قال أبو عبيدة: وهو يوم الصمد، ويوم أود. وأود واد. وكان من حديث يوم ذي طلوح، أن عميرة بن
طارق بن حصبة بن أزنم بن عبيد ابن ثعلبة بن يربوع، تزوج مُريّة بنت جابر، أخت أبجر بن جابر
العجلي لأبيه وأمه. قال: فخرج عميرة حتى ابنتى بامرأته مرية في بني عجل، وتحت عميرة بنت
النطف بن خيبري السليطي.
قال أبو عبيدة، قال سليط بن سعد: بل هي امرأة من بني طهية، خلّفها في قومه. قال: فأتى أبجر
أخته مرية امرأة عميرة يزورها، فقال لها: إني لأرجو أن آتيك بابنة النطف، امرأة عميرة. وسمعه
عميرة فقال: ما أراك تُبقي علي تحرُبني وتسلبُني. فندم أبجر، فقال لعميرة: ما كنت لأغزو قومك،
ولكني متياسر في هذا الحي من تميم. قال: فغزا أبجر والحوفزان - واسمه الحارث بن شريك -
متساندين: هذا فيمن تبعه من اللهازم، وهذا فيمن تبعه من بني شيبان. قال: ووكّلا بعميرة بن طارق
حُرقصة بن جابر، لئلا يأتي قومه فينذرهم، وتحت أبجر امرأة من بني طُهية، يقال لها سلمى بنت
محصن، فأتاها عميرة فقال لها: كيف أنت لو قد جاء غلمان بكر بن وائل فسبوا نساءك، وإني رجل
موكل بي، فأعينيني على حيلتي. فقالت له سلمى: وأنا أعينك على ما أردت. وهي حبلي مُتّم برافع
بن أبجر. قال: فأصبح الناس ظاعنين يتحملون إلى الكلواذة. فقالت: أما إني ماخض. قال: وسار
عميرة في السلف ساعة، ثم قال لحُرقُصة الموكّل به: لعلي لو قد رجعت إلى أهلي فاحتملتهم، فقد
ولدت صاحبتك. فقال حُرقصة: لا أبالي أن تفعل فكرّ عميرة على ناقة له، يقال لها الجنيبة، فلقي
سلمى بنت محصن، امرأة أبجر، قد احتُملت هي وصواحبُها، فأتاها
[ ٣ / ٩٠٢ ]
فوافقته. فقالت له: قد خبأت لك
خبيئة حيث كان فراشي: زادك، وسقاء. قال: فمضى حتى أخذهما، فلم يُفقد حتى تحال الناس عند
المساء، ففقده حُرقصة، فأتى امرأته، فقال أين عميرة؟ فقالت: لقينا ضُحى، فوافقنا، ثم مضى إلى
دورنا، فلم نره بعد. فاستحيى حرقصة أن يذكر أمره لأحد. قال: ومضى عميرة، فمضى يومه وليلته
والغد، حتى إذا لقي أنف الزور من الصحراء، وغربت الشمس، أناخ فقيّد راحلته، ثم نام، حتى إذا
علاه الليل، قام فلم ير ناقته. فقال عميرة: فقمت فسعيت ليلًا طويلًا. قال: فإذا سواد في الليل عظيم،
فظننته الجيش، فبت أراصده مخافة أن أوخذ، حتى أضاء الصبح. فإذا نعام كثير، وإذا ناقتي تخطر
قريبًا مني، فقمت غضبان على نفسي، فأجددت السير يومي وليلتي، حتى أرد سفار - وهو ماء لبني
تميم - فوجدت في منزل القوم نسعة، فسقيت بها راحلتي، وطعمت من تمري الذي كان معي،
وشربت من الماء، ثم ركبتها مُسى الثالثة، فأصبحت بالحطامة من ذي كريب، فإذا ناس يعلقون السدر
- يعني يرعونه - فتحرّفت عنهم مخافة أن يأخذوني. فناداني بعضهم إنما نحن صُدّار البيت، فلا
تخف - يعني مكة والصدار الراجعون - فنفذت حتى أصبح طلح، وبها جماعة بني يربوع، فقلت: قد
غزاكم الجيش من بكر بن وائل فشأنكم. قال: فبعث بنو رياح بن يربوع فارسين طليعة، أحدهما غلام
للمشبر أخي بني هرمي بن رياح. وبعث بنو ثعلبة فارسين في وجه آخر، أحدهما المطوّح بن أطيط،
والآخر جراد بن أنيف بن الحارث بن حصبة. قال: ومكثت بنو يربوع يوقدون نيرانهم على صمد
طلح، فكانوا كذلك ثلاثًا، ثم إن فارسي بني ثعلبة جاءا فقالا: لم نحس شيئًا، مخافة أن يكونوا أرادوا
غيرهم، فيكون ما حدّثتهم به باطلًا، وليلة ذهبت ناقتي مخافة أن أوخد، فيقال نام فأخذ فلما تعالى
النهار من اليوم الثالث، طلع فارسا بني يربوع. قال: وإذا العبد لا يُوقّي فرسه خبارًا، ولا حجرًا، ولا
جُرفًا،
[ ٣ / ٩٠٣ ]
وهو على الخصي فرس بني هرمي بن رياح. فقالا: تركنا القوم حين نزلوا القسوميّة. قال:
فتلببنا، ثم ركبنا، ثم أخذنا طريقًا مختلفًا، حتى وردنا الينسوعة، فوجدنا منزل القوم حين استقوا،
وسقوا، ونثروا التمر، وتخففوا للغارة، واستقبلوا أسفل ذي طلوح. قال: فاتبعناهم، وتحتي فرس
ذريعة العنق، فتقدمت الخيل، فوقفت حتى أدركوني، ثم بعثنا طليعة، فجاءنا فأخبرنا أنهم بالطلحتين
نزول بأسفل ذي طلوح، فمكثنا حتى إذا برق الصبح، ركبنا وركب القوم وهم يريدون الغارة، فكنت
أول فارس طلع فناديت: يا أبجر، هلم. قال: من أنت؟ قلت: عميرة بن طارق. فكذبني، فسفرت عن
وجهي، فعرفني، فنزل عن فرس كان عليها مركبًا لابن الغزالة السكوني - قال: وبنو الغزالة في بني
شيبان اليوم - وعلي مُلاءة حمراء، فطرحتها، وجلس عليها. فقال: إني مركّب، فاعلم - قال:
والمركب أن يأخذ الرجل فرس صاحبه، فما أصاب على ظهره فلصاحب الفرس نصفه - قال ثم إنهم
التقوا، فأسر الجيش إلا أقلّهم، فكان ممن انفلت منهم، وابصة أحد بني أسعد بن همام، وأخذ أخوه، فلما
أتى أهله، أتته بنت أخيه تسأله عن أبيها، فقال الشيخ في ذلك:.
تُسائلُني هُنَيْدَةُ عَنْ أبيها وما أدري وما عَبَدَتْ تمَيمُ
غَداةَ عَهِدْتهُنّ مُقَلّصاتٍ لهُنّ بكلّ محنِيّة نَحيمُ
قوله نحيم، يعني صوتًا، يريد الخيل، والنحيم شبه الزفير.
فما أدري أجُبْنًا كانَ دَهري أمِ الكُوسَى إذا عُدّ الحَزيمُ
[ ٣ / ٩٠٤ ]
قال: وأخذ حنظلة بن بشر بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، الحوفزان. وكان حنظلة
في بني يربوع، وأخذه معه أبو مليل، وأخذه معهما عبد عمرو بن سنان بن وعلة بن عوف بن جارية
بن سليط. قال: واختصموا فيه، ثم حكموا الحوفزان في نفسه، فأعطى الحوفزان أبا مُليل مائة من
الإبل، وأعطى عبد عمرو مائة أيضًا، وجعل ناصيته لحنظلة بن بشر. فقال عبد عمرو للحوفزان: إن
بين بني جارية بن سليط، وبين بني مرة بن همام موادعة، فلا آخذ من مالك شيئًا. وكان أبو مليل
يسمى ما أخذ منه الخباسة. وأخذ سوادة ابن زيد بن بجير، ابن عم أبجر، أسرة عتوة بن أرقم،
فانتزعه ابن طارق منه، وأسر شريك بن الحوفزان، وأسر أسود، وفلحس، وهما من بني أسعد بن
همام. وأخذ ابن عنمة الشاعر الضبي مع بني شيبان، فافتكه منهم متمم بن نويرة، فيما زعم سليط بن
سعد بن معدان بن عميرة بن طارق بن حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة. قال: فأما حماد الراوية،
فزعم أن مالك بن نويرة افتكّه. فقال ابن عنمة في ذلك يمدح متممًا:
جَزيَ اللهُ رَبُ الناسِ عني مُتممًا بَخَيرِ الجَزاء ما أعفّ وأمجدا
أُجيرَتْ بهِ أبناؤنا ودماؤنا وشاركَ في إطلاقِنا وتَفَرّدا
أبا نهشلٍ إني لكُمْ غير كافرٍ ولا جاعِلٍ مِنْ دونكَ المالَ مُؤصدا
وقال عميرة بن طارق:
أقِليَ عَليّ اللومَ يا أمّ خِثْرِما يكن ذاكَ أدنى للصوابِ وأكرَما
ولا تعذُليني أنْ رَأيتِ مَعاشِرًا لهمْ نَعَمٌ دَثْرُ وأن كنتُ مُصرما
مَتَى ما نَكُنْ في الناسِ نحنُ وهمْ معًا نكنْ منهمُ أكسَى جُنوبًا وأطعما
[ ٣ / ٩٠٥ ]
مَناكِ إلهي إذْ كَرهتِ جمَاعَنا بمثلِ أبي قُرط إذا الليلُ أظلما
يسوقُ الفِراء لا يحُسّينَ غيرهُ كَفيحًا ولا جارًا كريمًا ولا ابنَما
فدَعْ ذا ولكن غيرهُ ثدْ أهمّني أميرٌ أرادَ أنْ ألاَم وأشتَما
فلا تأمُرَنيّ يا ابنَ أسماء بالّتي تجرُ الفتى ذا الطعمِ أنْ يتكلّما
بأنْ تَغْتَزُوا قومي وأقعُدَ فيكُمُ وأجعلَ علمي ظَنّ غَيب مُرَجّما
ولمّا رَأيتُ القومَ جَدّ نَفيرُهُم دَعَوتُ نَجيّي محرزًا والمُثَلّما
قوله محرزًا والمثلّما، هما رجلان من البراجم أخوالهما من عجل. قال: وكان عميرة بن طارق، لما
أراد أن يسير إلى بني يربوع أعلمهما ذلك، فقال: لا ترجع إلى أرض الجوع.
فأجابه الفرزدو فقال:
إنْ تَكُ كَلْبًا مِنْ كُليبٍ فإنّني مِنَ الدّارِميينّ الطّوِال الشّقاشق
قال: الشقشقة التي يُخرجها الفحل عند هيجانه من فمه. قال الأصمعي: وسمعت بعض العرب ممن
يُقدّم في علمه منهم يقول: إنها لُهاته وهي التي تسميها العامة الكركرة، قال: وإنما يفعل البعير ذلك إذا
هاج، وإذا أرد الضّراب. من أسماء العامة الشقشقة والكركرة فقط.
نَظَلّ نَدامىَ للملوكِ وأنتُمُ تمشونَ بالأرباقِ ميلَ العَواتِقِ
وإنّا لَتروَى بالأكُفّ رِمَاحُنا إذا أرْعشَت أيديكُمُ بالمَعالِق
ويروى وإنا لتمضي. وأنا لنروي بالأكف رماحنا.
وإنّ ثيابَ المُلكِ في آلِ دارِمٍ هُمُ وَرِثوها لا كُليبُ النّواهِقِ
[ ٣ / ٩٠٦ ]
ثيابُ أبي قابوسَ أورثها ابنَهُ وأورثناها عن مُلوكِ المَشارقِ
وإنّا لتجري الخمرُ بين سَراتنا وبين أبي قابوسَ فوقَ النّمارِقِ
لَدُنْ غُدوَةً حتى نَروحَ وتاجُهُ عليناَ وذاكي المسكِ فوق المَفارِقِ
كُليبٌ وراء الناسِ تُرمَى وُجوهُها عنِ المجد لا تَدنو لبابِ السرادِقِ
وإنّ ثيابي مِنْ ثيابِ محُرّقِ ولمْ أستَعِرها مِنْ مُعاع وناعِقِ
قوله معاع، قال: المعاعي الراعي، والمعاعاة زجر الغنم، قال: والنعيق مثله.
يظلُ لنا يومانِ يومٌ نُقيمُهُ نَدامَى ويومٌ في ظِلالِ الخَوافِقِ
ويروى يظل لنا يومان يوم إقامة.
ولو كنتَ تحتَ الأرضِ شَقّ حَديدَها قَوافي عن كَلب مَعَ اللّحد لاصِقَ
ويروى: ولو كنت في لحد من الأرض شقّه. ويروى عن ميت مع اللحد لازق.
خَرَجْنَ كَنِيران الشتاء عَواصِيّا إلى أهل دَمخ مِنْ وَراء المَخارِقِ
على شَأوِ أولاهُنّ حتى تَنَازَعَتْ بِهنّ رُواةٌ مِنْ تَنوخٍ وغافِقِ
ونحنُ إذا عدّتْ تميمٌ قديمَها مكانَ النواصي مِنْ وُجوه السوابِقِ
مَنَعْتُك ميراثَ المُلوكِ وتاجَهُمْ وأنتَ لِذَرعي بَيْذَقٌ في البَياذِقِ
وقال الفرزدق:
عَرَفْتَ المَنازِلَ مِنْ مَهْدَدِ كَوَحْي الزّبورِ لدى الغَرْقَدِ
[ ٣ / ٩٠٧ ]
قال: الوحي الكتاب. والغرقد ضرب من الشجر تدوم خُضرته في الشتاء والصيف لا يكاد يتغير.
أناختْ بهِ كُلّ رَجّاسَة وساكِبَةِ الماء لم تُرْعُدِ
قوله رجّاسة، يعني سحابة راعدة.
فأبْلَتْ أوارِيّ حيثُ استَطافَ .. فلوُ الجِياد على المروَد
الفلو المُهر. وأواري يريد أواخي. والمرود حديدة يُشد بها حبل الفرس فيدور حيث استدار.
بَرَى نُؤيَها دارِجاتُ الرياح كما يُبْترَى الجَفْنُ بالمِبرد
ويروى ابتُريَ. قال ودارجات الرياح ما درج منها فجرى. والجفن جفن السيف. ترى بين أحجارها
للرماد .. كنفض السحيق من الاثمد يريد الأثافي. والسحيق المسحوق من الإثمد. وروى أبو عمر
كلون السحيق.
وبِيضٍ نَواعِمَ مِثل الدُمى كِرامٍ خَرائِدَ مِنْ خُرّد
ويروى وبيض كواعب، وخراعب، وقوله خرائد، هن النساء الحييات. قال: والدمى واحدتها دمية
وهي الصورة. وقوله من خرد، يقول: ولدتهن نساء خرد، أي حييات.
تُقَطّعُ لِلّهْو أعناقَها إذا ما تَسَمّعْنَ للمُنشِد
قوله تقطع للهو أعناقها، يقول: تُميّل أعناقها للذي يُنشد الشعر، تفرح بذلك فصيره كاللهو عندها.
ألمْ تَرَ أنّا بَني دارِم زُرارةُ مِنّا أبو مَعبَدِ
[ ٣ / ٩٠٨ ]
إنما نصب بني دارم على الفخر والمدح، ولم يجعل ذلك خبرًا لأن، وجعل خبر أن في قوله: ألم ترَ
أنّا زرارة منا، وكذلك قال الشاعر:
نحنُ بَني ضَبّةَ أصحابُ الجَمَلْ
فنصب بني ضبة على الفخر والمدح على ذلك المعنى، وقال ذو الرمة:
أبى اللهُ إلاّ أنّنا آل خِنْدفٍ بِنا يَسمَعُ الصّوت الأنامُ ويُبصرُ
وقوله زرارة منا يني زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، كذلك فسره أبو عبيدة
والأصمعي.
ومنّا الذي مَنَعَ الوائِدات وأحيى الوَئيدَ فلمْ يُوءد
قوله ومنا الذي منع الوائدات، يعني صعصعة بن ناجية جد الفرزدق، وقد مر حديث الوائدات فيما
أمليناه من الكتاب في موضعه.
وناجيةُ الخَيرِ والأقْرَعان وقَبر بِكاظِمَةَ المَوْردِ
ويروى وقبر بكاظمة المورد. رده على كاظمة، وهو موضع معروف على البحر، يريد ناجية بن
عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. والأقرعان الأقرع وفراس ابنا حابس بن عقال. والعرب إذا
جمعوا بين اسمين، أحدهما أنبه من الآخر وأخف في اللفظ، جمعوهما به فقالوا: سنة العمرين، يريد
أبا بكر وعمر. وقالوا: الأحوصان يريد الأحوص ابن جعفر وابنه. وقبر بكاظمة، يعني قبر أبيه
غالب. وقوله مورد، قال: إنما أضاف كاظمة إلى المورد، وذلك لأنها مياه تورد كثيرًا دائمة الماء،
فأضاف ذلك إليها.
إذا ما أتى قبرهُ غارمُ أناخَ إلى القبر بالأسعد
[ ٣ / ٩٠٩ ]
بالأسعد، يعني بنجم يسعد به. والأسعد جمع سعد.
فذاكَ أبي وأبوهُ الذي لِمَقعَدِهِ حُرَمُ المَسجِد
ويروى حرم المسجد، أي حرمته كحرمة المسجد، أي يهابه الناس ويتقونه. وقوله فذاك أبي، يعني
غالبا. وقوله حرم المسجد، قال: وذلك لأنه لا ينطق عنده بأمر قبيح، ولا بفحش، ولا خنىً، ولا يؤذى
عنده جليس، ولا يُسفه عليه، وذلك لقدره في قومه، وعند العرب، أي يجلونه كما يجلون المسجد.
ألسنا بِأصحابَ يومِ النّسار وأصحابِ ألويَةِ المِربَدِ
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: كان حاجب بن زرارة على بني تميم يوم النسار، ويوم الجفار. قال:
وبينهما سنة. قال والنسار قبل الجفار، وكان بعد جبلة، ولذلك رأسهم حاجب ابن زرارة. قال: وذلك
لأن لقيطًا قُتل يوم جبلة، ولو كان حيا ما تقدّمه حاجب. قال: وإنما نبُهَ أبو عكرشة بعد أبي نهشل،
وكانا قبل مبعث النبي - ﷺ - بسبع وعشرين سنة. وكان عام جبلة مولد النبي -
ﷺ - وأركضت كبشة بنت عروة بن عتبة، بعامر بن الطفيل يوم جبلة، وكان
ناجية بن عقال، جد الفرزدق، معه رئي من الجن، فكان يشير على بني تميم يوم النسار. قال: فلذلك
زعم أعين بن لبطة، أن عبد الله ومجاشعًا شيء واحد. وقوله وأصحاب ألوية المربد، يعني القرين
عبد الله بن حكيم بن ناقد بن حوي بن سفيان بن مجاشع، أعطى بيده رهينة في حرب مسعود. قال:
وإنما سمي القرين، لأنه كان لا يفارق رجلًا من بني ضبة. فقال زياد بن أبي سفيان: هذان قرينان لا
يفترقان. قال: وإنما نريد الاختصار، وأن لا نعيد ما مر من الأخبار. قال أبو عمرو: يوم النسار يوم
منعت فيه بنو
[ ٣ / ٩١٠ ]
ضبة الحارث بن ظالم من الملك.
ألَسنا الذين تَميمٌ بهِمْ تَسامَى وتَفخَرُ في المَشْهَد
وقَدْ مَدّ حولي مِنَ المالِكَين أواذِيٌ ذي حَدَبٍ مُزْبدِ
قوله أواذي، يريد الأمواج. يقال من ذلك جاش الفرات بأواذيه، يريد بأمواجه. وقوله ذي حدب، أي
ارتفاع. قال: وحدبه أن يرتفع وسطه. قال: وذلك لعلو موجه وكثرته يرتفع وسطه وينحط طرفاه.
إلى هادِراتٍ صِعابِ الرُءوسِ قَساوِرَ للقَسوَرِ الأصيدِ
صعاب الرؤوس، يقول: هذه الفحول من الإبل تهدر وهي صعاب الرؤوس. والقسور يريد به الرجل
الشديد، وهو مشتق من أسماء الأسد. وقال: هم الرماة. قال: والأصيد الشريف المعظّم المبجّل،
فضرب ذلك مثلًا للفحول.
أيَطْلُبُ مجدَ بني دارِم عَطيّةُ كالجُعَل الأسوَد
ومجدُ بني دارِم فَوقَهُ مكانَ السّماكَين والفَرقَد
سَأرمي ولوْ جُعلَتْ في اللّئِام ورُدّتْ إلى دِقّةِ المَحتِدِ
المحتد يريد الأصل، يقال من ذلك: إنه للئيم المحتد، وكريم المحتد.
كُلَيبًا فما أوقدتْ نارَها لِقِدحِ مُفاضِ ولا مِرفَدِ
قوله لقدح مفاض، يقول مجال مضروب به عند الميسر، يقال من ذلك: أجل قدحك أي اضرب
بقدحك.
ولا دافعوا ليلةَ الصّارِخينَ لهُمْ صوتَ ذي غُرّة مُوقِد
[ ٣ / ٩١١ ]
ويروى ولا رفعوا ليلة. ويروى ضوء ذي العزة الأتلد. والأتلد القديم. وقوله ذي غُرّة، أي فرس له
غرة. وقوله موقد، أي موقد للحرب، فيجتمع إليه الصارخون، يعني المستغيثين.
ولكنّهُمْ يَلْهَدونَ الحمَير رُدافَى على الظّهْرِ والقَرْدَدِ
ويروى يُكهدون. قال الأصمعي: اللهد أن يهيَ اللحم من داخل، ولا ينشق الجلد، يقال من ذلك ظل
فلان لهيدًا حين سمع ذلك. قال: واللهد عنتُ لحم الجنب من ثقل الحمل. ويروى ولكنهم يُكهدون
الحمير. يعني يسوقونها سوقا شديدا. قال أبو عبد الله: الرواية يكهرون. قال والقردد سيساء الظهر
وارتفاعه. قال: وقد قالوا القُردودة. ويروى ردافى على العجب. وهو أصل الذنب.
على كُلّ قَعْساء محزومَة بِقطْعةِ ربْق ولم تُلْبَد
قال: القعس دخول وسط الظهر وطمأنينته. قال: والربق حبل يُمد بين وتدين، فيه حبال قصار تشد
إلى ذلك الحبل الطويل، تُربط فيها العنوق والجداء. وقوله لَ تُلبد، يقول: هي مركوبة بكساء أو
عبادة، وليس تُلبد كإلباد الخيل.
مُوَقّعَة بِبَياضِ الرُكوب كَهودِ اليَدَيْن مَعَ المُكْهِدِ
المكهد المتعب بالسوق.
قَرَنْبَى بَسوفُ قَفا مُقْرفٍ لَئيم مَآثِرُةُ قُعْددِ
قال: القرنبى ضرب الخنفساء أرقط طويل القوائم، وإنما شبه جريرًا وأباه بها. قال: وخُفض قرنبى
على تكرير، أراد مع قرنبى. وقوله قُعدد، يقول: هو لئيم بن لئيم في هذا الموضع والقعدد في غير
هذا الموضع الكريم الآباء. قال أبو عبد الله: هذا جائز، والأكثر قُعدد بضم
[ ٣ / ٩١٢ ]
الدال الأولى. قال أبو عبد الله: يقال فلان أقعد من فلان، أي أقل عدد آباء إلى الأب الأكبر، وقد يقال للثيم قُعدد.
يَنيكونَهُنّ ويجملنَهُمْ وهُنّ طَلائِعُ بالمُرْصَد
تَرَى كُلّ مُصْطَرّة الحافرَيْن يُقالُ لها للنّكاح ارْكُدِي
وروي للنزاء. ويروى يقال لها للسباق اركدي. وقوله مصطرة الحافرين، هو المجتمع الضيق ليس
بأرح. والأرح من الحوافر الواسع الكثير الأخذ من الأرض ويروي كل مصرورة الحافرين.
والمصرورة مثل المصطرة، وفي معناه. واركدي اثبتي.
بهِنّ يحُابُونَ أختانهُمْ ويَشْفُونَ كلّ دَم مُقْصَدِ
يقال حبا فلان فلانًا، وذلك إذا أعطاه وأكرمه ووصله. وإنما يريد بقوله يحابون أختانهم، يعطون
نساءهم مهورهن الحمير. وقوله مقصد، يقول: مقتول، فدياتهم من الحمير، ليست من الإبل كديات
سائر العرب. وإنما يعيّرهم بذلك. يقول: إنما يرعون الحمير ولا مال لهم غيرها.
يَسوفُ مَناقِعَ أبوالهِا إذا أقْرَدَتْ غيرَ مُستَقْرد
فما حاجِبٌ في بَني دارِمٍ ولا أسرَةُ الأقرَع الأمجد
يريد حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم. قال: والأقرع بن حابس بن عقال بن
محمد بن سفيان بن مجاشع.
ولا آلُ قَيْسٍ بَنو خالِدٍ ولا الصيدُ صِيدُ بَني مَرْثَد
[ ٣ / ٩١٣ ]
قال: يريد قيس بن خالد بن عبد الله ذي الجدين بن عمرو بن الحارث ابن همام بن مرة بن ذهل بن
شيبان. ومرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
بِأخْيَلَ مِنْهُمْ إذا زَيّنوا بِمَغْرَتِمْ حاجِبَيْ مُؤجَد
قوله بأخيل منهم، يعني بأفخر منهم، يعني من الخيلاء. ومؤجد حمار موثّق يهزأ بهم.
حِمارٌ لهُمْ مِنْ بناتِ الكُداد يُدَهِمْجُ بالوَطْبِ والمِزْوِدَ
ويروى حصان. الدهمجة القرمطة في السير. قال: والوطب السقاء الذي يكون فيه اللبن شبه
الزكرة. والمزود للطعام.
يَبيعونَ نَزْوَتَهُ بالوَصيفِ وكَوْمَيهِ بالنّاشِئ الأمرَدِ
يقول لكرم نتاجهم في الحمير يبيعون نزوة الحمار بالوصيف.
فهذا سِبابي لكُمْ فاصْبرَوا على النّاقِراتِ ولمْ أعتَدِ
يقول فإنما سبابي لكم تعييري بالحمير ولم أعتده إلى غيره. قال: والناقرات يريد المصيبات
المقرطسات من السهام. قال: والقاصرات التي لا تبلغ القرطاس. والعاصدات التي تصيب يمنة
الهدف فيجوزه. قال: والحوابي التي تقرب من القرطاس ولم تصب.
قال أبو عبد الله: سهم حاب لا يجوز إلا والحوابي بالباء والياء وهو الذي يحبو نحو القرطاس.
قال أبو عبد الله: يقال تحاتن الراميان إذا تساويا، ولم يكن لأحدهما فضل على الآخر. والحتن المثل.
وقوله أعتدي، يعني أتعدّى
[ ٣ / ٩١٤ ]
المقرطسات إلى غيرها، وإنما أراد بقوله ما قال من هذا كله من إصابة
القرطاس، أي أقول فلا أخطئ بقولي، وأصيب المعنى ولا أكذب فيما أقول.
إذا ما اجتدَعْتُ أنوفَ اللئِامِ عَفَرْتُ الخُدودَ إلى الجَدجَدِ
ويروى جدعت الأنوف على الجدجد. ويروى عفرت المناخر بالجدجد. قوله عفرت الخدود، يقول
جررتها على العفر. قال: والعفر التراب.
قال الأصمعي: ومنه قول العرب "ما على عفر الأرض مثله" يكون مدحًا ويكون هجاء، يريد ما على
تراب الأرض مثله، وذلك إذا تعجبوا من خيره أو شره. قال: والجدجد من الأرض الصلب المستوي.
يَغور بِأعْناقِها الغائرونَ ويخبِطْنَ نَجْدًا معَ المُنجِدِ
ويروى تغور المغار بأعناقها. قوله يغور يذهب بها إلى الغور. قال: والغور تهامة وما اطمأن من
الأرض. وقوله ويخبطن نجدًا مع المنجد، يقول: يسرنَ في نجد ليلًا. قال والخبط السير بالليل عن
غير هداية. قال: وإنما قال: ويخبطن، لأنه إذا سار بالليل خبط في مشيه وسيره، فلم يبصر في
مسيره. قال: ونجد، يريد ما ارتفع من الأرض وظهر. والمنجد الرجل السائر إلى نجد. يقال من ذلك
اتهموا وأنجدوا، ولا يقال إلا غاروا.
قال الأصمعي: إلا أنه قد جاء حرف عن العرب، وهو شاذ لا يقاس عليه، وإنما يقاس على الأكثر لا
على الأقل، وهو قولهم في الموسم: أشرق ثبير كيما نغير. أي نسرع الانصراف. وليس هذا من
الغور وأتيانه. والحجة في أغار بيت الأعشى: غار لعمري في البلاد.
[ ٣ / ٩١٥ ]
ويروى أغار. قال: كانوا يقولون ذلك صبيحة النحر في موقف بجمع. وقولهم أشرق ثبير، أي أشرق
بطلوع الشمس. وهو قول الكميت:
ونحنُ غَداةَ كانَ يُقالُ أشرِقْ ثَبيرُ أتى لِدَفعَةِ واقِفينا
قال أبو عبد الله الرواية:
ونحنُ غَداةَ كانَ يُقالُ أشرقْ ثَبيرُ أنيَ لِوَقعَةِ دافعينا
يريد بقوله أنى حان ذلك وبلغ إناه - هذا مقصور - وهو من قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.
يريد وقته ومبلغه. قال أبو عبيدة: وذلك أن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -
كانوا يدخلون على النبي - ﷺ - كأنهم يريدون بلوغ غداة النبي قال: وكان النبي -
ﷺ - يستحيي منهم أن يقول لهم في ذلك شيئا فأنزل الله تعالى على رسوله - صلى
الله عليه وسلم - يُعلّمهم ويؤدبهم ألا ينتظروا في جلوسهم بلوغ طعامه - ﷺ -.
وكانَ جريرٌ على قَوْمِهِ كَبَكْرِ ثَمودٍ لها الأنْكَد
رَغا رَغْوَةً لِمَناياهُمُ فصاروا رَمادًا معَ الرّمْدَدِ
كِلابٌ تَعاظَلُ سُودُ الفِقا حِ لمْ تحمِ شَيئا ولمْ تَصْطَدِ
قوله تعاظل، يقول تسافد. قال: والمعاظلة سفاد السباع كلها. وقوله سود الفقاح، يقول: هم سود.
[ ٣ / ٩١٦ ]
وتَرْبُقُ باللومِ أعناقَها بِأرْباقِ لُؤمِهِم الأتْلَدِ
ويروى نربط باللؤم. قال: والأتلد بمعنى القديم الذي لم يزل لابائِهم.
إلى مَقْعدٍ كَمَبيتِ الكِلاب قصيرٍ جَوانبُهُ مُبْلَدِ
قال: وكذلك الكلاب في مبيتها، يجتمع بعضها إلى بعض تستدفئ بالليل، يريد اجتماعهم بالليل.
وقوله مبلد، يقول: لازم للبلد الذي ليس فيه شيء. وقال الأصمعي: قوله مبلد، يقول: ليس بينه وبين
الأرض شيء، إنما هو على بلد الأرض.
يُوارِي كُليبا إذا استَجْمَعَتْ ويَعجِزُ عَنْ مجلسِ المُقعَدِ
ويروى إذا جمعت. ويروى يواري كليبا إذا ذنّبت. يقول: دخلت بأعجازِها قبل رءوسها، وهي
مدبرة. قال: وكذلك دخول الكلاب في أمكنتها. والتذنيب أن يرى الضيف، فيزحف، فيدخل البيت
بعجزه، ولا يقوم لئلا يراه الضيف. وأنشد بيت المغيرة بن حبناء يقوله لأخيه:
لحَى اللهُ أدنانا عَنِ الضّيفِ بالقَرى وأضعَفَنا عَنْ عِرضِ والدِهِ ذَبًا
ويروى وأعجزنا. ويروى لحى الله أدنانا إلى اللوم زلفة.
وأجْدَرَنا أن يَدخُلَ البيتَ بأستهِ إذا القُف دَلّى مِنْ مخَارِمهِ ركبا
ويروى إذا الأرض أبدتْ مِن مخارمها.
فأجابه جرير يرد عليه، ويجمع معه البعيث والأخطل:
[ ٣ / ٩١٧ ]
زارَ الفرزدقُ أهلَ الحِجاز فَلمْ يحظَ فيهم ولمْ يحمَدِ
الحجاز ما بين الجُحفة إلى جبلي طي، وإنما سمي حجازًا لأنه حجز ما بين نجد والغور.
وأخزَيتَ قومَكَ عند الحَطيمِ وبين البَقيعَين والغَرْقَدِ
ويروى وعند. قال والبقيعان والغرقد بالمدينة. قال: وقد مر حديثه في ذكر المدينة. وهما بقيعان:
بقيع الغرقد، وبقيع الزبير.
وَجَدْنا الفَروزدقَ بالموسمينِ خبيثَ المَداخِلِ والمَشهَدِ
نَفاكَ الأغر ابنُ عبد العزيزِ بحقّكَ تُنفَى عنِ المسجدِ
هذا يقول للفرزدق، لأن الفرزدق حيث أجّله عمر ثلاثة أيام، ليخرج من المدينة، قال:
أوعَدَني وأجّلَني ثلاثًا كما وُعدَتْ لمَهْلكها ثَمودُ
يعني عمر بن عبد العزيز.
وشَبّهْتَ نفسكَ أشقَى ثَمودَ فقالوا ضَلِلْتَ ولم تهتَدِ
قوله أشقى ثمود، يعني قُدارًا عاقر الناقة.
وقدْ أجلّوا حينَ حَلّ العذابُ ثلاثَ ليالٍ إلى المَوعِدِ
وشَبّهْتَ نفسَككَ حُوقَ الحِمارِ خَبيثَ الأوارِيّ والمِرْوَدِ
قال: والرواية حوض الحمار. وذلك أن غالبًا أبا الفرزدق كان يلقب حوض الحمار.
[ ٣ / ٩١٨ ]
وَجَدْنا جُبَيرًا أبا غالِبٍ بَعيدَ القَرابةِ مِنْ مَعْبَدِ
قال: كان جبير قينًا لصعصعة جدّ الفرزدق، فنسب غالبًا إليه افتراء عليه. ومعبد بن زرارة بن
عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم.
أتجعلُ ذا الكِيرِ مِنْ مالِكٍ وأينَ سُهيلٌ مِنَ الفَرقَدِ
يريد سهيل يمان. والفرقد شآم. ما أبعد ما بينهما، فضرب ذلك مثلًا للبعد.
