قال أبو عبيدة: كانت قبائل بني سعد بن زيد مناة، وقبائل بي عمرو بن تميم، التقت بتياس، فقطع
غيلان بن مالك بن عمرو بن تميم، رجل الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة، فسمي الأعرج
فطلبوا القصاص، فأقسم غيلان ألا يعقلها، ولا يقصها، حتى تحشى عيناي ترابًا، وقال:
لا نعقِلُ الرجلَ ولا نَديها حتى تُرى داهيةٌ تُنسيها
فالتقوا، فاقتتلوا، فخرجوا غيلان، حتى ظنوا أنهم قتلوه. ورئيس عمرو كعب بن عمرو، ولواؤه مع
ابنه ذؤيب، فجعل غيلان يخل البوغاء في عينيه ويقول: تحلل غيل، حتى مات فقال ذؤيب بن كعب
لأبيه كعب:
يا كعبُ إنّ أخاكَ مُنحَمِقٌ إنْ لم تَكُن بكَ مرّةٌ كعبُ
أتجودُ بالدمِ ذي المَضنّةِ في الجُلّى وتُلوى النابُ والسقبُ
فلان إذ أخذتْ مآخذَها وتباعدَ الأنسابُ والقُرَبُ
أنشأتَ تطلبُ خُطّةً غَبنًا وتَركتَها ومَسدُها رَأبُ
جانيكَ مَن يجني عليكَ وقد تُعدِي الصحاحَ مَبارِكَ الجُربُ
والحربُ قد تضطرُ جانيَها إلى المَضيقِ ودونها الرُحب
قال أبو عبيدة، أنشدني داءوذ أحد بني ذؤيب، وغيره: الصحاح مبارك الجرب، فرفعوا مبارك
وجرّوا الجرب وذلك إقواء وقال أبو الخطاب: إن عامة أهل البدو ليست تفهم ما يريد الشاعر، ولا
[ ٣ / ١١٠٢ ]
يُحسنون التفسير، وإنما أتى أقواء هذا، من قلة فهم الذين رووه، وإنما عنى الشاعر وقد يُعدي
الأجرب الصحيح مبركًا، فلما وجدوه مقدمًا ومؤخرًا، لم يحسنوا تلخيصه، ووجدوا مبارك لا
ينصرف، فأظلم المعنى عليهم. وإنما أراد وقد تعدي الصحاح مبارك الجرب.
أصَعصَعَ بعضَ لَومكَ إنّ ليلى رَوادُ الليلِ مُطلَقًةُ الكِمامِ
صعصعة بن ناجية أبو غالب أبي الفرزدق. يريد بعض لومك بني مجاشع. ويروى إن أمِّكَ بعد
ليلى.
أصَعصَعَ قالَ قَينُكَ أردفينى وكوني دونَ واسطةٍ أمامي
تُفدّي عامَ بِيعَ لها جُبيرُ وتزعمُ أنّ ذلكَ خيرُ عامِ
بيع اشتري. جبير عبد كان لصعصعة.
بِها شَبهُ الزّبابَةِ في بَنيها وعِرقٌ من قُفيرةَ غير نامِ
الزبابة الفأرة، نبز بها أم الفرزدق لينة بنت قرطة. وقفيرة جدة الفرزدق.
قُفيرةُ وهيَ ألأمُ أمّ قَومٍ تُوفّي في الفرزدقِ سَبعَ آمِ
فإن مجاشعًا فتَبيّنوهُم بَنو جَوخَى وجَخجخَ والقُذام
جوخى، وجخجخ، والقذام، إماء كلهن.
وأمهمُ خَضافِ تَداركَتهُم بِدَخلٍ في القلوبِ وفي العِظام
[ ٣ / ١١٠٣ ]
وقال الفرزدق يهجو أصم باهلة، واسمه عبد الله بن الحجاج بن عبد الله بن كلثوم، من بني ذبيان بن
جنادة:
إخالُ الباهليّ يظنُ أنيّ سَأقعُدُ لا يجاوزُهُ سِبابيِ
فأمي أمهُ إنْ لم يجاوِزْ إلى كعب ورابِيَتَي كِلابِ
ويروى فإني مثله إن لم يجاوز. كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وكلاب ابن ربيعة أخوه.
أأجعلُ دارِمًا كأبني دُخان وكانا في الغنيمةِ كالرِكاب
ابنا دخان غني وباهلة. وكانوا يسبون بذلك في الجاهلية. قال الخطل:
تعوذُ هَوازِنٌ بابنَي دُخانٍ لَعمرُكَ إنّ ذا لهُوَ الشّنارُ
وسَوّدَ حاتِمًا أنْ ليسَ فيهِم إذا ما شُبّتٍ النيرانُ نارُ
وما أحدٌ منَ الأقوامِ عَدُوا فُروعَ الأكرمينَ إلى الترابِ
أباهِلَ أينَ مَلجَؤكُم إذا ما لجَقنا بالمُلوكِ وبالقِبابِ
تهامَةَ والأباطِح إذ سَددنا عليكم من تَهامةَ كل بابِ
إذا سَعدُ بنُ زيدِ مَناةَ سالَتْ بإكثرَ في العديدِ منَ الترابِ
[ ٣ / ١١٠٤ ]
فإن الأرضَ تعجِزُ عن تميمٍ وهم مِثلُ المُعبّدةِ الجِرابِ
وجدتُ لهم على الأقوامِ فضلًا بِتَوطاء المَناخِرِ والرقابِ
لقد هَتكَ المحارِمَ بأهلي يجُسُ لأختهِ ركبَ الحَقابِ
تَبيتُ فقاحُكم يَركَبنَ مِنها فُروجًا غير طيّبةِ الخِضابِ
ولو سيرتُم فيمن أصابتْ على القسماتِ أظفاري ونابي
إذا لرأيتُمُ عِظةً وزَجرًا أشدّ منَ المُصمّمةِ العِضابِ
بمَحتفظَينَ إن فضّلتُمونا عليهم في القديمِ ولا غِضاب
ولو رَفعَ السماء إليه قومًا لحقنا بالسماء على السحابِ
وهل لأبيكَ من حَسبٍ يُسامِي مُلوكَ المالكين ألي الحجابِ
يعني مالك بن حنظلة ومالك بن زيد مناة.
