غبيط المدرة، فإن سليطا، وزبان الصبيري وجهما السليطي، قال: غزا بسطام بن قيس ومفروق بن
عمرو، والحارث الحوفزان بن شريك، بلاد بني تميم، فأغاروا على بني ثعلبة بن يربوع، وثعلبة بن
سعد بن ضبة، وثعلبة بن عدي بن فزارة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وكانوا متجاورين بصحراء فلج،
فاقتتلوا فهزمت الثعالب، وأصابوا فيهم، واستاقوا إبلا من نعمهم، قال: ولم يشهد عتيبة ذلك اليوم، لأنه
كان نازلا في بني مالك بن حنظلة بن مالك، ثم امتروا على بني مالك - قوله امتروا: افتعلوا من
المرور - قال: وهم بين صحراء فلج وغبيط المدرة فاكتسحوا إبلهم. قال: فركبت عليهم بنو مالك،
وفيهم عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي، وفرسان بني يربوع تأثف البكريين - قوله: تأثف
يريد تتبعهم وتحوطهم مثل ما تأثف الأثافي الرماد - منهم الأحيمر بن عبد الله، وأسيد بن حناءة،
وأبو مرحب، وجزء بن سعد الرياحي، وهو رئيس بني يربوع، وربيع، والحليس، وعمارة - وبخط
عثمان بن سعدان جزول ويقال جرول - بنو عتيبة بن الحارث بن شهاب، والدراج أحد بني ثعلبة،
ومعدان، وعصمة ابنا قعنب بن سمير الثعلبي، والمنهال بن عصمة الرياحي، وهو الذي يقول فيه
متمم بن نويرة:.
لقد كَفَّنَ المنهالَ تحت ردائِهِ فتىً غيرَ مِبطانِ العَشِيَّاتِ أَرْوَعَا
قال: وكان مالك بن نويرة فيهم أيضا. فأدركوهم بغبيط
[ ٢ / ٤٨٦ ]
المدرة، فقاتلوهم حتى هزموهم وأخذوا ما كانوا استقاوا من آبالهم وانهزموا
- وقوله من آبالهم يريد من إبلهم - يقال لفلان إبلٌ كثيرة وآبال
كثيرة بمعنى واحد - قال وانهزموا، وقتلت بنو شيبان أبا مرحب ثعلبة بن الحارث بن حصبة، وألح
عتيبة وأسيد والأحيمر على بسطام، وكان أسيد أدنى إلى بسطام من الرجلين، فوقعت يد فرسه في
ثبرة - يعني في هوة وهي الوهدة تكون في الأرض كالحفرة - قال وتقدم بسطام وجعل يلتفت هل
يرى عتيبة وقد صار في أفواه الغبط - وهي مسايل المياه - فلحق عتيبة بسطاما، فقال له: استأسر
يا أبا الصهباء. فقال له: ومن أنت؟ قال: أنا عتيبة، وأنا خير لك من الفلاة والعطش، وكان الأحيمر
محدودًا لا يكون له ظفر، وكان فارسًا ذا بأس ونجدة ولاحظ له في ظفر. قال: فأسر عتيبة بسطاما.
قال: ونادى القوم بجادا أخا بسطام بن قيس، كر على أخيك، وهم يرجون إذا أبسوه أن يكر فيأسروه.
قال: والأبس أن يعيروه حتى يغضب فيأنف من التعيير فيرجع فيأسر. فنادى بسطام أخاه إن كررت
يا بجاد فأنا حنيف، وكان نصرانيا، قال فلحق بجاد بقومه. فقالت بنو ثعلبة: يا أبا حرزة إن أبا
مرحب قد قُتل وقد أسرت بسطاما، وهو قاتل مليل وبجير ابني أبي مليل، ومالك بن حطان يوم قشاوة
فاقتله، قال: إني معيل وأنا أحب اللبن. قالوا: إنك لتفاديه وتخلي عنه، فيعود فيحر بنا فأبى. فقال
بسطام: يا عتيبة، إن بني عبيد أكثر من بني جعفر وأعز، وقد قُتل أبو مرحب، ولي في بني عبيد
أثر بئيس - أي ذو بؤس - وهم آخذي منك، ولن تقدر بنو جعفر على أن يمنعوني منهم، وأنا
معطيك من المال عائرة عينين - يعني كثيرا تذهب العين فيه وتجيء - فقال: لا جرم والله لأضعنك
في أعز بيتين من مضر، في بني جعفر بن كلاب أو في بني عمرو بن جندب، ثم من بني عمرو بن
تميم من بلعنبر، فاختار بسطام
[ ٢ / ٤٨٧ ]
بني جعفر لخله عامر بن الطفيل. فتحمل بأهله وبه، حتى لحق
بالشربة ببني جعفر، فنزل به على بني عامر بن مالك بن جعفر، فرأى رثاثة فودج أم عتيبة. ويقال
هو دج مية. فعجب منه وكره ذلك، فقال عتيبة: لا جرم لا تنفلت من القد حتى تجيء بفودج أمك فيما
تفادي به. فقال قائل: إما مالك بن نويرة، وإما أخوه متمم بن نويرة، وإما أبو مليل في ذلك:
لله عتَّابُ بِنُ ميَّةَ إذ رأى إلى ثأرِنا في كفهِ يتلدَّدُ