وعِرقُ الفَرزدقِ شر العُروقِ خبيثُ الثّرَى كابيُ الأزنُدِ
وقال: الثرى الذي فيه العروق من الشجر. قال: والكابي من الزناد الذي لا يُورى، فيقال من ذلك كبا
الزند، وصلد إذا لم يور.
وأوصى جبيرٌ إلى غالَبٍ وَصيّةَ ذي الرحمِ المُجْهَدِ
فقالَ ارْفُقضنّ بِلّي الكَتيفِ وحَكّ المَشاعِبِ بالمِبرَدِ
قوله بلي الكتيف، الكتيف ضباب الحديد، الواحدة كتيفة، وكتائف جمع الجمع.
وجِعْثِنُ حَطّ بِها المِنْقَريُّ كَرَجْع يَدِ الفالجِ الأحرَدِ
قوله حط بها، يقول: أتعبها واعتمد عليها. قال: والمنقري عمران بن مرة. قال: والفالج من الإبل له
سنامان. والأحرد الذي في عصب يده يبس، فهو يضرب بها الأرض شديدًا.
تَثاءبُ مِن طُولِ ما أبركَتْ تَثاؤبَ ذي الرّقْيةِ الأدْرَد
قال: الأدرد الذي ليس في فمه سن، واذا تثاءب كان أسمح له.
فهلاّ ثأرتَ بِبنتِ القُيونِ وتَتركُ شَوقًا إلى مَهْدَدِ
[ ٣ / ٩١٩ ]
وهَلاّ ثأرْتَ بحَلّ النطاقِ ودَقّ الخَلاخيلِ والمِعْضَدِ
فأصبحتَ تَقْفُرُ آثارَهُمْ ضُحى مشيَةَ الجادِفِ الأعقَدِ
ويروى مشية الحذف الأعقد. قال: وهي ضرب من الغنم صغار الأجسام. والأعقد من الكلاب
الواضع ذنبه على ظهره مثل الحلقة، وهن قصار الأذناب. والجادف الكلب الذي يجدف خطوه يقارب
بينه.
كَليلًا وَجَدتُمْ بَني مِنقَر سِلاحَ قَتيلكُمُ المُسنَدِ
قال: المسند المعلق في القوم ليس منهم.
تقولُ نَوارُ فضحْتَ القُيونَ فَليتَ الفَرزدقَ لمْ يُولَدِ
وفاز الفرزدق بالكَلْبَتَين وعِدْلٍ مِنَ الحُمَمِ الأسودِ
فرقّعْ لجَدّكَ أكْيارَهُ وأصْلحْ مَتاعَكَ لا تُفْسِدِ
وأدْنِ العَلاةَ وأدْنِ القَدومَ ووَسّعْ لِكيركَ في المَقعَد
العلاة سندان الحداد. ويروى في المُلحد والمَلحَد.
قَرَنْتُ البَعيثَ إلى ذي الصليبِ معَ القَينِ في المَرسَ المُحْصَد
وقَدْ قُرِنوا حينَ جَدّ الرِهانُ بِسامٍ إلى الأمدِ الأبعدِ
قوله بسام أي مرتفع، يعني نفسه.
يُقطعُ بالجري أنفاسَهم بِثَني العِنانِ ولم يجهَدِ
يقول: سبق وهو ثاني العنان، وعنانه في يده لم يملأه كله. وقوله لم يُجهد، يقول: أتى ولم يتعب،
قبل أن يتعب فرسه كان له السبق.
[ ٣ / ٩٢٠ ]
فإنّا أناسُ نحبُ الوَفاء حَذارَ الأحاديثِ في المَشهَد
ولا نَحتَبي عندَ عقدِ الجوارِ بغير السيوفِ ولا نرتدي
شَدَدْتُم حُباكُمْ على غَدرَةَ بجيشانَ والسيفُ لمْ يُغمدِ
ويروى على خزية. قال: جيشان وادي السباع. يقول: غدرتم بالزبير فيه. وقوله لم يغمد، يعني يوم
الجمل.
فلما احتبيتَ وأنتَ الذليلُ قَعَدتَ على أستِ امرئ قُعدُدِ
فبُعدا لقومٍ أجاروا الزبير وأما الزبير فلا يبعَدِ
أعبْتَ فوارسَ يومِ الغَبيطِ وأيام بِشرِ بني مَرثَدِ
ويومًا ببلقاء يا ابنَ القُيونِ شَهدنا الطّعانَ ولم تَشهَدِ
فصَبّحنَ أبجَرَ والحَوفَزانَ بِوِردْ مُشيحٍ على الذُوّدِ
قال: وقد مرت أخبار هذه الأيام فيما أمليناه من الكتاب. مشيح حاد سريع محاذر.
ويومَ البَحيرَينِ ألحقَنَنا لهُنّ أخاديدُ في القَرْدَدِ
نُعِضُ السيوفَ بهِام المُلوكِ ونَشفِي الطّماحَ منَ الأصيدِ
قال: الأصيد الرجل المميل رأسه المتكبر، شبهه بالأصيد من الإبل، وهو الذي يصيبه داء فيرفع
رأسه لذلك. يقول: نضرب رأسه فيقيمه لنا ذُلاّ ورجوعًا إلى الحق.
[ ٣ / ٩٢١ ]
قال أبو عثمان، وقال أبو عبيدة: كانت النوار بنت أعين بن ضبيعة بن ناجية بن عقال، جعلت
الفرزدق جريّها، أن يُنكحها رجلا كان خطبها. قال: فأشهد عليها بالجراية مُبهمًا في تزويجها. قال:
فجاء الخاطب والشهود فخطبها، وأجابه الفرزدق، حتى إذا انتهى إلى موضع الإنكاح، مال إلى نفسه
فتزوجها على عدة ما ذكر الخاطب من المهر. قال: وتفرّق القوم، وأتيت المرأة بالخبر، فأبت وقالت:
ما أنا له بزوجة، إنما أذنت له في تزويجي هذا الرجل فغدر. ولجأت إلى بني قيس بن عاصم، فقال
الفرزدق في ذلك:
بَني عاصِمٍ لا تُلجِئُوها فإنّكُمْ مَلاجئ للسّواءات دُسمُ العَمائِمِ
بَني عاصِمِ لو كانَ حَيّا لَدَيكُمُ لَلامَ بَنيهِ اليومَ قيسُ بنُ عاصِم
قال: فقالوا للفرزدق لئن زدتَ لنقتلنك. فنافرته إلى عبد الله بن الزبير بمكة. قال: وكان لها ولد من
رجل قبل ذلك، فقالت بيني وبينك ابن الزبير، وطلبت الكراء، فتحاماها الناس، فأكراها رجل من بني
عدي فقال الفرزدق في ذلك:
ولولا أن يقولَ بَنو عَديّ أليستْ أمّ حنظلَةَ النّوارُ
أي لولا أن النوار - وهي بنت جل بن عدي من جدات الفرزدق - ولدتكم لهجوتكم.
إذا لأتى بَني مِلكانَ مِنّي قَواذِفُ لا تُقَسّمُها التّجارُ
[ ٣ / ٩٢٢ ]
قال: والملكاني الذي شخص بها وقال الفرزدق:
ولولا أنّ أمي مِنْ عَديّ وأنيّ كارِهٌ سُخطَ الرّبابِ
إذا لأتَى الدّواهي مِنْ قريبٍ بِخزي غيرْ مَصروِف العِقابِ
وقال الفرزدق، يعني الملكاني الذي شخص بها:
سرى بِنَوارٍ عَوْهَجِيّ يَسوقُهُ عُبيدٌ قَصيرُ الشّبرِ نائي الأقاربِ
تَؤمٌ بِلادَ الأمنِ دائبةَ السُرى إلى خيرِ وال من لُؤي بنِ غالِب
فدونَكَ عِرسي تبتَغي نَقْضَ عُهدتي وإبطالَ حقّي بالمُنى والأكاذِبِ
قال: وكان بنو أمّ النُسير تجنبوها، فقال لهم في ذلك:
لَعَمري لقدْ أردَى نَوارَ وساقَها إلى الغَورِ أحلامٌ خِفافٌ عُقولهُا
مُعارضَةَ الرُكبانِ في شَهر ناجِرٍ على قَتَبٍ يعلو الفَلاةَ دَليلُها
وما خِفْتُها إذْ أنْكَحَتني وأشهدَتْ على نفسِها أنْ تَنْتَحيني غُلولهُا
قال أبو عبد الله: ويروى أن تبجس غُولها.
أطاعَتْ بني أمّ النُسيرْ فأصبحتْ على شارِف ورقاء صعبٍ ذَلولها
وقدْ سَخطَتْ مني نَوارُ الذي ارتضى بهِ قَبلَها الأزواجُ خابَ رَجيلُها
وإنّ أميرَ المؤمنينَ لَعالمِم بِتَأويلِ ما وصّى العِبادَ رَسولهُا
أي ما أوصى النبي - ﷺ - من التزويج: "فإني مُكاثِرٌ بكم الأممَ".
[ ٣ / ٩٢٣ ]
فدونَكَها يا ابنَ الزبيرْ فإنها مُوَلّعةٌ يُوهِي الحجارَةَ قيلُها
وما خاصَمَ الأقوامَ من ذي خُصومَة كَوَرهاء مشْنوء إليها حَليلُها
تَراها إذا التَجّ الخُصومُ كأنما ترى رُفقَةً مِنْ ساعةٍ تَسْتَحيلُها
يقول: هي طامحة الطرف عن زوجها، لا تنظر إليه من بغضة، كأنها تنظر إلى رُفقة من مكان
بعيد. وقال الفرزدق:
هَلُمّ إلى ابْنِ عَمّكِ لا تَكوني كمُخْتارٍ على الفَرَس الحِمارا
قال أبو عبيدة: فتجاولا زُمينًا، لا يُفصل بينهما، وانقطعت إلى امرأة ابن الزبير، بنت منظور بن
زبّان الفزاري، وانقطع هو إلى حمزة بن عبد الله بن الزبير، وقال له:
أمسَيتُ قَدْ نَزَلتْ بِحَمزَةَ حاجتي إنّ المُنَوّهَ باسمِهِ المَوثوقُ
قال أبو عبد الله: ويروى أصبحت قد نزلت. فلم يصنع في حاجته شيئًا. قال:
أمّا بَنوهُ فلَمْ تُقبلْ شَفاعَتُهمْ وشُفّعَتْ بنتُ منظورِ بنِ زَبّانا
ليسَ الشفيعُ الذي يأتيكَ مؤتزِرًا مثلَ الشفيع الذي يأتيكَ عُريانا
ثم قال لابن الزبير:
تخُاصِمُني النّوارُ وغابَ فيها كَرَأس الضّبّ يلتمسُ الجَرادا
[ ٣ / ٩٢٤ ]
فقال له ابن الزبير:
ألا تِلْكُمُ عرْسُ الفرزدقِ جامحًِا ولوْ رَضيَتْ رَمحَ أستِهِ لاستَقَرّتِ
قال: فلم يزل بها حتى واقعها، وأقبلت من مكة حبلى، وكانت تُشارهُ، فأراد أن يغيظها، فتزوج عليها
غير واحدة. فتزوج عليها حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد
الله بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذُهل بن شيبان. وولد قيس بن مسعود بساطما وبشرًا،
وهو السليل، وعمرًا، وهو الأحوص، وبجادًا. وولد بسطام بن قيس الأحوص، وزيقًا، وفريصًا،
وفروة، بني بسطام. فحدراء بنت زيق بن بسطام، والأحوص أخوها. والأحوص الكبير عمها.
فتزوجها الفرزدق على، مائة من الإبل.
قال أبو عبيدة: قال جهم: فقالت للفرزدق النوار: ويلك تزوجت أعرابية دقيقة الساقين، تبول على
عقبيها على مائة بعير. فقال الفرزدق: يفضلها عليها ويعيرها بأمها، وكانت أمَة:
لجاريَةٌ بين السليلِ عُروقُها وبَين أبي الصّهباء مِنْ آل خالِدِ
قوله أبي الصهباء، يعني بسطاما. والسليل بن قيس أخو بسطام بن قيس.
أحَقٌ بِإغلاء المُهورِ مِنَ التي رَبَتْ وهيَ تَنزو في جُحورِ الوَلائِد
وقال الفرزدق أيضًا:
لو أنّ حَدراء تجزيني كما زَعَمتْ أنْ سوفَ تفعلُ مِنْ بذْلٍ وإكرامِ
لَكنتُ أطوَعَ مِنْ ذي حَلْقَة جُعلتْ في الأنفِ ذَلَّ بتقواد وتَرسامِ
[ ٣ / ٩٢٥ ]
عَقيلَةُ مِنْ بني شَيبانَ تَرفعُها دَعائمُ للعُلى مِنْ آلِ همّامِ
مِنْ آلِ مُرّة بَين المُستضاء بهِمْ مِنْ بين صِيد مَصاليت وحُكامِ
بينْ الأحاوصِ مِنْ كَلبٍ مُرَكّبها وبين قيسِ بنِ مسعودٍ وبِسطامِ
وقال الفرزدق أيضًا:
لَعَمري لأعرابيةٌ في مِظلّة تظلّ بَروقَيْ بَيتها الريحُ تخفقُ
كَأمّ غَزالٍ أو كَدُرّة غائص إذا ما بَدَتْ مثلَ الغَمامةِ تُشرقُ
أحَبُّ إلينا مِنْ ضِناك ضِفنّة إذا رُفعَتْ عنها المَراوِحُ تَعرقُ
كَبطّيخَة الزّرّاع يُعجبُ لَونُها صحيحًا ويبدو داؤها حينَ تُفلَقُ
ويروى إذا وضعت عنها المراوح. فأجابه الباهلي:
أعوذُ باللهِ مِنْ غُولٍ مُغَولةٍ كأنّ حافِرَها في حَدّ ظُنْبوبِ
ورُكْبتاها سلاحٌ ما يقومُ لها إلا الشياطينُ في تلكَ الأعاريبِ
تَستروِحُ الشاةَ مِنْ ميلٍ إذا ذُبحتْ حُبّ اللّحامِ كما يستروحُ الذّيبُ
قال: فلما سمعت النوار بعثت إلى جرير، وقالت للفرزدق: أما والله لأخزينّك يا فاسق، فجاءها
جرير، فقالت له: ألا ترى ما قال لي الفاسق؟ وشكت إليه ما قال لها، فقال لها جرير أنا أكفيكه. فقال
جرير:
ألستُ بمُعطِي الحُكمِ عَنْ شِفّ مَنصبٍ ولا عَنْ بناتِ الحَنظَليّينَ راغِبُ
[ ٣ / ٩٢٦ ]
ويروى ولا أنا معطي الحكم عن شف منصب. قال: والشف هاهنا النقصان، وقد يكون الشق الفضل
أيضًا. يقال: هذا أشف من هذا، وهذا يشف على هذا، أي يزيد عليه. وقال أبو عثمان: أنشدني أبو
عبيدة:
بَني يَثربي حَصّنوا أينُقاتكُم وأفراسكُمْ عنْ نَزو أحمرَ مُسهَمِ
ولا أعرفَنْ ذا الشّقّ يطلبُ شفّهُ يُداويِهِ مِنكُمْ بالأديمِ المُسَلّمِ
قوله حصنوا أينقاتكم وأفراسكم، يعني بناتكم وقرائبكم. عن نزو أحمر، عن برذون، ليس بعربي.
وقوله مسهم بعني يجعل له سهم في الغزو. وقوله يداويه منكم بالأديم المسلم، يقول: يُصحح عيب
نسبه وأديمه بأديمكم الصحيح المسلم إذا انكحتموه.
قال أبو عبد الله: يقال أسهم له إذا جعل له سهمًا، وسهمه إذا خرج سهمه على سهمه، فكانت له
الغلبة.
وقوله ذا الشف، قد قال النابغة الجعدي في الشف إذا كان فضلا:
فاستَوتْ لِهْزِمَتا خَدّيهِما وجرى الشّفّ سواء فاعْتَدَلْ
قال: والشف هاهنا فضل ما بين الحمار والفرس. قال: جرى الفرس حتى لحق بالحمار، فاستويا
فطعنه الغلام.
أراهُنّ ماءَ المُزن يُشفى بِهِ الصدَى وكانتْ مِلاحًا غَيرهُنّ المَشارِبُ
قوله أراهن، يعني بنات الحنظليين. والصدى العطش. يقول أرى المشارب إلا إياهن، فضربهن مثلا
للمشارب.
[ ٣ / ٩٢٧ ]
لقدْ كنتَ أهلا إذْ تَسوقُ دِياتكُمْ إلى آل زيقٍ أنْ يَعيبَكَ عائِبُ
قال أبو عبد الله: ويروى أن تسوق. وهو أجود في المعنى. وقوله إذ تسوق دياتكم، يريد المائة من
الإبل التي ساقها الفرزدق إليهم.
وما عَدَلَتْ ذاتُ الصّليبِ ظَعينَةً عُتَيبَةُ والرّدفان مِنها وحاجِبُ
قوله ذات الصليب، يريد حدراء. وذلك أن أجدادها كانوا نصارى فعيّره بذلك. وقوله ظعينة، يريد
امرأة. قال وأصل الظعينة المرأة تكون على البعير. قال: ثم استعملت العرب الظعينة، حتى صيّروا
المرأة ظعينة بغير بعير، والأصل في ذلك ما خبرتك. وقوله عتيبة، يريد عتيبة بن الحارث بن
شهاب بن عبد قيس بن كُباس بن جعفر بن ثعلبة ابن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن
تميم، وقد رأس، وكان فارس مضر في زمانه. وحاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله ابن
دارم. وقوله والردفان، عتّاب بن هرمي بن رياح بن يربوع، وعوف بن هرمي. قال: والردف الذي
يُربض للملك، فيكون القائم بعد الملك، فهو الردف عند العرب في الجاهلية. قال أبو جعفر: والردف
الذي يردف الملك، يعادله في ركوبه، ويجلس في مجلسه.
ألا رُبما لم نُعطِ زِيفًا بحُكمِهِ وأدّى إلينا الحُكمَ والغُلُ لازِبُ
قوله والغل لازب، يعني لازمًا. ولازب ولازم سواء بمعنى واحد. والعرب تقول ضربة لازب
ولازم، بمعنى واحد، كذلك كلام العرب.
حَوَينا أبا زِيقٍ وزِيقًا وعَمّهُ وجَدّةُ زيقٍ قدْ حَوَتها المَقانبُ
قوله حوينا، يريد أخذنا فصار في أيدينا. قال: وأبو زيق، أسره عتيبة ابن الحارث، وأسر زيقًا
وحلف أن لا يطلقه حتى يأتيه بكل ما أورثه قيس بن مسعود: قال: وجدّةُ زيق أم بسطام، وهي ليلى بنت
[ ٣ / ٩٢٨ ]
الأحوص الكلبي. قال: فأتته أم بسطام بثلثمائة بعير، فقبضها عتيبة وجزّ ناصيته وخلّى سبيله.
قال أبو جعفر: إنما كان بسطام عاب على عتيبة مركب أمّه، فحلف أن لا يطلقه حتى يأتيه بمركب
أمّه مع الفداء الذي فارقه عليه. قال سعدان: وعم زيق، السليل بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد
بن ذي الجدين. أسره قيس بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم، في يوم جوف دار. قال
وهي أرض هجر - قال أبو عبد الله: جوف وبال وهي أرض هجر - قال: وفي هذا اليوم يقول
نهشل بن حرّي بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم:
وقاظَ ابنُ ذي الجدَّين وسْطَ قبابِنا وكرْشاء في الأغلالِ والحَلَقِ السُمْرِ
قوله كرشاء، هو كرشاء بن المزدلف، وهو عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، أسره في هذا
اليوم المُجشر بن أبي بن ضمرة بن جابر ابن قطن بن نهشل.
ألمْ تعرِفوا يا آلَ زيقٍ فوارسي إذا اغبرّ مِنْ كَرّ الطّرادِ الحَواجِب
حَوَتْ هانئا يومَ الغَبيطَينْ خَيلُنا وأدرَكنَ بِسطامًا وهُنّ شَوازبُ
شوازب ضوامر. قال: وهانيء بن قبيصة الشيباني، أسره وديعة بن مرثد، من بني أزنم بن عبيد
بن ثعلبة بن يربوع. وقال اليربوعي: ناصية هانيء اليوم عند رجل من بني مازن، يقال له عطّاف
بن زهير الرزامي - وقال أبو عبد الله: لا أحفظ هذا الاسم.
صَبَحْناهُمُ جُردًا كأنّ غُبارَها شَابيبُ صَيفٍ يَزدَهيهِنّ حاصِبُ
قوله يزدهيهن، يعني يستخفهن فيذهب بهن. والحاصب الرياح
[ ٣ / ٩٢٩ ]
الشديدة الهبوب، تحمل الحصباء من شدة هبوبها، وفيها تراب وحصى لشدة هبوبها.
بِكُلّ رُديني تَطارَدَ مَتْنُهُ كما اخْتَبّ سيدُ بالمَراضَين لاغِبُ
أي صبحناهم هذا وهذا. وقوله بكل رديني هو رمح نسبه إلى ردينة. قال الأصمعي وردينة امرأة
كانت بالبحرين، ثثقف الرماح في الجاهلية معروفة بالفراهة. وقوله تطارد متنه، يعني يهتز إذا هُز.
وقوله كما اختب، هو افتعل من الخبب.
وحدثنا أبو عثمان سعدان بن المبارك، قال: سألت أبا عبيدة عن قوله بالمراضين. قال: هو موضع
معروف، وهو من أرض المدينة، بينه وبينها مسيرة يومين. وقوله لاغب، يعني معيبًا وهو من قول
الله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي إعياء. قال أبو عثمان، فقلت لأبي عبيدة: هو من المدينة على
يومين منها. فقال إذا كان من عملها، وإن كان على يومين أو ثلاثة أيام فهو منها.
جزَى اللهُ زِيقًا وابنَ زيقٍ مَلامةً على أنني في وُدّ شَيبانَ راغِبُ
أأهدَيتَ يا زِيقَ بنَ زِيق غَريبَةً إلى شر ما تهدَي إليهِ الغَرائِبُ
ويروى وأنكحت يا. وإلى سر ما. وقوله غريبة، يقول: هي من ربيعة، ليست من تميم، فصيرها
غريبة لذلك.
فأمثَلُ ما في صِهْرِكُمْ أنّ صِهْركُمْ مجُيدٌ لكم ليّ الكَتيفِ وشاعِبُ
قال: الكتيفة الضبة من الحديد يُخبر أنه حداد.
عَرَفناكَ مِنْ حوضِ الحمارِ لزِنْيَة وكانَ لِضَمّاتٍ مِنَ القَين غالِبُ
بَني مالِكِ أدّوا إلى القَين حَقّهُ وللقَينْ حقٌّ في الفرزدقِ واجِبُ
[ ٣ / ٩٣٠ ]
أثائِرَة حَدراء مَنْ جُرّ بالنّقا وهل في بَني حَدراء للوِتر غالِب
النقا يريد الموضع الذي قُتل به بسطام، يقال له نقا الحسنين. قال أبو عبد الله: لا أعرف إلا نقا
الحسن. ويروى وهل فيك يا حدراء.
أتَثْأرُ بِسطامًا إذا ابْتلّتِ استُها وقَدْ بَولّتْ في مِسمَعَيهِ الثّعالِبُ
يعني بسطام بن قيس، قتله عاصم بن خليقة الضبي.
ذَكَرتَ بَناتِ الشمسِ والشمسُ لمْ تَلد وأيهاتَ مِنْ حُوقِ الحِمارِ الكواكبُ
ولوْ كُنتَ حُرًا كانَ عشرٌ سَياقَةً إلى آلِ زِيقٍ والوصيفُ المُقاربُِ
قوله المقارب، يعني الدون. يقول: ما أقربه من الجيد.
فأجابه الفرزدق فقال:.
تقولُ كُليبٌ حينَ مَثّتْ سِبالهُا وأخْصَبَ مِنْ مَرّوِتها كُلُّ جانِبِ
مَثّت سالت من الدسم والخصب، كأنها دهنت بالشحم. ويقال مثّت يعني رشحت دسمًا، وذلك من
كثرة شرب اللبن، كما يمثّ نحي السمن إذا روي وظهر منه السمن. يقال: قد مثّ يمث مثّا.
لِسُؤبْان أغنام رَعَتْهُنّ أمُهُ إلى أنْ عَلاها الشيبُ فوقَ الذّوائبِ
قوله لسؤبان، قال الأصمعي، وأبو عبيدة، جميعًا: السؤبان الرجل المصلح الحسن القيام على المال،
فيقال من ذلك سؤبان مال، وخال مال، وآئل مال، وخائل مال، وسرسور مال، وصدى مال، وعسل
[ ٣ / ٩٣١ ]
مال، وعائس مال، وإزاء مال، وصصية مال، وعائل مال، كله بمعنى واحد، وذلك إذا كان الرجل
مصلحًا له بحسن القيام عليه. وقال حميد بن ثور الهلالي في إزاء، يصف امرأة بحسن التأني
للمعاش:.
إزاء مَعاشٍ لا تحلُّ نِطاقَها مِنَ الكيسِ فيها سُؤرةٌ وهيَ قاعِدُ
ويروى سورة. ويروى لا يزول نطاقها. أي لا تحله البتة من الخدمة. وقوله فيها سؤرة، يقول هذه
المرأة فيها فضل من قوة، وفيها بقية لإصلاح معاشها. وهي قاعد يقول: هي قاعد عن الزوج، ليست
بنافقة للأزواج. وقال الجعدي في خائل مال:
حلاّ بِأبْلِيّ وراحَ عليهما نَعَمُ القَطينِ وعازِبُ الخُوّال
أبلي اسم واد. والقطين التباع والحشم. قال: والخوّال، هاهنا، هم المصلحون للمال، يقال للواحد
خائل، وخوّال للجميع.
ألَستَ إذا القَعساء أنسَلَ ظَهرُها إلى آل بِسطامِ بنِ قيسٍ بِخاطِبِ
قال: والقعساء من النساء الداخلة الصلب، العظيمة البطن. وإنما عنى، ها هنا، أتانًا. وهي في غير
هذا الموضع، امرأة على هذه الصفة من دخول صُلبها وعظَمِ بطنها.
وقوله أنسل ظهرها، يقول: طرّت فسقط وبرها القديم، ونبت وبر جديد، وذلك لسمنها.
لَقُوا ابنَي جِعالٍ والجِحاشُ كأنها لهُمْ ثُكَنٌ والقَومُ مِيُل العَصائِبِ
قال: ابنا جعال، عطية وأخوه من بني غُدانة بن يربوع. وقوله ثكن،
[ ٣ / ٩٣٢ ]
يعني جماعات، الواحدة ثكنة. ميل العصائب، يعني العمائم من شدة التعب والسير.
فقالا لهُمْ ما بالُكم في بَرادِكُمْ أمِنْ فَزَعٍ أمْ حَولَ رَيّانَ لاعَبِ
قوله في برادكم، البُردة، هاهنا، كساء يُزيّن بالعهن، وهو الصوف المصبوغ ألوانًا، واحدها عِهن،
وجميعها عُهون. والبَراد جمع بُردة، وهي أكسية من شعر الأعراب، يأتزرون بها. فقال لبني كليب:
ما بالُكم في برادكم كالفزعين؟ أمن فزع هذا، أم أنتم حول ريّان، أي سكران، يلعب فتزفنون معه؟.
فقالوا سَمِعنا أنّ حَدراء زُوّجَتْ على مائَة شُمّ الذّرى والغَوارِبِ
قوله شم الذرى، يعني طوال الأسمنة، قال الأصمعي: ذُروة كل شيء أعلاه. والغوارب جمع غارب،
وهو ما اضطمت عليه الكتفان، وهو مقدّم السنام يلي العنق.
وفينا مِنَ المِعزَى تِلادٌ كَأنها ظَفاريّة الجَزع الذي في الترائِبِ
قوله تلاد، التلاد ما كان لآبائهم قديمًا. قال والطارف، الذي اتخذوه واستطرفوه. وقوله ظفارية
الجزع، يعني جزع ظفار. وظفار باليمن. قال وفي مثل للعرب "من دخلَ ظفار حمّر" يعني تكلم
بالحميرية. فقال: إن المعزى سود وبُلق. قال: وكذلك الجزع أسود في بياض. والترائب واحدتها
تربية، وهو موضع طرف القلادة من الصدر. والمعنى، يقول: إنها لحسان في أعينهم كالجزع الذي
يُلبس على الترائب - أي المخانق - من حسنها، أي خرجوا يعجبون من إبل تُعطى غيرهم – يعني
نفسه - أي خرجوا يعجبون من ابل تُساقُ في مهر حَدراء.
بهِنّ نَكَحنا غالياتِ نسائِنا وكُلُ دَم مِنّا عَلَيهنّ واجِبِ
قوله بهن نكحنا، يريد تزوجنا وحقنّا بهنّ أيضًا الدماء.
[ ٣ / ٩٣٣ ]
فقالا ارجعوا إنّا نخافُ عليكُمُ يدي كلّ سام مِنْ رَبيعَةَ شاغِبِ
سام، يعني مرتفع الشأن. ومنه سميت السماء لارتفاعها وسُموها. شاغب، أي أنف ذو شغب وجرأة.
فإلاّ تَعودوا لا تجيئوا ومِنكُمُ لهُ مسمعٌ غير القُروح الجَوالِبِ
ويروى فالاّ تَكرّوا. ويروى فإلا تفيئوا. يقول تُجدعون فتُقطّع آذانكم فتُقرّح. قال: والجالب من
القروح، الذي قد يبس جلد قرحته، كما قال النابغة الذبياني:
بهنّ كُلومٌ بَينْ دامٍ وجالِبِ
يقول: إلا تعودوا حتى ترجعوا من حيث جئتم، تكن هذه حالكم. يحذرهم ويخوّفهم، والمعنى يقول:
إنْ ذهبتم تخطبون إلى شيبان كما خطبت أنا، رجعتم مجدّعين. لأنه لا إبل لكم تسوقونها في المهور،
أنتم أصحاب معزى.
فلو كنتَ مِنْ أكفاء حَدراء لمْ تَلُمْ على دارِميّ بَين ليلى وغالِبِ
فَنَلْ مِثلَها مِنْ مِثلهِمْ ثُمّ لهُمُ بَمالَكَ مِنْ مالٍ مُراحٍ وعازِبِ
ويروى بقومك أو مال مراح وعازب. قال: والمراح الذي أريح على أهله من الرعي ليلًا، فبات عند
أربابه. قال والعازب الذي يبيت في الرعي.
وإنيّ لأخشى إنْ خَطَبتَ إليهمِ عليكَ الذي لاقَى يَسارُ الكَواعَب
ويروى لو خطبت، ويروى فإنا لنخشى. قال: وكان من حديث يسار، أنه كان عبدًا لبني غدانة،
فأراد مولاته على نفسها، فنهته مرة بعد أخرى، فلما أبى إلا طلبها، أطمعته في نفسها، وواعدته أن
يأتيها
[ ٣ / ٩٣٤ ]
ليلًا، فأخبر بذلك عبدًا كان يرعى معه. فقال له صاحبه: يا يسار كل من لحم الحوار، واشرب
لبن الغزار، وإياك وبنات الأحرار. فلم يسمع منه. وأتى مولاته لوعدها، وقد أعدّت له موسى، فلما
دخل عليها، قالت له: إني أريد أن أدَخّنك، فإنك منتن الريح. قال: افعلي ما بدا لك. ثم أدخلت تحته
مجمرة، وقبضت على مذاكيره، فبترتها. فلما وجد حر الحديد قال: "صبرًا على مجامرِ الكِرام" فذهبت
مثلًا. قال اليربوعي: إنه لمّا دخل عليها قالت له: إني أريد أن أطيّبك، فإن كنت تجزع، فاخرج عني.
قال: ستجدينني صبورًا. فجدعت أنفه وأذنيه. وقطعت شفتيه. فلما نظر صاحبه إلى ما صنعت به،
قال: ويحك يا يسار، أمقبل أم مدبر. قال: اجعل أنف ليس، وأذنين ليس، وشفتين ليس، بصيص
عينين لا تبصر.
ولوْ قَبِلوا منّي عَطيّةَ سُقتُهُ إلى آل زيقٍ مِنْ وَصيفٍ مُقاربِ
هُمُ زَوّجوا قبلي ضِرارًا وأنكحوا لقيطًا وهمْ أكفاؤنا في المَناسِب
ولو تنكحُ الشمسُ النجومَ بَناتِها إذا لَنَكحناهُنّ قبل الكَواكِبِ
يقول: لو أن الشمس زوّجت بناتها من النجوم، لتزوجناهن نحن في شرفنا. وهذا مثل ضربه.
وما استَعْهَدَ الأقوامُ من زوجِ حُرّة مِنَ الناسِ إلا منكَ أو مِنْ محُارِب
قوله استعهد اشترط. قال: والعرب تقول استعهد من صاحبك أي اشترط عليه.
لعلكَ في حَدراء لمتَ على الذي تخَيرّت المِعزَى على كُلّ حالِبِ
ويروى كأنك في حدراء، أراد كالذي تخيرته المعزى.
عطِيّةَ أوْ ذي بُردَتَينْ كأنهُ عطيّةُ زوج للأتان وراكِبِ
رد عطية على الذي. ويروى أو ذي شملتين. وقوله الذي تخيّرت
[ ٣ / ٩٣٥ ]
المعزى على كل حالب، أو على ذي، يريد وعلى رجل ذي بُردتين كأنه عطية زوج للأتان.
وراكب خفضه على نعت رجل. يقول:
كأنك في لومك في تزويجي حدراء، لمت على أبيك أو على نفسك.
ثم إن حدراء ماتت قبل أن يصل إليها الفرزدق، وقد ساق إليها المهر، وهي مملّكة. وقد كان سار
إليها ليبتني بها، فوجدها قد ماتت، فترك المهر لأهلها وانصرف. فقال في ذلك:
عَجِبْتُ لِحادينا المُقَحّمِ سَيرهُ بِنا مُزحِفاتٍ مِنْ كَلالٍ وظُلّعا
القصيدة.
وقال جرير في ذلك:
يا زِيقُ أنكَحتَ قَيْنًا باستْهِ حمَمٌ يا زِيقُ وَيحكَ مَنْ أنْكَحْتَ يا زِيقُ
يا زِيقُ وَيحكَ كانت هَفوةً غَبَنًا فِتيانُ شَيبانَ أم بارَتْ بكَ السُوقُ
يقول جرير لزيق بن بسطام: لو زوجت بنتك فتيان شيبان. وقوله كانت هفوة غبنا أم بارت بك
السوق، لم يرضها أولاد شيبان، فزوّجتها الفرزدق. وقوله أم بارت بك السوق، يعني كسدت. يقال:
بارت عليه تجارته، وبار بيعه، وكذلك إذا كسد. من قول الله تعالى: ﴿تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾.
