء بني جرول بن نهشل فقال ضابيء:
مَنْ مُبلغُ الفتيانِ عَنِّي رِسَالةً بأَنِّي أَسيرٌ رَبَّتي أُمُّ غَالِبِ
ويروى في يدي أم غالب، فقالت أمهم: والذي أنا أمة له ليطلقن، فأطلق وأخذ ضابئ بعد ذلك ثمامة
بن عبد الله بن هوذة بإثبيت فضربه وشجه، فاستعدوا عليه عثمان ﵁، فأرسل عثمان،
فشُخص به إلى المدينة، فسأل بني عبد الله البينة على ما ادَّعوا من ضرب ضابئ أخاهم، فلم تكن لهم
بينة، فحبس عثمان ضابئًا في السجن، فعرض ذات يوم أهل السجن، فخرج ضابئ وقد شد سكَّينًا
على ساقه يريد أن يفتك بعثمان ففطن له، وأُخِّر فضُرب بالسياط، وأُمر به فحُبس، فقال ضابئ في
حبسه، وفيما همَّ به من قتل عثمان ﵁:
من قافِلٌ أدَّى الإلهُ ركابهُ يُبلِّغُ عنِّي الشِّعرَ إذ ماتَ قائِلُهْ
فلا يَقبلَنْ بعدي امرُؤٌ ضيمَ خُطَّةٍ حِذارِ لِقاءِ الموتِ فالموتُ نَائِلُهُ
ولا تُتبعنِّي إن هلكتُ ملامةً فليس بعارٍ قتلُ منْ لا أُقاتلُه
فإني وإيَّاكم وشَوقًا إليكُمُ كَقابضِ ماءٍ لم تسقهُ أَناملُه
هممتُ ولم أفعلْ وكِدتُ وليتَني تُركتُ على عثمانَ تَبْكي حلائلُه
وقائلةٍ إنْ ماتَ في السِّجْنِ ضَابئٌ لنعمَ الفَتَى نخْلُو به ونُداخِلُهُ
وقائلةٍ لا يبعدنْ ذلك الفتى إذا احمرَّ منْ بردِ الشِّتاءِ أصائِلُهُ
وقائلةٍ لا يُبعدُ الله ضابئا إذا الكبشُ لم يوجد له من يُنازلُه
وقائلةٍ لا يبعدنْ ذلك الفتى إذا العزبُ التَّرعيُّ شَصَّ شوائِلُه
الترعي البصيرُ بالرعي، الشصوص التي لا لبن لها.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وقائلةٍ لا يُبْعِدُ الله ضابئًا إذا الخَصْمُ لم يُوجدْ له مَنْ يحاوِلُه
وبِئسَ ابنُ عمِّ المرءِ يومَ دعوتَهُ فِراسٌ تَنُوَّسُ عفلُهُ وبآدِلُه
العفل العجان، والبآدل لحم الصدر.
وقائلةٍ لا يُبْعِدُ الله ضابئًا إذا الرِّفدُ لم يملأ ولم يألُ حاملُه
وقائلةٍ لا يبعدنْ ذلك الفتى ولا تبعَدَنْ آسانُهُ وشمائِلُه
ويروى أخلاقه، آسانه طرائقه واحدها أسن، فلم يزل ضابئ محبوسًا حتى أصابته الدبيلة، فأنتن
ومات في سجن عثمان ﵁. رجع إلى شعر جرير:
قُتِلَ الزُّبيرُ وأنتَ عاقِدُ حُبوةٍ تبًَّا لحُبوتِكَ التَّي لَمْ تُحللِ
ويروى قبحًا لحبوتك، قال: ادعى جرير أن الزبير كان جارا للنعر بن زمام المجاشعي ولم يكن
أجاره.