أتُحيي امرءًا أردى بُجيرًا ومالِكًا وأشوى حُريثًا بعدما كان يقصدُ
ونحن ثأرنا قبلَ ذاكَ ابنَ أُمِّهِ غداةَ الكلابيِّين والقومُ شهدُ
قال: فلم يزل بسطام فيها زمينا، وكان عامر يطلب إلى عتيبة أن يخليه، حتى ينادمه. فكان يفعل
كذلك، فلما طال مكثه قال عتيبة، يعطف عليه جزء بن سعد، وكان رئيس بني يربوع:
ألا مَنْ مُبلغٌ جزءَ بنَ سعدٍ فكيفَ أصاتَ بعدكُمُ النُّقيلُ
أُحامي عن ذِمارِ بني أبيكم ومثلي في غَوائِبكم قليلُ
قال: فلما انتهى جزء إلى قوله: ومثلي في غوائبكم قليل. قال: أي والله، وفي شواهدنا، فلم يقدر
عتيبة مع بني عبيد، أن يأذن له فيلحق بقومه. قال عتيبة في أسره بسطاما:
أبلغ سراةَ بني شيبانَ مالكِةً إني أبأتُ بعبدِ الله بسطاما
إن تُحرزُوه بذي قارٍ فَذاقِنةٍ فقد هبطتُ به بيدًا وأعلاما
قاظ الشَّرِبَّةَ في قيدٍ وسلسلةٍ صوتُ الحديدِ يُغنيه إذا قاما
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وقال جرير في ذلك:
قد رَدَّ في الغِلِّ بسطاما فوارِسُنا واستودَعُوا نعمةً في رهطِ حَجَّار
يعني حجار بن أبجر بن جابر العجلي. وقال جرير أيضًا:
رَجعنَ بهانئٍ وأصبنَ بِشرًا وبسطاما تَعضُّ به القيودُ
يعني هانئ بن قبيصة الشيباني. وقال جرير أيضًا:
بطخفةَ جالدَنْا الملوك وخيلُنا عشيَّةَ بسطامٍ جرينَ على نَحْبِ
قال: والنحب النذر، كأنه شيء يطلبه مثل النذر عليهم. وقال داءود ابن متمم بن نويرة في ذلك:
ومن كان حتفُ ابنَي هجيمة سيفهُ وأنزلَ بسطاما غداةَ يساوره
قال: ثم إن بسطاما فادى نفسه، فزعم أبو عمرو بن العلاء أنه فدى نفسه بأربعمائة بعير، وثلاثين
فرسًا، فلم يكن عربي عكاظي أغلى فداء منه - لا أدري. أما حاجب بن زرارة فإنه أغلى فداء منه -
على أن يجز ناصية بسطام، ويعاهده أن لا يغزو بني شهاب. قال: فبينا هو كذلك، ولم يقدم الفداء
بعد، وعتيبة في بني جعفر، إذ مرت به أمة لعامر ابن الطفيل بضبة مكون قد حشى بطنها دقيقا، ثم
مُلَّ في النار، ثم
[ ٢ / ٤٨٩ ]
بعث به سرا إلى بسطام ليأكله، ثم يدعى جواره. قال سليط: وإنما كان عتيبة أتى به
إلى عامر بن الطفيل، وكان مع عتيبة رئي له من الجن، فلما رآها قال لحباشة عبده: إن مع الأمة
شيئًا تخبؤه مني وإن فيه لغدرا فخذه، فأخذه منها، فوجد الضبة معها. قال: وقال عامر بن الطفيل
لعتيبة: أتفادي أسيرك؟ قال: نعم، إلا أن تضيق ذراعك. قال: لن تضيق ذراعي فقل. قال: ضع
رجلك في حلقته. قال عامر: لا، ولكن بمالي. قال عتيبة: هو أكثر منك مالا. قال عامر: هل أنت
مبارزي عليه؟ قال عتيبة: هذا شيء ما أسأله ولا آباه، وأنا مرتحل غدا فاتبعني. قال ك فارتحل فتلأم
عامر - يعني لبس لأمته قال: واللأمة الدرع. فقال له عمه عامر بن مالك أتريد أن تستنقذ أسيرًا من
يديه، خاض إليه الرماح حتى أخذه؟ انثل الدرع عنك - يعني ألقها - فلو نفث عليك لقطرك. ومضى
به عتيبة حتى نزل به في عمرو بن جندب ابن العنبر، فلم يلبث أن جاء فداؤه أربعمائة بعير
وثلاثون فرسًا وفودج أمه. قال فخلى سربه - أي سبيله.
رجع إلى شعر جرير:
ظلَّ اللَّهازمُ يلعبونَ بنسوةٍ بِالجوِّ يومَ نُفحنَ بالأبوالِ
قال الجو يريد البطن من الأرض. وقوله نفحن بالأبوال، قال: وإنما نفعل هذا من الفزع.
يبكينَ منْ حذَرِ السِّباءِ عشيَّةً ويملنَ بينَ حقائبٍ ورِحالِ
لا يخفينَّ عليكَ أنَّ مُجاشِعًا شبهُ الرِّجالِ وما هُمُ برِجالِ
مِثْلُ الضِّباعِ يسُفْنَ ذيخًا رائحًا ويخُزنَ في كمر ثلاثَ ليال
الذيخ ذكر الضباع.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
وقوله يخرن في كمر ثلاث ليال، يقول يأكلن الموتى. ويسفن يشممن.
وإذا ضَئينُ بنِي عقالٍ ولدتُ عرفُوا مناخِرَ سخلِها الأطفالِ
قال: والمعنى يقول هم. رعاء يعيبهم بذلك، ضئين جمع الضأن الغنم.