غابَ المُثنى فلمْ يشهدْ نَجِيّكُما والحَوفَزانُ ولم يَشهدكَ مَفْروقُ
أينْ الألىَ أنزلوا نُعمانَ ضاحِيةً أم أينَ أبناء شَيبانَ الغَرانيقُ
يا رُبّ قائِلَةٍ بعدَ البِناء بِها لا الصّهرُ راضٍ ولا ابنُ القَين مَعشوقُ
[ ٣ / ٩٣٦ ]
فأجابه الفرزدق، فقال:
إنْ كانَ أنفُكَ قَدْ أعياكَ محمِلُهُ فارْكَبْ أتانَكَ ثمّ اخْطُبْ إلى زيقِ
ويروى إن كان أنفك قد أبزاك محمله. يعني أعياك وأثقلك. وأبزاك أجود. أبزاك أي غلبك وأثقلك.
وقال معن لن أوس المزني:
وإنيّ أخوكَ الدائمُ العَهْد لمْ أحُلْ أنَ أبزاكَ خَصمٌ أوْ نَبا بِكَ مَنزلُ
قوله أبزاك خصم، يقول أن أعياك خصم فغمّك وأثقلك أمره، فأنا بذلك زعيم.
[ ٣ / ٩٣٧ ]
قال أبو عبيدة: قال أعين بن لبطة: فدخل الفرزدق على الحجاج بن يوسف، فقال له الحجاج:
أتزوجت نصرانية على مائه بعير؟ فقال له عنبسة بن سعيد: إنما ذلك ألفا درهم. فقال الحجاج: ليس
غير يا أبا كعب، أعطه ألفى درهم. قال: فقدم الفضيل العنزي - ويكنى بأبي بكر - بصدقات بكر بن
وائل، وكان له في الفرزدق هوىً، فاشترى منه الفرزدق مائة فريضة بألفين وخمسمائة درهم فقال
للفرزدق: أثبتها لي في أدائي عند أبي كعب. فأتى الفرزدق أبا كعب، فأخبره الخبر. فقال له: أمهل
فإن، هاهنا، خمسمائة درهم، فصَلّ مع الأمير الظهر؛ وأخبره أنك اشتريت من الفضيل مائة فريضة
بألفين وخمسمائة. على أن تُثبتها له في أدائه، فإنه قد نسى. ففعل الفرزدق ذلك. فقال الحجاج: ادعُ يا
سرجس، يعني أبا كعب. قال أعين ابن لبطة: وقال الفرزدق: فرجّبته أن أناديه باسم يكرهه، فسمعها
أبو كعب. وقال: لبيك. وأقبل فقال: أثبت للفضيل ألفين وخمسمائة درهم. وقال فدخل فقلت لأبي
كعب: تعلم والله أنه قد قال لي، فأبيت أن أدعوك. فقال: قد سمعت. وقال بعد: أخزاه الله ما آذاه
للصاحب. وقال الحرمازي: قال له أبو كعب: أصلحك الله، وإنما هي فرائض بألفي درهم. قال:
كذلك! قال: نعم. قال: يا أبا كعب، أعطه ألفي درهم. فاشتريت منه مائة بألفي درهم وخمسمائة درهم،
على أن أثبتها له في الديوان. وإنما أمر له الحجاج بألفي درهم. قال: فصليت معه الظهر، حتى إذا
سلّم، خرجت فوقفت في الدار، فرآني فقال: مهيم. فطالعته فقلت: إنّ الفضيل العنزي قدم بصدقة بكر
بن وائل، فاشتريت منه مائة بألفين وخمسمائة درهم، على أن تُحسب له. فإن رأى الأمير أن يأمر
بإثباتها له. فقال: ادعُ سرجس - وهو اسم أبي كعب - قال: فناديت يا سرجس. فأجاب. فأمره أن
يُثبت للفضيل
[ ٣ / ٩٣٨ ]
ألفين وخمسمائة درهم، ونسي ما كان أمر بي لي. قال الفرزدق: فلما دخلت، اعتذرت
إلى أبي كعب من مناداتي باسمه، ولم أناده بكنيته. فقال: صدقت قد والله تمرّد فأخزى الله صحبته.
قال: فلما جاء بها، أبت النوار أن يسوقها كلها، وألحت عليه، فحبس بعضها، وامتار عليها طعوما
وكسى، وما يحتاج إليه أهل البادية، ثم رمى بها الطريق، ومعه أوفى بن خنزير، أحد بني التيم بن
شيبان بن ثعلبة دليله. وقال غيره: إنم نزل عليه حيث وجدها ماتت.
قال أعين: فلما كان في أدنى الحواء والقباب، رأوا كبشًا مذبوحًا. فقال الفرزدق: يا أوفى، هلكت
والله حدراء - تطير من الكبش الفرزدق -. فقال: هذا سبحان الله ما لك بذلك من علم. قال: فجاء
حتى وقف على أبيها زيق في مجلس قومه، فقال له: انزل فهذا البيت، وأما حدراء فقد هلكت -
وكان أبوها نصرانيًا - وقد عرفنا في دينكم الذي يصيبك من ميراثها النصف، فهو لك عندنا. قال: لا
والله لا أرزؤك منه قطميرًا، وهذه صدُقتها فاقبضها. فقال: يا بني دارم، والله ما شاركنا أكرم منكم
لأصهاركم في الحياة، ولا أكرم منكم شِركة في الممات. وقال الفرزدق في ذلك:
عَجِبتُ لِحادينا المُقَحّم سَيرهُ بِنا مُزحِفاتٍ مِنْ كَلال وظُلّعا
قوله المقحم سيره، هو السائر أشد السير يحملها على كل حزن وسهل. قال: والحزن من الأرض ما
خشُن وغلظ، والسهل ما سهُل ولان، وهان على الإبل، السير فيه. ويقال المقحّم الذي يسير مرحلتين
في مرحلة. قال: والمُزحف من الإبل، الذي قد قام من الإعياء فلا يسير وليست به قوة. والظالع
العاتب، يطلع ويعتب أي يعرج.
لِيُدْنينَنا ممّن إلينا لِقاؤهُ حبيب ومن دارٍ أردنا لتجمعَا
[ ٣ / ٩٣٩ ]
ولو نعلمُ العلمَ الذي من أمامنا لكرَّ بِنا الحادي الركاب فأسرعا
لقلتُ أرجعنها إنَّ لي من ورائها خَذولي صِوارٍ بين قُفّ وأجْزَعا
قال أبو عبد الله: ويروى أرجعاها. وقوله خدولى صوار، يعني بقرتين وحشيتين، وإنما أراد
امرأتين. قال سعدان. والصوار القطيع من بقر الوحش. والقُف ما غلظ من الأرض، ولم يبلغ أن
يكون جبلًا. قال: والأجرع رملة سهلة.
مِنَ العُوج أعناقًا عقالُ أبوهمُا تَكونان للعينينِ والقلبِ مَقْنَعا
نَوارُ لها يومانِ يومٌ غَريزَةٌ ويومٌ كغَرثَى جِروها قد تَيَفّعا
قوله ويوم كغرثى، يعني كلبؤة تيفّع شبّ جروها وكفى نفسه. يقال غلام يفعة، وغلمان أيفاع، وهم
الذين شبّوا وأدركوا.
يقولونَ زُرْ حَدراء والتربُ دونهَا وكيف بِشيء وصلُهُ قد تَقَطّعا
ولستُ وإنْ عَزّتْ عليَ بِزائر تُرابًا على مَرموسَة قد تَضَعْضَعا
قوله مرموسة يعني مدفونة. وتضعضع يقول اطمأن.
وأهونُ مَفقودٍ إذا الموتُ نالَهُ على المرء مِنْ أصحابِهِ مَنْ تَقنّعا
قوله وأهون مفقود، أراد هذه المرأة المدفونة. يقول: إذا دفن أهل الميت ميتهم، هان عليهم أمره إذا
طال به الزمن، لأنهم يئسوا منه. يقول: المرأة أهون فقدًا من الرجل.
يقولُ ابنُ خِنزير بَكيتَ ولمْ تكُنْ على امرأة عيني إخالُ لِتَدْمَعا
ابن خنزير أوفى خنزير الشيباني دليله.
[ ٣ / ٩٤٠ ]
وأهونُ رُزء لامرِئ غير عاجِزٍ رَزيّةُ مُرتَجّ الرّوادِفِ أفرعَا
الروادف يريد العجز وما والاها، والعجز الردف. أفرع طويل الشعر وامرأة فرعاء.
وما ماتَ عندَ ابنِ المَراغَة مثلُها ولا تَبِعَتْهُ ظاعِنًا حيثُ دَعْدَعا
رواية أبي عمرو ودّعا. قوله دعدعا، يقال من ذلك دعدع الرجل بالبهم، فهو يُدعدع، وذلك إذا دعاها
وصلح بها.
لَعمري لقدْ قالت أمامَةُ إذْ رَأتْ جَريرًا بِذاتِ الرّقْمتَينْ تَشَنّعا
ويروى ألم ترَ ما قالت. ويروى جريرًا لذات الرقمتين. وهو أجود. وذات الرقمتين أتانه. قوله
بالرقمتين هو موضع معروف. وقوله تشنّعا، يعني هَمّ أن يأتي أمرًا شنيعًا. قال: وهو ما هَمّ به من
نكاح الأتان. والتشنع الانكماش في السير وغيره. قال: والناقة والعُقاب الشّناع، الجادة السريعة المر.
وأنشدنا الأصمعي في ذلك:
وقَدْ أسلىَ الهُمومَ إذا اعترتْني بِحَرفٍ كالمُوَلّعَة الشّناع
أراد الفرزدق أن جريرًا ينكح الأتان.
أمُكْتَفِلٌ بالرّقْم إذْ أنتَ واقِفٌ أتانَكَ أم ماذا تُريدُ لتَصنَعا
ويروى بالرزن أي الوهدة. والمعنى أنه ينزو عليها ويركب كفلها. وقوله أمكتفل، يعني يجعله كِفلا
ثم يركبه. قال: والكفل كساء يدار حول السنام، يشد بحقب البعير، فيركب به الرائض والأخير.
رأيتُكَ تغشَى كاذَتَيها ولم تكُنْ لِتركَبَ إلاَ السّحوج المُوَقّعا
قال: الكاذتانِ أعلى الفخذين حيث يوسم بالحلقتين. وقوله ذا
[ ٣ / ٩٤١ ]
السحوج الموقع، يعني بظهرها آثار الدبر. زعم أن الأتن حلائله، وإن مركبه الحمر. ويروى:
رأيتكَ تَغشَى السارياتِ ولم تكُنْ لِيركَبَ إلا ذا الضلوع المُوَقّعا
يقال: إن الحمير لا تقر بالليل، تسري وترعى.
دَعَتْ يا عُبيدَ بنَ الحَرامِ ألا ترى مكانَ الذي أخزَى أباكَ وجَدّعا
أأعيا عليكَ الناس حتى جعلتَ لي حليلًا يُعاديني وآتُنَهُ معا
يقول: آتنه ضرائري. والحرام بن يربوع، وإنما لقّب باسم أمه الحرام بنت العنبر بن عمرو بن
تميم. وهو أيضا كان يلقب بالعنبر. والحليل، هاهنا، الحمار أي ينزو على أتانه، وهو ينزو على
أهله.
فأجابه جرير فقال:
أقَمنا ورَبّتْنا الدّيارُ ولا أرَى كَمَرْبَعنا بينَ الحَنيّين مَربَعا
ويروى فحيّتنا الديار. يقول كأنها من معرفتها بنا حيّتنا. وقوله وربّتنا الديار، يريد أصلحت حالنا،
يعني ترُبنا تُصلح حالنا. والمربع الموضع الذي أقام فيه القوم في الربيع حتى انقضى. والحنيّان
واديان معروفان، كذلك فسّره الأصمعي وأبو عبيدة.
ألا حَبّ بالوادي الذي ربما نَرى بِهِ مِنْ جميع الحَيَ مَرأى ومَسمَعا
ويروى ألا حبذا الوادي. قال: ألا حبّ الوادي فأقحم الباء كما قال الراعي: لا يقرأنَ بالسِّور. يريد لا
يقرأن السور فأقحم الباء لتقويم الوزن.
ألا لا تَلوما القلبَ أنْ يتَخَشّعا فقدء هاجَتِ الأحزانُ قلبًا مُفَزّعا
[ ٣ / ٩٤٢ ]
وجودا لهِند بالكَرامَة منكما وما شئْتُما أنْ تمنعا بَعدُ فامنَعا
وما حَفَلتْ هندٌ تَعَرُّضَ حاجتي ولا يومَ عيني الغِشاشَ المُرَوعا
قوله تعرض حاجتي، يريد تعسّرها علي. قال: والغشاش النوم القليل، كقولهم في مثل ذلك: نومهم
كلا ولا، يعني قليلًا.
بِعَينَي مِنْ جارٍ على غَربِة النّوَى أرادَ بِسُلْمانِينَ بَيْنًا فوَدّعا
ويروى بأهلي من. وقوله على غربة النوى، أراد على بعد النوى. وقوله بسلمانين هو موضع
معروف. قال: والبين الفراق.
لعلّك في شَكَ مِنَ البَينِ بَعدما رَأيتَ الحَمامَ الوُرْقَ في الدّارِ وُقّعا
يعني أتشك في البين، وقد احتمل أهل الدار، فوقعت فيها الحمام.
كأنّ غمَامَا في الخُدورِ التي غَدَتْ دَنا ثمّ هَزّتْهُ الصبا فترَفّعا
قوله كأن غمامًا في الخدور، شبّه النساء في خدورهن بالغمام في بياضه وصفاء لونه وحسنه. وقوله
هزّته يريد استحثته. قال أبو جعفر: هزّته حرّكته. وقوله دنا يريد دنا من الأرض. يقول: هذه الصبا
من الرياح، هزت الغمام فرفعته في السماء.
فليتَ رِكابَ الحَيّ يومَ تحَمّلوا بحَومانةِ الدّرّاجِ أصبَحنَ ظُلّعا
ويروى فليت جِمال. قال: الحومانة موضع غليظ منقاد، والجمع حوامين. قال: والدّرّاج قنفذ رمل
من قنافذ الدهناء، وهي القطعة منه.
[ ٣ / ٩٤٣ ]
بَني مالِكٍ إنّ الفرزدقَ لمْ يزَلْ فلُو المَخازِي مِن لَدُنْ أنْ تَيَفعّا
ويروى لدن ترعرعا. وقوله تيفّع، يريد تحرك للبلوغ. وقوله فلو المخازي، يقول: تُربيه المخازي.
والفَلُو المهر الصغير ما دام مُرضعًا.
رميتُ ابنَ ذي الكيرَينِ حتى ترَكتُهُ قَعودَ القوافي ذا غُلوبٍ مُوَقّعا
قوله قعود القوافي، يقول: ركبته القوافي كما يركب القعود، وتتابعت عليه، حتى أثّرت في جنبيه
كأثر العلوب، وهي آثار الدبر. وقوله موقّعا، قال: الموقّع الذي به آثار دبر في ظهره وجنبيه.
وفَقّأتُ عيني غالِبٍ عَندَ كِيره وأقلعْتُ عَنْ أنفِ الفرزدقِ أجدعا
مَدَدتُ لهُ الغاياتِ حتى نَخَسْتُهُ جريحَ الذُنابا فانيَ السّنَّ مُقطَعا
قال: إنما هذا مثل ضربه. وجريح الذنابا، يريد العجز، وإنما جعله جريحًا لشدة السَّوق. ومقطع
كبير. يعني قد انقطع ضرابه. قال: يعني لم أزل أنخسه حتى فنيَ سنه وهرم.
ضَغا قِردُكُمْ لمّا اختَطفتُ فؤادَهُ ولابن وثيلٍ كانَ خدكَ أضرعَا
قوله ولابن وثيلٍ، يعني بابن وثيل، سحيم بن وثيل الرياحي.
وما غَرّ أولادَ القُيونِ مجُاشِعًا بِذي صَولَةٍ يحمي العَرينَ المُمَنّعا
قوله بذي صولة، يعني الأسد. والعرين موضع الأسد.
ويا ليتَ شِعري ما تقولُ مجُاشِعٌ ولمْ تترِكْ كَفّاكَ في القَوسِ مَنْزَعا
قال: والمعنى في ذلك يقول: بقيت ليس عندك نفع لنفسك ولا دفع عنها. ويروى:
فيا ليتَ شِعري ما تعنَّى مجاشع ولم يَتركْ عُقدانُ في القَوسِ مَنزعَا
[ ٣ / ٩٤٤ ]
وعقدان لقب به الفرزدق، وهو قصير عريض، وأغرق في النزع لم يُبق غاية في الهجاء، فلم
يصنع شيئًا فما تتعنى مجاشع بالمفاخرة، وما تتمنى منها - وكان جرير أيضًا قصيرًا دميمًا - ويروى
تعنّى وتغنّى جميعًا يعني تُغنّي بهجائي.
وأية أحلامٍ رَدَدْنَ مجُاشِعًا يَعُلّونَ ذِيفانًا مِنَ السّمّ مُنْقَعا
قال: الذيفان السم القاتل المعجل الموحّي. قال: والعلل شُرب بعد شُرب.
ألا رُبما باتَ الفرزدقُ قائِمًا على حَرّ نارٍ تتركُ الوجهَ أسفَعا
ويروى نائمًا على خزيات. قوله أسفعا، يعني متغيرًا. تقول من ذلك سفعته الشمس، وذلك إذا غيّرت
لونه من حر أو سفر يغير لونه.
وكانَ المخازِي طالَما نَزلتْ بِهِ فيُصبحُ منها قاصرَ الطرف أخضعا
وإنّ ذيادَ الليلِ لا تستطيعهُ ولا الصبحَ حتى يستنير فيسطعا
تركتُ لكَ القينينِ قيني مجاشِعٍ ولا يأخذان النصفَ شتى ولامَعا
ويروى قرنت لك القينين. وقوله القينين، قيني مجاشع، يريد الفرزدق والبعيث. وقوله معًا يعني
جميعًا.
وقدْ وجداني حينَ مُدّتْ حبالُنا أشدّ محُاماةً وأبعدَ مَنزَعا
وإني أخو الحربِ التي يُصطلى بها إذا حملتهُ فوقَ حالٍ تَشَنّعا
وأدركتُ مَنْ قَدْ كانَ قبلي ولم أدَعْ لمن كانَ بعدي في القصائد مَصنَعا
تَفَجّعَ بِسطامٌ وخبرّهُ الصّدَى وما يمنعُ الأصداء ألاّ تَفَجّعا
ويروى وما منع الأصداء. وقوله تفجع بسطام، يعني في قبره. يقول: عظُم عليه واستنكر تزوج
الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام. قال:
[ ٣ / ٩٤٥ ]
والصدى طائر. وذلك أن العرب في قديمها في الجاهلية
كانت تقول إذا مات الميت: خرج الصدى من هامة الميت وعظامه. وقول إذا قُتل الرجل مظلومًا:
إنه يخرج الصدى، وهو طائر من هامته، فيقول: اسقوني اسقوني، فلا يزال ذلك الصدى يصيح،
حتى يُدركوا بدمه، ويأخذوا بثأره فإذا أخذوا بثأره سكن الصوت. كذلك قول العرب.
وقالَ أقَينًا باشرَ الكيرَ باستِه وأغرلَ رَبّتهُ قُفيرةُ مُسبَعا
ويروى وقال أقين نافخ الكير باسته. وقال: مسبع دعي، يعني مُهملًا تُرضعه داية، ولم يحفظه أحد.
سيتركُ زِيقٌ صِهر آل مجاشِع ويَمنَعُ زِيقٌ ما أرادَ ليمنعا
أتعدلُ مَسعودًا وقَيسًا وخالدًا بِأقيانِ ليلى لا نرى لكَ مَقْنَعا
ولّما غَرَتُمْ مِنْ أناسٍ كريمَة لَؤمْتُمْ وضِفْتُمْ بالكَرائِم أذْرُعا
فلوْ لم تُلاقُوا قومَ حَدراء قَومَها لوسّدَها كيرَ القُيونَ المُرَقّعا
ويروى لوسّدتها. أي لو لم تُلاق قومها رجلًا منعوك أن تصل إليها، لوسّدتها كيرك.
رَأى القَينُ أختانَ الشّناءة قدْ جَنَوا مِنَ الحربِ جَرباء المَساعِر سَلْفَعا
قال المساعر يريد به المغابن. وسلفع جريئة منكرة.
وإنّكَ لو راجعت شيبانَ بعدها لأبتَ بِمَصلومِ الخَياشيمِ أجدعا
وقوله ساعفت يعني قاربت. ومصلوم يريد مقطوعًا من أصله. وهو قول العرب: اصطلمهم وذلك إذا
أتى عليهم وذهب بهم. ويروى لو عاودت.
إذا فَوّزَتْ عن نهرَبينَ تَقاذَفَتْ بحَدراء دارٌ لا تريدُ لتَجمَعا
[ ٣ / ٩٤٦ ]
قوله عن نهربين يريد ديار بني شيبان بالجزيرة. وقوله تقاذفت، يعني تباعدت. يقول: يقذف بها
السائق من أرض إلى أرض ومنه قالت العرب: نوى قذوف، أي بعيدة.
وأصحَتْ رِكابُ القَين مِنْ خَيبةِ السرى ونقل حَديدِ القين حسرى وظُلّعا
ويروى وحمل حديد القين. ويروى وحمل حديد العبد.
وحدراء لو لم يُنجِها اللهُ بُرّزَتْ إلى شَرّ ذي حَرْثٍ دَمالًا ومَزْرَعا
ويروى لو لم يُنجها الله قُرّبت. وقوله دمالًا، قال الأصمعي وأبو عبيدة: الدمال السرقين.
وقد كانَ نجسًا طُهّرتْ مِنْ جمِاعِهِ وآبَ إلى شرّ المَضاجِع مَضجَعا
قوله وآب، يعني الفرزدق. يقول رجع الفرزدق إلى شر المضاجع، يعني نوار أنها ضجيعته.
وآبَ إلى خَوّارَةٍ مِنْ مجُاشِع هيَ الجَفرُبَلْ كانت مِنَ الجَفرِ أوْسَعا
خوارة ضعيفة. يقول: رجع الفرزدق إلى نوار وسمّاها خوّارة نسبها إلى الضعف والنقص. قال:
والجفر البئر غير المطلوبة. قال: وإنما يريد أنها غير محكمة العقل.
مَتى يَسمَع الجيرانُ قَبْقَبَةَ أستِها طُروقًا وضَيفاها الدخيلان يَفزَعا
فإن لكمْ في شأن حَدراءَ ضَيْعَةٌ وجارُبَني زَغْدِ أستها كانَ أضيَعا
أي جعلتم ذكركم حدراء، وما فاتكم منها شُغلا لكم كما تشغل الطيعة صاحبها. أصل الزغد قطعة تبدر
من النحي عند دوسه فشبه خروج الفرزدق به، أي بدر كما بدرت الزغدة.
[ ٣ / ٩٤٧ ]
حمُيدَةُ كانَتْ للفرزدق جارَةً يُنادِمُ حَوطًا عِندها والمُقَطّعا
قال أبو عبيدة: حُميدة من بني رزام بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، وكانت امرأة معبد
السليطي، فخرج إلى خراسان، فكان يُحدّث جُلساءه بجمالها، ويتشوق إليها، حتى همّ أن يعصي
ويرجع، حتى وقعت في قلب حوط بن سفيان، فقال لمعبد: قد بدا لي أن ألحق بالبصرة، فكتب معه
معبد إلى حُميدة، فلما قدم أتاها بكتاب زوجها معبد، وقال: لا أدفعه إلا إليها. فبرزت له، فكلمها،
وأوقع إليها شيئًا من أمره الذي يريد من حبه لها، فلم يزل يختلف إليها ويخدعها، حتى هربت
واختبأت في رحله حولا، ثم دُلّ عليها أهلها، وقد حملت. فأتي بها عبد الرحمن بن عبيد العبشمي،
وكان على شُرطة الحجاج، فرجمها في مقبرة بني شيبان. فجعل جرير الفرزدق خدنا لها، وعيّره بها،
لأنها من بني مالك، فقال القائل في ذلك:
رِزاميةٌ كانَ السّليطِيُّ معبدٌ بها مُعجبًا إذْ لا يخافُ الدّوائرا
قال الأصمعي: وجعل الصبيان يتكلمون بذلك، ويقولون في طرقهم وأفنيتهم:
يا حُميدَ الحُمَدِيّةْ لِمْ زَنيتِ يا شَقيّهْ
لَبِثَتْ حَولًا كَريتًا في حِجالِ السُنْدُسيّهْ
سأذكر ما لم تذكروا عند منقرٍ وأثني بعارٍ من حُميدةِ أشنعا
ويروى سأذكر ما لم تُنكروا.
وجِعْثِنُ نادَتْ بِاستِها يالَ دارِم فلمْ تَلقَ حُرا ذا شَكيم مُشجّعا
الشكيم الطبيعة والخليقة الشديدة. قال: الشكيمة الحد، يعني حد السلاح، وقوله مشجعا، قال: الناس
يقولون إنه لشديد، إنه لشجاع، يريد فالناس يشجعونه فيما بينهم، وينسبونه إلى الجُرأة.
[ ٣ / ٩٤٨ ]
تَناوَمتَ إذْ يَسمُو أيبُ بنُ عَسْعَسٍ على سَوأة راءى بها ثُمّ سَمّعا
تَعَسّفَتِ السيدانَ تدعُو مجاشعًا وجُرّتْ إلى قيس خَشاخشَ أجمعا
ويروى وباتت بذي السيدان تدعو مجاشعًا. وقد قطعت جنبي خشاخش. وقوله خشاخش جبل من
الدهناء إلى الحفر، حفر بني سعد. ويروى وقد جررت.
وقَدْ وَلَدت أمُ الفرزدقِ فَخّةً ترى بينْ رِجلَيها مَناحِيَ أربعا
قوله فخة، يعني ضخمة واسعة. قال: والمناحي واحدتها مناة، وهي طرق السانية من البئر إلى
منتهاها.
وقَدْ جَرْجَرَتْهُ الماء حتى كأنها تُعالجُ مِنْ أقصى وجارَين أضبعا
ولو حمَلَتْ للفيلِ ثُمّتَ طَرّقَتْ بِفيلَين جاءا مِنْ مَثابرِها معا
قوله من مثابرها، قال: المثابر الرحم حيث يجتمع الولد.
ولو دُخّنَتْ بعدَ العِشاء بمجمَر لمَا أنصرَفَتْ حتى تَبولَ وتَضفَعا
لقد أولعَتْ بالقَينْ خُورُ مجاشِع وكانَ بها قَين العُدَيلَة مُولَعا
تَرَكْتُمْ جُبيرا عندَ ليلى خَليفَةً أصَعْصَعَ بئسَ القَين قَينُكَ صَعْصَعا
وما حَفَلَتْ ليلى مَلامَةَ رَهْطها ولا حَفِظَتْ سرّ الحَصان المُمَنّعا
دعاكُمْ حواريُّ الرسول فكُنْتُمُ عضاريطَ يا خُشب الخلاف المصرعا
قوله حواري الرسول، يعني الزبير حين غدر به ابن جرموز فقتله عمدًا، فختم الله له بالشهادة.
أبانَ لكم في غالِبٍ قَدْ عَلمُتُم نَجارُ جُبيرْ قبلَ أنْ يتَيفّعا
أغَرّكَ جارٌ ضَلّ قائِمُ سَيفِهِ فلا رَجَعَ الكَفين إلا مُكَنّعا
[ ٣ / ٩٤٩ ]
قوله إلا مكنعا، قال: المكنع. قال أبو عبد الله: المكنع المقبّص.
وآبَ ابنُ ذَيّال جميعًا وأنتُمُ تَعُدونَ غُنْمًا رَحْلَهُ المُتَمَزّعا
جميعًا لم يُفّل ولم يؤخذ منه شيء.
فلا تَدْعُ جارًا مِنْ عِقالٍ تَرى لَهُ ضَواغطَ يُلْثِفْنَ الإزارَ وأضرعا
الضواغط جمع ضاغط. وهو، هاهنا، كثرة لحم أصول الفخذين، حتى يضغط أحدهما صاحبه، فيُبلّ
إزاره. شبهه بضاغط البعير. وأضرع شبهه بالمرأة أي له ضرعان كالمرأة. يقال أراد أنه آدر، فشبه
أدرته بضرع.
فلا قَين شرّ مِنْ أبي القَينْ مَنزِلا ولا لومَ إلاّ دونَ لومِكَ صَعْصَعا
تَعُدّونَ عَقْرَ النَيبِ أفضَلَ سَعيكُمْ بَني ضَوطَرَى هَلاّ الكَمِيّ المُقَنّعا
وتَبكي على ما فاتَ قبلكَ دارمًا وإنْ تَبكِ لا تتركْ بعَينكَ مَدْمَعا
لَعَمْرُك ما كانتْ حماةُ مجاشِع كِرامًا ولا حُكّامُ ضَبّةَ مَقْنَعا
قال أبو عبيدة: وذلك أن حكام ضبة أعانوا الفرزدق على جرير. قال: وذلك أنهم كانوا أخوال
الفرزدق. وقوله مقنعا، يعني لم يكونوا رضىً يُقنع بهم.
أتَعْدِلُ يَربوعًا خَناثَي مجاشِع إذا هُزّ بالأيدي القَنا فتَزَعْزَعا
ويروى بخور مجاشع. ويروى إذا هزّت الأيدي القنا.
تُلاقِي ليربوعٍ إيادَ أرومَةٍ وعِزّا أبَتْ أوتادُهُ أنْ تُنَزّعا
ويروى أرمت ليربوع. الإياد ما استقبلك من الجبل والأجمة أو من الرمل. وأنشد:
[ ٣ / ٩٥٠ ]
مُتّخِذًا منها إيادًا هَدَفا
وَجَدْت ليربوعٍ إذا ما عَجَمْتَهُمْ مَنابِتَ نَبْعٍ لم يخالِطْنَ خِرْوَعا
هُمُ القومَ لو باتَ الزُّبير إليهِمُ لمَا باتَ مَفلولًا ولا مُتَطَلّعا
ويروى هم لو هم. ويروى لو ثاب الزبير.
وقَدْ عَلمَ الأقوامُ أنّ سُيوفَنا عَجَمْنَ حديد البَيض حتى تَصَدّعا
ألا رُبّ جَبّارٍ عليه مَهابَةٌ سَقَيناهُ كأسَ المَوتِ حتى تَضَلّعا
قوله تضلعا، يعني حتى انتفخت أضلاعه من الري. قال الأصمعي: إنما هذا مثل، وإنما المعنى قتلناه
فانقطع ذكره.
نَقودُ جِيادًا لم تقُدها مجاشِعٌ تكونُ مِنَ الأعداء مَرأى ومَسمَعا
تَدارَكْنَ بِسطامًا فأنزلَ في الوَغا عناقًا ومالَ السرجُ حتى تقعقعا
دَعا هانيء بَكرًا وقَدْ عَضّ هانِئًا عُرضى الكَبلِ فينا الصيفَ والمُترَبّعا
ويروى القيظ، وقوله دعا هانئ يعني هانئ بن قبيصة الشيباني.
ونَحنُ خَضَبْنا لابنِ كَبْشَةَ تاجَهُ ولاقَى امرءًا في ضَمةِ الخَيل مِصقَعا
قوله في ضمة الخيل، أي اجتماع الخيل ومثلها الكبة.
وقابوسَ أعْضَضْنا الحديدَ ابنَ مُنذِر وحَسّانَ إذْ لا يَدفَعُ الذُلّ مَدْفَعا
وقد جَعلتْ يومًا بِطخْفَةَ خَيلُنا مجَرّا لذي التاج الهُمامِ ومَصرعا
وقد جرّبَ الهِرماسُ أنّ سيوفَنا عَضِضْنَ بَرأسِ الكَبشِ حتى تَصَدّعا
عضضن بفتح الضاد وكسرها. قال أبو عبد الله: الرواية وقد جرّب الهرماس وقع سيوفنا.
[ ٣ / ٩٥١ ]
ونحنُ تَدارَكنا بَحيرًا وقدْ حَوى نِهابَ العُنابَين الخَميسُ ليربَعا
ويروى الخميس فأسرعا. يريد بحير بن عبد الله بن سلمة بن قُشير. قوله ليربعا، قال: ليأخذ ربع ما
أخذ القوم، فأراد أنّ الرئاسة لنا من دون الناس.
فعايَنَ بالمَرّوتِ أمنَعَ مَعشرَ صَريخَ رياحٍ واللواءَ المُزعزَعا
فَوارِسَ لا يدعونَ يالَ مجاشِع إذا كانَ يومًا ذا كَواكبَ أشنَعا
ويروى إذا كان يوم ذو كواكب. يرفع اليوم ورفع ذو. ويروى يال مجاشع. هم المانعون السبى أن
يُتمرعا. يريد إذا كان يوم تُرى فيه الكواكب. وهذا مثل. لأن الكواكب لا تُرى بالنهار. وإنما تضربه
العرب مثلًا لليوم الشديد الصعب.
ومِنّا الذي أبلى صُدَيّ بنَ مالِكٍ ونَفّرَ طَيرا عَنْ جُعادَةَ وُقّعا
مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة.
فَدَعْ عَنك لَومًا في جُعادَةَ إنما وَصَلناهُ إذ لاقَى ابنَ بَيْبَةَ أقْطَعا
ضرَبنا عَميدَ الصّمّتَين فأعوَلَتْ جَداعٌ على صَلت المَفارِقِ أنزَعا
أخَيلُكَ أم خَيلي ببلقاءَ أحرَزَتْ دَعائِم عَرش الحَيّ أنْ يَتَضَعْضَعا
ولوْ شَهدَتْ يومَ الوَقيطَينِ خيلُنا لما قَاطَتِ الأسرى القِطاطَ ولَعْلَعا
قال: القطاط ولعلع واديان معروفان كانت الأسرى فيهما. ويروى القطاط وهو موضع.
رَبَعنا وأردَفنا المُلوكَ فَظلّلوا وطابَ الأحاليبِ الثُّمامَ المُنَزّعا
فتِلكَ مُساعٍ لم تَنَلها مجاشِعٌ سَبُقتَ فلا تجزع مِنَ الموتِ مجزَعا
قال أبو عبيدة: كان جرير اشترى جارية من زيد بن النجار، ومولى
[ ٣ / ٩٥٢ ]
لبني حنيفة، ففركت جريرًا، وجعلت دمعتها لا ترقأ بكاء على زيد، وحبًا له.