وافاكَ غدرُكَ بالزُّبيرْ على مِنىً ومَجرُّ جعثنكُمْ بِذاتِ الحرمَلِ
يريد منى التي عند مكة، جعثن بنت غالب، وكان غالب جاور طلبة ابن قيس بن عاصم بالسيدان،
فكانت ظمياء بنت طلبة تحدث إلى جعثن، فاشتهى الفرزدق حديثها، وشُغلت أخته ليلة، فأخذ الفرزدق
الجلجل الذي كانت جعثن تصفق به لظمياء لتجيء وغفل نفسه لها ثم حرك الجلجل، فجاءت ظمياء
للعادة، فارتابت بالفرزدق، وهتفت وعادت إلى رحلها، فلما سُمع بأمرها، تجمع فتيان من مقاعس،
أحدهم عمران بن مرة، ومقاعس بن صريم، وربيع، وعبيد، بنو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد
بن زيد، فاستخرجوا جعثن من خبائها، ثم
[ ٢ / ٣٩٦ ]
سحبوها ليُسمعوا بها، فعيَّره بعد جرير، ولم يكن أكثر من ذلك،
وكل ما ادعى جرير غير هذا فهو باطل، ويقال إن جعثن كانت امرأة عفيفة مسلمة صالحة.
باتَ الفرزدقُ يستجيرُ لنفسهِ وعجانُ جعثنَ كالطَّريقِ المُعملِ
أينَ الَّذينَ عددتَ أنْ لا يُدرِكوا بمجرِّ جعثنَ يابْنَ ذاتِ الدُّمَّلِ
ويروى أن يتداركوا، يقول: بها حكة في فرجها فهي تحك يعني البظر.
أسلمتَ جعثِنَ إذْ يُجَرُّ برجلِها والمنقرَيُّ يدُوسُها بالمنِشلِ
المنقري عمران بن مرة، والمنشل ذكره، والمنشل حديدة يُنشل بها اللحم من القدر فشبه الذكر به.
تهوَى أسْتُها وتقولُ يالَ مُجاشِعٍ ومشقُّ نُقبيتِها كَعينِ الأقبلِ
الأقبل الذي انقلبت حدقتاه على أنفه، والأخزر الذي انقلبت حدقتاه إلى أذنيه، والأحول الذي ارتفعت
عيناه إلى حاجبيه.
لا تذكُروا حُلَلَ الملُوكِ فإِنَّكُمْ بعدَ الزُّبيرِ كحائضٍ لَمْ تغُسَلِ
أَبُنيَّ شِعْرَةَ لَنْ تَسُدَّ طَريقنا بالأعميين ولا قُفيرة فأزحَلِ
قال أبو عبيدة: يقال للرجل إذا احتقر وعيب ابن شعرة، ويروى بالأخشبين.
الأعميان قال: كان غالب أعور وأخوه أعمى، والأخشبان رزام وكعب
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وربيعة بنو مالك بن حنظلة وهم الخشبات.
ما كانَ يُنكَرُ في نَديِّ مُجاشِعٍ أَكْلُ الخزِيرِ ولا ارْتِضاعُ الفيشلِ
قال أبو عبيدة. عطش نحيح بن مجاشع في فلاة، ومعه ثعالة مولى له، إما حليف وإما عسيف، فاشتد
عطشهما، فلما أدركهما الموت أقبل نحيح فوضع فاه على جردان ثعالة فمصه فشرب بوله، فلم ينفعه
ومات، وفعل مثل ذلك ثعالة فلم ينفعه أيضًا فماتا ففي ذلك يقول جرير:
رَضِعتُم ثُمَّ سالَ على لحَاكُم ثُعالَةَ حيثُ لم تجدوا شَرَابًا
ولقَدْ تَبيَّنَ في وُجوه مُجاشع لُؤْمٌ يثورُ ضَبَابُهُ لا يَنجَلي
ولقدْ تركْتُ مُجاشِعًا وكأنَّهُمْ فقعٌ بِمَدْرَجَةَ الخَميسِ الجَحْفَل
فقع كمأة بيضاء كبار، يضرب بما المثل في الذل، يقال: أذل من فقع بقاع، لأنه يوطأ وتأكله الطير
وغيره. والخميس الجيش وجحفل كثير الجلبة.
إنِّي إلى جبليْ تَمِيمٍ معقلي ومحلُّ بَيْتي في اليَفاعِ الأطْوَلِ
معقلي ملجئي وحرزي.
أَحلامُنَا تَزنُ الجِبالُ رَزانةً ويَفوقُ جاهِلُنا فَعالَ الجُهَّلِ
فَأرْجِعْ إلى حكميْ قُرَيْشِ إنَّهُمْ أهْلُ النُّبُوةِ والكتابِ المُنزلِ
يعني هاشما وأُمية، ويروى الخلافة، ويقال حكما قريش عبد مناف وهاشم.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
فاسألْ إذا خرجِ الخِدامُ وأُحْمِشَتْ حربٌ تضَرَّمُ كالحَرِيق المُشْعَلِ
ويروى واسأل، والخدام الخلاخيل يعني في الغارة.