قال فعجز الباهلي عن نقيصتها، فأجابه جرير، فقال:
ألا حَيّ المَنازِلَ بالجِنابِ فقد ذكّرنَ عهدَكَ بالشبابِ
أجِدّكَ ما تذكرُ أهلُ دارِ كأنّ رُسومَها ورقُ الكتابِ
يريد أبجد منك، فلما طرح الباء نصب. الرسم الأثر في الدار بلا شخص. ويروى أما تنفك تذكر
عهد دارٍ كأن.
[ ٣ / ١١٠٥ ]
لعمرُ أبي الغَواني ما سُلَيمَى بِشملالٍ تَراحُ إلى الشبابِ
شملال خفيفة سريعة. تراح ترتاح، وتريده وتسرع إليه.
تُكَنُ على النواظِرِ ثم تبدو بُدوّ الشمسِ من خللِ السحابِ
لياليَ تَرتميكَ بنبل جنّ صَموتُ الحِجلِ قانئةُ الخِضابِ
كأنكَ تستعيرُ كلى شَعيبٍ وَهتْ من ناضِح سرَبِ الطباب
الشعيب المزادة من أديمين يُشعب بينهما كل راوية شعيبان. الكلى واحدتها كلية، وهي رقعة أسفل
عروة المزادة. وههت سالت. ناضح سقاء ينضح سرب سائل. الطباب جلدة مستطيلة تضرب على
أسفل المزادة. شبه دمعه بهذه المزادة.
وما بالَيتُ يومَ أكُف صَحبي مخَافَةَ أن يُفنّدَني صِحابي
تَباعَدَ من مَزارِكَ أهلُ نجدٍ إذا مرّت بذي خُشُبٍ رِكابي
غريبا عن ديارِ بني تَميمٍ ولا يخزي عشيرتي اغترابي
لقد عَلمَ الفرزدقُ أنّ قومي يُعدّونَ المَكارِمَ للسبابِ
يحُشّونَ الحروبَ بمُقرَباتٍ وداؤوديّةٍ كأضا الحَبابِ
يحشون يوقدون. بمقربات مكرمات. داؤودية دروع من صنعة داءود ﵇ الأضا الغدران،
واحدتها أضاة. والحباب الطرائف على الماء، مثل الوشى، شبه الدروع به.
إذا آباؤنا وأبوكَ عُدوا أبان المُقرفاتُ منَ العِرابِ
[ ٣ / ١١٠٦ ]
أبان استبان. المقرفات الهُجن من الخيل.
فأورَثكَ العَلاةَ وأورَثونا رِباطَ الخيلِ أفنيةَ القبابِ
وأن عَدّتْ مكارِمَها تميمٌ فَخَرتَ بمرجَلٍ وبعقر نابِ
ألسنا بالمكارمِ نحنُ أولى وأكرمُ عندَ مُعترَكِ الضرّابِ
وأحمدُ حينَ يحمدُ بالمقَقاري وحالَ المُربِعاتُ منَ السحابِ
المربعات السحائب التي تمطر في الربيع.
وأوفَى للمُجاورِ إن أجَرنا وأعطى للنّفيساتِ الرّعابِ
صبرنا يومَ طِخفةَ قد علمتُم صُدورَ الخيلِ تخطُ في الجرابِ
وَطِئنَ مجاشعًا وأخذنَ غَصبًا بَني الجَبّار في رَهج الضبابِ
يعني قابوس وحسان ابني المنذر، أسرتهما بنو يربوع يوم طخفة.
ويَربوعٌ هُمُ أخذوا قديمًا عليكَ منَ المَكارم كل بابِ
فلا تفخرْ وأنتَ مجاشعيٌّ نَخيبُ القَلبِ مُنخرِقُ الحِجابِ
فلا صًفوٌ جَوازُكَ عندَ سَعدٍ ولا عَفُ الخليقةِ في الرّبابِ
جوازك سقيك الماء إياه، وأن يجاز من منهل، وماء إلى ماء.
وقد أخزاكَ في نَدواتِ قيس وفي سعد عِياذُكَ من زَبِابِ
ندوات جمع ناد. قيس بن ثعلبة، وسعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
ألم ترَ مَن هجاني كيفَ يَلقى إذا غَب الحديثُ منَ العَذابِ
يَسُبُهُمُ بسَبّي كلُ قومٍ إذا ابتدرَتْ مَحُاوَرةُ الجواب
[ ٣ / ١١٠٧ ]
فكُلّهمُ سقيتُ نَقيعَ سَمّ بِنابي مخدِر ضرَمِ اللُعابِ
لقد جارَيتَني فعَرفتْ أني على حظّ المُراهن غير كابِ
سبقتُ فجاء وجهي لم يُغير وقد حطّ الشكيمةَ عَضُ نابِ
فما بلغَ الفرزدقُ في تميمٍ كمبلغ عاصِم وبَني شِهابِ
عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع جد قعنب. وعتيبة بن الحارث بن شهاب بن عبد قيس بن
الكباس بن جعفر بن ثعلبة بن يربوع.
ولا بلغَ الفرزدقُ في تميمٍ تخَيرُيَ المَضارِبَ وانتجابي
أنا أبنُ الخالدَين وآل صَخرٍ أحَلُوني الفُروعَ منَ الرّوابي
الخالدان خالد بن منقر، وخالد بن غنم أخو جشم بن سعد. وصخر ابن منقر. الروابي الإكام
المشرفة. يقول: جعلوا لي عزًا مشرفًا.