فقال جرير في ذلك:
إذا ذَكَرتْ زَيدًا تَرَقرَقَ دَمعُها بِمَطروفَة العينينْ شَوساء طامِحِ
تُبَكّي على زيدٍ ولم تَرَ مثله صحيحًا منَ الحُمى شديدَ الجَوانحِ
ويروى ولم تلقَ مثلهُ بريئًا.
أعَزّيكِ عمّا تعلمينَ وقد أرى بعينيكِ من زيد قذىً غيرَ بارِحِ
فإن تقصدي فالقَصدُ مني خليقةٌ وإنْ تجمحي تلقي لِجامَ الجَوامحِ
فأجابه الفرزدق فقال:
إذا ما العَذارى قُلْنَ عَمّ فَلْيتَني إذا كان لي اسمًا كُنتُ تحتَ الصفائحِ
دَنَوْنَ وأدناهن لي أن رَأينَني أخَذتُ العَصا وابيضً لونُ المَسائِح
ويروى حنيت العصا. يقول: دنون مني حين كبرت وضعفت عما يُردن مني، فلم يكن لهن في
حاجة. قال: والمسائح ما أمررت يدك عليه من جانبي الرأس، إذا تمسّحت للصلاة من القرن إلى
الصدغ.
فقد جعلَ المَفروكُ لا نامَ ليلُهُ بِحُبّ حَديثي والغَيورِ المُشائِح
وقدْ كنتُ مما أعرِفُ الوَحيَ ما له رسولٌ سوى طَرف مِنَ العينِ لا مِحِ
ويروى سوى طرف العيون اللواح. يقول: أعرف الوحي بعيني ويفهمن ما أريد.
وقُلتُ لِعَمروٍ إذْ مَرَرنَ أقاطعٌ بِنا أنْتَ آثارَ الظّبِاء السّوانِج
[ ٣ / ٩٥٣ ]
لَئنْ سَكنتْ بي الوحشُ يومًا لطالما ذَعَرْتُ قُلوبَ المُرشِقاتِ المَلائِح
لقد علقَتْ بالعبد زيدٍ وريحِهِ حماليقُ عَينيها قَذىً غير بارِحِ
موضع قذى نصب. أراد علقت حماليق عينيها قذى. قال: الحماليق واحدها حملاق، وهو باطن
الجفن. قال: والقذى ما قذفت العين من الرمض.
وقد تركَتْ قَنْفاء زَيدٍ بِقُبِلها جُروحًا كآثارِ الفؤوِس الكَوادِح
قال: القنفاء من الآذان، التي يرتفع طرفها إلى فوق. وهي، هاهنا، كمرة.
ومِنْ قَبلِها حَنّتْ عَجوزُك حَنّةً وأختُكَ للأدنى حَنينَ النّوائحِ
المنائح جمع مناحة.
تُبَكّي على زيد ولم تَلقَ مِثلَهُ بَريئًا منَ الحُمى صحيحَ الجَوانِح
تُبَكّي وقد أعطتكَ أثوابَ حَيضِها فقُبّحتَ مِنْ باكٍ عليها ونائِج
قال الأصمعي: ويروى أيضًا تُبكّي وقد غطّتك أثواب حيضها.
ولوْ لَقيتْ زيدَ اليمامةِ أرزَمَتْ وأعطَتْ بِرِجلي سَمحَة غيرَ جامِح
قوله أرزمت حنّت، كما ترزم الناقة إذا حنّت تطلب ولدها. وإنما ضربه مثلا، فشبّه حنينها الناقة إذا
أرزمت.
ولو أنها يا ابنَ المَراغَة حُرّةُ سَقَتْكَ بكَفيها دِماء الذّرارِح
ولكنّها مملوكَةٌ عافَ أنفُها لهُ عرَقًا يهمي بأخبثِ راشِح
قوله عرقًا يهمي يعني يسيل العرق.
[ ٣ / ٩٥٤ ]
لئن أنشدَتْ بي أمُ غَيلانَ أورَوَتْ عليّ لَترتَدّنّ مِني بِناطِح
قوله أم غيلان يعني بنت جرير.
وقال جرير:
تُكَلّفُني مَعيشَةَ آل زَيد ومَنْ لي بالصّلائِقِ والصّنابِ
ويروى بالمرقق والصناب. قال: والصلائف الرقاق. والصناب الخردل المضروب بالزبيب.
وقالتْ لا تَضُمُ كَضَمّ زَيدٍ وما ضَمّي وليسَ معي شَبابي
فقال الفرزدق:
إنْ تَفرَكْكَ عِلجَةُ آلِ زَيد ويُعوِزْكَ المُرَقّقُ والصنابُ
فركت المرأة زوجها تفركه فركا إذا أبغضته. وأنشد العنبري:
إذا بَرَكْنَ مَبركًا عَكَوّكا أوشَكْنَ أنْ يتركْنَ ذاكَ المَبركا
تَركَ النساء العاجزَ المُفَرّكا
فقدْمًا كانَ عَيشُ أبيكَ مُرًا يَعيشُ بِما تَعيشُ بِهِ الكِلابُ
قال أبو عبد الله: الرواية بعيش ما تعيش به الكلاب.
[ ٣ / ٩٥٥ ]
قال أبو عبد الله، والأصمعي: وقد كان جرير أصابته حمرة، فتورّم، وكان رجل من بني أسيد بن
عمرو بن تميم يقال له الأبلق، يرقي من الحمرة، ويداوي. فأتى ابن الخطفى فقال له: ما تجعل لي إن
داويتك حتى تبرأ. قال جرير: أجعل لك إن أبرأتني من وجعي هذا حكمك. قال: فداواه ورقاه حتى
برئ. فقال له جرير: احتكم، فاحتكم عليه الأبلق أن يزوّجه أم غيلان بنت جرير. قال: فزوّجه إياها
وكان جرير وفيًا فقال الفرزدق في ذلك:
لَئِن أمُ غَيلانَ أستَحَلّ حَرامَها حِمارُ الغَضا مِنْ تَفْلِ ما كانَ رَيّقا
قوله من تفل، يريد تفل عليها بريقه حين رقاها.
فما نالَ راقٍ مثلَها مِنْ لُعابِه عَلِمناهُ ممن سارَ غَربًا وشرَقا
ويروى ولو سار غربًا في البلاد وشرّقا.
رَمَتهُ بِمَجموشٍ كأنّ جَبينَهُ صَلايَةُ وَرْسٍ نِصفُها قد تَفَلّقا
قوله بمجموش، يعني بمحلوق بالنورة.
إذا بَرَكَتْ لابن الشغورِ ونَوّخَتْ على رُكبتيها للبرُوك وألحقا
الشغور التي ترفع رجله. وقوله وألحقا، يعني أوعبه حتى التقى الإسبان. ويروى وأحنقا أي ضمر.
فما مِنْ دِراك فاعْلَمَنّ لِنادِمٍ وإنْ صكّ عَينيهِ الحِمارُ وصَفّقا
قوله فما من دراك، يقول: لا يدرك جرير وإن ندم على ما كان من زلله في ابنته أم غيلان، حيث
زوّجها الأبلق، وفعل الأبلق بها ما فعل. وقوله وإن صكّ عينيه، يعني غمضهما وفتحهما.
[ ٣ / ٩٥٦ ]
وكيفَ ارتدادي أمّ غيلانَ بعدما جرى الماء في أرحامها وتَرَقْرَقا
لَعَمْري لقدْ هانَتْ عليكَ ظَعينَةٌ فَدَيتَ بِرجلَيها الفُرارَ المُرَبّقا
يقول جعلت مهرها فُرارا. قال: والفرار جمع فرير، والفرير الحمل.
فلوْ كانَ ذو الوَدعِ ابنُ ثَروانَ لالتَوَتْ بهِ كَفةٌ أعني يزيدَ الهبَنّقا
يقول: لو كان المُنكح يزيد بن ثروان الهبنقة القيسي، لالتوت كفه بهذا الذي فعلت. يقول: منع ابنته،
ولم يزوجها مثل الأبلق.
لقدْ كانَ في القعساءِ أو في بناتها ثَوابٌ لعبد مِنْ أسيدَ أبلَقا
فلَيتَكَ مِنْ مالي رَشَوتَ ولم تكُنْ لعَيرِ الغَضا أرجوحة حينَ أحنَقا
ويروى فباتت كدوداة الجواري ورجلها لعير الغضا. قال الدوداة لعبة لصبيان الأعراب. وقوله حين
أحنقا، يقال للرجل قد أحنق، وذلك إذا لحق بطنه بظهره من شدة الشبق، وذلك كما يفعل الفحل القطم.
فليسَ بِمَولودٍ غُلامٌ ولن ترى أطَبَّ بِأدواء الحميرِ وأرْفَقا
أي ليس تلد ابنته غلامًا وإنما تلد حمارًا.
غُلامٌ أبوهُ ابنُ الشغورِ وجَدّهُ عَطيّةُ أدنى للحميرِ وأنهَقا
سَتَعلَمُ مَنْ يخزَى ويَفضَحُ قَومَهُ إذا ألصَقَتْ عندَ السّفادِ وألصَقا
أبَيلقُ رَقّاء أسَيّدُ رَهْطُهُ إذا هوَ رجلي أم غيلانَ فَرّقا
وقال جرير في تزويج الفرزدق عُصيدة:
وغَرّتنا أمامَةُ فافْتَحَلْنا عُصيدَةَ إذْ تُنُخّبَتِ الفُحولُ
[ ٣ / ٩٥٧ ]
إذا ما كانَ فَحلُكَ فَحلَ سَوء عَدَلْتَ الفَحْلَ أو لَؤمَ الفَصيلُ
عدلت أي عدلته عن الإبل، فلا يضرب فيها للؤمه، كما قال أبو النجم: وانعدل الفحل وإنْ لم يُعدل.
وذلك إذا جفر من الضراب.
فأجابه جرير فقال:
طَرقَتْ لَميسُ ولَيتَها لم تَطرُقِ حتى تَفُكّ حِبالَ عانٍ مُوثَقِ
ويروى ضبيس. قوله عان، هو الأسير. من قوله عنوت أعنو أي خضعت أخضع.
حَيّيْتُ دارَك بالسّلام تحيّةً يومَ السلي فما لها لم تَنطِق
وأستنكرَ الفتياتُ شَيبَ المَفْرِقِ مِنْ بَعد طولِ صَبابَة وتَشَوقِ
قَدْ كنتُ أتبَعُ حَبلَ قائدةَ الصّبا إذْ للشّبابِ بَشاشَةٌ لم تخلَقِ
أقُفَير قد عَلمَ الزبير ورَهطُهُ أنْ ليسَ حبلُ مجاشِع بالأوْثَقِ
ذُكرَ البَلاء فلمْ يكن لمُجاشعِ حملُ اللواء ولا حمُاةُ المَصدَقِ
نحنُ الحُماةُ بكُلّ ثعرِ يُتّقَى وبنا يُفَرّجُ كُلُ بابٍ مُغْلَقِ
وبِنا يُدافَعُ كلُ أمرِ عَظيمَة ليستْ كَنَزوكَ في ثيابِ الكُرّقِ
ويروى كل يوم عظيمة. والكرق يريد الكرّج الذي يلعب به المخنثون في حكاياتهم. يعني لبس
الفرزدق ثيابًا رقاقًا يوم المربد، وأقبل جرير ذلك اليوم على فرس مُتسحًا. يعني جرير قول نفسه:
لبست سلاحي والفرزدق لعبة. وقد مر حديثه فيما أمليناه من الكتاب.
قَدْ أنكرَتْ شَبَهَ الفرزدقِ مالِكٌ ونَزَلْتَ مَنْزِلَةَ الذّليلِ المُلْصَقِ
حَوْضُ الحِمارِ أبو الفرزدقِ فاعلموا عقدَ الأخادِع وانشِناجَ المِرفَقِ
[ ٣ / ٩٥٨ ]
أي يشبه أباه قصير العنق، ومرفقه متشنج لا يبسط يده إلى خير.
شرٌ الخَليقَة مَنْ عَلمنا منكُمُ حَوضُ الحِمارِ وشرٌ مَنْ لمْ يخلَقِ
كَمْ قَدْ أثيرَ عَلَيكمُ مِنْ خزْيَة ليسَ الفرزدقُ بعدهَا بفرزدقِ
ذَكوانُ شَد على ظَعائنكُمْ ضُحىً وسَقَى أباكَ مِنَ الأمرّ الأعلَقِ
قال: يريد ذكوان بن عمرو الفقيمي حين نفر بأبي الفرزدق. وقد مر حديثه فيما كتبنا.
أمُّ الفرزدقِ عندَ عقرِ بعيرِها شُقّ النّطاقُ عَنِ أستِ ضَبّ مُذْلَق
قوله مُذلق، يقال قد أذلق الضب من جحره إذا أخرج من جحره.
هَلاّ طلبتَ بعُقْرِ جعثِنَ مِنْقَرًا وبِجَرّها وتَرَكْتَ ذِكْرَ الأبْلَقِ
تَرَكوا بأسفَل إسكَتَيها ناطِفًا والمأبضين مِنَ الخَزيرِ الأورَقِ
قوله ناطفًا، يعني قاطرًا. وإنما عنى، هاهنا، سلحها من بولها وغير ذلك نطف، أي قطر.
وكأنّ جِعثِنَ كُلّفَتْ فَخّارَةً يَغلي بِها تَنّورُ جِصّ مُطبَقِ
لا خيرَ في غَضَبِ الفرزدقِ بعدما سَلخوا عِجانَك سَلخَ جِلدِ الرُوذَقِ
الروذق الحمل أصله روذه. ويروى مثل جلدة روذق. وقوله الروذق، هو الجلد المسلوخ وأصله
فارسي.
تدعو الفرزدقَ والأشدّ كأنما يَكوِي استَها بَعمودِ ساج محرَقِ
قوله الأشد، قال: هو اسم رجل معروف يقال له عمران بن مرة.
سَبعونَ والوُصَفاء مَهْرُ بَناتنا إذْ مَهرُ جعثِنَ مثلُ حُرّ البَيذَقِ
لم تَلقَ جِعثنُ حاميًا يحمِي استَها وبِخَلْجَم زَيدِ المَشافِر تَتّقي
[ ٣ / ٩٥٩ ]
قوله بخلجم يعني فرجًا واسعًا. قال أبو جعفر: الخلجم الطويل.
لمّا قَضَيتِ لمِنْقَرِ حاجاتهِمْ فأتَيتِ أهلَكِ كالحُوارِ الأطرَقِ
قال أبو عبيدة: الحوار الأطرق، يريد الضعيف الذي انفدع من لين ركبته. وإنما أخذ من الطريقة،
وهو الضعف. يقال من ذلك: بفلان طريقة وذلك إذا كان ضعيفًا.
مِنْ كُلّ مُقْرفَة إذا ما جُرّدَتْ قلقَ البرُى ووِشاحُها لم يقلَقِ
قال أبو عبيدة: كان مخرّق بن شريك بن تمام، من بني ذُهل بن الدول ابن حنيفة، ضلعه مع جرير،
فنهاه الفرزدق مرتين فلم ينته. فقال الفرزدق في ذلك:
ولقدْ نهيتُ مُخرّقًا قتخرّقَتْ بِمُخَرّق شُطُنُ الدّلاء شَغورُ
يعني بئرًا هوت به. وهذا مثل أي عصى فوقع في هوّة.
ولقدْ نهيتُكَ مرتينْ ولم أكنْ أثني إذا حمَقٌ ثَنَى مَغرورُ
حتّى يُداويَ أهلُهُ مَأمومَةً في الرأسِ تُدبِرُ مَرّةً وتَثورُ
فأجابه جرير فقال:
سَبّ الفرزدقُ مِنْ حنيفَة سابِقًا إنّ السوابِقَ عندَها التّبشيرُ
ولقدْ نهيتُكَ أنْ تسُبّ مُخرّقًا وفراشُ أمِكَ كلبتان وكيرُ
يا ليتَ جارَكُم استجارَ مُخرّقًا يومَ الخُريبَةِ والعَجاجُ يثورُ
وقال جرير أيضًا يرثي خالدة بنت سعد بن أوس بن معاوية بن خلف ابن بجاد بن معاوية بن أس
بن كليب، وهي أم ابنه حزرة. قال عمارة
[ ٣ / ٩٦٠ ]
بن عقيل: كان جرير يسمي هذه القصيدة الجوساء، وذلك
لذهابها في البلاد. قال أبو عبد الله: ما أعرفها إلا الحوساء، وما أعرفها بالجيم:
لولا الحَياء لعادَني استِعبارُ ولَزُرتُ قَبركِ والحبيبُ يُزارُ
ولقدْ نظرتُ وما تمتُّع نظرَة في اللحدِ حيثُ تَمكّنَ المِحفارُ
ولهتِ قلبي إذْ عَلَتني كَبرةٌ وذَوو التمائِمِ مِنْ بَنيكِ صِغارُ
قوله ولّهت قلبي جعلته والهًا. قال: والوله ذهاب العقل واختلاطه لثكل أو حزن. قال: والتمائم العوذ.
أرعى النجومَ وقد مَضتْ غَورِيةً عُصبُ النجومِ كأنهنَّ صُوارُ
قوله وقد مضت غورية، قال: الغورية أن تأخذ نحو الغور للغروب والسقوط. قال: وعصب النجوم
فرقُها، وصوار بكسر الصاد وضمها، هو القطيع من بقر الوحش هاهنا، وهو القطيع من كل شيء.
نِعْمَ القَرينُ وكُنتِ عِلْقَ مَضِنّة وارَى بِنَعفِ بُلَيّة الأحجارُ
قوله وارى من المواراة غير مهموز. والمعنى في ذلك يقول: سترها الأحجار. قال: والنعف أسفل
الجبل وأعلى الوادي. وبلية اسم بلد.
عَمرَتْ مُكرّمَةَ المَساكِ وفارَقتْ ما مَسّها صَلَفٌ زلا إقتارُ
قوله مكرمة المساك، قال: المساك اسم الإمساك والإقتار العسرة. والصلف بُغض من الزوج، وذلك
لقلة خيره والزهد فيه. يقول: فهي مكرّمة في إمساكها، ما أصابها مع ذلك صلف من زوج، ولا إقتار
من عدم. ويرى ما شفها.
[ ٣ / ٩٦١ ]
فسَقَى صدَى جَدَثٍ بِبرقَةِ ضاحِك هَزِمُ أجَشُ وديمَةٌ مِدرارُ
هزم شديد صوت الرعد. يقال سمعت هزمة الرعد. قال: والصدى جثمان الميت وعظامه. والجدث
القبر. يقال جدف وجدث. وقوله هزم يعني سحابًا متشققًا بالرعد. قال: والأجش الذي في صوته
جُشّة، وهي البحة. وقوله ضاحك، كل نقب في جبل فهو ضاحك. قال وإنما شبهها بالضاحك، لأنها
فرجة مفتوحة في الجبل، فكأنه يضحك وذلك لانفتاحه، كما يفتح الضاحك فمه. وكل نقب في جبل
فهو ضاحك.
هَزِمُ أجَشٌ إذا استَخارَ ببَلدَة فكأنها بِجِوائِها الأنهارُ
مُتراكِبُ زجلٌ يُضيِء وَميضُهُ كالبُلقَ تحتَ بُطونِها الأمهارُ
ويروى متراكم. وقوله وميضه هو لمع برق السحاب. وقوله زجل يريد صوت الرعد. يقول له
زجل يعني صوتًا. وقوله كالبلق يريد كالخيل البلق.
كانتْ مُكَرّمَةَ العَشيرِ ولم يكُنْ يخشى غَؤائِلَ أمّ حَزرَةَ جارُ
ويروى مكارمة العشير. يقول: كانت أم حزرة تُكّرك العشير وهو، هاهنا، الزوج. والعشير في غير
هذا الموضع الصاحب، من قولهم لقد عاشر فلان فلانًا معاشرة حسنة، وذلك إذا صاحبه فأحسن
صحبته ومخالطته.
ولقدْ أراكِ كُسيتِ أجملَ منظَر ومعَ الجمالِ سَكينةٌ ووَقارُ
والريحُ طيبةٌ إذا استقبلْتَها والعِرضُ لا دَنِسٌ ولا خَوّارُ
ويروى إذا استعرضتها، أي دنوت من عرضها. والريح طيبة إذا استقبلتها، يقول: ريح فمها طيب،
إذا استقبلت فاها شممت رائحة طيبة، ليس هناك شيء تكرهه. والعرض لا نس يقول: والعرض
[ ٣ / ٩٦٢ ]
أيضًا، وهو ريح البدن طيب وحسن الثناء في الناس. يقول: فكل أمرها حسن.
وإذا سَريتُ رأيتُ نارَك نَوّرَتْ وجهًا أغرّ يَزينهُ الإسفارُ
صلّى الملائكة الذينَ تخُيرّوا والصالحونَ عليكِ والأبرارُ
وعليكِ مِنْ صلواتِ ربكِ كلها نَصَبَ الحَجيجُ مُلبدينَ وغاروا
نصب يعني قصد، من قولهم نصب فلان لفلان. ويروى كلما شبح الحجيج، أي رفعوا أيديهم بالتلبية
والدعاء. وقزله نصب، يريد لسير إبلهم حين أنصبوها وجهدوها وأتعبوها في سيرهم، ووخدوا بها،
كما قال ذو الرمة: إذا ما ركبُها نصبوا. يريد أنصبوا إبلهم، أعملوها للسير، فنصبوا فأعيوا وانصبوا
إبلهم فأعيت.
يا نَظرةً لكَ يوم هاجَتْ عَبرةً مِنْ أمّ حَزرَةَ بالنُمَيرة دارُ
تحيِي الرّوامسُ ربَعهَا فتُجِدُهُ بعدَ البِلَى وتمُيتُهُ الأمطارُ
قوله الروامس، يعني الرياح. يقول تكشف الروامس تُربه وتُبين لك أثره. قال الأصمعي: وإنما
سميت الروامس من الرياح التي يشتد هبوبها، فترمس ما مرّت عليه بهبوبها. يعني تدفنه. قال: ومنه
قد رمسناه، يعنون قد دفناه. وذلك إذا دفنوا ميتهم فواروه في التراب.
وكأنّ مَنزلَةً لها بِجُلاجِل وحيُ الزّبورِ تجدُهُ الأحبارُ
ويروى تخطه. وقوله بجلاجل هو مكان معروف. قال: والوحي الكتاب. وإنما أراد أن هذا الموضع
مما مرت به الأمطار فدُرس موضعه، وامحى كالوحي من الكتاب الذي قد دُرس إلا أقلّه. قال:
والأحبار العلماء الذين يكتبون الزبور، فقد انمحى ذلك الكتاب إلا القليل.
لا تُكثَرنّ إذا جعلتَ تلومني لا يذهبنّ بحلْمِكَ الإكثارُ
كانَ الخليطُ همُ الخليطُ فأصبحوا مُتبدّلينَ وبالدّيارِ ديِارُ
[ ٣ / ٩٦٣ ]
الخليط هم القوم المختلطون بالمجاورة. قال: فذهبوا.
لا يُلبثُ القُرَناء أن يتفرّقوا ليلٌ يَكُرُّ عليهمُ ونهارُ
أفَأمّ حَزرَةَ يا فرزدقُ عبتُمُ غَضِبَ المَليكُ عليكُمُ القَهّارُ
كانتْ إذا هَجرَ الحَليلُ فِراشَها خُزِنَ الحديثُ وعَفّتِ الأسرارُ
هجره، هاهنا، أن يغيب عنها فيهجر فراشها. فأما إذا أقربت فهي أكرم عليه من أن يهجر فراشها.
وقوله خزن الحديث، يقول: لا تحدّث أحدًا بريبة. يقول: وإن هجرها حليلها، وهو زوجها، لم تُظهر
له سرًا، وإن غضبت على زوجها عند هجرانه فراشها. قال: والسر هو النكاح بعينه. وهو من قوله
الله ﷿: ﴿وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ يعني نكاحًا. والمعنى في ذلك يقول: ليس عندها إلا العفاف.
ليسَتْ كأمّكَ إذْ يعضُ بقُرطِها قَين وليسَ على القُرونِ خمِارُ
قال: زعموا أن صائغًا أتى بني ضبّة، فصاغ لامّ الفرزدق حليًا، وهي صبية في أهلها، فعلق قُرطها،
فذهب يعض القرط ليُخرجه، فعض أذنها، فصاحت، فعيره بذلك جرير ولا عار فيه.
سنُثيرُ قَينَكُمُ ولا يُوفي بِها قَين بِقارِعَةِ المِقَرّ مُثارُ
المقر جبل بكاظمة وفيه قبر غالب.
وُجِدَ الكَتيفُ ذَخيرَةً في قبرهِ والكَلبتانِ جمُعنَ والمِيشارُ
الكتيف ضبّات الحديد. وقوله والميشار، يقال من ذلك مئشار مهموز، وميشار لا همز.
يبكي صَداهُ إذا تهزّمَ مِرجَلٌ أو إنْ تثَلّمَ بُرمَةٌ أعشارُ
[ ٣ / ٩٦٤ ]
ويروى إذا تصدع مرجل. أو إن تهزّم برمة. وتفلّق. وقوله يبكي صداه، قال: الصدى، هاهنا، بدن
الميت. وقوله إذا تهزم يعني إذا تصدّع. وقوله مرجل يعني قدرًا، هاهنا.
رَجَفَ المِقَرُ وصاحَ في شرقّيِه قَين عليهِ دَواخِنٌ وشَرارا
قَتَلتْ أباكَ بنو فُقيم عَنوَةً إذ جُرّ ليسَ على أبيكَ إزار
قال أبو عثمان: قد مر حديث هذا البيت فيما أملناه.
عَقروا رَواحِلَهُ فليسَ بقَتلِهِ قَتلٌ وليسَ بِعَقْرهِنً عِقار
يقول لا يُدرك به ثأر.
حَدراء أنكرتِ القُيونَ وريحَهُمْ والحُرّ يمنعُ ضَيمَهُ الإنكارُ
لمّا رأت صدأ الحديدِ بجِلدِهِ فاللونُ أورقُ والبَنانُ قِصار
قوله فاللون أورق، قال: الأورق من الإبل الذي له لون كلون الرماد، يضرب إلى السواد.
قال الفرزدقُ رقّعي أكيارَنا قالتْ وكيفَ تُرقّعُ الأكيارُ
رقّعْ مَتاعَكَ إنّ جَدي خالدٌ والقَين جَدّكَ لم تَلدكَ نِزارُ
وسَمعتُها اتصلَتْ بِذُهْل إنهم ظَلموا بِصِهرهِم القُيونَ وجاروا
ويروى نُبئتها اتصلت بذهل إنهم فضحوا بذكرهم القيون. وسمعتها اتصلت بذهل، أي سمعتها قالت:
يا لذهل.
دَعتِ المُصَوّرَ دَعوةً مَسموعةً ومعَ الدعاء تَضرعٌ وحِذارُ
قوله دعت المصور، يريد الله ﷿. يريد قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ﴾.
[ ٣ / ٩٦٥ ]
عاذَتْ برَبّكَ أنْ يكونَ قَرينُها قَينًا أحَمّ لِفَسوِهِ إعصارُ
قوله أحم أي أسود. وقوله لفسوه إعصار أي غبار من شدة فُسائه.
أوصَتْ بِلائمَة لِزيقِ وابنِه إنّ الكَريمَ تَشينُهُ الأصهارُ
ويروى يازيق صهركم اللئيم يشينكم إن الكريم تشينه. وقوله بلائمة أراد أنها تقول: لمَ زوجتموني
مثله.
إنّ الفضيحةَ لو بُليِت بقَينِهِمْ ومعَ الفضيحةِ غُربةٌ وضرِارُ
ويروى لو منيت بقينهم. ويروى لو بنيت. أي لو بُني بك. ويروى وصغار. وقوله ضرار، يقول
صرت يا حدراء مع ضرائر. يقول: صرت إلى غربة إذ فارقت أهلك. وصرت إلى هذه الحال.
شُدّوا الحُبَى وبِشارُكُمْ عَرقَ الخُصَى بعدَ الزُبيرِ وبعدَ جِعثِنَ عارُ
يقول: لا تحتبوا، وإذا احتبى الرجل عرقت خصيتاه. يقول: فمباشرتكم عرق الخصى عار بعد
الزبير وجعثن. قال: وإنما المعنى في ذلك، يقول: ليس مثلكم يحتبي مع ما بكم من الذحل.
هَلاّ الزبيرَ مَنعْتَ يومَ تَشَمّسَتْ حربٌ تضرّم نارُها مِذْكارُ
ويروى تُصرّف نابها. وقوله مذكار، يقول: تلد الذكور وهو شر، وإنما ضربه مثلا في الحرب.
وقوله تشمست، يعني امتنعت كما تمتنع الشموس من الخيل، فلا تنقاد ولا تنساق.
ودعا الزُبير فما تحرّكتِ الحُبَى لو سُمْتَهُمْ جُحَفَ الخَزيرِ لَثاروا
قوله فما تحركت الحبى، يقول: فما حُلّت. جحف يعني أكلا شديدًا. ويروى جخف بالخاء معجمة.
[ ٣ / ٩٦٦ ]
غَرُوا بِعَقدِهمِ الزبير كأنهمْ أثوارُ محرَثَةٍ لهُنّ خُوارُ
قوله أثوار، يعني ثيرانًا تحرث عليها. وخوار صوت.
والصّمّتين أجرْتُمُ فغَدرتُمُ وابنُ الأصَمّ بحَبل بَيبَةَ جارُ
الصمة قتله ثعلبة بن حصبة بن أزنم وهو أسيره. وابن الأصم، أراد معيّة بن الصمة بن جداعة بن
غزية بن جشم. وقد مر حديث الصمتين في موضعه. وبيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع.
إنّ التي بُعِجَتْ بَفَيشَةِ مِنْقَر يا شَبّ ليسَ لشأنها إسرارُ
أراد شبّة بن عقال بن صعصعة بن عقال بن محمد بن سفيان. قال: وكانت جعثن امرأة شبّة.
وَفّتْ لجِعثِنَ دَينَ جِعثِنَ منْقَرٌ لا عِلّةٌ بهمِ ولا إعسارُ
قطعوا بِجِعثِنَ ذا الحَماطِ تقَحمًا وإلى خَشاخِشَ جَريهُا أطوار
خشاخش رمل معروف. أطوار حال بعد حال. ويروى جرّها.
لَقيَتْ صُحارَ بَني سِنان فيهِمِ خَدِبًا كأعصَلِ ما يكون صُحارُ
أعصل أصلب وأشد. ويروى كأعضل. أي أشد وأقوى. حدب متفلت كأنه مُستروح يُلقي نفسه
عليها. وروى عُمارة خدبا. والخدب الشديد. وقوله صحار، يريد صحار بن زيد بن علقمة بن عصام
بن سنان بن خالد بن منقر، وهو ممن اتهم بجعثن. وخدبا يعني متعظما.
طُعنَتْ بأيرِ مُقاعِسيّ مخْلِج فأصيبَ عرْقُ عِجانِها النّعّارُ
ويروى طُعنت بمثل جبين أير مقاعس فاقُتد عرق. مخلج
[ ٣ / ٩٦٧ ]
مجذب. وقوله النعار، هو العرق الذي لا يرقأ.
يقال من ذلك نعر العرق بالدم، وذلك إذا سال بالدم فغلبهم سيلانه.
أخْزاكَ رَهطُ ابن الأشَدّ فأصبَحَت أكبادُ قومِكَ ما لهنّ مَرارُ
قوله ابن الأشد، يعني سنان بن خالد بن منقر. قال: وإنما سمي الأشد لشدته، وله يقول جرير:
وبِنا عَدَلتَ بيَ خَضافِ مجُاشِعًا وعَدَلتَ خالَكَ بالأشَدّ سِنانِ
باتتْ تُكلّفُ ما عَلِمتَ ولم تكُنْ عُونٌ تُكَلّفُهُ ولا أبكارُ
باتَ الفرزدقُ عائِذًا وكأنها قَعوٌ تَعاوَرَهُ السُّقاةُ مُعارُ
قال: القعو بكرة من خشب كلها، فإن كان جنباها حديدًا، فهو خطاف، يُستقى عليها باليد.
دُعِيَ الطبيبُ طبيبُ جِعثِنَ بعدما عَصَتِ العُروقُ وأدبَرَ المِسبارُ
قال: المسبار الميل الذي يقاس به الجرح، فيُنظر ما غوره وما قدره. ومنه قول العرب: سبرت فلانًا
فعرفت مذهبه. يعني اختبرته فعرفت طريقته.
شَبّهْتُ شِعرَتَها إذا ما أبركتْ أذُني أزَبّ يَفُرُهُ السمسارُ
قوله السمسار هو بائع الخيل. قال أبو عبد الله: بائع الحمير.
سَبّوا الحِمارَ فسوفَ أهجو نِسوَةً للكيرِ وَسطَ بُيوتِهنّ أوارُ
ويروى الحمير. وقوله أوار، يعني لهب النار وتضرّمها ووقودها. والأوار حرار النار ووهجها.
مِنْ كُلّ مُبْسِقَةِ العِجان كأنها جَفرٌ تَغَضّفَ مِنْ جُوَيّةَ هارُ
[ ٣ / ٩٦٨ ]
ويروى من حذنّة. وقوله مبسقة العجان، يعني منتفخة العجان كما يبسق ضرع الشاة، وذلك إذا
اقربت. وقوله تغضّف، يعني تهدّم. وجويّة موضع. وهار منهار. وهو من قول الله ﷿: ﴿هَارٍ
فَانْهَارَ بِهِ﴾ أي انهار فذهب سيلانًا.
لَخَواء مُزْبِدَةٌ إذا ما قَبقَبَتْ هَدرتْ فألْثَقَ ثَوبَها التّهدارُ
لخواء يعني هي عظيمة إحدى شقي البطن. يعيبها بذلك.
تُغلِي المُشاقَةَ تَبتغي دَسمَ أستِها فمِنَ المُشاقَةِ عندَها أكرارُ
تَلقَى بَنات أبي الجَلَوَبقِ نُزّعًا نحوَ القُيونَ وما بِهنّ نِفارُ
أبو الجلوبق لقب لمجاشع. وقوله بنات أبي الجلوبق، هو نبز نبزهم به، يعيبهم بذلك.
وتخَيرّت ليلى القُيونَ وريحَهُمْ ما كانَ في صدأ القُيونِ خِيارُ
حَنّتْ وحَنّ إلى جُبير نسوَةٌ خُورٌ يَطُفْنَ بهِ وهُنّ ظُوارُ
تُدعَى لَصَعْصَة الضّلال وأحصنتْ للقَين يابنَ قُفيرةَ الأطهارُ
وخَضافِ قدْ وَلَدتْ أباكَ مجاشِعًا وبَنيهِ قد ولَدتهمُ النّخوارُ
خضاف نبز لأم مجاشع، وهم يعيرون به في الجاهلية. ويروى وبنوه قد ولدتهم.