والخيلُ تنحطُ بالكُماة وقدْ رأوا لمعَ الرَّبيئة في النِّيافِ العيْطَلِ
تنحط تزفر، والنياف العيطل الطويلة المشرفة.
أبنُو طُهيَّةَ يعدلونَ فَوارسي وبَنَو خَضافِ وذاك ما لَمْ يُعدَلِ
وإذا غضِبْتُ رمى ورائِي بالحَصَى أبناءُ جندلَتِي كَخَيرِ الجندَلِ
جندلة بنت تيم الأدرم بن غالب بن فهر بن مالك، وهي أم يربوع ومازن.
عمرٌو وسعدٌ يا فرزدقُ فيهمُ زُهْرُ النُّجومِ وباذخاتُ الأجبلِ
عمرو يعني تميم بن مر، وسعد بن زيد مناة، كانا حليفين، زهر بيض كالنجوم، باذهات عاليات،
وجاء في الحديث "إنَّ يومَ الجمعةِ يومٌ أزهر وليلتها غراء"
كانَ الفرزدقُ إذْ يعوذُ بِخالهِ مثلَ الذليلِ يعوذُ تحتَ القرمَلِ
القرملُ شجر ضعيف لا شوك له، ومثل للعرب: ذليل عاذ بقرملة، وأيضًا في مثل: كقرملة الضب
الذي يتذلل، ويروى عبد صريخته أمه، ويروى أمة، ويروى حين عاذ بخاله.
وافخرِ بضبَّةَ إنَّ أُمكَ منهُمُ ليسَ ابنُ ضبَّةَ بالمُعمِّ المُخولِ
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وقضتْ لنَا مُضَرٌ عليكَ بِفَضلِنا وقَضتْ ربيعةُ بالقَضاء الفَيصلِ
إنَّ الذَّي سمكَ السَّماءَ بَنى لَنَا عِزًَّا عَلاكَ فَما لَهُ مِنْ مَنْقَلِ
أَبِلْغْ بَني وقبَانَ أَنَّ حُلومَهُمْ خَفَّتْ فَلا يزنُونَ حبةَ خردَل
وقبان نبز لبني مجاشع.
أزْرى بحِلْمكُمُ الفِياشُ فأنتُمُ مثْلُ الفَراشِ غَشِينَ نارَ المُصطَلي
لَوْ نِكْتَ أُمكَ بعدَ أكلِ خزيرِها لتعُدَّ مِثلَ فَوارِسي لَمْ تفعلِ
في مُزْبِدٍ غمقٍ كأنَّ مشقهُ خلُّ المجازةِ أوْ طريقُ العُنْصُلِ
غمق كثير الندى، له غور يريد الفرج، والخل طريق في الرمل
تَصفُ السُّيوفَ وغيرُكُمْ يعصَى بها يا بْنَ القُيونِ وذاكَ فِعْلُ الصَّيْقَلِ
يعصى بها أي يتخذها شبيهًا بالعصا.