وسيفُ أبي الفرزدقِ قد علمتُمْ قَدومٌ غير ثابتَه القِرابِ
أجيرانَ الزبيرِ غَرَرتمُوهُ كما أغترّ المُشبّهُ بالسرابِ
ولو سارَ الزبير فحَلّ فينا لما يَئسَ الزبير منَ الإيابِ
لأصبحَ دونهُ رَقَماتُ فَلج وغُبرُ اللامعاتِ منَ الحِدابِ
وما باتَ النّوائِحُ من قُريشٍ يُراوجنَ التّفجُعَ بانتحابِ
على غيرِ السواء مَدحتَ سَعدًا فزِدهُم ما استطعتَ منَ الثوابِ
[ ٣ / ١١٠٨ ]
همُ قَتلوا الزبير فلم تُنَكّرْ وعَزوا عُقرَ جِعثن في الخِطابِ
فداوِ كُلومَ جِعثنَ إنّ سعدًا ذَوو عادِيّةٍ ولهُى رِعابِ
كلوم جراجات. عادية عز قديم، لهى عطايا عظام الواحدة لهوة، رغاب واسعة.
سأذكُرُ من قُفيرةَ ما علمتُم وأرفعُ شأنَ جِعثنَ والربابِ
جعثن أخت الفرزدق. والرباب بنت الحتات المجاشعي.
وعارًا مِنْ حمُيدَةَ يومَ حَوطٍ ورَضخًا مِن جَنادِلها الصلابِ
فأصبح غاليًا فتَقسّموهُ عليكم لحمُ راحلَةِ الغُرابِ
تحَكّكْ بالعَدان فإن قيسًا نَفَوكُم عن ضرَيّةَ والهِضابِ
كَجعثنَ حينَ أسبلَ ناطِفاها عَفرتُم ثوبَ جِعثنَ في الترابِ
فشُدّي مِن صَلاكِ على الرُدافَى ولا تَدعي فإنكِ لن تجُابي
لنا قيسٌ عليكَ وأيُ قوم إذا ما احمرّ أجنحةُ العُقابِ
احمر يعني من دم القتلى. والعقاب الراية.
أتعدِلُ في الشكيرِ أبا جُبير إلى كَعبٍ ورابيتي كِلابِ
الرواية أتعدل فش كير أبي جبير إلى
وجدتَ حَصى هَوازِنَ ذا فُضولٍ وبَحرًا أبنَ شِعرَةَ ذا عُبابِ
وفي غَطفانَ فأجتنيوا حماهُم لُيوثُ الغيلِ في أجم وغابِ
ألم تسمع بخيلِ بني رِياحٍ إذا ركَبتْ وخيلِ بني الحُبابِ
[ ٣ / ١١٠٩ ]
رياح بن يربوع. وبنو الحباب يريد عمير بن الحباب بن أياس بن جعد بن حزابة ابن محارب بن
هلال بن فالج بن ذكوان بن بهثة بن سليم.
همُ جَذُوا بيَ جُشمَ بن بكرٍ بِلُبّي بعدَ يومِ قُرى الزوابي
جذواب قطعوا أصلهم. لبى مكان بالجزيرة بين بلد والعقيق من أرض الموصل. فالتقوا وعلى قيس
عمير بن الحباب، وعلى بني جشم زياد بن هوبر، فانهزمت تغلب. وفي ذلك يقول نفيع بن سالم بن
شبّة بن الأشيم بن ظفر بن مالك بن غم بن طريف ابن خلف بن محارب بن خصفة بن قيس بن
عيلان بن مضر:
فإن بماكِسينَ ودَيرِ لُبّى مَلاحِمَ ذِكرُها خِزيٌ وعارُ
حماةُ ذِمار تغلبَ في مَكرّ تطوفُ بِها الجَيائِل والنّسارُ
الجيائل جمع حيال، وهي الضبع. والأخيل طائر يرتبع على الجيف، ويقال إنه الغراب.
جعلتُم ناركُم لهُمُ قُبورًا لهَا منهُم إذا شُبّت قُتارُ
وذاك أن القتلى أنتنت وتطرّقت عليها السابلة، فتأذت براحتها، فأرتأت بنو تغلب، فاجتمع رأيهم على
أن يحرقوهم بالنار، وولي ذلك الشمرذي التغلبي.
أردتُم أن تجُنّوها فتَخفى نِيارُكُم إذا أحترقَ الشّنارُ
وحَيُ محارِبِ الأبطالِ قِدمًا أولُو بأسٍ وأحلامٍ رِعابِ
خُطاهُم في الحُروبِ إلى الأعادي يَصلنَ سُيوفَهُم يومَ الضرابِ
[ ٣ / ١١١٠ ]
وقال جرير يقضي بين الأصم الباهلي وبين الفرزدق:
سأحكمُ بين قَين بَني عِقالٍ وبين أصمّ باهِلَةَ المُرادي
فأما القَين قَين بني عقالٍ فذو الكيرَين والبرُمِ الجيادِ
وأما الباهليُ فسُمُ أفعى على أحناء حيةِ كلّ وادي
وقال الفرزدق لجرير:
يَمُتُ بحَبل مِن عُتيبةَ إذ رأى أنامِلَهُ رُكّبنَ في شرّ ساعِدِ
ومِن قَعنبٍ هيهاتَ ما حَلّ قَعنبٌ منَ الخَطفى بالمنزل المُتباعِدِ
ومِنْ آلِ عَتّابَ الرديفِ ولم يكن لذلكَ أبوابَ المُلوكِ بشاهِدِ
فخرتَ بما تبني رِياحٌ وجعفرٌ ولستَ لما تبني كُليبٌ بحامدِ
فأجابه جرير فقال:
أنا أبنَ أبي سعد وعمرو ومالك وضَبةُ عبدٌ واحدٌ وابنُ واحدِ
أجئتَ تَسوقُ السيدَ خُضرًا جُلودُها إلى الصيدِ من خالي صخرٍ وخالدِ
ألم ترَ أنّ الضبّ يهدِمَ جُحرَهُ وترأسهُ بالليلِ صُمُ الأساودِ
فإنّا وجدنا إذع وَفَدنا إليكُمُ صدورَ القَنا والخيلَ من خير وافِدِ
وأبليتُمُ في شأن جِعثنَ سَوءةً وبانَ ابنُ عَوّامٍ لكم غير حامدِ
فيا ليتهُ يدعو عُبيدًا وجعفرًا وشُمًا رِياحِيّينَ شُعرَ السواعِدِ