يا شَبّ وَيحكَ ما لَقيتَ مِنْ التي أخزَتْكَ ليلَةَ نُجّدَ الأستارُ
يا شَبّ وَيحكَ إنها مِنْ نِسوة خُورٍ لهُنّ إذا انتشَين خُوارُ
أي هن فواسد. وقوله خور، أي هن ضعاف. وقوله إذا انتشين، يقول: إذا شربن فطابت أنفسهن،
صحن وعلت أصواتهن، كما يخور الثور.
[ ٣ / ٩٦٩ ]
نَثَلَتْ عليك مِنَ الخَزيرِ كأنها جَفرٌ تخَرّمَ حافتيهِ جِفارُ
نثلت سلحت من أكل الخزير. أي كانت إلى جانبه جفار، فتخرم بعضها إلى بعض فاتسع.
إنّ الفرزدقَ لن يُزاولَ لُؤمَهُ حتى يزولَ عنِ الطريقِ صرِار
فيمَ المِراء وقدْ سبقتُ مجاشعًا سبقًا تقطّعُ دونَهُ الأبصارُ
يقول: سبقتهم سبقًا، وتقدّمتهم تقدّما، لا يراني من خلفي.
قَضَتِ الغَطارفُ مِنْ قُريش فأعترَفْ يا ابنَ القُيونِ عليكَ والأنصارُ
قوله قضت الغطارف من قريش، قال: الغطارف سادة القوم وسمحاؤهم، الذين يقومون بما ناب
قومهم من شدة ومكروه ونازلة، فهم عتاقهم. قال: والاعتراف الإقرار والرضى بما قُضي عليهم
وألزموهم. يريد فأقر بذلك من فضلنا وقديمنا وفخرنا.
هل في مائينَ وفي مائينَ سَبقتُها مَدّ الأعِنّةِ غايَةٌ وحِضارُ
كَذَبَ الفرزدقُ إنّ عُودَ مجاشعِ قَصِفٌ وإنّ صَليبهُم خَوّارُ
صليبهم خشبتهم. وقوله قصف، يعني عودهم ضعيف يتقصف من ضعفه. وقوله صليبهم، يريد
سيدهم الذي يعتمدون عليه. يقول هو خوّار ضعيف لا خير عنده، فكيف بمن سواه.
ما كانَ يخلفُ يا بَني زَيدِ أستِها منكُمْ مخَيلَةُ باطِلٍ وفَخارُ
وإذا بَطنتَ فأنتَ يا ابنَ مجاشِع عندَ الهَوانِ جُنادِفٌ نَثّارُ
الجنادف القصير من الرجال. والقصر عند العرب عيب في الرجال والنساء. وقد عابت الشعراء
القصر في شعرها في الجاهلية والإسلام. وقوله نثّار، يعني أنت كثير الكلام، يريد تنثر كلامك نثرًا لا تعرف ما
[ ٣ / ٩٧٠ ]
يرجع عليك منه، مثل الثرثار من الرجال، وهو الكثير الكلام.
سَعدٌ أبَوا لكَ أنْ تَفي بجِوارِهِم أو أنْ يَفي لكَ بالجِوار جِوارُ
يريد بقوله سعد أبوا لك، يعني غدرهم بالزبير، حيث أجاروه ثم خذلوه، حتى قتله ابن جُرموز في
بلادهم وديارهم.
تِلكَ التي شَدّخوا بَواطِنَ كَينِها أضخَى مُخالِطَ بَولِها الإمغارُ
قوله الأمغار، يعني خروج الدم مع البول. شبّه حمرة الدم بحمرة المغرة. يقول: من كثرة ما نُكحت
صارت كذلك.
قد طالَ قرعُكَ قبلَ ذاكَ صَفاتَنا حتى صَممتَ وفُلّلَ المنقارُ
يابنَ القُيونِ وطالَ ما جَرّبتني والنّزعُ حيثُ أمِرّتَ الأوتارُ
ما في مُعاوَدَتي الفرزدقَ فاعلَموا لمُجاشع ظَفرٌ ولا استبشارُ
إنّ القصائِدَ قدْ جَدَعنَ مجاشِعًا بالسّمٌ يُلحَمُ نَسجُها ويُنارُ
قوله قد جدعن مجاشعًا، يقول قد قطعن الآذان والأنوف لما نزل بهم من شدة قولي، وما ذكرت من
مساويهم في شعري، فأصابهم من ذلك ما يصيب من قُطع أنفه وأذنه.
ولَقُوا عَاصي قدْ عَيَيتَ بِنَقضها ولقدْ نُقِضتَ فما بكَ استمرارُ
قوله عواصي، يعني هذه القصيدة صعبة، قد مرت على الناس عاصية لمن لامها، لا تقبل منه، ولا
تلتفت إليه، فضربه مثلًا لذلك.
قد كان قَومُكَ يحسبونَك شاعِرًا حتى غَرِقْتَ وضَمّكَ التيارُ
يقول: لما سمعوا شعري ازدروا شعرك. والتيار الموج فشبه شعره بالبحر بأمواجه فغرّقه.
[ ٣ / ٩٧١ ]
نَزعَ الفرزدقُ ما يَسرُ مجاشِعًا منهُ مُراهَنةٌ ولا مِشوارُ
قوله مشوار إنما يريد مختبر الخيل.
قَصرُتْ يداكَ عنِ السماء فلم يكُنْ في الأرضِ للشجرِ الخبيثِ قرارُ
أثنتْ نَوارُ على الفرزدقِ خَزيَةً صَدقَتْ وما كذَبتَ عليكَ نَوارُ
إنّ الفرزدقَ لا يزالُ مقنّعًا وإليهِ بالعمل الخبيثِ يُشارُ
قوله مقنعًا، يقول: يقنّع رأسه يستحيي مما يأتي من المخازي.
لا يخفَينّ عليكَ أنّ مجاشعًا لو يُنفَخونَ منَ الخؤورِ لَطاروا
إذ يُوسرَونَ فما يُفَكُ أسيرُهُمْ ويُقتّلونَ فتَسَلمُ الأوتارُ
يقول: من ضُعفهم لا يفك أسيرهم من بخلهم، ولا يطلبون وترًا فيدركونه.
ويُفايَشونَكَ والعظامُ ضَعيفةٌ والمُخُ ممتَخَرُ الهُنانَة رارُ
الهنانة المخ الرقيق. وقوله يفايشونك، يقول يفاخرونك بالكذب بما ليس بهم من الفخر في قديم ولا
حديث. وقوله والعظام ضعيفة، يقول: ليس لهم مآثر يعدونها عند الفخار، فأمرهم ضعيف لا يصدقون
فيما يقولون. قال: وإنما يريد أنه ليس بعظامهم مخ، فهم ضعفاء. والهنانة الشحم والرار المخ الرقيق.
وإنما يريد أنه ليس لعظامهم مخ فنسبهم، إلى الضعف. قال أبي ﵀ ممتخر منتزع.
شَهِدَ المُهَمّلُ أنّ جيشَ مجاشِع رَضَعوا الأيورَ على الخَزيرِ فخاروا
قوله شهد المهمّل، يريد المهمّل بن عبد الله بن قيس، أحد بني العدوية، وكان شريفًا، وله يقول الفرزدق:
[ ٣ / ٩٧٢ ]
كما تَعرِف الأضيافُ نارَ المُهَمّل
نظروا إليكَ وقد تقلّبَ هامُهُمْ نظرَ الضّباعِ أصابهُنّ دَوارُ
قوله وقد تقلّب هامهم، يعني تقلّبت رءوسهم ودارت.
لا تُغْلَبُنَّ على ارتضاعِ أيورِكُمْ أوصى بِذاكَ أبوكُمُ المِهمارُ
ويروى لا تظمئون. وقوله المهمار، يريد الكلام الذي يهمر فيكثر كلامه.
يَسرَ الدُهَيمَ بَنو عَقال بَعدما نَكَحوا الدُّهَيمَ فقُبّحَ الأيسارُ
يقول: قامروا على الدهيم، وهو اسم ناقة. والأيسار المقامرون.
وبكى البَعيثُ على الدهيم وقد رَغا لأبي البَعيث مِنَ الدُّهَيمِ حُوارُ
وإذا أرادَ مجاشعيّ سَوءة نكحَ الدُّهَيمَ وفي استِهِ استيخارُ
قُرنَ الفرزدقُ والبَعيثُ وأمُهُ وأبو الفرزدقِ قُبّحَ الإستارُ
إنّ البَعيثَ عِجانُ سَوء قادَهُ وسطَ الحَجيج لَيُنحَرَ البَقّارُ
أضحى يُرَمّزُ حاجبيه كأنهُ ذِبخٌ لهُ بقَصيمتينِ وجارُ
الذيخ الضبعان، وهو الذكر من الضباع. ووجار جُحر.
أمٌ البَعيثِ كأنّ حمرَةَ بَظْرِها رِئةُ المُغِدّ يَبينُها الجَزّارُ
المغد البعير الذي قد أصابته غدة ورئته أشد حمرة من غيرها، وذلك للداء الذي قد أصابه من الغدة.
قال: والعرب إذا دعت على الرجل
[ ٣ / ٩٧٣ ]
قالت: أصابه الله بغدة كغدة البعير. فرئة المغد أشد حمرة من قبل الداء.
وتقولُ إذْ رضِيَتْ وأرضَتْ سَبعَةً لا يغْضَبَنّ عليكُمُ البَيْزارُ
البيزار اسم عبد كان لبني جرول تتهم به نساؤهم.
إنْ تَكْفِ أمّكَ يا بَعيثُ فرُبما صَدَرتْ ومَرّنَ بَظْرَها الإصْدارُ
يعني رعت فتصدر على قعود. ويروى بطنها.
إذ كانَ يُلعِبُها وأنتَ حَزَوّرُ عِلجا ضَبارَةَ بغثَرٌ وشُقارُ
قال: الحزور الغلام الذي قد اشتد وصلُب واستوت قوّته. قال الأصمعي: والحزور في هذا الموضع،
أشد ما يكون من الرجال. وقوله يُلعبها، يحملها على اللعب معه.
قد طالَ رِعيتُها العَواشي بعدما سقطَ الجليدُ وهَبّتِ الأصرارُ
أي ترعى العواشي تخرج بالليل للريب. قال: والعواشي الإبل التي تطيل العشاء. والأصرار
واحدها صر، وهي من الرياح الباردة.
ذَهبَ القَعودُ بلَحمِ مَقعَدَةِ استِها وكأنّ سائرَ لحمِها الأفهارُ
القعود بكر يركبه الرعاة يقضون عليه حوائجهم.
ليستْ لِقَومي بالكَتيفِ تجارَةُ لكنّ قومي بالطّعانِ تجِارُ
الكتيف الضبات من الحديد الواحدة كتيفة، يعيّرهم بذلك أنهم حدّادون.
يحمِى فوارسيَ الذينَ لخَيلِهمْ بالثغر قد علمَ العدوُ مُغارُ
[ ٣ / ٩٧٤ ]
الثغر الموضع الذي يُخاف منه العدو، وما يخافون من ناحيته.
تَدمى شَكائِمُها وخيلُ مجاشع لم يَندَ مِنْ عَرَقٍ لهُنّ عِذارُ
الشكائم حدائد اللجم الواحدة شكيمة.
إنّا وقَينكُمُ يُرَقّعُ كيرَهُ سرِنا لنَغْتَصِبَ المُلوكَ وساروا
أي سرنا إلى الملوك وساروا إلينا.
عَضّتْ سَلاسِلُنا على ابنَي مُنذِر حتى أقرّ بحُكمِنا الجَبارُ
قوله على ابني منذر، يعني حين أسرتهما بنو يربوع يوم طخفة. قال: وقد مر حديث طخفة فيما
أمليناه من الكتاب.
وابنَي هُجَيمَةَ قد تركنا عَنوةً لابنَي هُجَيمَةَ في الرّماحِ خُوارُ
قال: ابنا هجيمة، قيس والهرماس من غسان، قتلهما عتيبة بن الحارث، وذلك يوم كنهل.
ورئيسُ مملكة وطِئنَ جَبينَهُ يغشى حواجِبَهُ دمٌ وغُبارُ
نحمي مخاطرَةً على أحسابِنا كَرُمَ الحُماةُ وعَزّتِ الأخطارُ
وإذا النساءُ خرَجنَ غير تبرّز غِرنا وعندَ خُروجِهِنّ نَغارُ
ومجاشِعٌ فَضحوا فوارسَ مالِكِ فرَبا الخَزيرُ وضُيَّعَ الأدبارُ
أغمامَ لو شَهدَ الوَقيطَ فوارسي ما قَيدَ يُعتَلُ عَثجَلٌ وضِرارُ
قوله عثجل، هو عثجل بن المأموم بن شيبان بن علقمة بن زرارة بن عدس. وضرار بن القعقاع بن
معبد بن زرارة. وقد مر حديثهما فيما أمليناه من الكتاب، في يوم الوقيط.
يا بنَ القُيونِ وكيفَ تطلُبُ مجدَنا وعليكَ مِنْ سِمَةِ القُيونِ نِجارُ
[ ٣ / ٩٧٥ ]
قوله نجار، يعني عليك سمة يُعرفون بها.
فأجابه الفرزدق فقال:
أعَرَفتَ بين رُوَيّتينِ وحنْبَل دِمَنًا تَلوحُ كأنها الأسطارُ
رويّتين وحنبل موضعان معروفان. والدمن ما دمّن، إذا نزلوا من الرماد والبعر، وما سوّدوا في
مقامهم من طبيخ وغيره. وقوله تلوح، يقول ترى ذلك بينًا. والأسطار الأثر الخفي، قد درسته الأمطار
وطول الزمن. وقال: هي رويّة واحدة فثنّاها. وأنشد:
هل تَذكُرونَ غَداةَ تُطرَدُ سَبيكُمْ بالصمد بَين رُوَيّة وطِحالِ
لَعِبَ العَجاجُ بكُلّ معرفَة لها ومُلثّةُ غَبَياتُها مِدرارُ
ويروى لعب الرياح. وقوله لعب العجاج يريد اختراق الرياح. والملثة يريد دوام مطرها أيامًا. يقال
قد ألثّ المطر، وذلك إذا دام أيامًا لا يُقلع. والغبية المطر الشديد ساعة ثم يقلع.
فعَفتْ مَعالِمها وغيّر رَسمَها ريحُ تَروّحُ بالحصى مِبكارُ
ويروى درست وغيّرَ كل معرفة لها ريحٌ. قال أحمد بن عبيد: يقال عفا الشيء وعفا غيره. وقوله
فعفت معالمها، يريد عفّته. يقول ذهّبته فخُفف لحال الوزن. قال: والرسم آثار الديار. ثم قال: تروّح
بالحصى، يقول: هذه الرياح تروّح على هذا الرسم بالحصى. مبكار أي هذه الريح تبكر الحصى
فتلقيه على هذه الرسوم فتُعفيه، أي تدرسه بكرة وعشية.
فترى الأثافي والرمادَ كأنهُ بَوٌّ عليهِ رَوائِمٌ أظفارُ
[ ٣ / ٩٧٦ ]
قال: الأثافي الحجارة التي توضع تحت القدر إذا اطبخوا. والرماد يكون تحت قدورهم. يقول: فلم
يبق من آثار الديار إلا الأثافي والرماد. ثم شبّه الأثافي والرماد بالبو. والبو جلد فصيل يُحشى ثمامًا،
وهو حشيش ينبت في البر، تُعطف عليه الناقة، والناقتان، والثلاث. وأظآر جمع ظئر.
ولقد يحُلُّ بِها الجميعُ وفيهِمُ حُورُ العيونِ كأنهُنّ صِوارُ
ويروى ولقد عهدت بها الجميع وفيهم. حور العيون البقر. وإنما قال حور العيون لشدة بياضها، وإنما
سمي الحواري حوارى، لشدة بياضه. وكذلك الحور لشدة بياضها، وشدة سواد الأشفار والحدقة، وذلك
مما يشتد به بياضها. وإنما سمي الحواريون مع عيسى بن مريم ﵇ لشدة بياض ثيابهم.
ويقال إنهم كانوا قصّارين.
يأنَسنَ عندَ بُعولهِنّ إذا التقَوا وإذا همُ بَرزوا فهُنّ خِفارُ
ويروى إذا خلوا. وقوله وإذا هم برزوا فهن خفار، يقول: إذا صرن عند أزواجهن فهن خفار: أي
حييات. يقال للمرأة إنها لخفرة، إذا كانت شديدة الحياء.
شُمُسٌ إذا بلغَ الحديثُ حَياءهُ وأوانسٌ بكَريمِهِ أغرارُ
قول أوانس يقول هن غير معبّسات ولا مُكلحات، لهن أخلاق حسنة يأنسن إلى من يثقن به، ولا
يستوحشن منه. وقوله بكريمه، يريد بكريم الحديث لا فُحش فيه. وقوله أغرار، يقال للرجل الذي لا
يعرف الأمور غر، وكذلك يقال للمرأة أيضًا التي لا تدري ما الناس فيه، هي غر، أي لم تجرب
الأمور، ولم تعرف الأشياء. يقول: هن غوافل عن مكر النساء، وما هن فيه من الإرب والدهاء.
وكلامُهُنّ كأنما مرفوعُهُ بِحَديثهِنّ إذا التَقَين سِرارُ
[ ٣ / ٩٧٧ ]
يقول: كلامهن فيما بينهن كأنه مسارة، وذلك من شدة الحياء.
رُجُحٌ ولَسنَ مِنَ اللواتي بالضُحَى لِذُيولهِنّ على الطريقِ غُبارُ
وإذا خَرجنَ يَعُدنَ أهلَ مُصابَة كانَ الخُطا لسرِاعِها الأشبارُ
هُنّ الحَرائِرُ لم يَرِثنَ لمُعرِضٍ مالًا وليسَ أبٌ لهُنّ يجُارُ
معرض جد جرير من قبل أمه.
فاطرَحْ بعينكَ هل ترى أحداجَهُمْ كالدّومِ حينَ تحُمّلُ الأخدارُ
قوله هل ترى أحداجهم، قال: الأحداج مراكب النساء، الواحد حدج كما ترى. وقوله كالدوم، هو
شجر المقل. ويقال بل هو السدر البري: ويقال هو كل سدر أين كان. والقول هو الأول.
يغشى الإكامَ بهِنّ كُلّ مخُيّس قد شاكَ مختلِفاتُهُ مَوّارُ
مختلفاته أنيابه. موار يقول هو واسع الجلد، يمور في مشيه كالمتبختر، لأنه قوي نشيط.
وإذا العيونُ تكارَهتْ أبصارُها وجرى بهِنّ معَ السرّابِ قِفارُ
ويروى تطاوحت. وقوله تكارهت أبصارنا، يقول لا تنظر بملء عيونها. قال: وذلك من شدة ترقرق
السراب ووقدان الحر واحتذامه. يقول: فإنما تفتح عيونها على كره ومشقة لذلك.
نَظَرَ الدّلهمَسُ نظرَةً ما ردَّها حَوَلٌ بِمُقلَتِهِ ولا عُوّارُ
الدلهمس رجل من بني كليب، كان رفيقًا للفرزدق. وقوله لا عُوار، قال: العوار، قال: العوار قذى
يصيب العين من رمد أو وجع.
فرأى الحُمولَ كأنما أحداجُها في الآل حينَ سَما بِها الإظهارُ
[ ٣ / ٩٧٨ ]
ويروى فرأى الشفاء كأنما أظعانها في الدو حين. وقوله سما بها، يريد حزاها الآل فرفعها في
المنظر. قال: وكذلك ترى الشيء في الآل وهو صغير كبيرًا. وقوله الإظهار، قال: وذلك حين يُدخل
في الظهيرة. يقول: سارت هذه الإبل في وقت الظهيرة.
نخلُ بَكادُ ذُراهُ مِنْ قِنوانِهِ بِذُرَيعَتَين يُميلُهُ الإيقارُ
قوله من قنوانه القنوان، العذوق. وهو من قول الله تعالى: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ قد انتهى حملها ودنا
إنضاجها. قال: والأيقار يريد كثرة الحمل. يقول: قد أثقل هذه النخيل ما عليها، وأوقرها كثرته.
إنّ المَلامَةَ مِثلُ ما بَكَرتْ بِهِ مِن تحتِ ليلَتها عليكَ نَوارُ
وتقولُ كيفَ يميلُ مِثلُكَ للصِبًَا وعليكَ مِنْ سِمةِ الحَليم عذارُ
ويروى قالت وكيف. يريد بمسحليه وعارضيه من الشيب، فهو سمة للكبير، والمسالان ما ليس عليه
شعر من الصدغ إلى شحمة الأذن. تقول: كيف يطلب مثلك الصبى، وأنت شيخ، وهو من علامات
الحليم توبّخه بذلك وتعيّره.
والشّيبُ يَنهضُ في السّوادِ كأنّهُ ليلٌ يصيحُ بِجانِبيه نهَارُ
يقول: الشيب يعلو السواد حتى يذهب به، كما يُذهب ضوء النهار سواد الليل، فضربه مثلا لليل
والنهار.
إنّ الشبابَ لَرابِحٌ مَنْ باعَهُ والشيبُ ليسَ لِبائِعيهِ تجِارُ
قال: إنما ضربه مثلا. يقول: للشباب طالبٌ وليس للشيب طالب.
يا بنَ المراغَةِ أنتَ ألأمُ مَنْ مَشى وأذَلُّ مَنْ لِبَنانِهِ أظفارُ
[ ٣ / ٩٧٩ ]
قال: البنان المفاصل العُلى التي فيها أظفار، واحدتها بنانة، والتي دونها البراجم، والتي دونها
الرواجب. والأشاجع عصب ظاهر الكف على كل قصبة أشجع.
وإذا ذَكرتَ أباكَ أو أيّامهُ أخزاكَ حيثُ تُقبّلُ الأحجارُ
قوله تقبّلُ الأحجار، يعني الحجر الأسود والبيت الحرام ومقام إبراهيم ﵇ في الحجر. قال:
والمعنى في ذلك يقول: أخزاك أبوك في هذه المواضع التي يجتمع فيها الناس من كل فج عميق.
يقول: فليس له ما يفخر به إذا افتخر الناس وذكروا أيامهم ومآثرهم.
إنّ المَراغَةَ مَرّغَتْ يَربوعَها في اللؤمِ حيثُ تجاهَد المِضمارُ
أنتُمْ قَرارَةُ كلّ مَدفَعِ سَوءَة ولِكُلّ دافِعَةٍ تَسيلُ قَرارُ
قوله قرارة، هو مجتمع الماء في مطمئن من الأرض يستقر فيه الماء.
إنّي غَمَمتُكَ بالهِجاء وبالحَصى ومَكارِمِ لفَعالهِنّ مَنارُ
وروى سعدان عممتك بالعين غير معجمة. وليس بشيء. والرواية الغين. وقوله إني غممتك بالهجاء،
يقول غممتك من هجائي بما صار في رأسك لازمًا كالغمامة. وقوله بالحصى، يريد كثرة العدد. تقول
بنو فلان عددهم كثير كالحصى، وذلك إذا كانوا كثيرًا.
ولقد عَطَفتُ عليكَ حَربًا مرة إنّ الحُروبَ عَواطِفُ أمرارُ
حَربًا وأمّكَ ليسَ مُنْجيَ هارِبٍ منها ولو رَكِبَ النّعامَ فِرارُ
فلأفْخَرَنّ عليكَ فخرًا لي بِهِ قُحَمُ عليكَ مِنَ الفَخارِ كبارُ
[ ٣ / ٩٨٠ ]
قوله قحم عليك، أي عظائم منه تقحّم عليك، يريد فتغلبك.
إني لَيرفعُني عليكَ لِدارِم قَرمٌ لهُمْ ونَجيبَةٌ مِذْكارُ
القرم الفحل من الإبل، ذلك أصله، ثم نُقل فصار قرم القوم سيدهم ورئيسهم. وقوله ونجيبة مذكار،
يريد تلد الذكور. ويقال امرأة مئناث إذا ولدت الإناث. فضربه مثلا للإبل، وإنما يريد الفخر في
الناس.
وإذا نَظرتَ رأيتَ فَوقَكَ دارِمًا في الجَوّ حيثُ تُقَطّعُ الأبصارُ
إنّي لَيَعْطِفُ للئيمِ إذا رَجا مني الرّواحَ مُجإبٌ كَرّارُ
إنيّ لأشتمكُمْ وما في قَومكُمْ حَسَبٌ يُعادِلُنا ولا أخطارُ
هل يُعدَلَنّ بقاصِعائكَ مَعشرٌ لهمُ السماء عليكَ والأنهارُ
والأكرمونَ إذا يُعدُّ قَديمُهُمْ والأكثرونَ إذا يُعدُّ كِثارُ
ويروى الأكرمين، والأكثرين. ويروى كَثار بفتح الكاف، كثرة من الناس. يقال في الدار كثار من
الناس. وقوله إذا يعد كثار، يعني مكاثرة يريد مفاخرة.
ولهمْ عليكَ إذا القُرومُ تخَاطَرتْ خمطُ الفُحولَةِ مُصعَبٌ خَطارُ
مصعب لم يُذلل ولم يُرض. وقوله خمط الفحولة، يريد تكبّر الفحولة وتعظّمها في غضب. يقال من
ذلك قد تخمّط فلان فلانا، ولذلك إذا تعسّفه وظلمه. يقال تخمّط فلان إذا تكبّر. قال: لا أعلمه يتعدّى.
ولهمْ عليكَ إذا الفُحولُ تَدافَعتْ لجُجٌ يَغُمُّكَ موجُهُنّ غِمارُ
ويروى بحرهن غمار. وبحرها غمّار. ويروى إذا البحور تغامست.
قومُ يُرَدُّ بهِم إذا ما استَلأموا غَضبُ المُلوكِ وتمنَعُ الأدبار
[ ٣ / ٩٨١ ]
منعَ النساء لآلِ ضَبّةَ وَقعَةٌ ولآلِ سَعد وَقعَةٌ مِبكارُ
فاسألْ غَداةَ جَدودَ أي فَوارِسٍ مَنعوا النساءَ لعِوذِهِنَّ جُوارُ
قال: العوذ النوق التي معها أطفال صغار. وقوله جوار وهو مثل خوار الثور، وهو من قول الله
تعالى: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ﴾ ويروى فاسأل بقاع جدود أيُّ.
والخيلُ عابسَةٌ على أكتافِها دُفَعٌ تَبُلُّ صُدورَها وغُبارُ
قال: والخيل عابسة على أكتافها، يعني أنها كريمة المنظر، وهو من قولهم عبس فلان في وجه
فلان، وذلك إذا نظر إليه بتعبّس وكراهة. قال: وهو من قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ وهو من
التعبيس. وقوله دُفع، يعني دُفع الدم من الطعن.
إنّا وأمّكَ ما تَظَلُّ جِيادُنا إلاّ شَوازِب لاحَهُنّ غِوارُ
ويروى ما تزال جيادنا. ويروى ما تُرى أفراسنا إلا شوازب. وقوله شوازب، يقول: الخيل ضوامر
مما هن فيه من الجهد، وقوله لاحهن أي غيرّهن. وغوار يعني مغاورة.
قُبّا بِنا وبهِنّ يُدفَعُ والقَنا وَغْمُ العَدُوّ وتُنْقَضُ الأوتارُ
ويروى كتّابنا وبهن يمنع والقنا ثغر العدو. قال: والقب اللاصقة البطون بالظهور. وقوله وغم العدو،
يريد ذحل العدو أي تُدرك بالخيل الأوتار. والوتر الذحل أيضًا.
كَمْ كانَ مِنْ مَلك وطِئنَ وسوقَةٍ أطلَقْنَهُ وبِساعدَيه إسارُ
كانَ الفِداءَ له صُدورَ رِماحِنا والخيلَ إذ رَهجُ الغُبارِ مُثارُ
ولَئنْ سألتَ لتُنبأنّ بأننا نسمو بأكرمِ ما تَعُدُ نِزارُ
[ ٣ / ٩٨٢ ]
قال الملائكة الذين تخُيرّوا والمُصطَفونَ لِدينه الأخيارُ
أبكى الإلُه على نَبيثَة من بكى جَدفا يَنوحُ على صَداهُ حِمارُ
قال أبو عبد الله: لا أعرف نبيثة، وإنما هو بُلية. ويروى أبكى الإله على بلية، وهو موضع دُفنت
فيه أم حزرة. وقوله نبيثة من بكا، قال: والنبيثة التراب الذي يخرج من القبر إذا حفر.
كانتْ مُنافقَةَ الحياةِ وموتهُا خزيٌ عَلانيَةٌ عليكَ وعارُ
فلئنْ بكيتَ على الأتان لقد بكى جَزعًا غَداةَ فِراقِها الأعيارُ
يَنْهَسنَ أذرُعهُنّ حينَ عَهِدنَها ومكانُ جُثوَتِها لهن دُوارُ
ويروى جزعًا وجثوتها لهن. وقوله ومكان جثوتها، يريد مكان قبرها، وهو من قول الله ﷿:
﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ أي من قبورهم.
تبكي على امرأةٍ وعندكً مثلُها قعساء ليسَ لها عليكَ خِمارُ
ولتَكفينَّك فقدَ زوجِتكَ التي هَلَكتْ مُوقّعَةُ الظهورِ قِصارُ
قوله موّقعة الظهور، يعني أتنا. يقول فالأتان تكفيك من بعد زوجتك.
أخواتُ أمّكَ كُلُهُنّ حريصةٌ ألاّ يُفوتَكَ عندها الإصهارُ
فأخطُبْ وقُلْ لأبيكَ يَشفَعْ إنّهُ سَيَكونُ أو سَيُعينكَ المِقدارُ
قوله لأبيك يشفع جزم، لأنه أمر. أراد قل لأبيك ليشفع.
بِكرًا عَسَتْ بَكَ أن تكونَ حَظيّةً إن المناكِحَ خَيرها الأبكارُ
[ ٣ / ٩٨٣ ]
إنّ الزيارةَ في الحياة ولا أرى ميتًا إذا دَخلَ القُبورَ يُزارُ
ولقد همَمتَ بسَوءة وفَعلتَها في اللحدِ حيثُ تمكّنَ المِحفارُ
لمّا رأتْ ضَبُعَي بُليّة أجهشَتْ والأرضُ غير ثلاثِهِنّ قِفارُ
لمّا جَننتَ اليومَ منها أعظُمًا يَبرقْنَ بين فُصوصِهِنّ فَقارُ
أفبَعدَ ما أكلَ الضُباعُ رَحيبَها تَذرِي الدُموعَ أهانَكَ القَهّارُ
ورَثَيتَها وفَضَحتَها في قبرِها ما مِثلَ ذلكَ تفعلً الأخيارُ
وأكلتَ ما ذَخرتْ لنفسكَ دونهَا والجَدْبُ فيهِ تَفاضَلُ الأبرارُ
في الجدب تُختبر الناس.
آثرتَ نفسكَ باللّويّة والتي كانتْ لها ولمِثلها الأذخارُ
قال: اللوية طعام تدّخره المرأة، فتوثر به زوجها، وصَبيها، وبعض قرابتها، من والد أو والدة
وغيرهما.
وترى اللئيمَ كَذاكَ دونَ عِيالِهِ وعلى قَعيدَتِهِ لهُ اسئثارُ
ويروى قعيدة بيته. وقوله وعلى قعيدته، قال: قعيدة الرجل ربة بيته، وهي امرأته. يقول: يستأثر
عليها في المأكل والمشرب، يعيره بذلك. يقول ليس كذلك يفعل الحر ر يستأثر على امرأته شيئا.
ينسى حَليلتهُ إذا ما أجدَبتْ ويهَيجُهُ لِبُكائِها القُسبارُ
ويروى أخصب ذكرها. وقوله القُسبار، هو ذكر الرجل العظيم.
أنَسيتَ صُحبَتَها ومَنْ يَكُ مُقرفًا تخرجُ مُغيّبَ سِرّهِ الأخبارُ
لمّا شَبِعتَ ذَكَرتَ ريحَ كِسائِها وتَرَكتها وشِتاؤها هَرّارُ
قوله وتركتها، يعني خالدة بنت سعد بن أوس أم حزرة. وقوله وشتاؤها هرّار، يريد شتاؤها شديد
البرد يهر الناس من شدته.
[ ٣ / ٩٨٤ ]
هَلاّ وقد غَمَرتْ فُؤادَكَ كثبةٌ والضّأنُ مخصِبَةُ الجَنابِ غِزارُ
ويروى لو كنت إذ غمرت فؤادك. يقول: فهلاّ ذكرتها إذ غمرت فؤادك. يقول إذا غلب على فؤادك.
حبها، فحقها عندك أن لا تنساها. وقوله كثبة، يريد كثبة من لبن قال: وهو الشيء من اللبن لا يبلغ
أن يمتلئ منه الإناء. يقول: غمرت فؤادك علته وغلبت عليه. وقوله والضأن مخصبة، يريد كثرة
اللبن. والجناب الفناء وإنما يريد الخصب وكثرة اللبن.
هَجْهَجتَ حينَ دَعَتكَ إذْ لم تأتِها حيثُ السّباعٌ شَوارِعٌ كُشّارُ
ويروى حين دعتك أو لأتيتها أفرًا وهن شوارع. يقول: حين دعتك، يريد استغاثت بك. وشوارع
يريد في لحمها. وقوله هجهجت، يعني زجرت السباع عنها. وقوله كشار، يقول إذا السباع فاتحة
أفواهها. يقال كشر في وجهه، وذلك إذا فتح فاه وكلح وعبس.
نهَضتْ لِتُحرِزَ شِلوَها فتَجوّرَتْ والمُخ مِنْ قَصَبِ القَوائِمِ رارُ
ويروى فتهورت. قوله شلوها، يعني بقية ما ترك الضبعان من بدنها. وقوله فتجوّرت، يقول سقطت
من الجهد. وقوله رار، يعني مُخها رقيق يذهب ويجيء في العظم، وذلك لشدة الهزال. قال وإذا
سمنت الدابة غلظ عظمها، وجمس مجها، واشتد وصلب.
قالتْ وقد جَنحَت على مملولها والنارُ تخبُو مرّةً وتُثارُ
عَجفاء عاريَةُ العظامِ أصابهَا حدثُ الزمانِ وجَدّها العَثّارُ
أبَني الحَرامِ فَتاتُكُمْ لا تهزَلَنْ إنّ الهُزالَ على الحَرائِرِ عارُ
لا تًتركَنّ ولا يَزالَنْ عِندها مِنكُمْ بحَدّ شِتائِها مَيّارُ
وبِحقّها وأبيكَ تهزَلُ ما لها مالُ فيَعصِمَهّا ولا أيسارُ
[ ٣ / ٩٨٥ ]
وترى شُيوخَ بَني كُليب بعدما شَمِطَ اللّحَى وتَسَعسَعَ الأعمارُ
قوله تسعسع الأعمار، يريد فنيت الأعمار وذهبت. قال الأصمعي: يقال من ذلك قد تسعسع الرجل،
وذلك إذا ذهب لحمه، واضطرب فكأنه مأخوذ من ذلك.