وبرحاحانَ تخضخضتْ أصلاؤُكمْ وفزعتُمُ فزعَ البِطانِ العُزَّلِ
قال أبو الوثيق أحد بني سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة، لما التحفت بنو دارم على
الحارث بن ظالم قاتل خالد بن جعفر ابن كلاب، وأبوا أن يسلموه أو يخرجوه من عندهم،، غزاهم
ربيعة الأحوص بن جعفر بن كلاب بأفناء عامر، طالبًا بدم أخيه خالد بن
[ ٢ / ٤٠٠ ]
جعفر، عند الحارث بن ظالم، فالتقوا برحرحان، وفيهم يومئذ الحارث بن ظالم، فقاتل في القوم، فلم يُذكر منه بلاء يومئذ،
فتفرقت بنو دارم، وهرب معبد بن زراررة، فقال رجل من غني لعامر والطفيل ابني مالك بن جعفر
بن كلاب: هذا رجل معلم بسب أحمر - وأصل السب الخمار وهو العمامة هاهنا - يستدمي - أي به
جرح - يُطاطئ رأسه فدمه يسيل، رأيته يسند في الهضبة. وكان معبد طُعن طعنة في كدرة الخيل -
أي دُفعتها - فصرع، فلما أجلت عنه الخيل سند في هضبة من رحرحان - ورحرحان جبل. فقال
عامر والطفيل للغنوي: اسند فاحدره فسند الغنوي فحدره عليهما. فإذا معبد بن زرارة، فأثابا الغنوي
عشرين بكرة ثوابا له من معبد، فكان أسيرهما. وأما درواس بن هني - ويقال هيي بياءين وكسر
الهاء - أحد بني زُرارة، فزعم أن معبدًا كان برحرحان معتنزا - ومعناه متنحيا عن قومه - في
عُشراوات له، فأخبر الأحوص بمكانه، فاغتره فوقد لقيط بن زرارة عليهم في فداء أخيه، فقال: لكم
عندي مائتا بعير فقالوا: إنك يا أبا نهشل سيد الناس، وأخوك معبد سيد مُضر، فلا نقبل منك فداءه
إلادية ملك، فأبى أن يزيدهم، وقال: إن أبانا كان أوصانا أن لا نزيد لأسير منا على مائتي بعير فيحب
الناس أخذنا، فقال معبد: والله لقد كنت أبغض اخوتي إلي وفادة عليَّ، لا تدعني ويلك يا لقيط فو الله
إن غُيِّب نعمي من المنمح والفقر لأكثر من ألف بعير، فافدني بألف بعير من مالي، فقال لقيط: ما أنا
بمنط عنك شيئًا يكون على أهل بيتك سُنة سُبكًا - أي لازمة - ويدرب له الناس بنا يُدرب يعتاد،
فقال معبدُ ويلك يا لقيط لا تدعني فلا تراني بعد اليوم أبدًا،
[ ٢ / ٤٠١ ]
فأبى لقيط ومنى معبدًا أن يستنقذه ويغزوهم.
وأما أبو ثعلبة العدوي - ويقال أبو نعامة العدوي - فقال: قال معبد لأخيه لقيط: لا تردني
إلى مكاني الذي كنت فيه، فو الله لئن رددتني لأموتن. فقال له لقيط: صبرًا أبا القعقاع، إن أبانا كان
أوصانا أن لا نزيد بفداء أحد منا على فداء أحد من قومنا. وأما درواس فقال: قال لقيط وأين وصاة
أبينا ألا تؤكلوا العرب أنفسكم، ولا تزيدوا بفدائكم على فداء رجل من قومكم، فيدرب بكم ذؤبان
العرب؟ أنفسكم، ورحل لقيط عن القوم، فسقوا معبدًا الماء وضاروه حتى هلك هزلا. وأما أبو الوثيق
فقال: لما أبى ولقيط أن يفادي معبدًا بألف بعير، ورجع عنهم، ظنوا أنه سيغزوهم، فقالوا: ضعوا
معبدًا في حصن هوزان، فحملوه حتى وضعوه بالطائف، قال: فجعلوا إذا سقوه قراه لم يشرب، وضم
بين فقميه، وقال: أأقبل قراكم وأنا في القد أسيركم؟ فلما رأوا ذلك عمدوا إلى شظاظ، فأولجوه في فيه
فشحوا به فاه، ثم أوجروه اللبن رغبة في فدائه، وكراهية أن يهلك، فلم يزل حتى هلك في القد.
فلما هجا عديا لقيط وتيما، قال عوف بن عطية التيمي يعيره أسر بني عامر معبدًا وفراره عنه:
هلاَّ فوارِسَ رحرحانَ هجوْتُّمُ عُشرًا تَناوَحُ في سرارَةِ وادِ
لا تأكُلُ الإبلُ الفراثُ نباتهُ ما إنْ يقومُ عمادُهُ بعمادِ
أي هو أضعف العماد. ويروى أولا يقوم، ويروى إذ لا يقوم.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
هلاَّ كرَرْتَ على ابنِ أُمِّكَ معبَدٍ والعامريُّ يقوده بِصِفادِ
وذكرتَ من لبَنِ المُحلقِ شربةً والخيلُ تعدو بالصَّعيدِ بِدَادِ
ويروى وشربت، والمحلق سمة إبل زرارة، قال أبو عبيدة: وبقية هذه القصيدة مصنوعة. قوله هلا
كررت على ابن أمك وليس أمهما واحدة، ولكن لهما أُمهات تجمعهما فوق ذلك، والمحلق سمة إبل بني
زرارة.