أمَّا سِبابِي فالعَذابُ عليهمُ والموتُ للِنَّخباتِ عندَ قِتاليِ
كالنيِّبِ خرَّمَها الغَمائِمُ بعدما ثلطنَ عنْ حُرُضٍ بجوفِ أُثالِ
قال: النيب المسان من النوق. قال: والغمائم واحدتها غمامة، وهو شيء يجعل من خرق وصوف
مثل الكرة، وذلك أنهم إذا أرادوا أن يرئموا الناقة ولد غيرها أدخلوا الغمامة في أنفها لئلا تشم شيئا، ثم
يجعلون لها درجة أكبر من الغمامة فيدخلونها في رحمها ثم يشحرون فرجها بالأخلة لئلا تبول، فإذا
علموا أن ذلك قد بلغ منها، فتحوا عنها الأخلة وأخرجوا الدرجة من رحمها ونزعوا الغمامة عن أنفها،
وأدنوا إليها حوار غيرها، وذلك لترأمه وتدر عليه، يرونها أنه ولدها. قوله ثلطن يعني سلحن.
والحرض: أشنان وهو ضرب من الحمض إذا أكلته الإبل سلحت.
جُوفٌ مجارِفُ للخزيرِ وقدْ أوى سلبُ الزُّبيرِ إلى بَني الذّيالِ
قوله جوف، يقول: لا قلوب لهم. قال: وبنو الذيال من بني سعد، وهم رهط عمرو بن جرموز قاتل
الزبير.
لاقيتَ أعينَ والزُّبيرَ وجِعثنًا أعدالَ مُخزيَة عليكَ ثِقالِ
ودَعَا الزُّبيرُ مُجاشِعًا فترمزتْ للغدرِ الأمُ آنفٍ وسِبالِ
[ ٢ / ٤٩١ ]
قوله ترمزت، يعني تحركت، والترمز التحرك.
يا ليتَ جاركُمُ الزَّبيرَ وضيفكُمْ إيَّايَ لبَّسَ حبْلهُ بِحِباليِ
الله يعلمُ لَوْ تناولَ ذَّمِةً مِنَّا لجُزِّعَ في النُّحور عَوالي
قوله لجزع، يعني كُسر. يقال من ذلك جزع الشيء إذا كُسر، وعالية الرمح قدر الثلث مما يلي
السنان.
وتقُولُ جعثنُ إذْ رأتْكَ مُنقَّبًا قُبحتَ مِنْ أسدٍ أبي أشبال
ويروى مقنعا، أي يتقنع لئلا يعرف، لأنه صاحب سوأة. قال أبو عبد الله، قال أبو العباس: معناه أنك
لا تدفع عني، ومن شأن الأسد أن يحمي عرينه.
ألوي بها شذِبُ العرُوقِ مُشذَّبٌ فكأنَّما وكنتْ على طِربالِ
ويروى شبق العروق. قوله شذب العروق، يقول: ليس عليه لحم. قال: وهو من قولهم رجل مشذب.
يقول: هو رجل خفيف قليل اللحم، وقوله كأنما وكنت يريد جلست. وقوله طربال، وهو حصن
معروف. قال: وفي الحديث "إذا مررت بطربال مائل فأسرع المشي". كذلك كلام العرب.
لاقَى الفرزدقُ ضيعةً لم يُغيها إنَّ الفرزدقَ عنكَ في أشغالِ
باتَتْ تُناطِحُ بِالجَبوب جبينَها والرُّكبتينْ تنَاطُح الأوعالِ
[ ٢ / ٤٩٢ ]
ما بالُ أُمِّكَ إذْ تسربلُ درعَها ومِنَ الحديدِ مُفاضَةٌ سِربالي
شابتْ قُفيرةُ وهيَ فائِرَةُ النَّسا في الشَّولِ بوَّاصِرةٍ وفِصالِ
قوله فائرة النسا، يقول: هي منتشرة النسا من طول وركيها. والنسا عرق في الفخذ يقول:
بكرَتْ مُعجِّلةً يشَرشِرُ بظرَها قتبٌ ألحَّ على أزبَّ ثَفالِ
قوله ثفال هو البطيء. الثقين من الابل. وقوله يشرشر يقطع بظرها لركوبها هذا البعير الأزب.
قال: والأزب من الإبل الكثير شعر الأذنين والأشفار وإنما معناه أنها راعية يعيرها ذلك.
قبَحَ الالهُ بني خَضافِ ونُسوَةً باتَ الخزيرً لَهُنَّ كالأحقالِ
قوله بني خضاف قال الخضوف الضروط، قال: والأحقال داء يأخذ في أسفل البطن، فيسترخي لذلك
البطن يعيرها بذلك. ويروى الأجفال، وهي سلحان الفيلة لأن الفيل يسلح شيئا عظيما.
مِنْ كُلِّ آلِفَةِ المَواخِرِ تتَّقي بمُجرَّدٍ كمُجَرَّدِ البَغَّالِ
قوله آلفة المواخر تتقى واحدها ماخور، وهو بيت الخمار حيث يجتمع أهل الريب ويشربون على
مالا يحل من الحرام.
قامَتْ سُكينَةُ للِفُجورِ ولمْ تقُمْ بِنتُ الحُتاتِ لِسُورةِ الأنْفال
[ ٢ / ٤٩٣ ]
قال سكينة عمة الفرزدق. والحتات بن يزيد المجاشعي.
ودَّتْ سُكينةُ أنَّ مسجِدَ قومِها كانتْ سَوارِيهُ أُبورَ بِغالِ
ولَدَ الفرزدقَ والصعاصِعَ كُلَّهُمْ علجٌ كأنَّ وُجوههُنَّ مَقال
أراد كأن بظهورهن فكنى. وقوله مقال، جمع مقلى وإنما أراد أن وجوهن سود، وهو عند العرب ذم.
والبياض في النساء مدح لهن.
يا ضَبَّ قَدْ فرعتْ يمينى فاعلموا طُلقًا وما شَغلَ القُيون شمِالي
قال أبو عبد الله: ويروى يا ضب قد أمست يميني فاعلموا خلوًا.
يا ضَبَّ علِّي أَنْ تُصيبَ مواسِمِي كُوزًا على حنقٍ ورهطَ بِلالِ
وقوله عليَّ يريد: لعلي وهو لغة تميم.
