قال سعدان، قال أبو عبيدة، قال مسمع: كان عرادة النميري نديمًا للفرزدق، فقدم الراعي البصرة،
فاتخذ عرادة طعاما وشرابا، ودعا الراعي. قال: فلما أخذت الكأس منهما، قال عرادة: يا أبا جندل، قل
شعرا تفضل به الفرزدق على جرير، فلم يزل يزين له حتى قال:
يا صاحبيَّ دنا الأصيل فسيرا غلبَ الفرزدقُ في الهجاء جريرا
فغدا به عرادة على الفرزدق، وأنشده إياه. قال: وكان عبيد الراعي شاعر مضر، وذا سفه، فتحسب
جرير أنه مغلب للفرزدق عليه، فلقيه يوم جمعة، بعدما انصرف الناس، فقال: يا أبا جندل، إني أتيتك
لخبر أتاني، إني وابن عمي هذا نستب صباح مساء، وما عليك غلبة المغلوب ولا لك غلبة الغالب،
فإما أن تدعني أنا وصاحبي، وإما أن تكون وجه منك إلى أن تغلبني عليه. فإني وإن كنت ولابد
داخلًا بين كلبين من حنظلة أولى منك بتلك، لانقطاعي إلى قيس، وذبي عنهم، وحطبي في حبلهم،
فقال له الراعي: صدقت، نعم لا أبعدك من خير، ميعادك المربد غدا. قال فصبحه جرير، فبينما هما
يستنبث كل واحد منهما مقالة صاحبه، رآهما جندل بن عبيد الراعي، قال: فأقبل يركض على فرس
له، حتى ضرب وجه البغلة التي تحت أبيه الراعي، وقال: مالك يراك الناس واقفا على كلب من
كليب فصرفه. قال أيوب بن كسيب، قال جرير: فحميت، فقلت: أما والله يا ابن بروع، لتأتين بني
نمير بأعباء ثقال، إن أهلي ساقوا بي وبراحلتي، حتى وضعوا بقارعة الطريق بالمربد، والله ما
أكسبهم دنيا ولا أخرى، إلا لأسب من سبهم
[ ٢ / ٥٩٤ ]
من الناس، وإن عبيدا بعثه أهله على رواحلهم من اكتاف
خلص وهبود، يلتمس عليها الميرة والخير، وايم الله لأوقرن رواحله مما ساء نسوة بني نمير. قال
فأتى جرير رحله في دار بني مصاد، في موضع دار جعفر بن سليمان، وهو في غرفة، فجعل لا يهدأ
قلقًا مما يجد في نفسه. قال: فصعد إليه بعضهم، فقال له: ما عراك يا أبا حرزة؟ قال: لا شيء، حتى
فعل ذلك عامة ليله. قال: ويصعدون إليه فيسألونه ما شأنك، فلا يخبرهم بشيء، حتى افتتح له هجاؤه
كما أراد، فقال: إني كنت أحاول هجاء العبد حتى أطلعت طلع هجائه. واستتب لي من ذلك ما أردت
منه. قال: وأدخل طرف ثوبه بين رجليه ثم هدر كما يهدر البعير، وقال: أخزيت ابن بروع، حتى إذا
أصبح غدا فرأى الراعي وابنه في سوق الإبل فقال:
أجندلُ ما تقول بنو نميرٍ إذا ما الأيرُ في است أبيك غابا
فقال الراعي لما سمع ذلك: شرًا والله تقول.
علوتُ عليك ذروةَ خندفيٍّ ترى من دونها رتبا صعابا
لنا حوضُ النبيِّ وساقياه ومن وَرَث النبوةَ والكتابا
إذا غضبت عليك بنو تميمٍ حسبتَ الناسَ كلَّهم غضابا
فغضَّ الطرفَ إنك من نُميرٍ فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا
أتجعلُ دِمنةً خَبُثتْ وقلَّت إلى فرعين قد كثرا وطابا
فقال الراعي وهو يريد نقضها:
أتاني أنَّ جحشَ بني كليب تعرَّض حول دجلَة ثم هابا
[ ٢ / ٥٩٥ ]
ويروى: أتانا الجحش جحش. ويروى حوم وهو أصح.
فأولَى أن يظلَّ العبدُ يطفو بحيثُ ينازع الماءُ السحابا
أتاك البحرُ يضربُ جانبيه أغرَّ تَرى لجزيتهِ حُبابا
قال أبو عبد الله: فكف الراعي ورأى أن لا يجيبه، قال: فأجاب عنه الفرزدق على روي قوله:
أنا ابنُ العاصمين بني تميم إذا ما أعظم الحدثان نابا
قال: ثم قال الراعي فلم يهجه ولم ينزع - قال: وبعض قومه يقول إن جندلا قالها:
إني أتاني كلامٌ ما غضبت له وقد أراد به من قال إغضابي
جنادب لاحق بالرأسِ منكبه كأنه كودَنٌ يوشي بكلاب
قولُ امرئٍ غرَّ قومًا من نفوسهم كخرز مكرهةٍ في غير أطناب
قوله يوشي، يستخرج ما عنده. فغلبهما جرير. قال أبو عثمان، وأخبرنا الأصمعي، قال: مرَّ الراعي
برجل يتغنى بشعر جرير، فتسمع له، وإذا هو يقول:
وعاوٍ عوَى من غيرِ شيء رميتهُ بقافيةٍ أنفاذُها تقطُرُ الدما
خرُوجٍ بأفواه الرواةِ كأنها قرى هندواني إذا هُزَّ صمَّمَا
قال: فقال الراعي ما لجرير لعنة الله. ثم قال الراعي: علام يلومني الناس أن غلبني هذا. قال أبو
عثمان، حدثني أبو عطارد، عن حسين
[ ٢ / ٥٩٦ ]
راوية جرير، قال: لقي جرير الراعي، فأخذ بيده، واعتذر اليه
الراعي، فرآهما جندل بن الراعي، فأقبل فنتر يد أبيه من يد جرير، فقال جرير: وكانت فيه غنة، أما
والله لأثقلن رواحلك، ثم أقبل جرير إلى منزله، فقال للحسين روايته: زد في دهن سراجلك الليلة،
واعدد ألواحا ودواة. قال: ثم أقبل على هجاء بني نمير. قال: فلم يزل حتى ورد عليه قوله:
فغضَّ الطرفَ إنكَ من نميرٍ فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
فقال جرير للحسين روايته: حسبك أطفئ سراجك ونم، فقد فرغت منه - يعني قتلته - قال: ثم إن
جريرا أتم هذه القصيدة بعد. قال: وكان جرير يسميها الدماغة، ويسميها الدهقانة. قال: وكان يسمي
هذه القافية المنصورة. قال: وذلك لأنه قال قصائد على قافيتها، كلهن أجاد فيها. قال سعدان: وأما
عمارة بن عقيل، فانه قال: قال جرير لراعي الإبل، وهو يزجره، أن يقع بينه وبين الفرزدق، وبلغه
عنه قول قال: فقال جرير: يا أبا جندل، إني قد كنت بهذا المصر سبع سنين، لا أكسب أهلي دنيا ولا
آخرة، إلا أن أسب من سبهم، فلا يقع بيني وبين هذا الرجل منك ما أكره، وأنت شيخ مضر
وشاعرهم، وقولك مسموع فمهلا. فقال: معاذ الله، لا أفعل ما تكره. قال: وجرير قائم لازم بعنان بغلة
الراعي، وقد قال له الراعي ميعادك وميعاد قومك غدا مجلسكم في المسجد الجامع، فأعتذر إليكم مما
بلغكم، وأرجع عما ساءكم. قال جرير: وقد بلغني أنك ترفع الفرزدق وقومه، حتى لو تقدر أن تجعلهم
في السماء لفعلت، وتقع في بني يربوع حتى تصير إليَّ في رحلي. قال وابنه جندل وراءه يسمع
ذلك، وهو على فرس له، فقال لرجل من هذا الذي أبي واقف عليه، قال له: ذلك جرير بن الخطفى.