وقال لبيد بن ربيعة يذكر يوم رحرحان في كلمة له:
منها خُوَيٌّ والذُّهابُ وقبلهُ يومٌ بُبرقةِ رحرحان كريمُ
الذهاب غائط من أرض بني الحارث بن كعب أغار عليهم فيه عامر بن الطفيل، وعلى أحلافهم من
أهل اليمن. غائط مهبط من الأرض، ومنه سُمي الغائط.
بكتائبٍ رُجُحٍ تعوَّد كبشُها نطحَ الكباشِ كأَنَّهُنُ مُجُومُ
ويروى روح:
نَمضي بها حتى نُصيبَ عدوَّنا ويُرَدُّ منها غانمٌ وكليمُ
وقال أبو الوثيق: قال عامر بن الطفيل يذكر ميتة معبد - قال أبو عبيدة:
[ ٢ / ٤٠٣ ]
فقلت له: أو أدرك عامر يومئذ؟ فقال: لا، إنما ركضت به أمه يوم جبلة ولكنه فخر بعد ذلك فقال:
قضينَا الجونَ عن عبسٍ وكانت منيَّةُ معبدٍ فينا هُزالا
وقال جرير لما هاجى الفرزدق ينعى بني دارم يوم رحرحان:
وليلةَ وادي رحرحانَ رفعتُمُ فِرارًا ولم تلوُوا زفيفَ النَّعائِمِ
تركتُم أبَا القعقاعِ في الغُلِّ معبدًا وأيَّ أخٍ لم تُسْلِمُوا للأداهمِ!
وقال جرير أيضا:
ومعبدكُمْ دَعَا عُدُسَ بنَ زيدٍ فأُسلِمَ للكُبُولِ وللهُزَالِ
قال: فلما انقضت وقعة رحرحان، جمع لقيط بن زرارة لبني عامر وألب عليهم. وبين يوم رحرحان
ويوم جبلة سنة كاملة، وكان يوم جبلة، قبل الإسلام بخمس وأربعين سنة في قول المكثر، وذلك عام
ولد النبي ﷺ، وفي قول المقلل أربعين سنة.
خُصِيَ الفرزدقُ والخِصاءُ مذلَّةٌ يرجو مُخاطَرَةَ القُرومِ البُزَّلِ
هاب الخَواتنُ منْ بَناتِ مُجاشعٍ مثلَ المحاجنِ أوْ قُرونَ الأيلِ
وكأنَّ تحتَ ثِيابِ خُورِ نسائِهمْ بطَّا يُصوتُ في صَراةِ الجدولِ
الخور المناتين، وكل ماء مجتمع صراة.
قعدتْ قفيرةُ بالفرزدقِ بعدَما جهدَ الفرزدقُ جهدهُ لا يأتلي
ألهى أباكَ عن المكارِمِ والعُلا ليُّ الكتائفِ وارتفاعُ المرجَلِ
[ ٢ / ٤٠٤ ]
الكتائف الضبات الواحدة كتيفة، والمرجل القدر، وكل قدر عند العرب مرجل.
ولدتْ قُفيرةُ قدْ علمتُم خبثةً بعدَ المشيبِ وبظرُها كالمنجلِ
بزرُودَ أرقصتِ القعودُ فِراشها رعثاتِ عُنبلُها الغدفْلِ الأرعَلِ
الغدفل المسترخي، والأرعل مثله، ويروى الأرغل، والأغرل.
أشْركتِ إذْ حُمِلَ الفرزدقُ خبثةً حوضَ الحمارِ بليلةٍ منْ نبتلِ
ويروى أشركت إذ حملت لأمك خبثة. قوله أشركت يخاطب أم الفرزدق فيقول: أشركت في حمل
الفرزدق. وحوض الحمار يعني غالبًا أبا الفرزدق. بليلة من نبتل فجئت به منهما جميعًا مشتركين
فيه.