كوز بن كعب بن خالد بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة، رهط المسيب، ورهط حصين
بن غوي، وكان من فرسانهم. وبلال بن هرمي من بني ضبيعة بن بجالة. ويونس النحوي مولى بلال
هذا.
يا ضَبَّ إنِّي قَدْ طبخْتُ مُجاشِعًا طبخًا يُزيلُ مجامِعَ الأوصالِ
قوله مجامع الأوصال، يريد البطن. قال سعدان أنشدنا الأصمعي:
طعنتُ مجامعَ الأوصال منه بنافذةٍ على دهشٍ وذُعرِ
يريد البطن.
يا ضَبَّ لوَلا حينُكُمُ ما كُنتمُ غرضًا لِنَبلي حين جَدَّ نضالي
يا ضَبَّ إنَّكُمُ البِكارُ وإنَّني مُتخمِّطٌ قَطِمٌ يُخافِ صيالي
[ ٢ / ٤٩٤ ]
متخمط متكبر. قطم فحل هائج.
يا ضبَّ غيركُمُ الصَّمِيمُ وأنْتُمُ تبعٌ إذا عُدَّ الصَّميمُ مَواليِ
يا ضَبَّ إنَّكُمُ لسَعْد حِشْوةٌ مِثْلُ البكارِ صممْتَها الأغفالِ
قال: والأغفال التي ليست عليهن سمات، واحدها غفل.
يا ضَبَّ إنَّ هَوى القُيونِ أَضَلَّكُمْ كَضَلالِ شيعَةِ أعْورَ الدَّجَّال
قال أبو عبد الله: جعل أعور اسمًا فلم يصرفه، وجعل الدجال من نعته لأنه معرفة.
فَضَحَ الكتيبةَ يومَ يضرُطُ قائِمًا سلْحُ النَّعامَةِ شَبَّةُ بْنُ عِقَالِ
ويروى السرية يوم يخطب قائمًا. كان شبه بن عقال من خطباء العرب فكان يوما يخطب وقد
اسحنفر في خطبته، حتى ضرط فضرب يده على استه فقال: يا هذه كفيناك السكوت فاكفينا الكلام.
مَا السِّيدُ حينَ ندبْتَ خالَكَ مِنْهُمُ كَبَنِي الأشَدِّ ولا بَنِي النَّزالِ
خالي الَّذي اعْتَسَرَ الهُذيْلَ وخيْلَهُ في ضيقِ مُعتركٍ لها ومَجالِ
جِئني بِخالِكَ يا فرزدقُ واعلمنْ أَنْ ليْسَ خالُكَ بالِغًا أَخْوالي
وقال الفرزدق يهجو جريرا:
[ ٢ / ٤٩٥ ]
يا ابْنَ المَراغَةِ إنَّما جارَيْتَنَي بِمُسبقينَ لَدَى الفَعالِ قِصارِ
والحابِسِينَ إلى العَشِيِّ ليأخذوا نُزُحَ الرَّكِيِّ ودِمْنَةَ الأسآر
ويروى ليشربوا. يقول: هم ضعفاء أذلاء، فلا يقوون أن يشربوا إلا بعد الناس كلهم كما قال
النجاشي:
ولا يردون الماء إلاَّ عشيةً إذا صدَرَ الوُرَّادُ عن كُلِّ منهلِ
قال: والأسار، واحدها سُؤر مهموز. قال: ودمنة هاهنا، طين وما بقي في أسفل البئر، وهو في هذا
الموضع مستعار، وأصل الدمنة مجتمع البعر والرماد ومصب اللبن.
قال الأخطل في السؤر:
وشاربٍ مُرْبحٍ بالكأسِ نادَمَني لا بالحُصُورِ ولا فيها بساءَرِ
يا ابْنَ المراغةِ كيفَ تطلُبُ دارمًا وأبوكَ بينَ حِمارَةٍ وحِمارِ
وَإذا كِلابُ بني المَراغةِ ربَّضَتْ خَطَرتْ ورائِي دار مي وَجَماري
قوله وجماري، يعني بني طهية وبني العدوية ابني مالك بن حنظلة، وقد فسرنا حديثهم في موضع
آخر. قوله خطرت ورائي، أصل الخطران أن يأكل الفحل الربيع فيسلح فيضرب بذنبه ميمنة
وميسرة فيتلبد على عراقيبه وما أصاب الذنب يمنة ويسرة - قال وهما العظمان الناتيان - فذلك
الخطر.
قال الشاعر:
كسا غرابيه نفي الخطر
هَلْ أنتُمْ مُتقلَدِّي أَرْباقِكُمْ بِفوارِسِ الهَيْجا ولا الأيْسارِ
[ ٢ / ٤٩٦ ]
يروى ما أنتم.
مثْلُ الكِلابِ تَبولُ فَوْقَ أَنوفِها يلْحَسْنَ قاطِرَهُنَّ بالأسحار
ويروى بالأشجار، يريد شجر الأرطى. ويقال الأشجار جمع شجر وهو مجتمع الشدقين، وقيل
مجتمع اللحيين. يقال شجر وشجور.
لَنْ تُدْرِكوا كرَمِي بِلُؤْمِ أَبِيكُمُ وأَوابِدي بتنحُّلِ الأشْعارِ
أوابدي قصائدي الغرائب كأوابد الوحش الواحدة آبدة، والتنحل ادعاء الشعر واستراقه.