قال: فأقبل يشتد به فرسه حتى يهوى بالسوط لمؤخر بغلة أبيه. قال: فزحمتني والله
[ ٢ / ٥٩٧ ]
زحمة وقعت منها على كفي في الأرض. قال: وندرت قلنسوتي. قال: وسمعته يقول: إنك لواقف على كلب من كليب
تعتذر إليه. قال: فمضيت وأنا أوعده في نفسي وأقول ما فيه دركي، مما أنال فيه شفاء غليظي. قال:
فما مررت على مجلس إلا قلت: جاء ابن بروع برواحله من أهله بخلص وهبود يكسبهم عليهم، أما
والله لأوقرن رواحله مما يثقلها خزيا ينقلب به إلى أهله. قال: فلما انتهيت إلى أهلي، فدخلت منزلي،
واجتمعت إلى مشيخة قومي، فذكروا ما كان مني ومنهم تلك العشية، فقالوا: غلام سفيه فلا تكافئه
بإساءته ولا تعجل بمكافأته، فإن الشيخ يلقانا بالبشر والطلاقة. قال: فلما انصرفنا من الجمعة، اجتمعنا
في حلقتنا ومجلسنا في المسجد، فلم نحسه حتى صلينا العصر، وأردنا الانصراف، فوقف علينا رجل
من بني أسيد قد علم الأمر، قال: فمع منا. فقال هاهو ذا جالسا في حلقة بني نمير ناحية المسجد، فقلنا
للأسيدي: اذهب فتعرض له، واذكر مجلسنا، لعله نسي الذي قال لنا بالأمس، فأتاه، فقال: يا أبا جندل،
هذه بنو يربوع تنضح جباههم العرق، ينتظرون ميعادك مذ اليوم. قال فوثب ليأتينا، فأدركته حلقة
بني نمير، فأخذوا بأسافل ثوبه، وقالوا: أجلس، فو الله لأن ينضح قبرك غدوة في الجبانة، أحب الينا
من أن يراك الناس تعتذر إلى هذه الكلاب - قال: وذلك بحدثان قتل وكيع قتيبة بن مسلم فباهلة
ونمير غضاب على بني يربوع، قال: فأتى الرجل فاخبرنا، فانصرفنا. قال وارتكبه جرير فهجاه، قال
جرير: فقلت من قصيدتي ليلتي ثمانين بيتا، فلما أتيت في آخر الليل على قولي:
فغضَّ الطرفَ إنك من نميرٍ فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابًا
علمت أني قد نلت منه حاجتي، وبلغت غايتي فيه. قال: وزعم
[ ٢ / ٥٩٨ ]
الكلبي أن جريرا بلغه قول عرادة النميري حيث يقول:
رأيت الجحشَ جحشَ بني كليب تيمم حول دجلةَ ثم هابا
قال: ثم أتممت القصيدة، ثم غدوت بها وهو قاعد بفنائه في المربد، فأنشدته إياها، فلما أتيت على
قولي: فغض الطرف. قال: أخزيتهم أخزاك الله آخر الدهر. قال: فلما أتيت على قولي:
أجندل ما تقول بنو نمير إذا ما الأيرُ في است أبيك غابا
قال: تقولون شرا. أرسل يا غلام فبئس، والله، ما كسبنا قومنا.
فقال جرير:
أقلِّي اللَّومَ عاذِلَ والعِتابا وقُولي إنْ أصبتُ لقدْ أَصابا
أجدَّكَ ما تذكُّرُ أهلَ نَجْد وحيًّا طالَ ما انتظرُوا الأيابا
ويروى: ما يذكر عهد نجد.
بلى فارفض دمْعُكَ غيْرَ نزْر كَما عيَّنتَ بالسِّرب الطِّبابا
قال: التعيين في موضعين حين يفرغ من خرز الوعاء، يقولون، يومئذ، عيِّن وعاءك فيصب فيه
الماء، فينظر من أين يسيل ومن أين عيبه فيسد. قال: والطباب الجلدة تضرب على أسفل المزادة.
قال والسرب السيلان. قال: وقال بعضهم التعيين الرقة والفساد في الجلد. والطباب أيضا الشرائك،
ويجمع بين أديمي المزادة.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
وهاجَ البرْقُ ليلةَ أضرِعاتِ هَوىً ما تستطِيعُ لَهُ طِلابا
فقُلْتُ بحاجة وطَويتُ أُخرَى فهَاجَ علىَّ بينهُما اكِتئابا
ووجْدٍ قَدْ طويتُ يكادُ مِنْهُ ضَميرُ القلبِ يلتهِبُ التِهابا
سألناها الشِّفاءَ فَما شَفتْنا ومنَّتنا المواعِدَ والخِلابا
ويروى: التودد. وقوله الخلاب، الكذب من مواعيدهن وقول الباطل.