أبلغُ هديتيَ الفرزدقَ إنَّهُ ثِقلٌ يُزادُ على حسيرٍ مُثقلِ
إنَّا نُقيمُ صَغا الرُؤُوس ونختلي رأسَ المُتوجِ بالحُسامِ المقصلِ
وقال الفرزدق:
أقُولُ لصاحبيَّ من التَّعزي وقَدْ نكَّبنَ أكثبةَ العقارِ
نكبن عدلن وتركنها ناحية، أكثبة جمع كثيب، والعقار أرض لباهلة، ويقال اسم رمل، ويقال أرض
لبني عامر، ويقال لها عقار الملح، وهو بين اليمامة وعقيق بني كعب.
أعيناني عَلى زَفراتِ قَلْبٍ يحِنُّ برامتينِ إلى النَّوارِ
إذا ذُكرتْ نَوارُ لهُ استهلتْ مدامعُ مُسبلِ العبراتِ جارِ
[ ٢ / ٤٠٥ ]
استهلت قطرت قطرًا له صوت من شدة وقعه، ومنه قولهم: إذا استهل الصبي ورث، يقول: إذا سقط
من بطن أمه حيًا فصاح وُرث وإلا لم يُورث.
فَلَمْ أر مثْلَ ما قطعتْ إلينا منَ الظُّلمِ الحَنادِسِ والصَّحارِي
الحنادس ليال شديدة الظلمة، يقال: ليلة حندس وليال حنادس.
تخوضُ فرُوجهُ حتَّى أتينا عَلَى بُعدِ المُناخِ مِنَ المَزارِ
فروجه طرقه، يريد طرق ما قطعت إلينا، والهاء لما قطعت الينا.
وكيفَ وِصالُ مُنقطعٍ طَرِيدٍ يغورُ معَ النُّجُومِ إلى المغارِ
قوله يغور مع النجوم أي وجهته إلى الشام ناحية المغرب.
كسعْتُ ابنَ المراغة حينَ ولَّى إلى شرِّ القبائِل والدِّيارِ
الكسع أن يضرب الرجل مؤخر الرجل بصدر قدمه محقرة له.
إلى أَهلِ المضايقِ مِنْ كُليبٍ كِلابٍ تحتَ أخبيةٍ صِغارِ
ألا قبَحَ الإلهُ بَنِي كُليبٍ ذَوي الحُمُراتِ والعمدِ القصارِ
نساءٌ بالمضايقِ ما يُوارِي مخازيهُنَّ مُنتقبُ الخِمارِ
[ ٢ / ٤٠٦ ]
أي أن المرأة يواريها خمارها، وهؤلاء لا يواريهن الخمار لفجورهن هذا قول أبي سعيد، وقال
غيره: يعني أنهن يبرقن للرجال، وقال بعضهم يعني أنهن مقاريف فإذا انتقبن بدا سواد محاجرهن.
وما أبكارهُنَّ بثيِّباتٍ ولدنَ من البُعولِ ولا عذاري
يقول: لم يلدن من الأزواج، ولكن من غيرهم، ولسن بعذارى، يقول: ولدن من الطريق.
ولوْ تُرمى بلُؤْمِ بني كٌليبٍ نُجومُ اللَّيلِ ما وضحتْ لِساري
ولوْ لَبسَ النَّهارَ بنُو كُليبٍ لدنَّس لُؤْمُهُم وضحَ النَّهارِ
ومَا يغدُو عزيزُ بنَي كُليبٍ ليطلُبَ حاجَةً إلاَّ بِجارِ
بنوُ السِّيدِ الأشائِمُ للأعادِي نَموْني للعُلى وبنُو ضِرارِ
السيد بن مالك بن عمرو بن بكر من بني ضبة، وضرار هو رديم بن مالك بن زيد بن كعب بن
بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة.
وعائِدَةُ الَّتي كانَتْ تميمٌ يُقدُمها لمحميةِ الذِّمارِ
وأصحابُ الشَّقيقةِ يومَ لاقَوْا بَني شيبانَ بالأسلِ الحِرارِ
أصحاب الشقيقة بنو ثعلبة بن سعد بن ضبة، يعني قتل عاصم بن خليفة الضبي بسطام بن قيس
الشيباني، والأسل الرماح. وقوله الحرار هي العطاش، يقول: هي عطاش لم ترو من الدم بعدُ.
[ ٢ / ٤٠٧ ]