هَلاَّ غَداةَ حبستُمُ أَعْياركُمْ بِجِدودَ والخَيلانِ في إعصارِ
والحوفزانُ مسوِّمٌ أَفراسهُ والمُحصناتُ حواسِرُ الأبكارِ
يدْعونَ زيْدَ مناةَ إذْ ولَّيتُمُ لا يتَّقينَ عَلى قَفًا بِخِمارِ
صَبَرتْ بَنو سعدٍ لِهمْ بِرِماحِهم وكشفتُمُ لَهُمُ عَنِ الأدبارِ
روى أبو عمرو: صبرت لهم سعد بحد رماحهم. وقوله عن الأدبار أي انهزمتم. قال اليربوعي:
وكان من حديث يوم جدود أن الحوفزان - واسمه الحارث بن شريك بن عمرو، وعمرو هو الصلب
بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن الصعب بن
علي بن بكر بن وائل - كانت بينه وبين سليط بن يربوع موادعة، فهم بالغدر بهم، وجمع بني شيبان
وذهلًا واللهازم، وعليهم حمران بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد. ثم غزا، وهو يرجو أن
يصيب غرة من بني يربوع، حتى إذا أتى بلاد بني يربوع نذر به عتيبة بن الحارث بن شهاب،
فنادى في بني جعفر بن ثعلبة، فحالوا بين الحارث بن شريك وبين الماء، والحوفزان في جماعة من
أفناء بكر بن وائل، فقال الحارث لعتيبة: إني لا أرى معك إلا بني
[ ٢ / ٤٩٧ ]
جعفر، وأنا في طوائف من بكر بن وائل، والله لئن ظفرت بكم لا تعادون عمارة من بني تميم أبدا - والعمارة الحي العظيم –
ولئن أنتم ظفرتم بي، ما تقتلون إلا أقاصي عشيرتي، والله ما لكم سموت، وقد عرفتم الموادعة التي بيننا
وبين اخوتكم بني سليط، فهل لكم أن تسالمونا وتأخذوا ما معنا من التمر وتخلو سبيلنا، فو الله لا
نروع يربوعيا أبدا. فأخذ عتيبة ما معهم من التمر وخلى سبيلهم. فسار الحارث في بكر بن وائل حتى
أغار على بني ربيع بن الحارث - وهو مقاعس - بجدود فأصابوا سبيًا ونعمًا وهم خلوف. فبعث
بنو ربيع صريخهم إلى بني كليب بن يربوع وهم يومئذ جيرانهم فلم يجيبوهم، فقال قيس بن مقلد
الكليبي لصريخ بني ربيع:
أمنكم علينا مُنْذرٌ لعدوِّنا ودَاعٍ بنا يوم الهياج مُندِّدُ
فقلتُ ولم أَسرُرْ بذاك ولم أُسَأْ أسعدَ بنَ زيدٍ كيف هذا التَّودُّدُ
فأتى صريخ بني ربيع بني منقر بن عبيد، فركبوا في الطلب فلحقوا بكر بن وائل، وهم قائلون، فما
شعر الحارث بن شريك، وهو قائل في ظل شجرة إلا بالأهتم بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر،
وهو واقف على رأسه، فوثب الحارث إلى فرسه فركبه، وقال للأهتم: من أنت؟ قال أنا الأهتم، وهذه
منقر قد أتتك. فقال الحارث: فأنا الحارث ابن شريك وهذه ربيع قد حويتها. فنادى الأهتم بأعلى
صوته يا آل سعد. ونادى الحارث يا آل وائل. وشد كل واحد منهما على صاحبه. ولحق بنو منقر
فقاتلوا قتالًا شديدًا، ونادت نساء بني ربيع يا آل سعد. قال: فاشتد قتال بني منقر لما نادى النساء،
فهزمت بكر بن وائل، وخلوا ما كان في أيديهم من السبي والأموال، ولم تكن لرجل منهم همة إلا أن
ينجو بنفسه، وتبعتهم منقر فمن قتيل وأسير.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
قال: وأسر الأهتم حمران بن عبد عمرو، ولم تكن لقيس بن عاصم همة إلا الحارث. قال: والحارث
يومئذ على فرس قارح يدعى الزبد. وقيس بن عاصم على مهر يقال إنه ابن فرس الحارث، واسمه
الزعفران. فلحق قيس بن عاصم الحارث فقال: استأثر يا حارث خير أسير. فقال الحارث لا بل شر
أسير، ثم قال قيس استأثر يا حارث خير أسير، فقال لا بل شر أسير، ثم قال الحارث ما شاء الزبد،
ثم زجر فرسه فسبق مهر قيس لقوته، وتخوف قيس أن يفوته الحارث فحفزه بالرمح في إسته، قال:
فبحفزة قيس سمي الحارث الحوفزان. فنجا الحارث بالحفزة ورجع بنو منقر بسبي بني ربيع
وأموالهم، وبأساري بكر بن وائل وأسلابهم. وفي هذا اليوم يقول قيس بن عاصم:
جزى الله يربوعًا بأسوإ فعِلها إذا ذُكرت في النائبات أمورُها
ويومَ جدودٍ قد فضحتم أباكم وسالمتم والخيلُ تدمَى نحورُها
ستخطِمُ سعدٌ والرِّبابُ أنوفكم كما غاط في أنفِ القضيبِ جريرُها
قوله غاط يعني دخل. قال والقضيب الناقة التي لم تُرض.
فأصبحتم والله يفعل ذاكم كمهنوءةٍ جرباءَ أُبرِزَ كورُها
وأصبحتم والله يفعل ذاكم كموءودةٍ لم يبقَ إلا زفيرُها
وأصبحتُ وغلًا في تميم وأصبحت عظامًا مساعيها سواكَ ودورُها
ويروى: وأصبحت مقادتها يجبى سواك وخيرها.