بشتَّانَ المُجاوِرُ ديرَ أروَى ومنْ سكَنَ السَّليلَةَ والجِنابا
أسيلةُ معقِدِ السَّمطَين مِنْها وريَّا حيثُ تعتقِدُ الحِقابا
ولا تمشُيِ اللِّئامُ لَها بِسرٍّ ولا تُهدِي لجارَتها السِّبايا
أباحَتْ أمُّ حزرةَ مِنْ فُؤادِي شِعابَ الحُبِّ إنَّ لَهُ شِعابا
مَتى أُذْكَرْ بِخُورِ بَني عِقالٍ تبيَّنُ في وُجوهِهِم اكتئابا
ويروى تبين. ويروى متى أقصد لخور بني عقال.
إذا لاقَى بنُو وقبانَ غمًّا شَددتُ على أُنوفِهِمِ العِصابا
قوله العصابا، يعني عصاب الغمامة التي تشد على أنف الناقة، وذلك إذا أرادوا أن يعطفوها على
غير ولدها، كيلا تشمه، وإنما تعرف ولدها بالشم.
أبَى لِي ما مَضَى لِي فِي تَميمٍ وفِي فرعيْ خُزيمةَ أَنْ أُعابا
ويروى وفي حبي خزيمة. وحيا خزيمة يريد كنانة وأسدا.
ستعلمُ مَنْ يصيرُ أبُوهُ قينًا ومَنْ عُرِفتُ قصائدُهُ اجتِلابا
أثعلبَةَ الفوارِسَ أوْ رِياحا عدلتَ بِهمْ طُهَّيةَ والخِشابا
قوله طهية يعني طهية بنت عبشمس بن سعد ولدت لمالك بن حنظلة
[ ٢ / ٦٠٠ ]
أبا سود. قال: والخشاب ربيعة ورزام إخوتهم، بنو مالك بن حنظلة من غير طهية.
كأنَّ بَنِي طُهَيَّةَ رهطَ سَلمَى حِجَارَةُ خارئٍ يرْمِي كِلابا
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة والأصمعي: كان أبو البلاد الطهوي الشاعر، خطب سلمى بنت عم
أبي البلاد لحا، فقال أبوها: أنت سبريت - وإن شئت سبروت قال وهو الذي لا يملك شيئًا - قال،
فقال له أبو البلاد: فإني أؤاجرك نفسي حتى تجتمع لي عمالة أقوى بها. قال: فأجابه إلى ما سأله.
قال: ثم إنه رعى عليه زمانا، حتى إذا ظن أن قد قدر على صدقتها، ورد الماء لخمس، وقد أنكحها
أبوها رجلا سواه. قال: ثم إن أبا البلاد تجهز إلى الكوفة ليمتعها، وقد بقي له من زاده آراب في
مكتل، وقد شد في عمود البيت. قال والآراب كل عظم يكسر، فهو إرب. وهو من قول العرب قطعته
إربا إربا، يعني عضوا عضوا. قال وقد شد الزبيل في عمود البيت، فتلقته أمة لبعض أهل الماء في
حاجة لها. فقالت: يا أبا البلاد، قد أجيلت جوائل سلمى، فهات محورتك - قال وإنما أرادت قول أبي
البلاد حيث يقول:
سيعلمُ أكياسُ الرجالِ محورتي إذا الأمر من سلمى أجيلت، مجاوله
قوله أجيلت مجاوله يعني قضى الأمر الذي يريدون، يعني قضي أمر سلمى، فزوجت وأنت لا تدري
- قال، فقال للأمة: ويحك، ما تقولين؟ قالت: أنت وذاك فسل تخبر.
قال: فقصد إلى بيت سلمى. قال، فقالت سلمى: فرأيت وجهه مصفرًا، وظننت أنه من الجوع
والضر. قالت: فقمت إلى المكتل ثم دفعته
[ ٢ / ٦٠١ ]
إلى فناء البيت قبله، ثم قمت إلى ستارتي فجعل يعبث
باللحم، وذاك برأي عيني. قالت: فملأني خوفًا ورعبًا، وخفته على نفسي، وعلمت أنه لا جوع به،
وأن الذي في نفسه، ما ظننت أنه قد بلغه من تزويجي. قالت: فخرجت موائلة أبادر كسر البيت،
لأنجو منه بنفسي - قال وكسر البيت أثناء مواخيره الواقعة على الأرض - قالت ويقفوني بالسيف،
فأهوى لعرقوبي، فضربهما. قال: فبقيت سلمى سائرة يومها، ثم ماتت. قال وهرب أبو البلاد هائما
في البلاد.
وقال بعضهم: ضرب حبل عاتقها، ثم قال أبو البلاد في نفسه، بعدما أمعن في البلاد هربا من أي
شيء: أهرب فو الله ما أدري أحية هي أم ميتة. ثم إنه رجع ليعلم علمها. قال: فإذا أهلها يوقدون
عندها، ويقلبونها على النار، وهو ينظر إليهم من حيث لا يعلمون به، قال: فماتت، فقال بعد موتها:
يا موقدَ النارِ أوقِدها بعرفجةٍ لمن تُبيِّنها من مدلج سارِ
قال: وإنما اختار العرفج، وذلك لأن نار العرفج أسرع التهابا من غيره، وناره أوسع وأكثر ضوءا.