[ ٣ / ١١١١ ]
وقال جرير حين هلك الأخطل:
زارَ القُبورَ أبو مالكِ فأصبحَ أهونَ زُوّارِها
لِتَبكِ عليهِ دَرومُ العِشاء خبيثٌ تَنسمُ أسحارِها
وتُكثَرُ في مُستقرّ الجَنينِ منَ الثُوم في قُبلِ أطهارِها
وقد شَبرتْ أيرَ قَسّ القُسوسِ فكانَ ثلاثة أشبارِها
وتبكي بناتُ أبي مالِكٍ ببوقِ النصارى ومِزمارِها
لقد سرني وقعُ خيل الهُذيلِ وتَرغيمُ تغلِبَ في دارِها
وفاتَ الهُذيل بني تغلِبٍ وجَحّافُ قيسٍ بأزفارِها
تحُضّونَ قيسًا ولا تَضبِرونَ لِزَبن الحروبِ وإضرارِها
فأجابه الفرزدق فقال:
زارَ القُبورَ أبو مالكٍ برغمِ العُداةِ وأوتارِها
وأوصى الفرزدقُ عندَ المماتِ بأمّ جريرٍ وأعيارِها
قُبيلَةٌ كأديم الكراعِ تعجِزُ عن نقضِ أمرارِها
همُ يُظلَمونَ ولا يَظلمونَ إذا العيسُ شُدّتْ بأكوارِها
ولا يمنعونَ نُسيّاتهِم إذا الحربُ صالت بأظفارِها
ولكن عضاريط مُستأخِرونَ زعانفَةٌ خلفَ أدبارِها
كَسعتُ كُليبًا فما أنكرتْ كحَسعَ المَخاضِ بأغبارِها
[ ٣ / ١١١٢ ]
الكسع أن يضرب الحالب مؤخر الناقة والشاة، وإذا فرغ من حلبها لتتنحى عنه، ويقدّم أخرى
فيحلبها. أغبارها بقايا لبن في ضروعها، يتركونها ولا يُجهدون حلبها، ليكون أقوى لها ولولدها في
العام المقبل. ويقال لذلك داعي اللبن. وجاء في الحديث: "إذا حلبتَ فدع داعي اللبن".
[ ٣ / ١١١٣ ]
قال حدثنا أبو عبيدة، قال: لقي الفرزدق جارية لبني نهشل، فنظر إليها نظرًا شديدًا، فقالت: ما لك
تنظر إلي، والله لو كان لي ألف حر، ما أطمعت واحدًا فيك. قال: ولمَ يا لخناء؟ قالت: لأنك قبيح
المنظر، سيئ المخبر فيما أرى. قال: أما والله لو خبرتيني، لعفّى خُبري على منظري. ثم تكشّف عن
مثل ذراع البكر، فتضبّعت له عن مثل سنام الناب، فواثبها فقالت له: أنكاحًا بالنسيّة، هذا سوء
القضية. قال: ويحك ما معي إلا جُبتي أفتقولينك سالبتها. قالت: فاعطني العقال الذي في حقويك.
فأعطاها إياه ثم تسنّمها وقال في ذلك:
لمّا اعتركنا بالفضاء القَفرِ حينَ عَلَتنا عالياتُ البُهرِ
ودَبّحَتْ فأضطجعتْ للظهرِ أولجتُ فيها كذِراعِ البَكرِ
مُدَملكَ الرأس شديدَ الأسرِ زادَ على شِبر ونصفِ شِبرِ
كأنني أولجتهُ في جمرِ يُطيرُ عنهُ نفيانَ الشَّعرِ
نفيَ شُعورِ الناس يومَ النحرِ تَلّهفتْ حينَ نزحتُ بَحري
وأنسلُ منها مُستهلُ القَطرِ تدعُو بِوَيلٍ وبحَرّ صَدرِ
قلتُ لها مَهلا فما من عَكرِ جئتُ فلن أرجِعَ طولَ الدهرِ
فحملت منه، فماتت بجُمع بعد ذلك، فقال فيها الفرزدق يبكّيها، ويبكي ولدها:
وغمد سلاح قد رُزئتُ فلم أنُحْ عليهِ ولم أبعَي عليه البَواكيا
وفي جوفهِ من دارِم ذو حَفيظةٍ لو أنّ المنايا أنسأتهُ لَياليا
ولكنّ رَيبَ الدهرِ يعثرُ الفَتى ولا يستطيعُ ردّ ما كانَ جائِيا
وكم مثلهِ في مِثلِها قد وضعتهُ وما زِلتُ وَيّابًا أجرُ المُخازيا
ولكن وقاني ذو الجلالِ بقُدرةٍ شرورَ زواني الناس إذ كنتُ زانيا
[ ٣ / ١١١٤ ]
فقال جرير يعيره بذلك:
وكم لكَ يا ابنَ القَين قد جاء سائلًا من ابنِ قَصيرِ الباع مثلُكَ حاملُهْ
أتيتَ بهِ بعدَ العِشاء مُلَفّفًا فألقيتَهُ للذئبِ فالذئبْ آكِلُهْ
وآخرك لا تَشعُرْ بهِ قد أضعتَهُ وأودعتَهُ رِحما كثيرًا غَوائِلُهْ
[ ٣ / ١١١٥ ]
قال، وحدثنا أبو عبيدة قال: نكح الفرزدق ظبية بنت دلم بن الهثهاث، من بني مجاشع، بعد نوار،
وبعد ما أسن وكبر، فتركها عند أمها بالبادية، ثم خرج إليها وأنشأ يقول:
لقد طالَ ما أودَعتُ ظبيةَ أمها فهذا أوانٌ فيهِ الودائِعُ
وقال الفرزدق حين أتاهم:
لَعَمرُكَ إنْ ربيّ أتاني على البِلَى بظبيةَ إنّ اللهَ بي لرحيمُ
بمَمكورَة الساقين خَفّاقَةِ الحَشا إلى الزادِ لأيًا في الظلامِ تقومُ
وقال حين أراد أن يبني بها:
أبادِرُ شَوّالًا بظبيةَ إنني أتتني بها الأهواء من كل جانبِ
بمالئَةِ الحِجلَين لو أنّ ميتًا وإنْ كانَ في الأكفانِ تحتَ النصائبِ
دَعتهُ لألقَى التربَ عنهُ انتفاضُهُ ولو كانَ تحتَ الراسياتِ الرواسِبِ