أقم بسبيل الحيُ إن كنتَ صادقًا إذا غضبت سعدٌ وجاش نصيرُها
عصمنا تميمًا في الأمور فأصبحت يلوذ بنا ذو وفرِها وفقيرُها
ويومَ جُواثا والنِّباجِ وثيتلٍ منعنا ربيعًا أن تُباحَ ثغورها
وغرَّكُمُ من رهطِكم كلُّ مَربعٍ جوابي جِهنّامٍ يمد نحيرها
[ ٢ / ٤٩٩ ]
قال: وجهنام أخو هريرة التي كان يشبب بها الأعشى وهو من بني قيس بن ثعلبة.
تساقطُ أفلاقُ الحَصَا في نحوركم بصحنِ العراقِ فاستبنتُمُ نحورها
وقال الأهتم في أسره حمران بن عمرو:
تمطَّت بحُمرانِ المنيَّةُ بعدما حَشَاه سنانٌ من شَرَاعةَ أزرقُ
دعا يالَ قيسٍ واعتزيتُ لمنقرٍ وقد كنتُ إذ لاقيتُ في الخيل أصدُقُ
وقال سوار بن حيان المنقري يفخر على رجل من بكر بن وائل:
ونحن حَفَزْنا الحوفزانَ بطعنةٍ سَقَتْهُ نجيعًا من دمِ الجوفِ أشكلا
وحمرانُ قسرًا أنزلتهُ رماحُنا فعالَجَ غِلًا في ذراعيه مُقفلًا
فما لكِ من أيامِ صِدْقٍ تعُدُّها كيوم جُواثا والنِّباجِ وثَيْتَلا
قَضَى الله أنَّا يومَ تقتسم العُلا أحقُّ بها منكم فأعطَى وأجزلا
فلست بِمْسطِيعِ السماءِ ولم تجد لِعِزٍّ بناه الله فوقَكَ منقلا
رجع إلى شعر الفرزدق.
فلنَحْنُ أَوْثَقُ في صُدور نسائِكُمْ عنْدَ الطَّعان وَقُبَّة الجَبَّار
منكُمْ إذا لَحق الرُّكوبُ كأنَّها خَرقُ الجَراد تثور يَوْمَ غُبار
خرق الجراد، قال: وذلك إذا جاءت منه قطعة. والركوب جمع راكب.
بالمُرْدَفاتِ إذا التقينَ عشيَّةً يبكينَ خلفَ أواخِرِ الأكوار
فأسأَلْ هَوازنَ إنَّ عندَ سَراتِهِمْ عِلْمًا ومُجتمعًا منَ الأخبار
[ ٢ / ٥٠٠ ]
فلتُخبرنَّكَ أنَّ عِزَّةَ دارمٍ سَبقتكَ يا ابنَ مُسْوق الأعيار
كيفَ التَّعَذُّرُ بعدَما ذمَّرْتُمُ سَقْيًا لمعضلَة النتَّاج نوَار
قوله ذمرتم، يقول مسستم مذمرة عند نتاجه، وهو أن يمس لحييه في بطن أمه، فإذا كان غليظًا كان
فحلًا. وقوله لمعضلة النتاج؛ يريد معيبة النتاج، يعني نتجت في مشقة وشدة. وقوله نوار، يريد
نفورا. والتعذر يريد به الاعتذار. وقال إنما يمس مذمره وهو ذفراه.
قَبحَ الإلهُ بني كُليب إنَّهمْ لا يغدْرونَ ولا يَفوْنَ لجار
لا يغدرون ولا يفون لجار، وذلك لضعفهم وقلة دفعهم عن أنفسهم، وغيرهم، وذلك كما قال النجاشي:
قبيلةٌ لا يغدرون بذمةٍ ولا يظلمون الناس حبَّةَ خردل
يَستيقظونَ إلى نُهاق أتانهم وتَنامُ أعيُنُهمْ عَن الأوتار
وحميرهم أيضا أي إذا سمعوا صوت الحمير انعظوا وقاموا اليها.
يا حقَّ كُلُّ بني كُليب فَوْقَهُ لؤْمٌ تسربلهُ إلى الأطفار
مُتبرقعي لُؤْمٍ كأنَّ وُجوههُمْ طُليتْ حَواجبُها عنيَّة قار
ويروى محاجرها يعني أنهم سود الوجوه من العار، العنية البول ورماد الرمث وخضخاض ردى
القت يطلى به البعير للجرب، وإنما جعله قارًا لسواده.
كَمْ منْ أبٍ ليَ يا جَريرُ كأنَّهُ قَمرُ المجرَّة أَوْ سراجُ نَهار
ورثَ المكارمَ كابرًا عَنْ كابر ضَخْم الدَّسيعَة يَوْمَ كُلِّ فَخار
[ ٢ / ٥٠١ ]
قال: الدسيعة: العطية. يقال دسع له دسعة أغنته، وذلك إذا أعطاه عطية جبرته. أصله من دسع
البعير بجرته.
تلقى فَوارَسنا إذا ربَّقتُمُ مُتَلبَّبينَ لكُلِّ يَوم غَوار
ولَقَد تركتُ بَني كُليب كُلَّهُمْ صُمَّ الرُّؤُوس مفقَّئي الأبصار
ولقدْ ضللتَ أباكَ تطلُبُ دارمًا كَضَلال مُلتمس طريقَ وَبار
وبار: أرض ورمال غلب عليها الجن فهي لا تسلك. وقوله مفقئي الأبصار: يريد فقئت عيونهم.
لا يهتدي أبدًا ولوْ نُعتتْ لَهُ بسَبيل واردَةٍ ولا إصْدار
قالوا عليكَ الشَّمْسَ فاقْصِد نحوَها والشَّمْسُ نائيةٌ عن السُّفار
لمَّا تكسَّعَ في الرِّمالِ هدَتُّ لهُ عرْفاءُ هاديةٌ بكُلِّ وَجار
قوله تكسع، يعني تحير وضل فلم يدر كيف يأخذ. وقوله بكل وجار، قال: الوجار جحر الضبع،
وقوله عرفاء وهي ضبع كثيرة شعر العُرف.