تبدي لك النار سلمى كلما وقدت للهِ دَرُّكِ ما تُبدين من نارِ
قال: ثم إن أبا البلاد انطلق حتى أتى نافع بن قتب، سيد بني طهية، فنادى ابنه عصاما، فقال له: من
ذا؟ قال: أنا أبو البلاد. فقال له: ما تشاء؟ قال، وذلك تحت الليل. ثم قال له: آذن أباك بي، فأتاه
فأخبره. فقال: ما جاء به في هذه الساعة خير، وإني لأخاف شره. قال: فخرج إليه، فقال له: ما شأنك
يا أبا البلاد؟ فقال له: قتلت فلانا، وسمى له
[ ٢ / ٦٠٢ ]
رجلا، وحاد عن ذكرها. وقال له: مر لي بزاد وراحلة
وسقاء. قال: فأعطاه راحلة ونصف جلة وسقاء. قال: ثم هرب فبلغ الخافقين - الخافقان المشرق
والمغرب - قال: ثم أنه ندم على قتل سلمى، فقال يعذل نفسه ويوبخها ويلومها على قتل سلمى:
غدرَت أبا البلادِ بقتلِ سلمى وكنت أبا البلادِ فتى غدورًا
قال: ولقي أبا البلاد الغول فقتلها. وقال في هربه ذلك:
لهانَ على جهينة ما ألاقي من الروعات عند رحى بطانِ
لقيتُ الغولَ تسري في ظلام بسهب كالعباية صحصحان
فقلتُ لها: كلانا نقض أرض أخو سفر فصدّي عن مكاني
فصدَّت وانتحيتُ لها بعضبٍ حسامٍ غيرِ مؤتشب يمان
فقدت سلاتها والبركَ منها فخرّت لليدين وللجران
فقالت زد، فقلت لها وإني على أمثالها ثبتُ الجنان
ويروي: فقلت رويد.
شددت عقالها وحللتُ عنها لأنظرَ غدوةً ماذا أتاني
إذا عينان في وجهٍ قبيح كوجه الهر مسترق اللسان
ورِجلا مخدج وسراةُ كلب وثوبٌ من فِراءٍ أو شنان
قال: ثم إنه رجع بعدما مل الحياة، وقد حمل ديتها رجل من بني طهية، وأداها عن أبي البلاد. قال،
وقال غيره: سلمى امرأة من بني طهية، قتلها أبو شداد القشيري. قال: وذلك أنها كانت قد هجته فعير
[ ٢ / ٦٠٣ ]
جرير بني طهية قتلها.
رجع إلى شعر جرير:
رأينَ سوادهُ فدنَوْنَ مِنْهُ فيرميهنَّ أخطأَ أوْ أَصابَا
فلاَ وأَبيكَ ما لاقيتُ حيًا كيربُوعٍ إذا رفعُوا العُقابا
قال: العقاب، هاهنا، الراية التي تحمل في القتال، والناس يقاتلون معها وحولها، ما دامت قائمة، فإذا
سقطت انهزم أهلها. قال: والراية لا تهمز.
ومَا وجدَ المُلُوكُ أعزَّ مِنَّا وأسرَعِ مِنْ فَوارِسنا اسْتِلابا
إذا حربٌ تلقَّحُ عَن حِيالٍ ودرَّتْ بعدَ مرْيَتِها اغْتِصابا
قوله اغتصابا، قال: وذلك أن الناقة إذا امتنعت فلم تدر، عصبت فخذاها.
قال فتلك العصوب. قال وإنما شبه الحرب بالناقة. قال وإذا طال جيال الناقة لقحت في أول قزعة.
قال: وكذلك الحرب إذا تراخى سكونها وطال أمرها لقحت في أول هيج. قال: فضرب الناقة مثلا
للحرب. قال: ومرية الناقة أن يمسح ضرعها حتى تدر. قال: فكذلك الحرب تهيج بالشيء بعد الشيء
حتى تلقح.
ونحنُ الحاكِمُونَ عَلى قُلاخٍ كَفينا ذا الجَريرةَ والمُصابا
قوله على قلاخ، قالوا قلاخ أرض، وقالوا موضع باليمن، كانت به
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وقعة. قال واختلفوا فيها، فكان
الحكم في بني رياح، إلى بني حميري بن رياح بن يربوع وولده. قال فرضى بحكمهم. ويروى ونحن
الحاكمون على عكاظ. قال وذلك أن الحكام والأئمة في الموسم كانوا بعد عامر بن الظرب في بني
تميم. فكان الرجل يلي الموسم منهم ويلي غيره القضاء. فكان من اجتمع له الموسم والقضاء جميعا
سعد بن زيد مناة بن تميم. قال ثم ولى ذلك حنظلة بن مالك بن زيد مناة. ووليه ذؤيب بن كعب بن
عمرو بن تميم. ثم وليه مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. ثم وليه ثعلبة بن يربوع بن حنظلة. ثم
معاوية بن شريف ثم جروة ابن أسيد بن عمرو بن تميم. ثم الاضبط بن قريع بن عوف بن كعب ابن
سعد. ثم صلصل بن أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة. قال وكان آخر تميمي اجتمع
له القضاء والموسم سفيان بن مجاشع فمات. فافترق الأمر فلم يجتمع القضاء والموسم لأحد منهم حتى
جاء الإسلام. وكان محمد بن سفيان بن مجاشع يقضي بعكاظ، فصار ميراثا لهم. فكان آخر من قضى
منهم الذي وصل إلى الإسلام الأقرع ابن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان.
حَمينا يومَ ذِي نجبٍ حمانا وأحرزْنا الصَّنَائِعَ والنِّهابا
قوله يوم ذي نجب كان لبني يربوع خاصة، دون بني حنظلة.
لَنَا تحتَ المحامِل سابِغاتٌ كنَسْجِ الرَّيحِ تَطَّرِدُ الحَبابا
ويروى ترى تحت المحامل سابغات. قال والمحامل يعني محامل السيوف واحدها محمل. قال وهي
أيضا الحمائل. وقوله الحباب قال الحباب الذي تراه على الماء مثل الوشم تراه وتبينه إذا حركته
الريح.
وذَي تاجٍ لَهُ خرزاتُ مُلْكِ سَلبناهُ السُّرادقَ والحجابا
[ ٢ / ٦٠٥ ]
ألا قَبحَ الإلهُ بَني عقال وزادهُمُ بغدرْهم ارْتيابَا
أجيرانَ الزُّبير برئْتُ منكُمْ فألقُوا السَّيفَ واتَّخذُوا العِيَابا
يقول أنتم نساء فاتخذوا العياب ودعوا السلاح.
لقْدْ غرَّ القيونُ دَمًا كَريمًا ورحلًا ضاعَ فانتُهبَ انتِهابا
وقدْ قعستْ ظُهُورُهم بِخيل تُجاذبُهمْ أعنَّتها جذابا
يقول يريدون الانهزام والتأخر القهقرى، والخيل تريد التقدم وهي تجاذبهم أعنتها.