فأبتنى بها الفرزدق، فعجز عنها، فأنشأ يقول:
يا لهفَ نفسي على نَعظٍ فُجِعتُ بهِ حينَ التقى الركبُ المَحلوقُ والركبُ
فقال له رجل من بني كور: أعجزت أبا فراس، فوالله إني لأحمل على ذكري جزة صوف. فقال
الفرزدق:
لنِعمَ الأيرُ أيرُكَ يابنَ كُوزٍ يُقِلُ جُفالَةَ الكَبشِ الجَزيز
[ ٣ / ١١١٦ ]
فقال الكوزي: نشدتك الله، وجرير شاهد ذلك، فقال جرير يعيره:
وتقولُ ظبيةُ إذا رأتكَ محُوقِلًا حُوقَ الحمارِ منَ الخَبال الخابِلِ
إنّ البليةَ وهوَ كُلُ بليّةٍ شَيخٌ يُعلّلُ عِرسَهُ بالباطِلِ
لو قد علقتُ منَ المُهاجر سُلّمًا لَنجوتُ منهُ بالقضاء الفاصِلِ
فقال المهاجر: والله لو أتتني بالملائكة لقضيت للفرزدق عليها.
وحدثنا أبو عبيدة، قال: مر شيخ من بني العنبر بعد تزوج الفرزدق بظبية، بجرير بن الخطفي، فقال
له جرير: أين تريد؟ قال: البصرة. قال: فبّلغ هذه الأبيات الفرزدق:
إنّ الرزيةَ لا رَزيةَ مِثلَها شيخٌ يُعللُ نفسهُ بالباطلِ
أعجَزتَ عنها إذ أتتكَ بكعثَبٍ كالحُقّ أو ضرعٍ المُربّ الحائِلِ
لو كانَ غيركَ يا فرزدقُ أعوَلتْ مِن حَرّ طَعنتِهِ بعَولٍ عائِلِ
فأتى بها الفرزدق الشيخ، فقال أبلغه عني:
لو أنّ أمكَ يا جريرُ سألتهَا عندَ العِراكِ لَبيّنتْ للسائِل
لأتتكَ تحملُ فوقَ صدرِ ثيابهِا ولدًا وقد دخلتْ بِرجلي حائِلِ
[ ٣ / ١١١٧ ]
قال أبو عبيدة: فلم يزل الفرزدق وجرير يتهاجيان حتى هلك الفرزدق قال أبو عبيدة: فحدثني أيوب
بن كسيب، أخو مسحل بن كسيب بن عمران بن عطاء بن الخطفي، وأمه زيداء بنت جرير، قال:
بينا جرير ابن الخطفي في مجلس بفناء بيته بحجر، إذا نبأ راكب، فلما دنا قال له جرير: من زين
وضح الراكب؟ قال: من العراق. قال: فهل كان من حدث. قال: لا، وإلا أني يوم شخصت، رأيت
جنازة الفرزدق، وسمعت الناس يقولون: هذا النعش نعش الفرزدق. فقال جرير:
هلكَ الفرزدقُ بعدَ ما جَدّعتُهُ ليتَ الفرزدقُ كان عاشَ قليلا
ثم أسكت ساعة مطرقًا، فظنناه يقرض، فدمعت عيناه، فقال القوم: سبحان الله يا أبا حزرة، ما يبكيك؟
قال: بكيت لنفسي، والله إن بقائي خلافه لقليل، إنه قل ما كان اثنان قرينان، أو مصطحبان، أو
زوجان، إلا كان أمد بينهما قريبًا ثم أنشأ يرثي الفرزدق، يقول:
فُجعنا بحَمّال الدّياتِ ابنِ غالِبٍ وحامِي تميمٍ عِرضِها والمُراجِمِ
بَكيناكَ حدثانَ الفِراقَ وإنما بَكيناكَ إذ نابتْ أمورُ العَظائِم
فلا حملت بعدَ ابنِ ليلى مَهيرَةٌ ولا شُدّ أنساعُ المَطيّ الرواسِمِ
وقال أيضًا يرثيه:
لا حمَلتْ بعدَ الفرزدقِ حاملٌ ولا ذاتُ بَعلٍ مِن نفاسٍ تَعَلّتِ
هوَ الوافِدُ المَحبُوُ والراتقُ الثأي إذا النعلُ يومًا بالعشيرةِ زَلّتِ
[ ٣ / ١١١٨ ]
وعن غير أبي عبيدة، قال جرير يرثي الفرزدق:
لعمري لقد أشجى تميمًا وهَدّها على نكباتِ الدهرِ موتُ الفرزدقِ
عَشيّةَ راحوا للفراقِ بنَعشِهِ إلى جَدث في هُوّةِ الأرضِ مُعمَقِ
لقد غادروا في اللحدِ مَن كانَ ينتمي إلى كل نجمٍ في السماء مُحلّقِ
ثوى حامِلُ الأثقال عن كلّ مُغرَمٍ ودامِغُ شَيطانِ الغشومِ السملّقِ
عِمادُ تميمٍ كُلها ولِسانهُا وناطَقُها البذّاخُ في كل منطِقِ
فمن لذوي الأرحامِ بعدَ ابنِ غالِبٍ لجِارٍ وعانٍ في السلاسلِ مُوثقِ
ومَن ليتيمٍ بعدَ موتِ ابنِ غالِبٍ وأمّ عيالٍ ساغِبينَ ودَردَقِ
ومَن يُطلِقُ الأسرى ومَن يحقِنُ الدّما يَداهُ ويشفي صدرَ حَرّانَ محنَقِ
وكم مِن دَمٍ غالٍ تحمّل ثِقلَهُ وكانَ حمولًا في وفاء ومَصدَقِ
وكم حِصنِ جَبّارٍ همُامٍ وسُوقَةٍ إذا ما أتى أبوابَهُ لم تُغلّقِ
تُفتّحُ أبوابُ المُلوكِ لوجههِ بغير حِجابٍ دونَةُ أو تملّقِ
لتَبك عليه الأنسُ والجِنُ إذ ثوى فتى مُضرٍ في كل غَربٍ ومشرقِ
فتىً عاشَ يبني المجدَ تسعينَ حِجةً وكانَ إلى الخيراتِ والمجد يرتقي
فما ماتَ حتى لم يخُلّفْ وراءهُ لحَيّةِ وادٍ صَولَةً غير مُصعَقِ
قال أبو عبيدة: فما غبر جرير بعد الفرزدق إلا قليلًا حتى هلك.