كَالسَّامريِّ يَقولُ إنْ حرِّكتهُ دعْني فَليْسَ عليَّ غيرُ إزار
قوله كالسامري، يقول: هو في ضلالة كالسامري الذي يتيه فلا يدري أين يتوجه، لأنه تائه وهو من
قول الله ﷿ ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ يقول: فأنت تضل قومك كما أضل السامري قومه فتاهوا في
الأرض.
لَوْلا لساني حيثُ كنتُ رفعتُهُ لَرميتُ فاقرَةٌ أَبا سَيِّار
[ ٢ / ٥٠٢ ]
قوله حيث كنت رفعته، يعني ذكرته، وأثنيت عليه وهو من قول الله تعالى. ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.
وفاقرة، يريد شنعة مشهورة تصيب من رُمي بها. قال وأبو سيار من غدانة. ويروى ناقرة وهي
المقرطسة. يقول هذه الناقرة تؤثر في الوجه، كما تؤثر النار في الوجه وغيره. وهذا مثل ضربه.
فَوْقَ الحواجِبِ والسِّبالِ كأنَّها نارٌ تلوحُ على شَفيرِ قُتارِ
قتار جمع قترة، وهي حقيرة الصائد التي يستتر فيها، ويروى قِتار بالكسر. قال أبو سعيد: قتار مكان
مرتفع. قال: وهو جمع قتر أيضا، وهو الناحية. وقال غيره قتار واحد وجمع. وقال آخر قتار جبل.
إنَّ البكارةَ لا يديْ لصغارِها بزحامِ أصيدَ رأسُهُ هدَّارُ
قَرْمٌ إذا سَمعَ القُرومُ هَديرهُ ولينهُ ورمينَ بالأبعارِ
ويروى ونبذن بالأبعار. وقوله قرم، هو الفحل الذي لا يركب لصعوبته وعزة نفسه، وقوله ورمين
بالأبعار، أي من فرقه. قال: والأصيد المائل رأسه من الكبر والتجبر.
كَمْ خالَةٍ لَكَ يا جَريرُ وعمَّةٍ فَدعاءَ قَدْ حلبت عَليَّ عشاري
الفدع هو خروج مفصل الإبهام مع ميل في القدم قليل. وقوله قد حلبت، يقول: هي راعية يعيرها
بذلك، لأن الرعي في الرجال. قال ومثل للعرب "يحلب بني وأضب على يديه" قال: وذلك أن امرأة
غاب عنها
[ ٢ / ٥٠٣ ]
رجالها الحلابون، وعندها صبي قد جاع وعطش، فلما خافت عليه جاءت به إلى شاة
فوضعت يده على طبيها وهي تعصر فوق يده وتحلب وهي تقول "يحلب بني وأضب على يديه".
ويروى بالضم والكسر - قال وإنما فعلت ذلك فرارًا من العيب أن تُعير بذلك. قال: والضَبُّ: الحلب
بأربع أصابع.
كُنَّا نُحاذر أنْ تَضيعَ لقاحُنا ولهًا إذا سمعتُ دُعاءَ يَسار
قال: ويسار اسم راع إذا سمعت دعاءه ولهت إليه صبابة. يقول: إذا سمعت هذه المرأة دعاء يسار
تركت الإبل وذهبت إليه.
شَغَّارةً تقذُ الفصيلَ برجْلها فطَّارةً لقَوادم الأْبكار
قوله شغارة، يقول نشغر الفصيل برجلها وذلك إذا دنا من أمه ليرضع وهي تحلب، ضربته برجلها
من خلف. شبه الرمح فتدق عنقه وذلك كما قال الجعدي:
غرَّزها أخضرُ النواجذ نسَّا فٌ نحورَ الفِصال بالقدم
قوله غرزها، يقول رفع لبنها وبقاه. قال: والفطر: الحلب بالسبابة والوسطى ويستعين بطرف
الإبهام. قال: وخلفا الضرع المقدمان وهما القادمان، وجمعه القوادم. قال والأبكار تحلب فطرًا، لأنه لا
يستمكن أن يحلبها ضبا، وذلك لقصر الخلف لأنها صغار.
كانتْ تُراوحُ عاتقيْها عُلْبَةً خلفَ اللِّقاح سريعةَ الادرارِ
ولقدْ عركتُ بَني كُليب عركَة وتركتُهُمْ فقعًا بكُلِّ قَرار
[ ٢ / ٥٠٤ ]
فأجابه جرير فقال:
قال: في الأصل هذه القصيدة مقدمة، والتي مضت جوابها.
ما هاجَ شَوْقَكَ منْ رسوم ديار بِلَوى عُنبَّقَ أَوْ بصُلبِ مَطارِ
وروى أبو عبيدة: بلوى عنيزة، وعنيق ومطار موضعان، ويروى بلوى عنبق وهي تصغير عناق،
وهو هاهنا موضع. والرسم أثر الديار ما لم يكن شخصا، والطلل ما كان له شخص. واللوى منقطع
الرمل.
أبقَى العواصفُ منْ معالم رَسْمها شَذبَ الخيام ومربَطَ الأمهارِ
ويروى من بقية رسمها. الشذب ما تشذب من عصي الخيام وتفرق، والخيام بيوت يبتنونها في
المرتبع، أعمدتها خشب، وتظلل بالثمام وما أشبهه من الشجر، فإذا رجعوا إلى المياه تركوا البيوت
على حالها، وإنما يفعلون ذلك لأن ظل الخيام أبرد من ظل الأخبية وهي الأبنية. والعواصف: الرياح
الشديدة الهبوب.