عَلاَمَ تقاعسُونَ وقَدْ دَعاكُمْ أهانَكُمُ الَّذي وَضعَ الكتابَا
تعشَّوْا من خزيرهمُ فنامُوا ولَمْ تهجعْ قرائبُه انتحَابَا
أتنسونَ الزُبيرَ ورهْطَ عوفٍ وجعثنَ بعدَ أعينَ والرَّبَابَا
قوله رهط عوف، يعني عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة. ورهطه مزاد بن الأقعس بن ضمضم.
قال وقد مر حديثه فيما امليناه من الكتاب وكتب في موضعه. قال وأما قوله بعد أعين، فإن حديث
أيمن بن ضبيعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، ان عليا ابن أبي طالب، رضي
الله عنه، كان بعثه إلى البصرة فقتل بها، وذلك أن بني حوي بن سفيان بن مجاشع، والرباب بنت
الختات بن يزيد المجاشعي - أظن أنه غراب البين وكان أسود كأنه حبشي - قال وكان يزعم أنه من
بني مرة بن عوف من غطفان، وكان مصدقا على بني تميم لابراهيم بن عربي فقال إنها انغلت منه
- أنغلت جاءت بولد نغل ولد زنا - ووجد غراب البين عند هند بنت عبد الله بن حكيم القرين
فعقروا ناقته وفيه يقول جرير يعيرهم بذلك:
[ ٢ / ٦٠٦ ]
ترضى الغراب وقد عقرتم نابه بنت القرين بمحبس وسرير
قالت فدتك مجاشع واستنشقت من منخريه عصارة القفور
وحنت هنيدة خزية لمجاشع إذ أولمت لهم بشر جزور
وحنت وجنت أيضا كل هذه روايات. وقال جرير في هذه القصة:
سأذكر من هنيدة ما علمتم وأرفع شأن جعثن والرباب
وأصبح غاليا فتقسموه عليكم لحم راحلة الغراب
رجع:
ألْم تَرَ أنَّ جعثِنَ وَسْطَ سعْد تُسَمَّى بَعدَ قضَّتها الرِّحابا
تُحزحزُ حينَ جاوزَ رُكبتيها وهزَّ القُزبريَّ لهَا فغَابا
تحزحز أي تقدم حرها. ويروى
تحزحزُ حينَ جلف ركبتيها وهز القسبري لها فغابا
وتخزخز وتحزحز واحد أي تحرك.
تَرَىَ بَرصًا بِمَجمَعِ إسكتيهًا كنعفقةِ الفرزدقِ حينَ شابا
يعني بأسفل. ويروى لها برص بأسفل إسكتيها. في نسخة ابن سعدان بجانب إسكتيها.
وهَلْ أُمٌّ تكُونُ أشدَّ رعيًا وصرًَّا مِنْ قُفيرةَ واجتِلابا
[ ٢ / ٦٠٧ ]
ويروى وما أم. ويروى أشد نعظا. ويروى أشد فطرا. والفطر مسح الضرع ليدر.
ومقرفة اللَّهازِمِ مِنْ عِقالٍ يُغَرِّقُ ماءَ نخبتِها الذُّبابا
قوله ماء نخبتها، الماء هاهنا سلحها. والنخبة يعني الدبر. والنخبة جلد الاست ويروى:
وسوداء المحاجر من عقال تغرق من مشيمتها الثيابا
ويروى يشين سواد محجرها النقابا.
تُواجهُ بعلَها بِعُضارِطِي كأنَّ عَلىَ مَشافِرِهِ جُبابا
ويروى تواجه بعلها بسراطمي. قال والجباب من ألبان الإبل ما تجمع وتكمز. مثل الزبد والسراطمي
الذي يسترط كل شيء. قال والجباب شبيه بالزبد يجتمع من ألبان الإبل ولا زبد له. تكمز صار
كمزا. ويروي بضراطمي من الضراط والميم زائدة.
وخُورُ مُجاشِعٍ تركُوا لقِيطًا وقالُوا حِنْوَ عينكَ والغُرابا
يقول احفظ الغراب بعينك فإن ذهبت عينك جاء الغراب فأكلها. وحنو العين الحجاج. قال وكان لقيط
بن زرارة قتل يوم جبلة. وقوله حنو عينك، قال حنو العين عظم الحاجب المنحني على العين. قوله
والغرابا يقول هو قتيل فالغراب ينقره وهو واقع على عينه. وقالوا حنوها ناحيتها يعني تركوه
صريعا يهزأ به. يقول أحذر لا يأكل عينك الغراب.
وأضبعُ ذي مَعارِكَ قَدْ علمتُمْ لقِينَ بجنبهِ العَجبَ العُجابا
[ ٢ / ٦٠٨ ]
ويروى لقين بجيبه. ويروى بجلبة. أضبع جمع ضبع. وذو معارك موضع. وجلبة موضع.
فإن مُجاشِعًا جمعُوا فِياشًا وأستاهًا إذا فَزعُوا رِطابا
قوله فياشًا فإن الرجل يفخر بما ليس له ويكذب في فخره. وقوله رطابا يقول إذا فزعوا سلحوا.
يقول قد جمعوا الخفر بالكذب والسلاح.
وَلاَ وأَبيكَ ما لهُمُ عُقولٌ ولا وُجِدتْ مكاسِرُهُمْ صِلابا
وليلةَ رحرحانْ تركتَ شِيبًا وشُعثًا في بيُوتِكُمُ سِغابا
رضعتُمْ ثُمَّ سالَ عَلى لِحاكُمْ ثُعالَةَ حيثُ لَمْ تجِدُوا شَرابا
تركتُمُ بِالوقيِطِ عُضارِطاتٍ تُردِّفُ عِنْدَ رِحلتِها الركَّابا
لَقَدْ خَزَي الفرزدقُ في معدٍ فأمْسَى جهدُ نُصرَتِهِ اغتِيابا
يقول أخزيته فلم يكن عنده انتصار لنفسه إلا الاغتياب فقط.
ولاَقَى القينُ والنِّخَباتُ غَمًّا تَرَى لِوُكُوفِ عبرتِهِ انْصِبابا
ويروى:
ولاَقَى القينُ والنِّخَباتُ غَمًّا على غم وزادهم عذابا
والنخبات الجبناء من الرجال واحدهم نخبة.