يَتَكلّمونَ معَ الرجالِ تَراهُمُ زُبّ اللحَى وقُلوبهُمْ أصفارُ
يقول: قلوبهم صفر خاوية لا عقول لهم.
أعَجِلتَ أم قد راثَ ريحُ شوائِنا أم ليسَ للكَمَرِ الكِبارِ قُتارُ
ما امتَلّ مُطبِخٌ كما في قِدرِها ست يدصنَ وسابعٌ قَيشارُ
ويروى سبع يدصن وثامن قُسبار.
ونُسَيّةٌ لبَني كُليب عندهُمْ مثلُ الخَنافِسِ بَينَهُنّ وبارُ
مُتَقَبضاتَّ عندَ شرّ بُعولَة شَمَطَتْ رُءوسُهُمْ وهُمْ أغمارُ
مِنْ كلّ حَنكَلةٍ يُواجِهُ بَعلَها بَظرٌ كأنّ لِسانَهُ مِنقارُ
الحنكلة القصيرة السوداء، وقوله من كل حنكلة، هي العجوز الكبيرة. يقال من ذلك امرأة حنكلة إذا
كانت كبيرة، ورجل حنكل إذا كان كبيرًا.
أمَةُ اليَدَين لَئيمَةٌ آباؤها سَوداء حيثُ يُعلّقُ التّقصارُ
قوله أمة اليدين، يقول أيديهن أيدي الإماء، مشققة من المهنة والعمل بها. يقول:
[ ٣ / ٩٨٦ ]
وهن سود غلاظ، سود حيث يعلّق التقصار، يعني موضع القلادة، وإنما نسبهن إلى العمل والمهنة يعيرهم بذلك.
كانتْ تَطيّبُ بالفُساء ولم يَلِجْ بيتًا لها بِذَكِيّةٍ عَطّارُ
ممّنْ يُباكُرُهُ النّشيلُ وعندَهُ صفراء من زَبدِ الكُرومِ عُقارُ
ويَبيتُ تُسهرُهُ العُروقُ وما بِهِ حمى فتدخُلَهُ ولا أصفارُ
جمع صفر البطن. يقول: قد كظّته البطنة فمن الكظة لا يقدر ينام.
مُتَعالِمُ النّفَرِ الذينَ هُمُ هم بالتّبلِ لا غُمُرٌ ولا أفتارُ
جمع فاتر.
فارْبِطْ لأمكَ عن أبيكَ أتانَهُ واخسَأ فما بكَ للكرامِ فَخارُ
كم كانَ قبلَكَ مِنْ لَئيم خائِنِ تُرِكَتْ مَسامِعُهُ وهُنّ صِغارُ
[ ٣ / ٩٨٧ ]
قال أبو عثمان: أنبأنا الأصمعي وأبو عبيدة قالا: قدم الأخطل، واسمه غياث بن غوث، على بشر بن
مروان بالكوفة، فوجد عنده محمد ابن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة. فقال محمد للأخطل: إن
الأمير سيسألك عن الفرزدق وجرير، فأعد لذلك جوابًا وانظر ما ماذا أنت قائل، فقد عرفت قرابتنا
والرحم بيننا. فقال: كفيتك. وأم عبد الله ومجاشع ابني دارم الحلال، بنت ظالم بن ذبيان ابن الأشرس
بن كنانة بن زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب. قال: فلما دخل عليه الأخطل، سأله عن الفرزدق
وجرير. فقال له الأخطل: أصلح الله الأمير، أما الفرزدق فأشعر العرب. فقال الفرزدق يذكر تفضيل
الأخطل إياه على الشعراء، يمدح بني تغلب ويهجو جريرًا:
يا ابنَ المراغَةِ والهِجاء إذا التَقَتْ أعناقُهُ وتماحَكَ الخَصمان
خبر الهجاء إذا التقت، أي الهجاء في هذه الوقت، يريد إذا التقت أعناقه، يريد إذا تناشده القوم، ورد
بعضهم على بعض. وقوله تماحك الخصمان، قال: التماحك اللجاجة. يقال تماحك القوم، وتخاصموا،
واختلفوا، وتنازعوا، كله بمعنى واحد، وذلك إذا تماروا في إنشاد الشعر، فقال بعضهم: هذا أشعر.
وقال آخرون: هذا أشعر. فتلك المماحكة فيه.
ما ضرّ تَغْلِبَ وائِلٍ أهجوتَها أم بُلْتَ حيثُ تَناطَحَ البَحرانِ
في رواية أبي عمرو، وابن الأعرابيّ، والحرمازي، ما ضرّ تغلب وائل في آخر القصيدة. قال:
والمعنى في ذلك، يقول الهجاء إذا التقت أعناقه، لا يضر تغلب وائل ما قلت، فيها لما قد سبق في
العرب من فضلها.
يابنَ المَراغَةِ إنّ تَغلِبَ وائل رفعوا عِناني فوقَ كل عِنانِ
كانَ الهُذيلُ يقودُ كلّ طِمِرَّةً دَهماء مُقرَبَة وكل حِصانِ
قال أبو عبد الله: كلام العرب في هذا، فرس مقرب، وخيل مقربة،
[ ٣ / ٩٨٨ ]
يريد مقرّبة، فخفف لوزن البيت، يعني فيقرّبون أكرم الخيل وأجودها وأسرعها للطلب والهرب.
يقول: فإذا فجئهم العدو، وثبوا عليها، فإما هربوا، وإما طلبوا.
يَصْهِلنَ بالنظرِ البعيد كأنما إرْنانهُا بِبَوائن الأشطانِ
ويروى للشبح البعيد. وقوله إرنانها ببوائن، يعني صوتها. والرنة الصوت من البكاء وغيره. قال:
والأشطان الحبل، واحدها شطن. قال الأصمعي: وقوله ببوائن الأشطان، بأبآر بوائن. قال: والبئر
البيون، البائنة التي يصيب حبلها نواحي البئر، فهو يميد فيها. فإذا استُقي منها، قام رجلان يُنحيّان
الدلو بالشّطن - وهو الحبل - عن حائط البئر لئلا ينقطع الحبل. يقول: كأنها تصهل من أبآر بوائن،
لسعة أجوافها، وهو كما قال الجعدي:
وتَصهِلُ في مثلِ جَوفِ الطّويّ صَهيلا يُبينُ لِلمُعرِبِ
قال: وهو الرجل الذي يرتبط الخيل العراب. قال: وإنما ضرب ذلك مثلًا لصهيل الخيل، وشدة
أصواتها، وذلك لسعة أجوافها، وهذا مما يُستحب من الخيل. ويكرهون المُخطف الجنبين اللاصق
البطن بالظهر. قال أحمد بن عبيد: إنما أراد غلظ أصواتها، وأن في أصواتها جشّة، وهذا مما يُسحب
في الخيل. وإذا كانت البئر بيونًا، اتخذت لها أشطان، تُنحّي الدلو من عوج البئر لئلا تتخرّق.
يقطَعْنَ كلّ مدىً بعيدٍ غَوْلُهُ خَببَ السباعِ يُقَدنَ بالأرسانِ
ويروى تقاد. وقوله كل سدى، يعني كل غاية بعيدة، وهو من قوله تعالى: ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾ يعني غاية
بعيدة، يريد مجرى يُنتهى إليه. وغوله يعني بعده.
[ ٣ / ٩٨٩ ]
وكأنّ راياتِ الهُذَيلِ إذا بَدَتْ فوقَ الخميسِ كَواسِرُ العِقبانِ
يعني الهذيل بن هبيرة. قال: والخميس الجيش الضخم الكثير الأهل. وقوله كواسر العقبان، يعني
المنحطة من العقبان، وهو أسرع لها. قال وإنما شبه الخيل في سرعتها بسرعة العقبان إذا كسرت،
يعني إذا انحطت للوقوع. قال: وإنما شبه الرايات بالعقبان أيضًا.
وَرَدوا إرابَ بِجَحفَلٍ مِنْ وائِلٍ لجبِ العَشيِّ ضُبارِكِ الأركانِ
قوله وردوا إراب، قال: إراب موضع، وهو يوم أغار جزء بن سعد الرياحي ببني يربوع على بكر
بن وائل، وهم خلوف، فأصاب سبيهم وأموالهم. وأغار الهذيل على بني يربوع وهم خلوف، فأصاب
سبيهم وأموالهم. فالتقيا على إراب فاصطلحا على أن خلّى جزء ما في يدية من سبي بكر بن وائل
وأموالهم، وخلّى الهذيل الهذيل ما في يديه من سبي بني يربوع وأموالهم. وخلّوا بين الهذيل وبين
الماء، فسقى خيله وإبله، وشرب هو وأصحابه وفي هذا اليوم وفي غيره يقول جرير:
ونحنُ تَدارَكنا ابنَ حِصنٍ ورَهطَهُ ونحنُ منَعنا السبيَ يومَ الأراقِمِ
وقوله بجحفل، يعني جيشًا كثير الخيل. وقوله لجب العشي، يريد الأصوات. وإنما قال بالعشي،
وذلك أن الخيل وأصحابها يريدون النزول للعلف وغير ذلك، فالأصوات في ذلك الوقت كثيرة. وقوله
ضبارك، يقول هذا الجيش العظيم ضخم مثل ضبارم، وهو الغليظ. والأركان النواحي. يقول فأركان
هذا الجيش شديدة ضخمة.
ويَبيتُ فيهِ مِنَ المَهافَةِ عائذًا ألفٌ عليهِ قَوانِسُ الأبدانِ
يقول: يعتاذ بهذا الجيش جيش فيه ألف ليمنعه عليهم السلاح. والقوانس أعالي البيض. والأبدان
الدروع غير السوابغ.
[ ٣ / ٩٩٠ ]
تَرَكوا لتَغلبَ إذْ رأوا أرماحهم بإرابَ كلّ لَئِيمَة مِدرانِ
قوله مدران، يعني كثيرة الوسخ. قال: والدرن هو الوسخ بعينه. يقول: خلّوا نساءهم وهربوا.
تُدمِي وتغلبُ بَمنَعونَ بَناتِهمْ أقدامَهُنّ حِجارَةُ الصّوانِ
قال: وذلك لأنهن يُسقن حفاة على أرجلهنّ إذا سُبين، أي تُدمي أقدامهن حجارة الصوان.
يَمشينَ في أثرِ الهُذيلِ وتارَةً يُردَفْنَ خَلفَ أواخِرِ الرُكبان
والحَوفَزانُ أميرهُمْ مُتضائِلُ في جمعِ تغلِبَ ضارِبٌ بِجِرانِ
قال الأصمعي، وأبو عبيدة: وكان من خبر الهذيل أنه غزا بلاد بن سعد بن زيد مناة في تغلب، وغزا
الحوفزان - واسمه الحارث بن شريك - في بكر بن وائل. قال: وكلاهما يريد بني سعد، فلما التقى
الجيشان، سار الحوفزان تحت لواء الهذيل، فلا ندري ما فعلا بعد. وذلك أنا لم نسمع لهما جميعًا
بغارة على أحد من الناس. ثم إن الفرزدق قال هذا الشعر وروي عنه.
أحبَبنَ تَغلِبَ إذْ هَبَطنَ بلادهُمْ لمّا سَمِنّ وكُنّ غيرَ سِمان
يَمشينَ بالفضَلات وَسطَ شرُوبهِمْ يَتْبَعْنَ كُلّ عَقيرَة ودُخانِ
قوله يمشين بالفضلات، يعني بالخمور يسقين الرجال ويخدمنهم. وقوله وسط شروبهم، هم القوم
يشربون الخمر. وقوله يتبعن كل عقيرة، يريد يتسمعن الغناء فيتبعن الصوت فيطلبنه.
يَتبايعونَ إذا انتَشَوا ببَناتِكُمْ عندَ الإياب بأوكَسِ الأثمانِ
واسألْ بِتَغلِبَ كيفَ كانَ قديمُها وقديمُ قَومِكَ أولَ الأزمانِ
[ ٣ / ٩٩١ ]
قومُ همُ قَتلوا ابنَ هندٍ عَنوَةً عَمرا وهُمْ قَسَطوا على النُعمانِ
قَتَلوا الصنائِعَ والمُلوكَ وأوقَدوا نارَينِ قد عَلَتا على النّيرانِ
قال: صنائع الملوك، يعني أنصار الملك الذين يغزون معه، يستعين بهم. قال: والوضائع سائر أهل
المملكة وجماعتهم ممن لا يُعرف. قال أحمد بن عبيد: الوضائع يضع الملك على كل قوم مائة،
وأكثر، وأقل، على قدر قلّتهم وكثرتهم، يغزون معه إذا أرادوا الغزو. والصنائع قوم يصطنعهم الملك
فيلزمون خدمته.
قال: فذكروا أن عمرو بن هند، وأمه هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر، آكل المُرار، وأبوه
المنذر بن ماء السماء وقال: وماء السماء هي أمه، بنت عوف بن جُشم بن هلال بن ربيعة بن زيد
مناة بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن مالك بن الحارث بن عمرو بن نمارة بن لخم. هذا
نسب أهل اليمن. وأما ما يقول علماؤنا، فيقولون: نصر بن الساطرون بن أسيطرون، ملك الحضر،
وهو جرمقانيّ من أهل الموصل، من رُستاق باجرمي. وكان ملك عمرو بن هند ست عشرة سنة.
فقال ذات يوم لجلسائه: هل تعلمون أن أحدًا من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي؟ فقالوا: لا، ما
خلا عمرو بن كلثوم، فإن أمه ليلى بنت مهلهل أخي كليب، وعمها كليب، وهو وائل بن ربيعة،
وزوجها كلثوم وابنها عمرو. قال: فسكت عمرو على ما في نفسه، ثم بعث عمرو إلى عمرو بن كلثوم
يستزيره، وأن يُزير ليلى هندًا. قال: فقدم عمرو في فرسان بني تغلب، ومعه أمه ليلى، فنزل شاطئ
الفرات، وبلغ عمرو بن هند قدومه، قال: فأمر بخيمة، فضربت فيما بين الحيرة والفرات. وأرسل
إلى وجوه أهل مملكته، فصنع لهم طعامًا، ثم دعا الناس إليه، فقُرّب إليهم الطعام على باب السرادق،
وهو وعمرو بن كلثوم وخواص من الناس في السرادق. ولأمه هند في جانب السرادق قُبة، وأم
عمرو بن كلثوم معها في القبة.
[ ٣ / ٩٩٢ ]
وقد قال عمرو بن هند لأمه: إذا فرغ الناس من الطعام فلم يبق إلا الطُّرف، فنحي خدمك عنك، فإذا
دعوت بالطرف، فاستخدمي ليلى، ومُريها فلتناولك الشيء بعد الشيء يريد طرف الفواكه وغير ذلك
بعد الطعام. قال: ففعلت هند ما أمرها ابنها، حتى إذا دعا بالطرف، قالت هند لليلى: ناوليني ذلك
الطبق. قالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فقالت: ناوليني، وألحت عليها، فقالت ليلى: وا ذُلاّه
يال تغلب. قال: فسمعها عمرو، فثار الدم في وجهه، والقوم يشربون. ونظر عمرو بن هند إلى عمرو
بن كلثوم.
فعرف الشر في وجهه، وقد سمع قول أمه، وا ذلاه يال تغلب! ونظر إلى سيف عمرو بن هند، وهو
معلّق بالسرادق، ولم يكن بالسرادق سيف غيره. قال: فثار إلى السيف مُصلتا، فضرب به رأس
عمرو بن هند فقتله. ثم خرج فنادى: يال تغلب، فانتهبوا ماله وخيله، وسبوا النساء، ولحقوا
بالجزيرة.
وقد كان مهلهل بن ربيعة، وكلثوم بن عتّاب، وعمرو بن كلثوم، اجتمعوا في بيت كلثوم على شراب.
قال: وعمرو يومئذ غلام، وليلى أم عمرو تسقيهم، فبدأت بأبيها مهلهل، ثم سقت زوجها كلثوم بن
عتاب، ثم ردّت الكأس على أبيها، وابنها عمرو عن يمينها، فغضب عمرو من صنيعها، وقال:
صَدَدْت الكأسَ عَنا أمّ عَمرو وكانَ الكأسُ مجراها اليَمينا
وما شرٌ الثلاثة أمّم عَمروٍ بِصاحِبِكِ الذي لا تَصحَبينا
ويروى بصاحبك الذي لا تعلمينا. قال: فلطمه أبوه، وقال: يا لُكَعُ! بلى والله شر الثلاثة. أتجترئ أن
تتكلم بهذا الكلام بين يدي. قال: فلما
[ ٣ / ٩٩٣ ]
قتل عمرو بن هند قالت أمه: بأبي أنت وأمي: أنت والله خير
الثلاثة اليوم. وفي ذلك اليوم يقول أفنون التغلبي واسمه صُريم بن معشر. قال: وكان يُشبّبُ بنساء
قومه. فقالت امرأة منهم: لأسمّين نفسي وابنتي اسمًا لا يُشبب به صريم. قال: فسمّت بنتًا لها
مضنونة. فقال صريم عند ذلك، ليريها أن ذلك لا ينفعها:
مَنّيِتنا الوُدّ يا مَضنونَ مَضنونا زَمانَنا إنّ للشُبّانِ أفنونا
قال فسمى أفنونا بهذا البيت:
لَعَمْرُكَ ما عَمرُو بنُ هِندٍ وقدْ دَعا لِتَخْدُمَ ليلى أمّهُ بِمُوفّقِ
فقامَ ابنُ كلثومٍ إلى السيفِ مُصلتًا وأمسَكَ مِنْ نَدمانِهِ بالمُخَنّقِ
قال الأصمعي: وأما قوله وأوقدوا نارين قد علتا على النيران. قال: وذلك أنهم كانوا في يوم خزارى،
أسروا خمسين رجلا من بني آكل المُرار، وكان يوم خزازى للمنذر بن ماء السماء. قال: ولبني تغلب
وقضاعة على آكل المُرار من كندة، وعلى بكر بن وائل. ففي ذلك يقول عمرو بن كلثوم:
ونحنُ غَداةَ أوقدَ في خَزازَى رَفَدْنا فوقَ رَفدِ الرّافِدينا
وكُنا الأيمَنينَ إذا التَقَينا وكانَ الأيسرَينَ بنو أبينا
فآبوا بالنّهابِ وبالسّبايا وأبنا بالملوكِ مُصَفّدينا
[ ٣ / ٩٩٤ ]
قال: وقتلوا شرحبيل بن الحارث بن عمرو بن حجر، يوم الكلاب. وقتلوا غلفاء، وهو معدي كرب
بن الحارث بن عمرو يوم أوارة. ففي ذلك يقول جابر بن حُنيّ أخو بني معاوية بن بكر:
نُعاطِي المُلوكَ الحقّ ما قَصَدوا بنا وليسَ علينا قَتلُهُمْ بِمُحَرّم
ويومَ الكُلابِ استنزلَتْ أسلاتُنا شَرُحبيلَ إذْ آلا أليّةَ مُقسِمِ
لَيَسْتَلبَنْ أفراسَنا فاستَزَلّهُ أبو حَنَشٍ عَنْ سرجِ شَقّاء صلدِم
تَناوَلهُ بالرُمح حتى ثَنى لهُ فَخَرّ صريعًا لليَدَينِ وللفَمِ
وعمرُو بنُ هندٍ قدْ صَقَعنا جَبينَهُ بِشَنعاء تشفي صَورَةَ المُتَظَلّمِ
لولا فَوارِسُ تغلبَ ابنةِ وائلٍ نزلَ العدُوُ عليكَ كلّ مكان
حَبسوا ابنَ قيصرَ وابتَنَوا بِرماحِهِم يومَ الكُلابِ كأكرَمِ البُنيانِ
ولقدْ عَلمتُ لَيَذرِفَنْ ذا بطنِهِ يَربوعُكُمْ لمُوَقصِ الأقرانِ
إنّ الأراقِمَ لن ينالَ قديمَها كلبٌ عَوَى مُتَهَتّمُ الأسنانِ
قومٌ إذا وُزِنوا بَقَوم فُضّلوا مِثلي مُوازِنِهمْ على المِيزانِ
فأجابه جرير، ويهجو محمد بن عمير بن عطارد والأخطل:
لمِن الدّيارُ بِبرُقَةِ الرّوحان إذ لا نَبيعُ زمانَنا بِزَمان
إنْ زُرتُ أهلَكِ لم يُبالُوا حاجتي وإذا هَجَرتُكِ شَفّني هِجراني
ويروى لم تبالي. شفّني يقول حزنني، يقال من ذلك شَفّ فلانًا كذا وكذا، أي حزنه وبلغ منه.
[ ٣ / ٩٩٥ ]
هل رامَ جَوُّ سُويقَتَين مكانَهُ أو حُلّ بعدَ مَحلّنا البردان
قوله هل رام جو سويقتين مكانه، يقول هل زال من مكانه. قال: والبُردان مكانان معروفان، يقال
هما منقعا ماء.
راجَعْتُ بعدَ سُلُوَهِنّ صَبابَةً وعَرَفْتُ رَسمَ مَنازِل أبكاني
قال: السلو أن يسلى الرجل الشيء أي ينساه فيذهب من قلبه، والصبابة أن يرق قلب الرجل، فيأخذه
البكاء من عشق أو فقد إلف. قال: ورسم المنازل آثار الديار. يقول: لما رأيت خراب المنازل
ودروسها أبكاني ذلك.
أصبَحْنَ بعدَ نعيم عَيشٍ مُؤنِقٍ قَفرًا وبعدَ نَواعِم أخدانِ
قال: العيش المؤنق المعجب الذي يعجب من رآه من بهجته. قال: والقفر من الأرضين، التي لا نبت
فيها ولا أحد. قال: والقفر لا أنيس به، ويكون فيه نبت وشجر ووحش وغير ذلك. والمرت لا نبت
فيه ولا شجر ولا شيء.
قد رابَني نَزَعٌ وشَيبٌ شائِعٌ بعدَ الشّبابِ وعَصرِه الفَينانِ
شَعَفَ القُلوبَ وما تُقَضّى حاجَةٌ مِثلُ المَها بِضرَيمَةِ الحَومان
ويروى بصرائم. الحومان مكان يغلظ وينقاد.
نزلَ المَشيبُ على الشّبابِ فراعَني وعَرفتُ مَنزِلَهُ على أخداني
حُورُ العُيون يَمِسنَ غيرٌ جوادِقٍ هَزّ الجَنوبِ نَواعِمَ العَيدان
قال: الحور العيون من النساء، ما مان بياض العين أكثر من السواد. ومنه سميت الحوراء، حوراء
لذلك. ومنه سمي الحواري من الدقيق، والحواريون أصحاب عيسى ﵇ لبياض ثيابهم. ويقال إنهم
[ ٣ / ٩٩٦ ]
كانوا قصّارين. وقوله يمسن أي يتبخترن. يقال ماس الرجل فهو يميس ميسًا، وذلك إذا مشى
فتبختر في مشيه. والجوادف من النساء القصار. والعيدان النخل الطوال الواحدة عيدانة.
وإذا وَعدنَكَ نائلا أخلَفنَه وإذا غَنيتَ فهُنّ عنكَ غَوانِ
أصحا فُؤادُكَ أي حينِ أوان أم ل يَرُعْكَ تَفَرقُ الجيرانِ
بَكَرتْ حمامَةُ أيكَة محزونَةٌ تدعو الهديلَ فهَيّجَتْ أحزاني
لا زلتِ في غَلَل يَسرُّكِ ناقِع وظلالِ أخضرِ ناعِمِ الأغصانِ
ولقدْ أبيتُ ضَجيعَ كلّ مخُضّب رَخصِ الأنامِلِ طَيّبِ الأردانِ
عَطِر الثيابِ مِنَ العَبيرِ مُذَيّل يمشي الهُوينا مَشيَةَ السكرانِ
صَدَعَ الظعائِنُ يومَ بِنّ فُؤادَهُ صَدعَ الزجاجَةِ ما لذِاكَ تَدان
قال الأصمعي: الظعائن الإبل التي عليها النساء، فإن لم يكن على الإبل نساء، فلا يقال لها ظعائن،
وذلك قول أبي عبيدة.
هل تُؤنِسان وديرُ أروى بَيننا بالأعزَلَين بَواكِرَ الأظعان
قال عمارة: دير أروى بالشأم. والأعزلان واديان بالمروت. وقوله تؤنسان، يريد تبصران. ويروى
دوننا.
رَفّعتُ مائِرَةَ الدُّفوفِ أمَلّها طُولُ الوَجيفِ على وجَى الأمران
الأمران واحدها مرن، وهو ما وقّح به الخف - قال أبو عبد الله رقّح بالراء - ولين به، ومرن، أي
لين. قال: وذلك إذا حفي الخف فيُلين بالشحم والبعر، وكل ما وقّح به الخف فهو مرن.
حَرفًا أضرّ بِها السّفارُ كأنها جَفنٌ طَويتَ بِهِ نِجادَ يَمان
ويروى أضر بها الوجيف. وقوله حرفًا فنصب، أي رفّعت مائرة الدفوف حرفًا، قال: ودف الناقة
جنبها، يقول: قد أضر بهذه الناقة
[ ٣ / ٩٩٧ ]
سفري وإعمالي إياها في الهواجر. وقوله نجاد يمان، حمائل السيف.
واحداتها حِمالة.
وإذا لقيتَ على زَرودَ مجاشعًا تَركوا زَرودَ خَبيثَةَ الأعطان
قَتلوا الزبير وقيلَ إنّ مجاشِعًا شَهِدوا بِجَمع ضَياطِر عُزلان
ويروى ضاع الزبير. ويروى قُتل. ويروى غزلان. وهم القُلف. وقال أحمد بن عبيد: واحد
الضياطر ضيطر وضيطرى. وقال سعدان: قوله ضياطر، واحدها ضيطر، وهو رجل منتفخ
الجنبين. ويقال أيضًا الضيطار العبد والتابع. قال سعدان: وأنشدنا الأصمعي وتشقى الرماح
بالضياطرة الحمر. وهم الأتابع الذين يخدمون الناس في العساكر. وقوله عُزلان، الواحد أعزل وهو
من الرجال الذي لا رُمح معه، ولا سلاح، ولو كانت معه عصى ما كان بأعزل.
مِنْ كُلّ مُنتفِخِ الوريدِ كأنهُ بَغلُ تَقاعَسَ فَوقَهُ خُرجان
يا مُستجيرَ مجاشِع يخشى الرّدى لا تأمنَنّ مجاشِعًا بِأمان
قال: وذلك أنهم غدروا بالزبير، وقد استجار بمجاشع، فخذلوه حتى قُتل بين أظهرهم ولم ينصروه،
فلزمهم عار ذلك أبدًا.
إنّ ابنَ شِعرَةَ والقَرينَ وضَوطَرى بِئسَ الفَوارِسُ ليلةَ الحَدَثان
يقال ضيطر وضوطر سواء، وهو الرجل المنتفخ الجنبين العريض. وقوله ابن شعرة، يعني محمد
بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة. قال: والقرين، يعني عبد الله بن حكيم بن زياد بن علقمة
بن حوي ابن سفيان بن مجاشع.
تَلّقَى صِفِنّ مجاشِع ذا لحيَة ولهُ إذا وضَع الإزارَ حِران
تثنية حر أي هو امرأة. ويروى ضفن أيضًا، والضفن الضخم من
[ ٣ / ٩٩٨ ]
الرجال، الثقيل الذي لا خير عنده ولا قوة.
أبُنَيِّ شعرةَ إنّ سَعدًا لم تَلدْ قَينًا بِلِيتَيهِ عَصيمُ دُخان
أبِنا عَدَلْتَ بني خَضافِ مجاشِعًا وعَدَلْتَ خالَكَ بالأشَدّ سِنان
يعني سنان بن خالد بن منقر. قال: وإنما جعله جرير خاله، لأن أم بدر، كاس بنت شهاب بن حوط
بن عوف بن كليب، وأم كاس جحلة بنت بدل بن خديج بن صخر بن منقر. والعلاء بن قرطة الضبي
خال الفرزدق. قال جرير: أبنا عدلت يا فرزدق خالك العلاء، بخالي الأشد سِنان.
شَهَدتْ عَشيّةَ رَحرَحانَ مجاشِعٌ بِمَجارِف جُحَفَ الخَزيرِ بِطان
ويروى بمحارف. قال وكان يوم رحرحان لبني عامر بن صععة على بني دارم، وكانوا أسروا فيه
معبد بن زرارة. قال وقد مر حديث رحرحان فيما أمليناه من الكتاب.
وَطئتْ سَنابِكُ خيلِ قَيس منكُمُ قتلى مُصرّعه على الأعطان
أنَسيتَ وَيلَ أبيكَ غَدر مجاشِع ومجَرّ جِعثِنَ ليلةَ السيدان
يعني غدر مجاشع بالزبير. قال: وجعثن بنت غالب أخت الفرزدق.
لمّا لقيتَ فَوارِسًا مِنْ عامر سَلّوا سُيوفَهُمُ مِنَ الأجفانِ
ملأتُمُ صُفَف السرُوج كأنّكُمْ خُورٌ صَواحِبُ قَرمَل وأفان
يقول سلحتم على السروج، كأنكم نوق خور، وهي الغزاة الكثيرة الألبان. وقوله صواحب قرمل،
يقول أكلن قرملا فسلحن. قال والقرمل والأفاني شجر، يقال في مثل: ذليل عاذ بقرملة. والقرملة نبات
ضعيف يضرب ذلك مثلا للرجل الذليل الضعيف، يستجير من هو أضعف منه. قال: والقرمل
والأفاني نبات ضعيف لا قوة له. وقال
[ ٣ / ٩٩٩ ]
أبو النجم في تصداق ذلك:
يخبِطْنَ مُلاّحًا كَذاوِى القَرْمَلِ
لله دَرُّ يَزيدَ يومَ دَعاكُمُ والخيلُ مجليَةٌ على حَلَبان
قال: وهذه وقعة لهم.
لاقَوا فَوارِس يَطعُنونَ ظُهورَهُمْ نَشطَ البُزاةِ عَواتِقَ الخِربانِ
النشط جذب خفيف. وقوله نشط البُزاة يريد نزع البزاة. قال: وللخربان ذُكرور الحباريات الواحد
خرب، قال: والعاتق المخلف الذي لم يخرج من ريش جناحه العشر، يطعنون ظهورهم. المعنى في
ذلك أنهم قد انهزموا، فولّوهم ظهورهم، فهم يطعنون ظهورهم.
لا يخفَينّ عليكَ أنّ محُمّدًا مِنْ نَسلِ كلّ صِفِنّةٍ مِبْطانِ
يعني محمد بن عمير بن عطارد. قال: والضفنة من النساء، الضخمة الكثيرة اللحم، المسترخية،
يعيره بذلك.
إنْ رُمْتَ عبدَ بَني أسيدَةَ عِزّنا فانقُلْ مَناكِبَ يَذْبُل وذِقان
وأبان أيضًا. نصب عبد، أراد يا عبد، يعني محمد بن عمير. قال: وإنما المعنى في ذلك يقول: إن
أحسابنا كالجبال الراسية، فإن أراد مفاخرتنا، فهل تستطيع أن تنقل جبلا من مكانه، فضربه مثلا
للجبال، يؤيّسه مما أراد من مفاخرته.
إنّا لَنعرفُ ما أبوكَ بِحاجِبِ فالحق بأصلِكَ مِنْ بيَ دُهمان
لمّا انهزَمتَ كَفى الثُغورَ مُشَيعٌ منا غَداةَ جَبُنتَ غير جَبان
[ ٣ / ١٠٠٠ ]
قال: وإنما عنى عتّاب بن ورقاء. قال وكان محمد بن عمير على أذربيجان، فأغار على أهل موقان
فهزموه، وأخذوا لواءه، فسار إليهم عتاب بن ورقاء الرياحي، فأخذ لواء محمد. ففي ذلك يقول جرير
لعتّاب:
ما كانَ مِنْ مَلك نَراهُ وسُوقَةٍ كُنا نَنافِرُهُ على عَتّابِ
أنتَ استلبتَ لنا لواء محُمّد وأقمتَ بالجَبلين سُوقَ ضرِابِ
قال: وإنما عنى بذلك قتل عتاب الزبير بن الماحوز بإصبهان، وحرب الأزارقة، وفتحه الري
وطبرستان، وطرده الفرخان، فلحق بجبل الشرز فمات فيه. وفي ذلك يقول أعشى همدان:
أفْلتَ الفَرّخانٌ في جبل الشرّز رَكضًا وقدْ أصيبَ بِكَلمِ
قال: وجبل الشرّز في الديلم في مكان منيع أشب.
شَبَثٌ فَخَرتُ بهِ عليكَ ومَعقِلٌ وبِمالِكٍ وبِفارِس العَلْهان
قال: يعني شبث بن ربعي الرياحي، ومعقل بن قيس الرياحي، صاحب شرطة علي بن أبي طالب
رضي الله وقد مر حديثه فيما أمليناه من الكتاب. والعلهان عبد الله بن الحارث بن عاصم بن عبيد بن
ثعلبة بن يربوع، وهو أبو مليل. قال أبو عبيدة: وإنما سمي العلهان في يوم بني غبر بملهم. قال:
فجعل يقتلّهم، فقيل اقتلوه، فإنه رجل علهان لا يعقل. قال: وذلك لأنهم قتلوا أخاه فطلبهم بترته.
هَلا طَعَنتَ الخيلَ يومَ لقيتَها طَعْنَ الفَوارِسِ مِنْ بَني عُقفان
قال الأصمعي: خرج نفر من الخوارج على الحجاج بن يوسف، وحوشب بن يزيد على شرطة
الكوفة. قال: فتحصن حوشب في القصر،
[ ٣ / ١٠٠١ ]
وأخذ الخوارج على أهل الكوفة بأفواه السكك، مما يلي
الحيرة. فقال إياس بن حصين بن زياد بن عقفان: كم عدة الخوارج؟ قالوا: كذا وكذا. فقال لبنيه: يا
بني لا يخرج إليهم إلا عدتهم. قال: فخرجوا إليهم، فجاء كل رجل من بني عقفان برأس من
الخوارج. قال: وبلغ الخبر، فبعث إلى إياس بن حصين فقال: افرضوا في ثلثمائة في السنة، فقال في
ذلك إياس بن حصين:
ما في ثَلاثٍ ما يجُهّزنَ غازيًا ولا في ثلاثٍ مَنْعَةٌ لِفَقيرِ
فقال الحجاج، حين بلغه شعره: افرضوا له في الشرف. ففرضوا في ألفي درهم، وهي درجة أهل
الشرف.