وحدثنا أبو عبيدة قال: حدثني أبو بسطام العدوي من بلعدوية قال: سمعت الفرزدق يقول لمضارب:
أتتني من الخبيث هدية فأنشدنيها. فأنشده فجعل يكني عن بعض ذلك، فقال الفرزدق: ويلك أنشدني
وأوجع، فإني أريد أن أنقض عليه. فأنشده وأوجعه، فاستلقى طويلًا ثم قال: ما له أخزاه الله ما أشعره،
نغترف من بحر واحد، ثم تضطرب ولاؤه عند النهز.
[ ٣ / ١١١٩ ]
قال، وحدثنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، أن بعض الرواة كان يومًا عند جرير، فإذا شيخ
قصير أفحج، قد أقبل حتى اعتقل عنزًا، فشرب لبنها، فقال جرير للرجل: أتدري من هذا؟ قال: لا.
قال: هذا عطية فكيف برجل يريد أن يسامي بني دارم بهذا.
قال: وحدثنا أبو عبيدة، قال: حُدثت أن عطية بن الخطفي بن بدر، لما أنشد قول الفرزدق:
فكيفَ ترى عطيّة حينَ يَلقى رِغابًا هامُهُنّ قُراسِيات
قال: لا! كيف والله! فقال له جرير: اسكت لأحملنك على الذرى منها قال: وحدثنا الأصمعي: أن أم
جرير قالت لجرير عرضتني لهؤلاء الكلاب. قال: اسكتي، قد ارتبطت أعقرهن وحدثنا عمارة بن
عقيل، قال: سمعت أبي يقول: دخل جرير على بعض الخلفاء فقال: ألا تخبرني عن الشعراء؟ قال:
بلى يا أمير المؤمنين، قال: فمن أشعر الناس؟ قال: ابن العشرين. قال: فما رأيك في ابني أبي سلمى؟
قال: نيري الشعر يا أمير المؤمنين. قال: فما تقول في امرئ القيس بن جحر؟ قال: كأن الخبيث اتخذ
الشعر نعلين. وأقسم بالله يا أمير المؤمنين أن لو لحقته لرفعت ذلاذله. قال: فما رأيك في ذي الرمة؟
قال قدر من طريق الشعر وغريبه وحسنه على ما لم يقدر عليه أحد. قال: فما تقول في الأخطل؟
قال: ما أخرج لسان ابن النصرانية ما في صدره من الشعر فقط، حتى مات. قال: فما تقول في
الفرزدق؟ قال: في يديه والله نبعة الشعر قابضًا عليها. قال: فما أبقيت لنفسك شيئًا. قال: بلى، والله يا
أمير المؤمنين إني لأنا مدينة الشعر، التي يخرج منها، ويعود إليها، ولأنا سبّحت الشعر تسبيحًا، ما
سبّحه أحد قبلي. قال: وما التسبيح؟ قال: نسبت فأطريت. وهجوت فأرديت. ومدحت فأسنيت وأرملت
فأغزرت. ورجزت فأنجزت. فأنا قلت ضروب الشعر كله.
[ ٣ / ١١٢٠ ]
قال: وأخبرنا أبو الحسن المدائني، قال: أخبرنا محمد بن عبيد الله القرشي قال: لمّا قدم الفرزدق
المدينة، نزل على الأحوص بن محمد الأنصاري، فقال ما تحب أن يكون قراك؟ قال: شواء رشراش،
ونبيذ سعير، وغناء حسن. قال: ذاك لك. فأدخله على قينة بالمدينة، فأكل وشرب ثم غنته:
ألا حَيّ الديارَ بسُعدَ إني أحبُ لحُبّ فاطمَةَ الديارا
أرادَ الظاعنونَ ليَحزُنوني فهاجُوا صَدعَ قلبي فاستطارا
فقال: قاتلكم الله يا أهل المدينة ما أرق أشعاركم، وأحسن مناسبكم. فقيل له: هذا شعر جرير في
هجائك. فقال: قاتل الله ابن المراغة، ما أحوجه مع عفته إلى جزالة شعري، وما أحوجني مع فجوري
إلى رقة شعره.
قال، وقال أبو عبيدة: كان المخبّل القريعي أهجى العرب، بلغنا أن نبي الله ﷺ قال:
وإنما هو عذاب يصبه الله على من يشاء من عباده، ثم كان بعده حسان بن ثابت ﵁ ثم
الحطيئة، والفرزدق، وجرير، والأخطل، هؤلاء الستة، الغاية في الهجاء، وفي غيره. لم يكن في
الجاهلية، ولا في الإسلام، لهم نظير. وكان جرير أشدهم تكوّما، لم يمدح أحدًا فهجاه. ولم يهج أحدًا
قط فمدحه. وكان الفرزدق يمدح الرجل ثم يهجوه. وكان حريصًا، شرها، خسعًا مدح بني منقر، ثم
هجاهم. وهم رهط قيس بن عاصم فأما الهجاء فقوله:
وأهونُ عَيبِ المنقَريّةِ أنها شديدٌ ببطنِ الحَنظليّ لُصوقُها
[ ٣ / ١١٢١ ]
وهجا بني نهشل فقال:
إذا تَمّ أيرُ النهشليّ لأمه ثلاثة أشبارٍ فقد رَقّ دينُها
وكان يفتخر بهم حيث يقول:
بيتًا زُرارةُ محتَبٍ بِفنائِهِ ومجاشِعٌ وأبو الفوارسِ نهشلُ
وهجا بني ضبة وهم أخواله ومدحهم.