أتُوعِدِني وأنتَ مُجاشِعِيٌّ تَرَى في خَنْثِ نخبِتِهِ اضْطِرابا
أصل الخنث اللين. وقولك في خنث يريد في عطف نخبتك لينا وانثناء. قال والنخبة الدبر. وخنثها
شرجها. ويروى أرى في خنث لحيتك اضطرابا.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
فَما هِبْتُ الفرزدقَ قَدْ علمتُمْ وَما حَقُّ ابْنِ يروَعَ أنْ يَهابا
ويروى فما هيت الفرزدق. وابن يروع يعني الراعي.
أعَدَّ الله للِشُّعرَاءِ مِنِّى صَواعِقَ يخضعُونَ لَها الرِّقابا
قرنْتُ العبْدَ عبدَ بَنى نُميرٍ مَعَ القينينِ إذْ غُلِبا وَخابا
أَتانِي عَنْ عَرادةَ قولُ سُوءٍ فَلا وأبِي عَرادَةَ مَا أَصَابا
يعني عرادة النميري راوية الراعي.
وكَمْ لَكَ يا عَرادَ مِن أمِّ سُوءٍ بِأرضِ الطَّلْح تحتبِلُ الزَّبابا
الزبابة شبيه الفأرة.
عَرادةُ مِنْ بقيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ألا تَبا لما عملُوا تبابا
لَبِئسَ الكسبُ تكسبُهُ نُميرٌ اذا استأنوكَ وانتظروا الأيابا
أنا البازِي المُدِلُّ على نُميرٍ أتِحْتُ مِنَ السَّماءِ لهَا انصبابا
ويروى المطل على نمير، ويروى أتحت من السماء له انصبابا.
إذا علقَتْ مَخالِبُهُ بِقرْنٍ أصابَ القَلْبَ أوْ هتكَ الحِجابا
تَرَى الطَّيرَ العِتاقِ تظلُّ مِنْهُ جوانِحَ لِلْكلاكلِ أنْ تُصابا
الكلاكل الصدور. قال وإنما أراد أنها لاصقة بالأرض من مخافته فشبه نفسه بالبازي.
[ ٢ / ٦١٠ ]
ولَوْ وُضِعت فِقاحُ بَني نِميرٍ عَلَى خَبث الحَدِيدِ إذا لذَابا
فَلا صلَّى الإِلهُ عَلى نُميرٍ وَلا سقيتْ قُبُورُهمُ السَّحابا
وخضْراءِ المغابِنِ مِنْ نُمير يشينُ سوادُ مَحْجِرها النِّقابا
ويروى وسوداء المحاجر وسوداء المغابن. ويروى ومقرفة المغابن. قال والمغابن ما تثنى من الجلد
واسترخى من جلد المرأة والرجل أيضا. والمحجر من المرأة ما خرج من النقاب ولم يغطه النقاب.
ويقال المحجر ما حول العين وهو بارز من النقاب إذا انتقبت المرأة.
إذا قامَتْ لِغيْرِ صَلاةِ وِتْرٍ بُعيْدَ النَّومِ أنْبحَتَ الكلاِبا
تطلَّى وهَيَ سيئَة المعَرَّى بصِنَّ الوَبْرِ تَحْسبهُ مَلابا
كانَّ شَكِيرَ نابِتِ إسْكتَيْها سِبالُ الزُّطِّ علَّقَتِ الرِّكابا
قال الشكير الزغب تحت الشعر ن والريش الصغار تحت الكبار، والورق الصغار الذي ينبت تحت
الكبار.
وقَدْ جلَّتْ نساءُ بَني نُميرٍ وَما عرفَتْ أَنامِلُها الخِضَابا
جلت لقطت الجلة من كثرة ما تعالج الأبعار، ويقال جلت من الجلال والجلالة يريد به من الكبر.
وقال في مثله الشاعر:
فإن تنسني الأيام الا جلالة أعش حين لا تأسى علي العوائد
قال والمعنى في ذلك: إن تؤخرني الأيام ويتأخر أجلي أعش فاهرم،
[ ٢ / ٦١١ ]
فلا تحزن علي عوائدي ولا
تبالي حياتي، ولا نفع عندي ولا دفع. قال أبو عبد الله وقد حلبت من الحلب ويروى:
لقد حلبت أناملها وصرت وما عرفت أناملها الخضابا
إذا حلَّتْ نساءُ بنِي نُميْرٍ عَلى تِبراكَ خبثت التُّرابا
تبراك هو ماء لبني العنبر. قال أبو عثمان سمعت الاصمعي يقول: جاءت عن العرب أربعة أحرف:
قوله تعشار وهو لبني ضبة. وتبراك وهو لبني العنبر. وقولهم تقصار وهو القلادة اللاصقة بالحلق.
وقولهم تلقاء - ويروى إذا جلست نساء بني نمير - وفي المصادر تلقاء وتبيان. أبو عبد الله ما سوى
هذين - يعني تلقاء وتبيان - من المصادر فهو مفتوح الأول.
وَلوْ وُزِنتْ حُلُومُ بَنِي نُمَيرٍ عَلى المِيزانِ ما وَزنتْ ذُبابا
فَبرًا يا تُيُوسَ بَنَي نميرٍ فإن الحربَ مُوقِدةٌ شِهابا
بَعمرُ أبي نِساءِ بَنِي نُميرٍ لسَاءَ لَها بمقصبتي سِبايا
ستهدِمُ حائِطَيْ قرماءَ مِنِّي قَواف لا أريد بِها عِتابا
دخْلَنَ قُصُورَ يثربَ مُعلماتٍ ولَمْ يتركنَ مِنْ صنعاءَ بابا
يقول سارت القوافي فيهن فبلغن كل مكان. وقوله ولم يتركن من صنعاء بابا وذلك أن الأقرع بن
حابس قاد الخيل من أرض نجد حتى دخل نجران فأغار على بني الحارث بني كعب وأغار الاضبط
ابن قريع والنمر بن مرة بن حيان، والرئيس الأول، وهو محلم بن سويط الضبي، في جماعة من بني
تميم على أهل اليمن حتى انتهوا إلى صنعاء.
تَطُولكُمُ جِبالُ بَنِي تميمٍ ويحمِي زأرُها أجمًا وغابا
يقال من ذلك طاولته فطلته أي كنت أطول منه. قال أبو عبد الله
[ ٢ / ٦١٢ ]
الراوية وتحمي أسدها.