ألقُوا السلاحَ إليّ آلَ عُطارِد وتَعاظَموا ضرطًا على الدُكان
يا ذا العَباءة إن بِشرا قد قضى أنْ لا تجوزَ حُكومةُ النّشوانِ
يريد بشر بن مروان بن الحكم. وقوله يا ذا العباءة، يعني الأخطل. قال: والعباءة الكساء، يعيره
بلبس الكساء.
فدَعوا الحكومةَ لَستُمُ مِنْ أهلِها إنّ الحكومَةَ في بَني شَيبان
بَكرٌ أحقُ بأن يكونوا مَقنَعًا أو أنْ يَفوا بحقيقةِ الجيران
قَتلوا كُلَيبَكُمُ بلَقحَةِ جارِهم يا خُزرَ تغلِبَ لَستُمُ بِهجان
كَذَبَ الأخيطلُ إنّ قومي فيهمُ تاجُ المُلوكِ ورايَةُ النُعمان
منهُمْ عُتيبَةُ والمُحِلُ وقَعنَبٌ والحَنتَفان ومِنهُمُ الرّدفان
يريد عتيبة بن الحارث بن شهاب، والمحل بن قدامة بن أسود بن أبي ابن الحمرة بن جعفر بن ثعلبة
بن يربوع. وقعنب بن عتاب بن الحارث بن عمرو بن همام بن رياح بن يربوع. ويروى في بعض
قول الرواة وطارق والقعنبان، وهو طارق بن حصبة بن أزنم بن عبيد بن
[ ٣ / ١٠٠٢ ]
ثعلبة بن يربوع، أسر قابوس بن المنذر. قال: والحنتفان ابنا أوس بن إهاب بن حميري بن رياح بن يربوع.
قال أبو جعفر: الحنتفان يعني حنتف بن السجف، وأخاه، وهما ثعلبيان.
ومن روى القعنبان، عنى قعنب بن عتاب بن هرمي.
إنيّ لَيُعرَفُ في السرادقِ مَنزلِي عندَ المُلوكِ وعندَ كُلّ رِهان
ما زالَ عِيضُ بَني كُليب في حِمّى أشِبٍ ألفٍ مَنابِتِ العِيصان
قال: العيص الأصل. والألف الكثير النبت. وإنما ضربه مثلا يريد أن أصلنا لا يُرام منعة.
الضّارِبينَ إذا الكُماةُ تَنازَلوا ضربًا يَقُدُ عَواتِقَ الأبدان
الكماة الأبطال الأشداء الذين يُعرف مكانهم في الحرب. والأبدان الدروع، واحدها بدن.
وحمَى الفَوارِسُ مِنْ غُدانَةَ إنهُمْ نِعمَ الحُماةُ عَشِيّةَ الإرنان
قال: إنما عنى بذلك وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود، ومن شهدة من بني غُدانة، حين قتل
قتيبة بن مسلم، وغلب على منابر خُراسان، وقد مر حديثه فيما أمليناه من الكتاب. وقوله الإرنان،
يريد عشية تكثر فيها الأصوات، وهي الرنة.
إنّا لَنَستَلِبُ الجَبابِرَ تاجَهُمْ قابوسُ يَعلَمُ ذاكَ والجَونان
وقد مر حديث قابوس يوم طخفة.
ولقد شَفَوكَ مِنَ المُكَوّى جَنبُهُ واللهُ أنزلَهُ بدارِ هَوانِ
جارَيتَ مُطّلعُ الجِراء بِنابِهِ رَوقٌ شَبيبَتُهُ وعُمرُكَ فان
ما زِلتُ مُذ عَظُمَ الخِطارُ مُعاوِدًا ضَبرَ المِائِينَ وسَبقَ كُلّ رِهان
[ ٣ / ١٠٠٣ ]
قال: الضبر الوثب، يقال من ذلك ما أحسن ضبر الفرس، إذا كان حسن الوثب. وقوله ولقد شفوك
من المكوى جنبه، قال: وذلك أنه لما قتل الجحّاف أهل الرحوب بالبشر، فأرادوا أن يقبروا قتلاهم،
أتاهم الشمرذى، أحد بني الوحيد - قال: والوحيد عوف وكعب ابنا سعد بن زهير بن جشم بن بكر -
فقال لهم الشمرذي: إنكم إن قبرتم أصحابكم فكانوا كثيرًا، عُيرتم بها، ما دامت لكم حياة، فحرّقوهم.
فوقع شهاب على جنب الشمرذى فأحرقه ثم قتلته قيس بعد ذلك بالبليخ، قتله رجل من غني. وفي
إحراقهم يقول الجحاف:
لقدْ أوقدَتْ نارُ الشمَرذَى بأرؤسٍ عِظامِ اللّحَى مُعرَنزِماتِ اللهازمِ
تحُشُ بِأوصالٍ مِنَ القَومِ بينها وبين الرِجالِ المُوقِديها المَحارِمُ
فاقبِضْ يديكَ فإنني في مُشرِفٍ صَعْبِ الذُرَى مُتَمَنّعِ الأركانِ
يقول: نسبي عال، يعلو الجبل الذي لا يرام صعوبة. وإنما ضربه مثلًا لنسبه، وأنه لا يدانيه أحد ولا
يبلغه.
ولَقدْ سَبقتُ فما ورائي لاحِقٌ بَدءا وخُليّ في الجِراء عِناني
نَزعَ الأخَيطِلُ حينَ جَدّ جِراؤنا حَطِمَ الشوَى مُتكسرّ الأسنانِ
ويروى متهتم الأسنان. قوله نزع الأخيطل، يقول: كف لمّا علم أنه مسبوق بالشرف. والشوى ليس
بمقتل، وإنما المقتل أن يصيب خاصرته أو نحوها من جوفه.
قُلْ للمعَرّضِ والمُشَوّر نفسَهُ مَنْ شاءَ قاسَ عنانَهُ بِعناني
عَمدًا حَزَزتُ أنوفَ تغلِبَ مثلَ ما حَزّ المَواسِمُ آنُفَ الأقيانِ
ولقدْ وَسَمتُ مجاشعًا ولَتَغْلبُ عِندي محُاضرَةٌ وطولُ هوان
قيسٌ على وَضَحِ الطريقِ وتغلبٌ يَتَقاوَدونَ تَقاوُدَ العُميان
ليسَ ابنُ عابِدَةِ الصليبِ بِمُنتَه حتى يَذوقَ بِكَأسِ مَنْ عاداني
[ ٣ / ١٠٠٤ ]
إنّ القصائدَ يا أخَيطلُ فاعترَفْ قَصَدتْ إليكَ مجُرّةَ الأرسان
وعَلقتَ في قَرَن الثلاثَةِ رابعًا مثلَ البِكارِ لُزِزْنَ في الأقرانِ
ما نابَ مِنْ حَدثٍ فَليسَ بِمُسلِمي عَمري وحَنظَلَتي ولا السَعدانِ
قال الثلاثة الفرزدق، والبعيث، وعمر بن لجأ. والرابع الأخطل. ويقال في قرن الثلاثة، يعني
الفرزدق والبعيث ومحمد بن عمير، وقوله بمسلمي عمري، يريد عمرو بن تميم، وحنظلة بن مالك بن
زيد ابن تميم. والسعدان يعني سعد بن زيد مناة بن تميم، وسعد بن مالك بن زيد مناة. ويقال سعد بن
ضبة بن أد. هذا في رواية أبي عثمان سعدان.
وإذا بَنو أسَدٍ عليّ تحَدّبوا نَصَبَتْ بَنو أسَدٍ لمَنْ راداني
ويروى راماني. يريد أسد بن خزيمة بن مدركة، وهو عمرو بن إلياس بن مضر. وقوله تحدبوا،
يريد تعطفوا ومنعوني من كل من أرادني بسوء. وراماني بالحجارة خاصة.
والغرُّ مِنْ سَلَفَي كِنانَةَ إنهم صِيدُ الرُءوسِ أعِزّةُ السلطان
قوله سلفى كِنانة، يريد كنانة بن خزيمة بن عمرو بن إلياس، وهو مدركة بن إلياس. وقوله صيد
الرؤوس، يقول هم متكبرون يُميلون رءوسهم للكبر. وأصل الصيد داء يأخذ الإبل في رءوسها، فتميل
رءوسها من وجعه، فنقلته العرب إلى الناس، فقالوا: أصيد من ذلك أي متكبر يميل رأسه تعظّمًا
وتجبرًا. وهذا من الحروف المنقولة، تكون للشيء ثم تُنقل إلى غيره، وقد فعلته العرب فوسّعت بذلك كلامها.
[ ٣ / ١٠٠٥ ]
مالَتْ عليكَ جِمالُ غَورِ تِهامَةٍ وغَرِقتَ حيثُ تَناطَحَ البَحران
ولَقيتَ رايَةَ آلِ قَيسِ دونها مِثلُ الجِمالِ طُلينَ بالقَران
هَزُوا السُيوفَ فأشرعوها فيكُمُ وذَوابِلًا يَخطِرنَ كالأشطان
ويروى هزوا الرماح فأشرعت بظهورهم. هز الرياح عوالي المُران. قال الذوابل الرماح. وقوله
يخطرن، المعنى أن أصحابها يخطرون بها عند القتال والمطاعنة. يقول: هم يتبخترون غير مُكترثين
للحرب، فصير الخطران للرماح، وإنما الفعل لأصحاب الرماح، وقد تفعل العرب ذلك كثيرًا. وقوله
كالأشطان، وهي الحبال. شبه القنا بالحبال لطولها.
فترَكنَهُمْ جَزَرَ السّباع وفَلُّكُمْ يَتَساقَطونَ تَساقُطَ الحَمنان
ويروى فتركتم. والفل القوم المهزومون. يقال من ذلك هؤلاء فل فلان، يريد هؤلاء الذين هُزموا مع
فلان. وفل القوم إذا هُزموا.
تركَ الهُذَيلُ هُذيلُ قَيس مِنكُمُ قتلى يُقَبّحُ روحَها المَلَكان
فاخسأ إليكَ فلا سُليمُ منكم والعامِران ولا بَنو ذُبيان
ويروى فاقصر لا سُليمًا نلتُم والعامرين. يريد سُليم بن منصور. قال: والعامران عامر بن صعصعة،
وعامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
قومٌ لَقيتَ قَناتهُمْ بِسنانها ولَقُوا قَناتَكَ غير ذاتِ سِنانِ
يا عَبدَ خندَفَ لا تَزالُ مُعبّدًا فاقْعُدْ بِدارِ مَذَلّة وهَوان
والزَمْ بِحلفِكَ في قَضاعَةَ إنما قيسٌ عليكَ وخِندفٌ أخَوان
وإنما عنى بذلك حِلف اليمن وربيعة.
أحموا عليكَ فلا تجوزُ بَمنهَل ما بين مِصرَ إلى قُصورِ عُمان
[ ٣ / ١٠٠٦ ]
ويروى:
قومُ هُمُ مَلأوا عليكُ بِخَيلهم ما بينَ مِصر إلى جُنوبِ عُمان
يقول: صيّروا عليك الدنيا حِمى، فليس لك منها شيء لذلّتك وقلّتك.
والتّغلّبيُّ على الجَوادِ غَنيمَةٌ بِئسَ الحُماةُ عَشيّةَ الإرنان
والتغلّبيُّ مُغَلّبٌ قَعَدتْ بِهِ مَسعاتُهُ عَبدٌ بِكُلّ مكان
قوله والتغلبي مُغلب، يقول هو أبدًا مغلوب لقلّته.
سوقوا النِقادَ فلا يحَلُّ لتَغلِب سَهلُ الرّمالِ ومَنبِتُ الضّمران
لَعنَ الإله مَن الصَليبُ إلهُهُ واللابِسينَ بَرانِسَ الرُهبان
والذّابِحينَ إذا تقاربَ فِصّحُهمْ شُهبَ الجُلودِ خَسيسَةَ الأثمان
قوله إذا تقارب فصحهم يعني عيدهم. قوله شهب الجلود، يعني الخنازير ألوانها شهب.
من كُلّ ساجي الطرفْ أعصَلَ نابُهُ في كلّ قائِمَة لَهُ ظلفان
تَغشى الملائكة الكِرامُ وفَاتَنا والتغلَبيُّ جَنارَةُ الشيطان
يُعطَى كتابَ حِسابِهِ بشِمالِهِ وكتابُنا بأكُفّنا الأيمان
أتُصدّقونَ بِمارِ سرجسَ وابنَهَ وتُكذّبونَ محُمّدَ الفُرقان
ما في دِيارِ مُقامِ تغلبَ مَسجدٌ وترى مَكاسرَ حَنتَم ودِنان
غَرّ الصليبُ ومارِ سرجسُ تغلبًا حتى تقاذَفَ تغلبَ الرّجَوان
تلقَى الكِرامَ إذا خُطِبنَ غَواليًا والتغلَبيةُ مَهرُها فَلسان
تضعُ الصليبَ على مِشقّ عجانها والتغلبيةُ غير جِدّ حَصان
قَبحَ الإلهُ سِبالَ تَغلِبَ إنها ضرُبَتْ بكُلّ مخُفْخَف خَنّان
[ ٣ / ١٠٠٧ ]
قال: وقوله بكل مخفخف، يعني خنزيرًا مخفخفًا.
قال أبو عثمان: حدثنا أبو عبيدة، عن مقاتل الأحول المرثدي قال: عدي الذي لقبه المهلهل، وكليب
وسالم وفاطمة بنو ربيعة بن الحارث ابن زهير بن جشم. قال وإنما سُمى مهلهلا، لأنه هلهل الشعر،
يعني سلسل بناءه، كما يقال ثوب مهلهل إذا كان خفيفًا. قال: وفاطمة أختهم ولدت امرأ القيس بن
حجر الكندي، وكانت عند كليب بن ربيعة أخت لهمام بن مرة، وجساس أخيه بن مرة بن ذهل بن
شيبان، وأم جساس وهمام ابني مرة، هيلة بنت منقذ بن سلمان بن كعب بن عمر ابن سعد بن زيد
مناة بن تميم. وكانت أخت هيلة البسوس في بني شيبان، ومعها ابن لها وناقة يقال لها السحاب،
ومعها فصيل لها، وزوجها الجرمي. قال: فبينا أخت همام وجساس تغسل رأس زوجها كليب بن
ربيعة وتُسرحه ذات يوم، قال لها كليب: من أعز وائل؟ فضمزت - يعني سكتت - قال: فأعاد عليها
فضمزت. فلما أكثر عليها في سؤاله إياها، مرة بعد أخرى، قالت: أخواي. قال فنزع رأسه من يدها،
وأخذ القوس، فأتى ناقة خالتهم، فرمى فصيلها فأقصده - يعني قتله - قال: فأغمضوا على ما فيها،
وسكتوا. فلما رأى ذلك كليب، لقي زوج البسوس، رب الفصيل، فقال: ما فعل فصيل السحاب؟ فقال:
قتلته فأخليت لنا لبن أمه السحاب. فأغمضوا على ذلك. ثم إن كليبًا أعاد على امرأته، فقال: من أعز
وائل؟ قالت أخواي. فأخذ القوس فأتى السحاب، فرمى ضرعها فاختلط لبنها ودمها. قال: وأصابتهم
سماء، فغدا كليب في غبها. يتمطر، فركب عليه جساس، ومعه ابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل
بن شيبان - وبنو ذهل مرة والحارث، ومحلم وأبو ربيعة بن ذهل. قال: هم عشرة بنو مرة بن ذهل
بن شيبان - قال: فطعن عمرو كليبًا، فقصم صُلبه. قال: فلما تداءم الموت كليبًا - أي ركبه، يقال قد
تداءمت عليه الأرض إذا
[ ٣ / ١٠٠٨ ]
غيّبته وعلته - قال: يا جساس اسقني. فلم يسقه. وقد قال مهلهل تصداقًا أن عمرو بن الحارث هو الذي قتل كليبًا:
قتيلٌ ما قَتيلُ المَرء عَمروٍ وجَسّاسِ بنِ مُرّةً ذو ضرَيرِ
قال: وقد قال نابغة بني جعدة أيضًا، يقتص حديث كليب، وما لقي بظلمه، يحذر مثل ذلك عقال بن
خويلد العقيلي، حين أجار بني وائل بن معن بن مالك بن أعصر، وكانوا قتلوا رجلًا من بني جعدة،
فأجارهم عقال عليهم، فقال النابغة في ذلك:
كُلَيب لَعَمري كانَ أكثرَ ناصرًِا وأهونَ جُرمًا مِنكَ ضرِّجَ بالدّمِ
رَمى ضرعَ ناب فاستَمرّ بطَعنَة كَحاشِيَةِ البَردِ اليَماني المُسهّم
ولا يشعُرُ الرمحُ الاصَمُ كَعوبُهُ بَنَزوَةِ أهل الأبْلَخ المُتَظَلّم
تجُيرُ علينا وائِلا بِدِمائِنا كأنّك عَما نابَ أشياعَنا عَمِ
فقال عقال: لكن حامله يا أبا ليلى بدري، فغلبه - أي غلب الجعدي - بهذا الجواب.
وقال لجَسّاسٍ أغثني بِشربَةٍ تَفَضّل بها طَولا عَلّ وأنعِمِ
فقال تجاوَزتَ الأحَصّ وماءهُ وبَطنَ شُبَيثٍ وهوَ ذو مُترَسّمِ
وقال العباس بن مرداس يحذر كليب بن عهمة أخا بني سليم بن منصور، حيث جحد ولد مرداس
شرك مرداس في القرية، أن يلقى ما لقي كليب بن ربيعة فقال:
[ ٣ / ١٠٠٩ ]
أكُليبُ مالَكَ كلّ يوم ظالمًا والظُلمُ أنكدُ وَجهُهُ مَلعونُ
افعَلْ بقومكَ ما أرادَ بِوائِل يومَ الغَديرِ سَميُّكَ المَطلعونُ
وإخالُ أنكَ سوفَ تلقَى مِثلَها في صفحَتَيكَ سنانهُا المَسنونُ
قال أبو عبد الله: سناني المسنون.
قد كانَ قومُكَ يَزعُمونَكَ سيدًا وإخالُ أنكَ سيدُ مَعيونُ
قال أبو عثمان: وأخبرني أبو عبيدة أن حديثه طويل.
[ ٣ / ١٠١٠ ]
قال أبو عبيدة، والأصمعي: كانت بنو جعفر بن كلاب، عادوا شبّة بن عقال بن صعصعة بن ناجية
بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، فرشت بنو جعفر ذا الأهدام، نافع بن سوادة الضبابي حتى
هجاهم. قال: فكتب شبة بن عقال إلى الفرزدق، إن كان بك حبض أو نبض من شعر، فإن بني جعفر
قد مزقوا أباك. قال: فقال الفرزدق: والله ما أعرف مثالبهم ولا ما يُهجون به. قال فبينا هو كذلك، إذ
قدم عمر بن لجأ التيمي، فنزل في بني عدي، في موضع دار أعين الطبيب. فقال لابن متويه: -
وهو رواية الفرزدق وكان يكتب شعره - امض بنا إلى هذا التيمي. قال: فخرجنا حتى وقفنا على
الباب الذي هو فيه، فاستأذنا، وعند ابن لجأ فتيان من بني عدي، يكتبون فخره بالرباب، فقيل له
الفرزدق بالباب. فقال: لا تأذنوا لابن القين على ولا كرامة. قال: فوثبت إليه بنو عدي، فقالو: ننشدك
الله، فقد حملت جريرًا علينا، فلا تجمعنّ معه الفرزدق، فيمزقا أعراضنا وأعراض الرباب. قال وكان
عمر تائهًا. قال فلم يزالوا به حتى أذن له، وقالوا زده في البشر. فلما دخل الفرزدق، قام إليه عمر بن
لجأ، ثم تنحّى له عن فراشه، فأقعده عليه، وأقبل عليه بوجهه مستبشرًا. قال: وغدا فتيان عدي إلى
باب عثمان بن أبي العاص الثقفي، وهي سوق معروفة بالبصرة، فنقلوا مناقل نبيذهم، فلما أرادوا أن
يشربوا، قال: لغير هذا جئت يا أبا حفص. أنّ عمى شبّه بن عقال، كتب إليّ أن بني جعفر هجوه،
وهو مفحم - والمفحم الذي لا يقول الشعر، ولا يقدر عليه - وقد استغاث بي، ولست أعرف مثالبهم
ولا ما يُهجون به. قال: لكني قد طانبتهم في المحال، وسايرتهم في النجع، وحضرت معهم وبدوت.
فقال الفرزدق: هاتوا لي صحيفة أكتب فيها ما أريد من ذلك. قال: فأتوه بصحيفة، فكتب فيها المثالب
التي هجاهم بها في قوله في القصيدة التي يقول فيها:
[ ٣ / ١٠١١ ]
ونُبّئتُ ذا الأهدامِ يعوي ودونَهُ مِنَ الشأم زرّاعاتهُا وقُصورُها
إليّ ولم أترُك على الأرض حَيّةً ولا نابِحًا لا استَسرّ عَقورُها
عوَى بِشَقًا لابنَي بَحيرٍ ودونَنا نَضادٌ فأجبالُ الستارِ فنيرُها
ونُبّئتُ كَلبَ ابنَي حمُيضَةَ قد عَوى إليّ ونارُ الحَربِ تَغلي قُدورُها
قال: حاجب وحبيب ابنا حميضة بن بحير بن عامر بن مالك، وهما اللذان أمرا ذا الأهدام بهجاء
شبّة. وقال الفرزدق فيما كان بينه وبين قيس، حين قُتل قتيبة فهجاه جندل بن راعي الإبل، وذو
الأهدام الجعفري، فهجاهما الفرزدق، وهجا جريرًا معهما أيضًا فقال:
محَتش الدّيارَ فأذهَبَتْ عَرَصاتهِا محوَ الصحيفَةِ بالبلىَ والمُورِ
قال: العرصة وسط الدار، ومثله ساحتها وباحتها كله بمعنى واحد. قال: والمور التراب الذي تأتي به
الريح الشديد الهبوب. قال أبو عبد الله: أول القصيدة: وروائم ولدًا.
رِيحان يختلفان في طَرد الحَصا طَردًا لهُ بِعَشيّة وبُكورِ
ورَوائِم وَلدًا ولم يُنتِجْنَهُ قد بِتنَ تحتَ وئيّة لِقُدورِ
قوله روائم، يعني عواطف قد تحنين ولدًا، يعني الرماد. يقول تحنّت الأثافي عليه، وهن روائم. قال:
وذلك أنه شبهها بالنوق التي ترأمن أولادهن. وقوله لم يُنتجنه، يعني لم يلدنه، يقول: الأثافي لم تلد
ولدًا. قال: والوئية القدر العظيمة الحافظة لما فيها. قال: وذلك يقال للمرأة المصلحة الحافظة لبيتها،
إنها امرأة وئية إذا كانت مصلحة.
وكأنّ حيثُ أصابَ مِنهُنّ الصّلَى كَلفٌ بِهنّ وراشِحٌ مِنْ قيرِ
[ ٣ / ١٠١٢ ]
قال أبو عبد الله: ويروى وراسخًا بالخاء معجمة والسين غير معجمة. وراشح وراشحًا وكلف وكلفًا
بالرفع والنصب. الصلى مفتوح الأول مقصور، فإن كسرته مددته. وقوله كلفًا بهن سوادًا، وتغير لون
يضرب إلى السواد. يقال قير وقار لغتان، والقار أفصح اللغتين وهما جائزتان.
وكأنّ فَرخَ حمَامَةٍ رَئمَتْ بِهِ باقِي الرّمادِ بِهِنّ بعدَ عُصورِ
يقول: كأن فرخ حمامة رئمت به الحمامة. وقوله باقي الرماد بهن، يريد الأثافي. وقوله بعد عصور،
يريد بعد دهور أتت عليه، يريد على هذا الرماد الذي أوقده النازلون ثم تركوه.
مثلُ الحَمامِ وَقَعنَ حولَ حمَامَةٍ ما إنْ يُبينُ رَمادُها لِبَصيرِ
قال أبو عبد الله: مثل الفراخ وقعن. ويروى لأيًا يُبين.
يا لَيتَ شعري إنْ عظامي أصبحتْ في الأرضِ رَهنَ حَفيرَة وصُخورِ
هل تجعلَنّ بَنو تَميم مِنهُمُ رَجُلًا يقومُ لهم بِمثلِ ثُغوري
قال: والثغور جمع ثغر، وهو الفرج الذي يخاف منه العدو أن يأتيهم منه. والعورة التي لا يؤمن أن
يأتي منها الذي يخافون. يقول فمن يقوم لتميم بعدي يدفع عنها مقامي.
إنيّ ضَمنتُ لمن أتاني ما جَنى وأبيِ وكانَ وكُنتُ غيرَ غَدورِ
وبِآل سَعد يا ابنَ ألام مَنْ مشى سَعدِ السُعودِ غَلبتُ كُلّ فَخورِ
يعني سعد بن زيد بن تميم.
لو كنتَ تعلمُ ما بِرَملِ مُقَيّدٍ وقُرَى عُمانَ إلى ذواتِ حُجورِ
رمل مقيد اسم معروف. وحجور اسم بلد ببلادهم. ويقال حي من
[ ٣ / ١٠١٣ ]
اليمن، أعني حجورًا.
لَعلِمتَ أنّ قبائِلًا وقَبائِلًا مِنْ آلِ سَعدٍ لم تَدِنْ لأميرِ
قال: الدين الطاعة، وقوله لم تدن، يقول لم تُطع أميرًا لعزة نفوسهم ومنعتهم.
أدّتْ بِهم نُجبٌ حَواصِنُ حملُها لأب وأمكَ كانَ غير نَزورِ
ويروى وافت بهم. وقوله حواصن هن العفائف من النساء، الواحدة حاصن. ويقال امرأة حصان
مفتوحة الحاء. وقوله وأمك أقسم بأمه باليمين. وقوله لأب يريد كان الأب غير نزور، يريد تميمًا.
يقول: كان كثير الولد ولم يكن بنزور. والنزور القليل الولد. يقول: كان تميم كثير الولد ولم يكن
نزورًا. والنجب من النساء اللاتي تلدن كرامًا. يقال قد أنجب الفحل، وذلك إذا ولد كريمًا.
لوْ كانَ بالَ بِعامِرٍ ما أصبحوا بِشَمامَ تَفضُلُهُمْ عِظامُ جَزورِ
يقول لو كان تميم بال بعامر، يقول ولد عامرًا، ما أصبحت تفضلهم عظام جزور يأكلونها، لفضل
عظامها، ولم ينموا لقلتهم. ويروى تُشبعُهم عظام.
وإذا الربابُ تَرَبّبَتْ أحلافُها عَظُمت مخُاطرتي وعزّ نصيري
قوله ترببت أحلافها، يعني اجتمعت كالربابة. قال والربابة خرقة تُجمع فيها السهام، إذا اجتمعت
فضُمت فهي ربابة، ثم نُقل فصار لجماعة الناس فقال: لقد اجتمعت، يعني هم كالسهام المجتمعة،
والأصل في السهام.
إنّا وإخوتَنا إذا ما ضَمّنا بالأخشَبَينْ مَنازِلُ التَجميرِ
[ ٣ / ١٠١٤ ]
قال: الأخشبان جبلان بمكة عظيمان معروفان بالضخم.
عَرفَ القبائِلُ أننا أربابهُا وأحَقُها بِمَناسِك التَكبيرِ
ويروى أربابهم وأحقهم بمشاعر.
جعلَ الخِلافَةَ والنُبوة ربُّنا فينا وحُرمَة بيتِهِ المَعمورِ
قوله فينا، يعني في خندف. وجعل الإله فيها شرف النبوة والخلافة.
ما مثلُهُنّ يُعدُّهُ في قَومِهِ أحدٌ سوايَ بمُنجِد ومُغيرِ
هُنّ المَكارِمُ كُلُهنّ معَ الحَصا غير لقليلِ لنا ولا المَكثورِ
يقول: هذه المكارم كلها لنا مع الحصى، يريد مع كثرة العدد.
وأبي الذي رَدّ المَنيةَ قَبرهُ والسيفُ فوقَ أخادِع المَصبورِ
قوله المصبور، هو المقتول صبرا.
عُرضَتْ لهُ مائةٌ فأطلقَ حَبْلُهُ أعناقَها بِكَثيرة جُرجورِ
وإذا أخندِفُ بالمَنازِل مِنْ مِنىً طارَ القبائلُ ثم كلّ مَطيرِ
يقول: إذا دعوت يال خندف. بالمنازل يريد في المنازل، لأن حروف الصفات يدخل بعضها على
بعض، فجاء بالباء، وإنما أراد في، وهذا جائز كثير في القرآن والشعر. قال الله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ
فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. يقول: فإذا دعوت بخندف طار القبائل كل مطير، يقول أجابوني مختلفين بجمعهم.
فَرقًا وإنّ رِقابهُمْ مملوكَةٌ لمُسَلّطٍ مَلكِ اليدين كبيرِ
مِنّا النبيُّ محُمدٌ يجلىَ بِهِ عنّا العَمَى بمُصَدّق مَأمورِ
خيرِ الذينَ وراءهُ وأمامهُ بالمَكرُماتِ مُبشرِ ونذيرِ
[ ٣ / ١٠١٥ ]
إنّ النبوةَ والخلافةَ والهُدَى فينا وأولَ مَنْ دَعا بِطَهورِ
وإذا بَنو أسد رَمَتْ أيديهِمُ دوني ورَجّعَ قَرمُهُمْ بِهَديرِ
خَشَعَ الفِحالَةُ تحتَةُ ورأتْ لهُ فضلا على مُتفَضّلينَ كَثيرِ
نَجحَتْ كِلابُ الجنّ لمّا أجحَرَتْ فَرَقًا لدى مُتَبَهْنسٍ مَضبورِ
قوله متبهنس يريد متبختر، يقال تبختر الرجل في مشيته وتبهنس، وذلك إذا مشى يتبختر في مشيته.
قال: والبهنسة مشية الأسد. قال: ومشية الأسد تبهنس لا يحسن غيرها. وقوله مضبور، يقول هو
موثّق الخلق مجتمعه. قال الأصمعي: وهو من قولهم، اجعل الكتب إضبارة، يريد اجمع بعضها إلى
بعض.
لمّا رأينَ ضلابَةً في رأسِهِ أقعَينْ ثم صَأينَ بعدَ هَريرِ
صَأين مثل صعين. والمُقعي المنتصب على استه كما يُقعي الكلب. يقول فعلوا ذلك فرقًا وفزعًا.
والجَعفَريّةُ غير فارِحَةٍ لها أمُّ لها بِغُلامِها المَسرور
قال: المعنى لا تفرح أم جارية منهم تلد غلامًا. والمسرور يريد المقطوع سرره، يقال سر وسرر.
والسرر الذي يُقطع، والسرة الباقية. نسبهم إلى أن أبناءهم يأتون أمهاتهم.
ويِفرُّ حينَ يَشِبُّ عنها إنْ دَعتْ ويُريدُ حينَ يموصُ للتِطهيرِ
يقول ابن الجعفرية يفر من أمه حين يشب، إن دعته إلى أن يفجر بها، ويريد إلى احتلم. وقوله حين
يموص، يريد إلى اغتسل وألقى الأذى عنه. وقوله للتطهير، يعنى للغُسل من الجنابة.
سترى مَنِ المُتقَدّمونَ إذا التَقَتْ رُكبانُ مُنْخَرقِ الفِجاج قَعيرِ
[ ٣ / ١٠١٦ ]
قوله الفجاج، هى أفواه الطرق، الواحد فج. وقعير يعني بعيدًا، له قعر وبُعد وغور بعيد.
أمُلوكُ خِندفَ أم تُيوسُ حَبَلّق يَمذينَ بينَ أكارِع ونُحورِ
قال: الحبلق من الرجال القصير. يقال: التيس نشط، إذا مذى ملأ ما بين يديه ونحره.
يا قَيسُ إنكُمُ وجدتُمْ حَوضَكُمْ غالَ القِرَى بمُهَدّم مَفْجورِ
قوله غال القرى، يريد قليل القرى، لا يوجد عنده. قال أحمد بن عبيد: غال القرى، فعل أي ذهب
بما يُقرى فيه. ومن روى غالي فخطأ، لم يدر ما قال. ويشهد على أنه غال على وزن قال، البيت
الذي بعده.
ذَهبَتْ غَوائلُهُ بِما أفرَغْتُمُ بِرشاء ضَيّقَةِ الفُروغ قَصير
قوله ذهبت غوائله، هي شقوق في الأرض تغتال ماءه، فيُذهب به في شقوقها. وقوله برشاء ضيقة
الفروغ، هي الدلو، يريد دلوا ضيقة الفروغ. والفروغ ما بين كل عرقوتين، مشدود بها أطراف
العراقي.
إنّ الحِجازَ إذا هَبَطتُمْ دونَهُ كُنتمُ غَنيمتَهُ لكُلّ مُغيرِ
ولقد عَجِبتُ إلى هَوازِنَ أصبحَتْ مِنّي تَلوذُ بِبَظر أمّ جريرِ
يريد من هوازن، لأن حروف الصفات يدخل بعضها على بعض.
بِئسَ المُدافِعُ عنهُمُ عِلّوذُها وابنُ المَراغَةِ كانَ شرّ أجيرِ
ويروى لأذوا بها وابن المراغة. ويروى علودها بالدال غير معجمة. ويقال للبظر إذا غلظ وضخم
علود، وعرود، وعرد.
يا ابنَ الخَليّة إنّ حَربي مُرّة فيها مَذاقَةُ حَنظَلٍ وصُبورِ
لو أنّ أمكَ حيثُ أخرجَت أستها والحَيضُ بالكعبين كالتّمغير
[ ٣ / ١٠١٧ ]
الرواية بالعقبين. وقوله كالتمغير، شبه دم حيضها على عقبيها بالمغرة. يقول: لا تتنظف من
حيضها، فهو يجري على عقبيها.
أو عادَ أيرُكَ حيثُ كانت أخرَجَتْ لحيَيْكَ مِنْ غُرْمولهِا بِزَحيرِ
قال: الغرمول للرجال والدواب، وهو غلاف الذكر. قال بشر بن أبي خازم في تصداق ذلك:
وخنذيذٍ ترى الغُرمولَ مِنهُ كَطَيّ الزّقّ عَلّقَهُ التّجارُ
أو كانَ مثلَ هِجاء أمّكَ نَيكُها مثلَين عندَ فَواضِح التعييرِ
قد كانَ في هجر ونَخْلِ محُلّمٍ تمرٌ لمُلتَمِس الطعام فَقيرِ
يقول: قد كان في أكلكم تمر هجر، ومحلم، شغل عن هجائي. ومحلم نهر بالبحرين.
وإذا هُمُ جمعوا لهُ مِنْ بُرّهم غَلَثوا لهُ في ثَوبِهِ بشَعيرِ
مِنْ كُلّ أجدَعَ خارجٍ غُرضوفُهُ بين الحَواجِبِ والسّبالِ قَصيرِ
الغرضوف الحاجز بين السبال والحواجب. ثم عيرهم بالقصر أيضًا.