قال أبو عبيدة: كان راوية الفرزدق رجلا من بني ربيعة بن مالك، وهم الذين يقال لهم ربيعة الجوع.
وله أيضًا راوية يقال له عبيد، كان يروي ما يقول في جرير وغيره، فنحروا جرورًا، فسألهم
الفرزدق نسيبًا، وكانوا قسموها على ثلاثة أنصبة بدرهم، فأبوا أن يعطوه منها نصيبًا، فهجاهم فقال:
إذا ذُكرتْ رَبيعةُ فهيَ خِزيٌ لِذكراها بمَجد وأفتِخارِ
فكان عبيد راويته غائبًا، فلما قدم، أهدى له ملء صحفة من لحم جزور، فأنشأ يمدحهم فقال:
ربيعةُ خير الناس إنْ عُدّ خَيرهُم لهم حَسبٌ زاكٍ وخير فَعالِ
قال أبو عبيدة: وهما بئس الشيخان، وما خلق الله أشأم منهما على قومها، إنهما أخرجا مثالب بني
تميم وعيوبهم، وكانا أعلم الناس بعيوب الناس، والناس يختلفون فيهما، وإنما يتكلمون بالأهواء.
قال أبو عبيدة: إما الرواة، فيقولون الفرزدق أشعرهما. وإما الشعراء، فيقولون جرير أشعرهما. قال أبو عبيدة: وهذا هو عندي
[ ٣ / ١١٢٢ ]
القول.
قال: وكان جرير والفرزدق تحاكما إلى الصلتان العبدي، ففضل الفرزدق بقومه، وفضل جريرًا
بشعره، وهو حيث يقول:
أتَتني تميمٌ حيثُ ضلّتْ حُلومُها لأحكم فيها بالذي أنا سامعُ
فيا شاعرًا لا شاعرَ اليومَ مثلُهُ جريرٌ ولكنْ في كُليب تواضُعُ
ويرفعُ من شعر الفرزدقِ أنه يَنوء ببيتٍ للخَسيسَة رافعِ
فإن يكُ بحرُ الحَنظليّينَ زاخِرا فما تستوي حيتانُهُ والضفادعُ
فغضب جرير حين فضل بني مجاشع على بني كليب، ورضي الفرزدق بذلك.
قال أبو عبيدة: وإنما أحبّت قيس جريرًا لأنه يفخر بهم، وإنما أحب الفرزدق بنو تميم، لأنه كان
يفخر بهم، ويذكر ما لا يُعرف، فأحبوه لذلك. وقال الفرزدق:
أنا ابنُ خِندف والحامي حَقيقَتها قد جَعلوا في يميني الشمسَ والقمرا
ولم يجعل الله ذلك لأحد وقال وهو يفخر:
إنّ السماء التي مِن دارِم خُلقَت والأرضَ كانا لنا دونَ الأعزّاء
[ ٣ / ١١٢٣ ]
وقال أيضًا يفخر بالكذب:
فلو أن أمّ الناسِ حَوّاء حارَبت تميمَ بنَ مُرّ لم تجدْ مَنْ يجُيرُها
وأي جار أعز من الله ﷿، إذا كانوا هكذا.
قال أبو عبيدة: ومن لؤمه أنه كان يتزوج الزنجيات، وكان للفرزدق ابنة يقال لها مكية، وكانت
زنجية وهي التي يقول فيها:
بِدارميّ أمهُ ضَبِيّه صَمَحمَح مثل أبي مَكيّهْ
وهي التي يقول فيها:
يا رُبَ خَوْد مِنْ الزنج تمشي بتَنّور شديدِ الوَهج
أخَثَمَ مثل القَدح الخَلَنج يزدادُ طِيبًا بعدَ طُول الهَرج
وقال أبو عبيدة حدثني أبو عمرو بن العلاء، قال: لما قيل له قل لا إله الله قال: قاتل الله الشماخ
حين يقول:
[ ٣ / ١١٢٤ ]
فظلت بمئود كأنّ عُيونا إلى الشمسِ هل تدنُو رَكيٌ نَؤاكزُ
فتخر
وقُلتُ لهُ لا تخشَ شيئا ورَائيا
وإنما له الفرزدق بالزنا وهو ابن ثمانين سنة، وهو سيد تميم من ذلك قوله:
هما دَلّتاني مِن ثمانينَ قامَةً كما أنقَضّ بازٍ أقتَمُ الرّيشِ كاسرِهُ
برجل من بني تميم كان على شرطة البصرة، فلم يزل يُراصده حتى مر إلى مجلسه ثم لم
يزل على باب دارها، ومعها جارية لها، وعليه ثوب وشي فقالت الجارية: البرد على هذا
الأعرابي ما أحسنه فقال لها الفرزدق: هل لك أن أقبل مولاتك قُبلة الجارية لمولاتها، وما عليك
من هذا الأعرابي الأحمق، فلما تابعته على ذلك قبّلها ودفع اسقيني ماء فاتته بماء في قدح زجاج،
فلما وضعته في يده ألقاه فانكسر، ثم قعد فلما أتى أبصره ببايه فقال: ما يقعدك هاهنا يا أبا فراس،
الك حاجة؟ قال: لا ولكنّي استسقيت فانكسر، فأخذوا بُردي رهنًا، فدخل الرجل قشتم أهله، ثم قال:
رُدوا الفرزدق بُرده مالك بن عمرو بن تميم وهي على فرش لها قاعدة: فقال لها: أما والله لوددتُ
أني أقيل على تقيل على كمرة حارة فأخجلته * قال وكان الفرزدق أصلع، فمر بجارية فقالت:
برز عن ذكره وقال: الطستُ مع الإبريق بدرهم. قال: وأتى مولى لباهلة يدبغ فيها وكان تُعجبه