ألمْ نُعتِقَ نِساءَ بَني نُميرِ فَلا شُكرًا جَزَيْنَ وَلا ثَوابا
أجندلُ ما تقُولُ بَنُو نُميرٍ إذا ما الأيرُ في استِ أبيكَ غابا
ألمْ ترَني صُبِبْتُ عَلَى عُبيدٍ وقَدْ فَارتْ أَبا جِلُهُ وَشابا
قوله فارت يعني تعقدت وورمت.
أُعِدُّ لهْ مواسِمَ حامِياتٍ فَيَشفَى حرُّ شُعلتِها الجرابا
فغُضّ الطرفَ إنَّكَ مِن نُميرٍ فَلا كعبًا بلغتَ ولا كِلابا
أتعدلُ دِمنَةٌ خبثت وقلَّت إلى فرعينِ قَدْ كَثرا وَطابا
الدمنة نمير، والفرعان كعب وكلاب.
وحُقَّ لمِنْ تكنَّفُهُ نُميرٌ وضَبَّةُ لا أَبا لَكَ أَنْ يعابا
يعني قريع بن الحارث بن نمير، وضبة بن نمير. ويروى وحق لمن تعد له نمير.
فَلَولا الغُرُّ مَنْ سَلفيْ كِلابٍ وكعْبٍ لاغتصبتُكُمُ اغْتِصابا
فَانَّكُم قَطِينُ بَني سُليْمٍ تُرَى بُرقُ العباءِ لكُمْ ثِيابا
ويروى قطع العباء. وقطع العباء الفراء. قوله برق العباء يقول: اكسيتهم برق أي فيها بياض وسواد
يبرق فيها. ويقال من ذلك جبل ابرق، أي قوة بيضاء، وقوة سوداء. والقوة الطاقة.
إذا لنفيتُ عبْدَ بَني نُميرٍ وعلِّي أَنْ أزيدهُمُ ارْتِيابا
ويروى فماذا عند عبد بني نمير فعلي أن أزيدهم. وقال أبو عبد الله
[ ٢ / ٦١٣ ]
فماذا راب عبد بني نمير فعلي.
فيَا عَجبِي أتُوعِدُني نُميرٌ براعِي الإبلِ يحتْرشُ الضِّبابا
الاحتراش أن يجبئ الرجل إلى جحر الضب، فيحرك يده عليه فيحسبه الضب أفعى أو حية، فيخرج
الضب إليه ذنبه فيضربه بذنبه، فلا يزال به حتى يأخذ بذنبه فيخرجه. قال ومثل من أمثال العرب
"أنا أعلم بضب احترشته". ومثل آخر من أمثالهم "هذا أجل من الحرش".
لعلَكَ يا عُبيد حَسِبتَ حَرْبِي تُقلِّدُكَ الأصِرةَ والعِلابا
إذا نَهضَ الكِرامُ إلى المعالي نهضتَ بعلُبةٍ وأثْرَت نابا
تُنوِّخُها بِمحنيَةِ وحِينًا تُبادِرُ حدَّ دِرَّتها السِّقابا
ويروى تبوئها من الباءة وهو النكاح، وتبوخها مثله. قال والمحاني في الوادي مثل العواقيل في
الأنهار. ويقال المحاني ثني الوادي وعطفه. يقول تبادر ألبانها أولادها فتسبق أولادها أن تشرب اللبن
من أمهاتها فتشربه. قال والمعنى في ذلك يقول إنك راع يعيره بذلك.
تَحِنُّ لَهُ العِفاسُ إذا أفاقَتْ وتعْرِفُهُ الفِصالُ إذا أَهابا
قال والعفاس وبروع ناقتان كان الراعي ذكرهما في شعره، وقوله إذا أفاقت قال، وأفاقتها يريد
اجتماع درتها بعد الحلب. قال والاهابة الدعاء.
فأولِعْ بالعِفاسِ بَني نُميرٍ كما أولعتَ بالدَّبَرِ الغُرابا
وبِئْسَ القرضُ قرضُكَ عِندَ قيسٍ تُهيجُهُمُ وتمتدحُ الوِطابا
قوله تهيجهم تعرضهم للهجاء. الرواية الصحيحة تهجيهم من الهجاء.
[ ٢ / ٦١٤ ]
وتَدْعُو خَمْشَ أُمِّكَ أَنْ تَرانا نُجُومًا لا تَرُومُ لَها طِلابا
قوله خمش أمك وهو مثل قولك ويل أمك، دعاء عليه أي تثكله أمه حتى تخمش عليه.
فَلنْ تَسْطِيعَ حنظَللتي وسُعْدى ولا عَمْري بلغتُ ولاَّ الرِّبابا
ويروى وسعدى وعمري إذا دعوت ولا الربابا.
قُرُومٌ تحملُ الأعباءَ عنكُمْ إذا ما الأمرُ في الحدثانِ نابا
هُمُ مُلَكُوا المُلْوكَ بِذاتِ كهفٍ وهُمْ منعُوا مِنَ اليَمنِ الكُلابا
قال أبو عبيدة: قوله بذات كهف، قال وهو انك إذا قطعت طخفة بينها وبين ضرية، والطريق بينها
وبين قنة الحمر، فهو يوم طخفة، ويوم الرخيخ، ويوم ذات كهف، ويوم خزاز. قال وذلك لانهن
متقاربات. وقوله: وهم منعوا من اليمن الكلابا، قال فيوم الكلاب لبني سعد والرباب. قال وإنما جاز
له أن يفخر به لأنه فخر به على راعي الابل النميري. قال أبو عبيدة وليس هذا الكلاب بالكلاب
الأول. قال وذلك لأن الكلاب الأول كان بين شرحبيل وسلمة الغلفاء ابني الحارث ابن عمرو الكندي،
لما هلك تنافس ابناه في الملك فقتل سلمة أخاه شرحبيل: قال وأما كلاب بني تميم، فكان بعد مبعث
النبي ﷺ، قال وقال اليربوعي: قوله هم ملكوا الملوك بذات كهف، أن بني يربوع
أسروا قابوس بن المنذر بن ماء السماء، وحسان أخاه. قال والكلاب الأخير هو لسعد والرباب على
أهل اليمن ومذحج وغيرهم.