وأبوكَ حينَ دَعا بآخِر صوتهِ يدعُو إلى الغَمراتِ غيرَ وَقورِ
قوله بآخر صوته، يعني عند انقطاع صوته عند الموت.
وبَنو الهُجيم كأنما شَدَخوا بهِ هَدمَ المغَارَة مِن ضِباعِ حَفيرِ
قوله وبنو الهجيم، وذلك أن بني الهجيم كانوا ضربوا الراعي في رأسه. قال: فانتقضت به الضربة
فمات منها. وقوله هدم المغارة، قال: المغارة هي موضع الضبع التي تكون فيه. وحفير موضع تكثر
فيه الضباع.
[ ٣ / ١٠١٨ ]
فرَجعتَ حينَ رَجعتَ ألأمَ ثائِر خَزيانَ لا بِدَم ولا بأسيرِ
لو كنتَ مثلَ أخي القصافِ وسيفه يومَ الشّباكِ لَكُنتَ غير فَرورِ
ضربَ ابنَ عَبلَةَ ضربَة مَذكورَةً أبكى بها وشفى غَليلَ صُدورِ
وبَنى بِها حَسبًا وراحَ عَشِيّةً بثيابِ لا دَنِسٍ ولا مَوتورِ
قال أبو عثمان: أخبرنا أبو عبيدة أنه كان من حديث أخي القصاف - قال واسم أخي القصاف وكيع
بن مسعود بن أبي سود بن مالك بن حنظلة - أنّ إياس بن عبلة أخا بني جشم بن عدي بن الحارث
بن تيم الله بن ثعلبة، قتل في مقتل عثمان بن عفان - ﵁ - مسعود ابن القصاف بن عبد
قيس بن حرملة بن مالك بن أبي سود بن مالك ابن حنظلة. قال: وأبو سود جد بني طهية. قال: وهذا
قول اليربوعي. قال: أسرت بنو تيم الله وكيع بن القصاف، فحبسوه عندهم، فظن بنو حنظلة أنهما قد
قتلا كلاهما، فقال الأحوص، وهو زيد بن عمرو ابن قيس بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع،
يرثيهما ويتوعد بني تيم الله:
لتَبْكِ النساء المُرضِعاتُ بِسُحرَة وكَيعًا ومَسعودًا قتيلَ الحَناتمِ
كِلا أخوَينا كانَ فَرعًا دَعامَة ولا يُلبِثُ العَرشَ انقِضاضُ الدَعائِم
فلا تَرجُ تَيمُ الله أنْ يجعلوهما دِياتٍ ولا أن يهزما في الهزائمِ
يقول ليس لهما مترك، لابد أن يطلب بهما. هزم له حقه أي وهبه له. قال: فلما أتى هذا الشعر بني
تيم، عرفوا أن بني حنظلة سيطلبونهم بدم مسعود، فخلّعوا سبيل وكيع. قال فلبث بنو القصاف بذلك
ما شاء الله أن يلبثوا. ثم إن فتية منهم خرجوا من الكوفة في عير لهم، حتى إذا ذنوا من الشباك، لقوا
قومًا فسألوهم: من على الماء؟ فقالوا لهم: بنو حارثة بن لام وناس من بني تيم الله بن ثعلبة. قال: فعقل بنو القصاف
[ ٣ / ١٠١٩ ]
رواحلهم، وخلّفوا بعضّم فيها، ومضى بعض حتى انتهى إلى ابن عبلة، فقالوا له:
رحمك الله، إن ناقة لنا ضلّت قُبيل، وهي في إبلك فاردُدها علينا. قال: فقال لغلام له انطلق مع القوم،
فادفع إليهم ناقتهم. فانطلق غلام ابن عبلة معهم، فسأل راعيّه عن ناقة القوم، فقال: ما رأيتها. وهذه
الإبل فانظر. قال: فنظر الغلام فلم ير شيئا، فرجع إلى مولاه، ورجع بنو القصاف، فقال لهم ابن
عبلة: ما صنعتم؟ قالوا غيّب راعيك ناقتنا، فقم معنا إليه. فقام معهم ابن عبلة، حتى إذا نحوه عن
الماء، شد عليه رجل من بني القصاف، ثم نادى يا ثأرات مسعود! فقتله وخضب عمامته بدمه. قال:
فغضب بنو حارثة بن لام وقالوا: قتلوا جارنا، ولا تزال العرب تسبنا به إن فاتونا. قال: وطلبوا بني
القصاف، وهم نفير وعلى الماء جماعة من بني حارثة بن لام، قال: فترك بنو القصاف رواحلهم
ومضوا مخضوبة بالدم، حتى أتوا بها بني طهية، فسألوهم عن ركابهم فقالوا: تركناها في أيدي بني
حارثة. فقال الأسلع بن القصاف في ذلك:
فِدىً لامرئ لاقى ابنَ عبلةَ ناقتي وراكِبُها والناسُ باقٍ وذاهبُ
عدا ثُمّ أعداهُ على الهَولِ فتيةٌ كِرامٌ وأسيافٌ رِقاقٌ قَواضِبُ
ولم يحَفلوا ما أحدثَ الدهرُ بعدها وما كشفَ الناسَ الأمورُ الشواعِبُ
ولم نَروَ حتى بَلّ أسيافَنا دَمٌ يُداوَى بهِ قَرح القُلوبِ الجَوالِبُ
فما الناسُ أردوهُ ولكنْ أقادَهُ يدُ الله والمستنصرُ اللهَ غالِب
شفى سَقمًا إنْ كانتِ النفسُ تَشتفي قتيلٌ مصابٌ بالشّباكِ وطالِبُ
شفى الدّاء وابيضّتْ وجوهٌ كأنما جَلى النفسَ عنها وهيَ سُودٌ كوائِبُ
لعمري لقد ردّتْ عَشيّةُ مثقَب غليلًا فساغتْ في الحُلوقِ المشارِبُ
فأبَلغْ بني لامٍ إذا ما لقيتهم وما شاهدٌ يُدعى كمن هو غائبُ
فهل أنتمُ إلا أخونا فتحدَبوا علينا إذا نابتْ علينا النوائبُ
[ ٣ / ١٠٢٠ ]
ولو أننا كنّا على مثلها لكم لابتْ إلى أربابهنّ الرّكائِبُ
لما بَرِحَتْ حتى أنيخَتْ إليكمُ جميعًا وحتى حُلّ عنها الحقائبُ
فإن رِحالَ القومِ وسطَ بُيوتِكُمْ وللجار معروفٌ منَ الحقّ واجِبُ
فلما أتى بني حارثة هذا الشعر سرهم، وقالوا: مالنا على ركابكم من سبيل، قوم أدركوا بثأرهم، ولهم
جوار، والذي بيننا وبينهم حسن. فردوا على بني القصافر كابهم، وطاح ابن عبلة - يعني ذهب دمه
باطلا - ولم يُدرك بثأر.
رجع إلى شعر الفرزدق
ما بِتّ ليلَكَ يا ابنَ واهِصَة الخُصَى رَهنًا لمُحمِضَةِ الوطابِ خُبورِ
لمحمضة، كذا رواه سعدان، وهو غلط، وإنما هو لمخمطة الوطاب. يقال قد أخمط الوطب إذا أخذ
طعم الحموضة. وأنشد لابن أحمر:
وما كنتُ أخشى أن تكونَ مَنيتي ضرَيبَ جِلاذِ الشّولِ خمطًا وصافيا
يقال أحمض الوطب. وقوله محمضة الوطاب، قال: الوطاب جمع وطب، وهو الذي يكون فيه اللبن.
يقول قد أخذت الوطاب الطعم من الحموضة. وقوله خبور، هي الكرام من الإبل التي خبرها محمود،
وهي الغزار، يريد الكثيرة اللبن، واحدها خبر.
يا بَني حمُيضَةَ إنما أنزاكُما في الغَي نَزوةَ شِقوَةٍ وفُجور
ويروى للحين نزوة. ابنا حميضة، يعني حاجبًا ونافعًا.
العاوِيانِ إليّ حينَ تَضرّمَتْ ناري وقد ملأ البلادَ زَئيري
[ ٣ / ١٠٢١ ]
قوله العاويان جعلهما الفاعلين، أي هما أنزياهما، والعاويان ليسا بابني حميضة، فيجب لعاويين
النصب. وابنا حميضة من بني عامر ابن مالك مُلاعب الأسنة. والعاويان جندل بن عبيد بن حصين
الراعي، وذو الأهدام، وهو نافع بن سوادة بن مالك بن عامر بن مالك بن جعفر. وابن حميضة حبيب
وحاجب ابنا حميضة بن بحير بن عامر ابن مالك بن جعفر.
حينَ اعتزمتُ ولم يكن في موطني سَقَطٌ ولُفّعَ مَفرقي بقَتيرِ
قوله لُفّع يقول لُحف، يقال من ذلك تلفّع الرجل، وذلك إذا لحف رأسه بردائه. قال: والقتير الشيب.
قال: واللفاع الملحفة، وقوله لُفّع مأخوذ منه.
وجَريتُ حينَ جَ رَيتُ جريَ محافظ مَرحِ العِنان منَ المائينَ ضَبورِ
قوله من المائين، يعني مائة غلوة يريد البعد. قال والضبور يريد الوثوب، يقال من ذلك ما أحسن
ضبر الفرس، وذلك إذا كان جيّد الوثوب.
ولقدْ حَلفتُ على يمينٍ بَرّة بالراقصاتِ إلى منيً وثَبيرِ
قال: الراقصات الإبل التي يسار عليها إلى البيت الحرام. وثبير جبل.
فلتُقرَعَنّ عَصاكُما فاستَسمعا لمُجرّبِ الوَقَعاتِ غيرِ عَثورِ
قَبحَ الإلهُ عَصاكُما إذ أنتما رِدفان فوقَ أصَكّ كاليَعفورِ
قوله أصك هو الفرس الذي إذا مشى اصطكّت ركبتاه، وهو عيب في الخيل وذلك من ضعف
ركبتيه. قال: واليعفور الظبي تعلوه حمرة. قال الأصمعي: وذلك للزومه الرمل الأحمر فيحمر لونه
لذلك، وفي عنقه قصر.
[ ٣ / ١٠٢٢ ]
لولا ارتدافُكُما الخَصيّ عَشية يا بْنَي حمُيضَة جِئتُما في العيرِ
قوله جئتما في العير، يقول قُتلتما فجئتما على بعير، ولكن نجّاكما ارتدافُكما فرسًا خصيا. والمعنى
فيه أنه عيّر بني جعفر بما لقوا من الضباب. يقول: يوم عرجة قُتل منهم سبعة وعشرون رجلا،
قتلتهم الضباب، فجاءت نساء بني جعفر فحملن قتلاهم على البعير. يقول: ونجّى ابني حميضة أنهما
ارتدفا الخصي، ولولا ذلك لقتلا.
لَتَعرّفتْ عِرساكما جَسديكُما عِدلَينِ فوقَ رِحالَةٍ وبَعيرِ
راخاكُما ولقد دَنتْ نفساكُما منهمْ نِقالُ مُقرّب محضيرِ
يقول يحسن نقل قوائمه. وقوله راخاكما، يعني باعدكما منهم يريد من الضباب. وقوله نقال مقرب
محضير، يعني فرسًا له تقريب في عدوه. قال: وإذا قرّب الفرس في عدوه كان أبقى لعدوه، ولا يفعل
ذلك من الخيل إلا الجواد النجيب منها. ومحضير شديد العدو وشديد الإحضار.
نَجّاكُما حلبٌ لهُ وقَفِيّةٌ دونَ العِيال لهُ بكُلّ سَحورِ
قوله نجاكما حلب له، يعني لبنًا حليبًا للفرس يُسقاه لكرمه، يؤثر به ويخص دون العيال بالأسحار،
قال والقفية شيء يؤثر به الشيخ والصبي من الطعام والشراب، وجعله، هاهنا، للفرس يحيّي به
الفرس، كما يحيي به الشيخ والصبي.
وبَنو الخَطيمِ مجُرّدو أسيافهِم ضربًا بِلاحِقَةِ البُطون ذُكورِ
قَتلوا شُيوخَكُمُ الجَحاجِحَ بعدما نَكحوا بَناتِكُمُ بغَيرِ مُهور
[ ٣ / ١٠٢٣ ]
قال: وذلك أن الضباب قتلوا من بني جعفر رجالًا وسبوا النساء. قال: وهي وقعة مشهورة بطخفة
والريان في العرب. قال أبو عبيدة: وفي يوم طخفة يقول الحارث بن رومي بن شريك - كان يسمى
الحارث بن بدر بن جُعثمة بن الهون بن عسير بن ذكوان بن السيد بن مالك بن سعد بن ضبة - وهو
يُحضض بني كلاب على الضباب، وذلك بما صنعوا ببني جعفر، ويعيرهم بذلك:
بَلّغْ كِلابًا عَمرَها ووحيدَها وحَيّ أبي بَكر وحِلفَ أبي بكر
عمرو والوحيد وأبو بكر من بني كلاب. ويقال عمرو هو ابن الوحيد.
وحَيّ النُفاثاتِ الذينَ غَناؤهُمْ قليلٌ وعاشوا في المَذلّةِ والفَقر
بما لمْتُهم في جعفر إذ أصابهُم حوادثُ أيامٍ كَراغِيَةِ البَكرِ
فلم يمنعوهُم من رجالٍ تُريدُهم بأسيافِهم وبالرُدَينيّةِ السُمرِ
أقرّوا على ما ساء عينًا فأصبحوا أحاديثَ ما بين العراقِ إلى مصرِ
بَني عامرٍ لا تأخذوا من سرَاتِكُم دِياتٍ ولا تُغضُنّ عَينًا على وترِ
ولا تتركوا أثآركم ونساؤكم أيامى تُنادي كلما طلعَ الفجرُ
قوله نساؤكم أيامى، يعني بلا أزواج. قال: ومثل من أمثال العرب إذا دعوا على رجل قالوا: "ما له
أمَ وعامَ". يريدون بقي بلا امرأة. وقولهم عام يريدون بقي بلا لبن، أي لا تبقى له ماشية ولا ناقة.
تركتُم لأفراسِ الضبابِ نساءكُم وما قَتلوا منكم بطخْفَةَ كالجُزرِ
وهُنّ بهم يَعدونَ ما بينَ محدث إلى عسعسَ يتركْنَكُم سَوءةَ الدهرِ
فلله عينا مَن رأي مثلَ رُفقَة أتيتُمْ بِها ليست بِعيرٍ ولا تجرِ
بِطِخفَةَ مِن قَتلاكُمُ أخواتهُا حَواسرُ بيضٌ مِن عَوانٍ ومِن بِكرِ
[ ٣ / ١٠٢٤ ]
قال: لأنهم قُتلوا جميعًا في يوم واحد كالقوم المجتمعين. وقوله أخواتها، يعني أخوات الرفقة القتلى.
حَواسرُ مما قد رأت فعُيونهُا تَفيضُ بماء لا قليلٍ ولا نَزرِ
وأفلَتَ مِنهُنّ الحُمَيرِّ بعدما قَتلنَ إباسًا ثم عُدنَ إلى عَمرِو
ويروى على عمرو. قال الأصمعي: كل هؤلاء جعفريون.
ولم يَنجُ منهنّ الهُريمُ وقد رأى بَنو خَلَفٍ منهن قاصمَةَ الظهرِ
في رواية عثمان بن سعدان الهذيم بالذال.
رجع إلى شعر الفرزدق:
وإذا اختَللنَ فأحمِضوا أحراحَها كَمَرًا بناتِ حميضةَ بنِ بَحيرِ
يريد من الخلة، وذلك لأن الراعية إذا أكلت الخلة، مالت إلى أكل الحمض، وهو ما ملُح من النبت،
فترعى فيه حتى تشتهي الخُلة، فترجع إليها.
قال: وبحير بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب.
الوالِداتُ وما لهُنّ بُعولَةٌ والقاتلاتُ لهن كل صغيرِ
والمُدلجِاتُ إذا النجومُ تغوّرتْ والتابعاتُ دُعاءَ كل صفيرِ
يريد يصفر بهن للريبة.
وإذا المُنى جمحتْ بهن إلى الهوى منهن حينَ نَشرنَ كل ضميرِ
مالتْ بهن ضَوارِبٌ أفواهُها يخلِجنَ بين فياشِلٍ وأيورِ
والجعفريّةُ حينَ يحتلمُ ابنُها لأبيهِ في الخلواتِ شرُ عشيرِ
حتى تُفارقَ زوجها من جعفرٍ فيهم كريمةُ عودِها المَعصورِ
إنّ المخازيَ لم تدعْ من جعفرٍ حيًّا وقد وردتْ على المقبورِ
[ ٣ / ١٠٢٥ ]
هل تعرفونَ إذا ذكرتم قُرزُلًا أيامَ ندّ بفارسٍ مذعورِ
إذ لا يودُ بهِ طُفيلٌ أنه بالجوّ فوقَ مدرّبٍ ممطورِ
يقول: لا يتمنى طفيل أنه على صقر قد دُرب للصيد عن فرسه، أي إن فرسه أسرع منه.
إذ هامةُ ابن خويلد مقصومَةٌ وجَعارِ قد ذهبت بأيرِ بَحيرِ
جاءت بهِ أصُلًا إلى أولادِها تمشي بهِ معها لهم بعشيرِ
قوله تعشير، يريد صوت الضباع، كما يعشّر الحمار، وذلك إذا صاح عشرًا. وقوله بعشير بقسم منه.
وقوله فارس قُرزل يعني طفيل بن مالك بن جعفر. قال: وذلك أنه فر من بني يربوع في يوم ذي
نجب على فرسه قرزل. قال: وله يقول أوس بن حجر:
والله لولا قُرزُل إذ نجا لكانَ مثوى خدّكَ الأخرَ ما
نَجّاكَ جيّاشٌ هَزيمٌ كما أحميتَ وسطَ الوَبرِ المِيسما
قال أبو عبيدة: الأخرم منقطع الكتف في العاتق، يريد لضربت به عنقك، فوقعت على الأخرم. قال:
وقال الأصمعي: بل هو الأخرم من الأرضين، وهو الأرض الغليظة. وقوله جيّاش، هو الشديد
الجري السريع، كأنه مشتق من القدر إذا جاشت بالغلي. يقول: فهذا الفرس يجيش بجريه، كما تجيش
القدر بغليانها. والهزيم كذلك أيضًا. يقول: يجيش ويهزم، يعني يصوّت صوتًا كغلي المرجل. وقوله
كما أحميت وسط الوبر الميسما، يعني به السرعة. يقول: هذا الفرس يلتهب في عدوه كما يلتهب
الميسم، وهي الحديدة تُحمى بالنار حتى تصير كالجمرة، ثم توضع على جلد البعير علامة، والميسم
بالسين
[ ٣ / ١٠٢٦ ]
والشين. قال: والأصمعي يقول: معناه أنه سريع الجري، فسرعة هذا الفرس، كسرعة ممر
هذا الميسم في جلد البعير ووبره. وهو قول أبي عبيدة أيضًا. وقال أوس لطفيل بن مالك في يوم
السوبان:
لَعَمرُكَ ما آسى طُفيلُ بنُ مالكٍ بَني عامر إذ ثابتِ الخيلُ تدّعي
وودّعَ إخوانَ الصفاء بِقُرزُلٍ يمرُ كمريخِ الوليد المُقَزّعِ
قوله كمريخ الوليد، قال: هو قضيب يجعل الصبي في أعلاه تمرة وطينة تُثقله، ثم يرمي به بغير
ريش، وهو شبيه بالمعراض، لأنه ليس فيه ريش، وكذلك المعراض. وقوله ابن خويلد هو يزيد بن
الصعق - قال: والصعق هو خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب - أسره أنيف بن الحارث بن
حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، بعد ضربة أصابته على رأسه في الحرب، ثم أسر بعد
ذلك. وله يقول أوس بن غلفاء الهجيمي في يوم ذي نجب:
فأجرِ يزيدُ مذمومًا وأنزِعْ على عَلبٍ بأنفكَ كالخِطامِ
وإنّكَ من هجاء بني تميم كمُزدادِ الغرامِ إلى الغرامِ
همُ مَنّوا عليكَ فلم تُثبهُمْ فتيلًا غير شَتم أو خصامِ
وهم ضربوكَ ذاتَ الرأسِ حتى بدت أمُ الفِراخ منَ العِظامِ
قال: وبحير الذي ذكر، هو بحير بن عبد الله بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن
صعصعة. قال أحمد بن عبيد: حميضة ابن بحير بن عامر بن مالك لا شك فيه، وليس بالقشيري.
أمْ يومَ بادَ بنو هِلالٍ إذْ همُ بالخيلِ مُكتنفونَ حولَ وُعورِ
قال أبو عبيدة: وذلك لأن بني نهشل قتلوا من بني عامر ثمانين كهلا، وذلك يوم الحبل من الدهناء.
[ ٣ / ١٠٢٧ ]
باتوا بِمُرتَكُم الكَثيبِ كأنهمُ بالقومِ يقتسمونَ لحمَ جَزورِ
والعامريَّ على القِرى حينَ القِرى والطعنِ بالأسلاتَ غيرُ صبورِ
أبُنَيّ بَروَعَ يا ابنَ ألأم من مشَى ما أنتَ حينَ نَبحتني بِعَقورِ
قوله أبني بروع، قال أبو عبد الله: يريد بقوله بروع الناقة التي ذكرها الراعي في قوله: يشلي
العفاس وبروعا.
وإذا اليمامةُ أتمرتْ حِيطانهُا وقعدتَ يا بنَ خَضافِ فوقَ سريرِ
قوله يا بن خضاف، يعني مهاجر بن عبد الله الكلابي، وكان على اليمامة، وذلك في خلافة هشام
والوليد، وكان واليها.
لَوّيتَ بي شِدقَيكَ تحسبُ أنني أعيا بلَومِكَ يابنَ عبدِ كَثيرِ
ويروى حنكيك. قال: يعني كثير بن الصلت الكندي. ويقال إنه كان سبب المهاجر بن عبد الله إلى
بني أمية حين خلطه بهم.
فأجابه جرير فقال:
سَقيًا لنَهى حمامةٍ وحَفيرِ بسجالِ مُرتجَزِ الربابَ مَطيرِ
سَقيًا لتلكَ مَنازِلًا هَيجَنني وكأنّ باقيهُنّ وحيَ زَبورِ
كم قد رأيتُ وليسَ شيءٌ باقيًا من زائرٍ طَرفِ الهوى ومَزورِ
وجدَ الفرزدقُ في مساعي دارِمٍ قِصرًا إذا افتخروا وطُولَ أيورِ
لا تفخَرَنّ وفي أديمِ مجاشِعٍ حَلَمٌ فليسَ سيورُهُ بسُيورِ
أبُنيّ شِعرَةَ لم نجد لمُجاشِع حلمًا يُوازِنُ ريشةَ العُصفورَ
إنا لَنعلَمُ ما غدا لمُجاشِع وفدٌ وما ملكوا وثاقَ أسيرِ
ماذا رجوتَ منَ العُلالَةِ بعدما نُقضَتْ حِبالُكَ واستمرّ مريري
[ ٣ / ١٠٢٨ ]
إن الفرزدقَ حين يدخلُ مسجدا رِجسٌ فليسَ طَهورُهُ بطهور
إنّ الفرزدقَ لا يبالي محرما ودمَ الهَدِيّ بأذرُعٍ ونُحورِ
أمسى الفرزدقُ في جَلاجِلِ كُرّجِ بعدَ الأخيطلِ زوجةً لجريرِ
رَهطُ الفرزدقِ منْ نصارى تغلبٍ أو يدّعي كذبًا دَعاوَةَ زورِ
حُجُّوا الصليبَ وقَرِبّوا قُربانكم وخذوا نصيبكم منَ الخنزيرِ
إني سأخبرُ عن بلاء مجاشع مَنْ كانَ بالنّخَباتِ غيرَ خبيرِ
أخزى بني وقبانَ عُقرُ فتاتهم واغترّ جارُهمُ بحبلِ غُرورِ
لو كانَ يعلمُ ما استجارَ مجاشعًا أستاهَ مماحَةٍ هوارِمَ خُورِ
قالَ الزبيرُ وأسلمتهُ مجاشعٌ لا خيرَ في دَنسِ الثيابِ غَدورِ
يا شَبّ قد ذكرت قُريشٌ غدركم بينَ لمُحَصّب مِنْ مِنىً وثَبيرِ
وغدا الفرزدقُ حينَ فارقَ منقَرًا في غيرِ عافيةٍ وغيرِ سُرورِ
غمزَ ابنُ مُرّةَ يا فرزدقُ كَينَها غمزَ الطبيبِ نَغانِغَ المَعذورِ
النغانغ واحدتها نُغنغة، وهو لحم أصول الآذان من داخل الحلق، فيصيبها وجع فتغمز. والعُذرة قرحة
تكون في الحلق.
خَزيَ الفرزدقُ بعدَ وقعةِ سَبعة كالحُصنِ مِنْ وَلدِ الأشدّ ذُكورِ
تُرضي الغُرابَ وقد عقرتُم نابَهُ بنتُ الحُتاتِ بمحبَسٍ وسريرِ
ويروى بنت القرين قال: والقرين عبد الله بن حكيم المجاشعي. قال والغراب، يعني رجلا، وقد مر
حديثه فيما مر من الكتاب.
قالت فَدَتكَ مجاشعٌ فاستَنشَقت من مَنخريه عُصارَةَ القَفّورِ
قوله القفور يريد الكافور.
أمّتْ هُنيدةُ خِزيةً لمجاشِع إذ أولمت لهمُ بِشرّ جَزورِ
ودَعتْ غَمامةُ بالوَقيطِ مجاشعًا فوجدتَ يا وقبانُ غيرَ غَيورِ
كذبَ الفرزدقُ لن يجاريَ عامرًا يومَ الرهان بِمُقرف مَبهورِ
[ ٣ / ١٠٢٩ ]
فانهَ الفرزدقَ أن يعيبَ فوارِسًا حملوا أباهُ على أزَبّ نَفورِ
ولقد جهلتَ بِشتمِ قيسٍ بعدما ذهبوا بريشِ جناحكَ المكسورِ
قيسٌ وجَدُ أبيكَ في أكيارِه قُوّادُ كُلّ كَتيبةٍ جمهورِ
وجد على الخبر لا على القسم:
لن تُدرِكوا غطفانَ لو أجريتُمُ يا بنَ القُيونِ ولا بني منصورِ
يريد غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان. قال: ومنصور بن عكرمة ابن خصفة بن قيس بن عيلان
بن مضر.
فَخَروا عليكَ بكلّ سامِ مُعلِم فافخرْ بصاحِبِ كلبتين وكيرِ
قوله بكل سام، يريد بكل رجل يسمو إلى المعالي ويعلو في طلب الأمور. وقال المعلم، الذي إذا قاتل
أعلم نفسه بعلامة ليُعرف مكانه وبلاؤه.
كم أنجبوا بخليفةٍ وخليفةٍ وأميرِ صائِفَتَين وابنِ أميرِ
ويروى وأمير طائفتين. يعني أم الوليد وسليمان ابني عبد الملك. قال أبو عبد الله: يقال لها ولاّدة،
وهي أم الوليد بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة. وأم الوليد بن يزيد بن عبد
الملك، أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل. يقول: أفخر أنا بهؤلاء، وتفخر أنت
بالكلبتين والكير.
ولدَ الحَواصنُ في قريشٍ منهمُ يا رُبّ مكرُمَةٍ ولدنَ وخيرِ
فضلوا بيومِ مكارِمٍ معلومَةٍ يومِ أغرّ محجّلٍ مشهورِ
قيسٌ تبيتُ على الثغورِ جيادُهم وتبيتُ عندَ صَواحِبِ الماخورِ
هل تذكرونَ بلاءكُمْ يومَ الصفا أو تذكُرونَ فَوارسَ المأمورِ
[ ٣ / ١٠٣٠ ]
يوم الصفا يريد يوم شعب جبلة. قال: ويوم المأمور، هو يوم لبني الحارث بن كعب على بني دارم،
أصابوا فيه أمامة وزينب. وفي هذا اليوم يقول جرير:
أزيدَ بنَ عبدِ اللهِ هلاّ منعتُمُ أماَمَةَ يومَ الحارِثيّ وزينبا
ووَدّتْ نساء الدارِميّينَ لو نزى عُتيبةُ أو عاينّ في الخيلِ قَعنبا
أو دُختنُوسَ غَداةَ جُزّ قُرونهُا ودَعتْ بِدعوةِ ذِلّةٍ وثُبورِ
قال: كانت دختنوس بنت لقيط، حين بلغها مهلك أبيها يوم الشعب، جزت قرونها على أبيها، وذلك
قول زوجها عمرو بن عمرو بن عدس، وكانت دخنتوس يومئذ مملكة، لم يكن دخل بها زوجها بعد -
ويقال إن أباها قال هذا الشعر -.
يا ليتَ شعري عنكِ دُختَنُوسُ إذا أتاها الخبرُ المُرموسُ
أتحلِقُ القُرونَ أم تمَيسُ لا بل تميسُ إنها عَروسُ
وقوله لا بل تميس، يقول: لا بل تتبختر، يقال مرّت المرأة تميس ومر الرجل يميس يتبختر.
إنّ الضباعَ تَباشرت بخُصاكُمُ يومَ الصفا وأما عِزِ التسريرِ
التسرير اسم واد معروف قريب من شعب جبلة.
حانَ القُيونُ وقدّموا يومَ الصفا وِردًا فغُوّرَ أسوأ التغويرِ
وسَما لقيطٌ يومَ ذاكَ لِعامرٍ فاستنزلَوهُ بلَهذَمٍ مطرورِ
قوله بلهذم هو السنان الحاد. والمطرور المجلو المحدد أيضًا.
[ ٣ / ١٠٣١ ]
وبِرَحرَحانَ غَداةَ كُبّلَ معبدٌ نكحوا بناتِكُمُ بغيرِ مُهورِ
قال: وقد مر حديث رحرحان فيما أمليناه من الكتاب.
فيما يسوء مجاشِعًا زبدَ أستِها حتّى المماتِ تَرَوّحي وبُكورِي
[ ٣ / ١٠٣٢ ]
قال أبو عثمان: حدثنا أبو عبيدة قال: قال أعين بن لبطة وجهم بن حسان: كان جناب بن شريك بن
همام بن صعصعة بن ناجية بن عقال، قد نكح بنت بسطام بن قيس بن أبي بن ضمرة بن ضمرة بن
جابر بن قطن بن نهشل. قال: فقيس والمجشر ابنا أبي، وطارق ابن مالك بن قيس بن أبي. قال:
فنزل جناب بن شريك مع بني قطن بن نهشل بلصاف، ووقع بينه وبينهم كلام، ففاخره حكيم وربعي،
ابنا المجشر بن أبي بن ضمرة بن جابر، فأمهل حتى إذا وردت إبله، وكانت ثمانين، وقعدت
المجالس، وتجمع الناس، وشربت الإبل أمر عبدًا له خُراسانيًا كان راعيها، فجعل يحبسها عليه، فلما
اجتمعت الإبل، حمل عليها بالسيف فعقرها. قال أبو مُطرف زبّان: فأرادت بنو نهشل أن تعقر كما
عقر. فقال لهم الناس: أتعاقرون آل صعصعة! والله لئن عقرتم مائة، ليعقرن جناب مائة، وليعقرن
الفرزدق مائة بالبصرة، ومائة بالكوفة، ومائة بالمدينة، ومائة بالموسم، ومائة بالشام، فلتكفن بعد ما
تُغلبون وتُحربون، فلا تفعلوا، وإنكم أن تكفوا ولم تُرزأوا، أمثل من أن تكفوا وقد أحربتم. قال: فكفوا
عما أرادوا أن يفعلوا من المعاقرة، وعلموا أن رُشدهم في الكف. قال، فقال أعين: فبينا جناب يشد
على إبله بالسيف، إذ وقعت رجل ناقة منها في أطناب بيت فتاة من بني نهشل، فتهكته. فقالت: لعلك
تظن أن عقرك يُذهب لؤمك؟ فقال: لا أشتم ابنة العم، ولكن دونك فكلي من هذا اللحم. وبلغ الخبر
الفرزدق وهو بالبصرة، فقال الفرزدق:
بني نهشل أبقوا عليكم ولم تَروا سَوابِقَ حامٍ للِذّمارِ مُشهّرِ
ويروى أبقوا عليها. ويروى مواقف حام للذمار مشمر.
كريم تشكّى قومهُ مُسرِعاتِهِ وأعداؤهُ مُصغُونَ للمُتَسوّرِ
ألانَ إذا هرّتْ معدّ عُلالَتي ونابي دموعٍ للمُدلّينَ مُصحِرِ
[ ٣ / ١٠٣٣ ]
بني نهشل لا تحملوني عليكمُ على دَبرٍ أندابُهُ لم تقشرِ
وإنّا وإياكم جرينا فأينا تقلّدَ حبلَ المُبطيءِ المتأخرِ
ولو كانَ حَرّي بنُ ضمرةَ فيكُمُ لقالَ لكم لستم على المُتخيرِ
عَشيّةَ خَلىّ عن رَقاشِ وجَلّحَتْ بهِ سَوحَقٌ كالطائِر المًتمطرِ
يُفدّي عُلالاتِ العِبايَةِ إذ دنا لهُ فرسُ المِدعاسِ غير المُغمرِ
وأيقنَ أنّ الخيلَ إنْ تلتبِسْ بهِ يَقظ عانِيًا أو جيفةً بين أنسُرِ
قوله فلو كان حري بن ضمرة فيكم، عنى حين أخذ قيس بن حسان ابن عمرو بن مؤثد - وكان
مجاورا في أخواله بني مجاشع، وأم قيس ابن حسان ماوية بنت حوي بن سفيان بن مجاشع، وأمها
حنة بنت نهشل بن دارم - قلوص عمرو بن عمران الأسدي، وكان جارًا لحري ابن ضمرة. فأخذ
ثلاثين لقحة لقيس، فنادى قيس: يا ثكل أمتاه! فطلبها له الأقرع، وهو فارس المدعاس - قال
والمدعاس اسم فرسه - فاستنصر حري بني نهشل، فقالت لهم بنو مجاشع: أنتم أخوال قيس بن
حسان، كما نحن أخواله، فخذلت بنو نهشل حريا. قال: فردها الأقرع. فقال في ذلك حري:
كنتم بني نهشل قومًا لكم حسبُ فنالكم أقرعٌ ضُلُ بنُ سُفيانا
قال أبو عبد الله: أقرعا نصب. الأول قول أحمد بن عبيد. وغيره أقرعًا ضل بن سفيانا.