الخزيرة فاستطعمه قدحًا من شحم الدباغين فأطعمه إياه فقال:
[ ٣ / ١١٢٥ ]
الأقوامِ قيل لهم عند التساول ايتوا المرء دينارا
ومُفتَخرٌ يزينه لا تراهُ يعرفُ العارا
شحم فلم يجده عنده فقال:
فالعبد عبد وما عبدٌ كأحرار
غدانة بن يربوع فأتاه عطية بن جعال، فطلب إليه فيهم فقال في ذلك:
أبَني غُدانَةَ إنني حَررتُكُم فوَهبتُكُم لعَطيّةَ بنِ جِعالِ
لولا عطيّةُ لاجتَدَعتُ أنوفكُمْ مِن بينِ ألأمِ أنُفٍ وسِبالِ
قلو كان أشد الناس بأسا، كان يزيدهم على هذا. قال واتى الفرزدق عمر بن يزيد بعلف، فأمر له
بوقر، فغضب فقال:
يا ليتَ بُستانَكَ المُهتَزّ ناعِمُهُ أمسَى أيورَ بِغال في البَساتينِ
كَيما تخَيرّ مَنهُ كل فَيشَلَة كَبساء خارِجَةٍ من أوسَطِ الغينِ
يا عُمرَ بنَ يزيدَ إنني رَجُلٌ أكوي مِنَ المَسّ أقفاء المجانينِ
قال وزعمت بنو كليب، أنهم لم يُهجوا بشيء أشد عليهم، من قول البعيث:
ألستَ كُليبيّا إذا سيمَ خُطّةً أقرّ كإقرار الحَليلَةِ للبَعَلِ
وكلُ كُليبيّ صَفيحةُ وَجههِ أذَلُ لأقدامِ الرجالِ منَ النّعل
وكلُ كُليبيّ يقودُ أتانَهُ لهُ حاجةٌ من حيثُ تُثفَرُ بالحبلِ
وزعمت بنو مجاشع، أنهم لم يهجوا بشيء أشد عليهم، من قول جرير:
[ ٣ / ١١٢٦ ]
وبِرَحرَحانَ غَداةَ كُبّلَ مَعبدٌ نُكِحَتْ نِساؤكمُ بغيرِ مُهورِ
وقال جرير: ما هُجينا قط بشيء أشد علينا من قول الأخطل:
ما زال فينا رباطُ الخيلِ مُعلَمةً وفي كُليبٍ رِباطُ الذُلَ والعارِ
قومٌ إذا أستنبحَ الأضيافُ كَلبَهُمُ قالوا لأمهِمُ بولي على النّارِ
قال جرير لأمه: هجانا من وجوه شتى، أما أحدها فإنه جعل أمنا خادمنا. وأما الثاني فأمرنا إياها
من ضيف يتنور بها. والثالث أن تفتح فرجها. والرابع بخل بالقرى وزعم الفرزدق أنه لم يُهج بشيء
قط أشد عليه من قول جرير:
وَدّتْ سُكينَةُ أنّ مسجِدَ قَومِها كانت سَؤاريهِ أيورِ بِغالِ
قال الفرزدق: فوالله ما دخلت مسجدًا قط، إلا ذكرت هذا من قوله، إذا نظرت إلى سؤاريه. قال
الفرزدق: إلا ذكرت قول جرير:
ترى بَرصًا بأسفَلِ إسكتَيها كَعَنفَقَةٍ الفرزدقِ حينَ شابا
وكانا يتباريان في أشعارهما، فإذا قال هذا بيتًا سائرًا، قال هذا مثله. قال وذُكر أن بشر بن مروان
وهو بالكوفة، فلما نظر إليه بشر استرجع، فقال: أصلح الله الأمير ممَّ تسترجع؟ وأنا منك بين
شرّين إما أن أعطيك مالي، وإما عِرضي، ثم اعتذر إليه وأمر له بثا
[ ٣ / ١١٢٧ ]
ومَنْ يجعَلِ المعروفَ مِنْ دونِ عِرضِهِ يَفرهُ ومَنْ لا يتّقَ الشّتمَ يُشتَمِ
فقال بشر بن مروان أترونه خرج ساخطًا. قالوا: لو كان ساخطًا ما قبلها ثم دخل بشر استرجع،
فقال كقول الفرزدق. فرد عليه بشر مثل رده على الفرزدق الفرزدق وأجازه كجائزة الفرزدق،
فولّى وهو يتمثل بقول الشاعر:
ومَنْ يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتّقِ الشتم يشتم
قصته وتمثله فعجبت من اتفاقكما. قال وما الأمير فقرتنا وأتتنا بشراب، فلما دب النبيذ في
الفرزدق فقال إليك عني، فوالله لئن عُدت لأصيحن بالحي. فلما كان إليها فصاحت وخرج
مبادرًا وأنا معه، فركب راحلته ضحك ثم قال: قاتل الله ابن المراغة، كأنه ينظر إليّ حيث يقول:
وكُنتَ إذا نظلتَ بِدارِ قوم رَحلتَ بِخزيَةٍ وتركتَ عارا
تم كتاب النقائض، نقائض جرير والفرزدق، رواية أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيدي، عن
الحسن بن الحسين السكري، عن محمد بن حبيب، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي، ﵏
أجمعين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وسلم وتم نساخته بتاريخ اليوم
السابع والعشرين من شهر رجب الفرد الحرام سنة ٩٧١ بلغ مقابلة، والله أعلم، والحمد لله رب
العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم مع تحريفه وتصحيفه والله أعلم.
[ ٣ / ١١٢٨ ]