إذا غَضِبتَ عليكَ بنُو تَميمٍ حَسِبْتَ النَّاسَ كُلَّهُمْ غِضابا
ألسْنَا أكثَرَ الثَّقلينَ رَجلًا بِبطْنِ مِنىً وأعظمهُ قبابا
[ ٢ / ٦١٥ ]
وأجْدَرَ إنْ تَجاسرَ ثُمَّ نادَى بِدَعْوَى يالَ خِندِفَ أَنْ يُجابا
قوله وأجدر يعني وأخلق أن يكون كذلك.
لَنا البَطحاءُ تُفْعِمُها السَّواقِي ولمْ يَكُ سيْلُ أودِيَتي شِعابا
فما أنتُمْ إذا عَدلتْ قُرُومِي شَقاشِقَها وَهافَتَتِ اللُّعابا
ويروى إذا هدلت. قوله إذا عدلت قرومي يعني إذا مالت رءوسها فهدرت. قال وكذلك يفعل الفحل
إذا هدر أمال رأسه ناحية كالتكبر الذي يميل رأسه تجبرا. قال فهو إذا هدر رأسه في ناحية شقته.
وقوله وهافتت اللعابا، يريد فألقت القروم لعابها، يريد زبدها إذا هدرت وهو الأصل، إلا أنهم نقلوه
إلى غيره. قالوا الهفيتة القوم تقحمهم السنة فيتهافتون على الناس في أمصارهم، كتهافت ذلك اللعاب
وهو زبد البعير إذا أهدر وألقاه من فيه. قال والقرم الفحل من الإبل الذي لم يمسسه حبل ولا حمل
عليه لكرمه، وإنما هو للفحلة فشبهوا السيد القوم وكريمهم بالفحل.
تَنَحَّ فإن بحْرِي خِنْدفيٌّ تَرَى في مَوْجِ حريتهِ حبابا
ويروى ترى في موج جريته عبابا، ويروى ترى لفحول جربته عبابا.
بِمَوجٍ كالجِبالِ فإن ترُمْهُ تُغَرَّقُ ثمَّ يَرم بِكَ الجنَابا
فما تَلْقى مَحِلِّيَ في تَميمٍ بِذِي زَلَلٍ ولا نَسْبَي ائتِشابا
ويروى على زلل. والمؤتشب المخلوط من كل ضرب، يقال قد تأشبوا إذا اختلطوا من كل حي.
ويقال أشبوا ايضا وهم الاشابة والاباشة.
[ ٢ / ٦١٦ ]
ويروى ولا نسبي أشابا.
عَلَوتُ عليكَ ذِروةَ خِندفَي تَرى مِنْ دُونِها رُتُبًا صِعابا
لَهُ حوضُ النَّبِيِّ وساقِياهُ وَمَنْ وَرِثَ النُّبوَّةَ والكِتابا
ويروى لنا حوض النبي وساقياه. قال سعدان وقال لنا الأصمعي وأبو عبيدة: كانت الاجازة في
الجاهلية لصفوان بن شجنة بن عطارد بن عوف بن سعد بن زيد بن مناة بن تيم.
ومِنَّا مَنْ يُجِيزُ حَجِيج جَمْعٍ وإنْ خاطبتَ عزَّكُمُ خِطابا
قالوا وقوله ومنا من يجيز، أراد كرب بن صفوان، قال وكان يجيز الناس من عرفات إلى مزدلفة
إلى منى. قال وكانت صوفة، وهم بنو الغوث بن حرب يجيزون من منى إلى الأبطح. وبكر بن وائل
يجيزون من الأبطح إلى الكعبة.
ستعْلَمُ مَنْ أعز حِمى بِنجْدٍ وأعظمُنَا بِغائرَةٍ هضابا
أعزُّكَ بِالحجازِ وإنْ تسهَّلْ بِغُورِ الأرْضِ تُنتهبِ انتِهابا
قوله اعزك يريد أغلبك، وهو من قولهم من عز بز. يقول من غلب قهر صاحبه، بزه ثيابة وما معه.
أتيعَرُ يا ابنَ بروعَ مَنْ بعيدٍ فَقَدْ أسْمعتَ فاستمع الجَوابا
قوله أتيعر يريد تصيح صياح التيس. قال واليعار صوت المعز، والثؤاج صوت الضأن.
فَلا تجزعْ فإن بَنِي نُميرٍ كأتوامٍ نفحتَ لهُمْ ذِنابي
قال الذناب النصيب وأصله الدلو.
[ ٢ / ٦١٧ ]
شَياطِينُ البلادِ يخفْنَ زَأرِي وحيَّةُ أريُحاءَ لَيِ اسْتَجابا
ويروى رآبيل البلاد. وقال هي جمع رئبال بالهمز. أريحاء بالشأم مدينة بيت المقدس.
تَركتُ مُجاشِعًا وبنِي نُميرٍ كَدار السَّوْء أسرعَتِ الخَرابا
ألمْ تَرَني وسمتُ بَني نُميرٍ وردتُ عَلى أُنوفِهِمُ العِلابا
إليْكَ إليْكَ عبدَ بَنِي نُميرٍ وَلَما تقتَدِحُ مِنِّى شِهابا
فأجابه الفرزدق فقال:
أَنا ابْنُ العَاصِمينَ بَنِي تَميمٍ إذا ما أعظمُ الحدثانِ نابا
نما في كُلِّ أصْيدَ دارِميِّ أغرَّ تَرَى لقُبَّتِه حِجابا
مُلُوكٌ يبتنونَ توارثُوها سُرادِقُها المُقاولُ والقِبابا
مِنَ المستأذنِينَ تَرَى معدًَّا خُشُوعًا خاضِعِينَ لَهُ الرِّقابا
شُيوخٌ مِنْهُمُ عُدُسُ بنُ زيدٍ وسُفيانُ الَّذي وردَ الكُلابا
قال أبو عبد الله: هؤلاء عدس بضم الدال، وغيرهم عدس بفتح الدال. قال سعدان وأبو عبيدة: يقال
عدس بنصب الدال وبرفعها يقالان جميعا. قال وهو عدس بن زيد بن عبد الله بن درام، وسفيان بن
مجاشع بن درام جد الفرزدق. قال وأم سفيان شراف بنت بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد
مناة بن تميم، قال وكان سفيان بن مجاشع رئيس بني مالك بن حنظلة يوم الكلاب الأول.
[ ٢ / ٦١٨ ]