أَمِنَ الفراق لعبتَ يومَ عُنيزة كهواكَ يومَ شقائق الأحفار
قوله يوم عنيزة وهي تصغير عنز وهو هاهنا موضع.
ورأيتُ نارَك إذْ أضاءَ وقودها فرأيتُ أحسنَ مُصطلينَ ونَار
قال سعدان، قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء فقلت: ما الوقود؟ فقال: تحرق النار. فقلت فما
الوقود؟ قال: الحطب. قلت فما الوضوء؟ قال الماء الذي يتطهر به. قلت فما الوضوء؟ قال لا أعرفه.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
أَمَّا البعيثُ فقدْ تَبيَّنَ أنَّهُ عبدٌ فعلَّكَ في البعيث تُماري
واللُّؤْمُ قَدْ خَطَمَ البعيث وأرزمتْ أُمُّ الفرزدق عندَ شرِّ حُوار
قوله أرزمت، يعني حنت. وهو حنين الناقة، فاستعاره من الناقة فصيره لأم الفرزدق، وقد تفعل
العرب ذلك كثيرا. يقول: أم الفرزدق حنت عند شر مولود، وأصل الأرزام للناقة.
إنَّ الفرزدقَ والبعيثَ وأُمَّهُ وأبا البعيث لشرُّ ما إستار
قال: والإستار وزن أربعة فهم أربعة وهم شر كلهم، وأراد بالإستار جهار بالفارسية.
طاحَ الفرزدقُ في الرِّهان وغمَّهُ غمرُ البديهة صادقُ المضْمارِ
قال: والبديهة المفاجأة. يقول: يغمر من يبدهه في المجاراة واللقاء. يقول: هو حاضر الجواب في كل
حال.
تَرْجو الهوادةَ يا فرزدقُ بعدَما أطفأتَ نارَكَ واصطليتَ بناري
إنِّي لتُحرِقُ منْ قصدْتُ لشتمه ناري ويلحقُ بالغُواة سُعاري
تبَّا لفخركَ بالضَّلال ولمْ يزلْ ثَوْبا أبيكَ مُدنَّسينَ بعار
ماذا تقولُ وقدْ علوتُ عليكُمْ والمسلُمونَ بما أقولُ قَواري
قوله قوار، يعني يتبعون أفعال الناس، ويشهدون بالحق عليهم، كما يتتبع مقتص الآثار فيها. وكما
تقرو الأرض، وذلك إذا تتبعت الآثار فيها.
وإذَا سألتَ قَضَى القُضاةُ عليكُمُ وإذا افتخرتَ علاَ عليكَ فخاري
فأنا النَّهارُ عَلا عليكَ بضوئه واللَّيلُ يقبضُ بسطَةَ الأبْصار
[ ٢ / ٥٠٦ ]
إنَّا لنربعُ بالخَميسِ تَرى لَهُ رهجًا ونضربُ قَونسَ الجبَّار
إذْ لا تغارُ عَلى البنات مُجاشعٌ يومَ الحُفاظ وَلا يَفون بجار
أنَّى لقَوْمكَ مثلُ عدوَة خَيلنا بالشِّعْبِ يَومَ مُجزَّل الأُمْرار
الشعب اسم جبل. وقوله مجزل الأمرار، قال: كانت بكر بن وائل نزولا بالأمرار، وما يليه، فسار
إليهم الحارث بن يزيد، وكانت فيهم جارية من بني شيبان عاشقا، فاكتلأت تنظر فرأت رجلا معتجرا
بشقة برد متنكبا قوسه، فلاحت لها صفحة القوس، فأنبهت أباها، فقالت: يا أبة إني رأيت متن سيف،
أو صفحة قوس على موضع السلاح في الشمال، من رجل أجلى الجبين، براق الثنايا، كأن عمامته
ملوثة بشجرة. قال: يا بنية إني لابغض الفتاة الكلوء العين. قالت: والله ما كذبتك فصاح في قومه،
فأنذرهم. فقالوا: ما نبه ابنتك في هذه الساعة إلا أنها عاشق، فاستحيا الشيخ، فانصرف. وقالت له
ابنته: ارتحل فإن الجيش مُصبحك. ففعل. فأصبحوا، فوقعت بنو سعد ببكر بن وائل فقتلوا وملأوا
أيديهم من السبي، فقال الأقرع بن نعيم بن الحارث بن يزيد:
أبي غداةَ حُفْرَةِ المجزلِ سارَ بجرَّارٍ كثيرِ القسطل
تَقدَعُ أُولاها بهابٍ وَهلِ
قَوْمي الَّذين يزيدُ سَمْعي ذكرُهُمْ سمعًا وكانَ بضَوْئهمْ إبْصاري
والمُوردون عَلى الأُسِنَّة قُرَّحًا حُمْرًا مساحلُهُنَّ غيرَ مهار
قوله مساحلهن يعني مسحل اللجام. يريد تحمر من الدم، كما قال:
مَججْنَ دمًا من طولِ علْكِ الشَّكائمِ
[ ٢ / ٥٠٧ ]
ومسحلا اللجام: الحديدتان اللتان تكتنفان لحيي الفرس.
هلْ تشكُرونَ لَمنْ تَدارَكَ سبيُكمْ والمردَفاتُ يملنَ بالأكوار
إنِّي لتُعْرَفُ في الثُّغور فَوارسي ويفُجِّرونَ قَتامَ كُلِّ غُبار
نحنُ البُناةَ دَعائمًا وسَواريًا يعلُونَ كُلَّ دَعائم وسَوار
تَدْعو ربيعةُ والقَميص مُفاضَةٌ تحتَ النِّجاد تُشَدُّ بالأزْرار
قال: عنى بقوله تدعو ربيعة يريد به