وكان من قصة هذا اليوم، ما حكاه الكلبي، عن المفضّل بن محمد، عن زياد بن علاقة التغلبي، أن
أسماء بن خارجة الفزاري حدّثه بذلك، قال: أغار بسطام بن قيس ببني شيبان، على بني مالك بن
حنظلة، وهم حالّون بالصحراء من بطن فلج، ومع بني مالك الثعلبات، بنو ثعلبة بن سعد بن ضبة،
وثعلبة بن عدي بن فزارة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وعتيبة بن الحارث بن شهاب، نقيل في بني
مالك، ليس معهم يربوعي غيره، فأخذ بسطام بن قيس نسوة فيهن أم أسماء بن خارجة، وهي امرأة
من بني كاهل بن عذرة بن سعد هذيم - وإنما كان هذيم عبدًا لأبي سعد، فحضن سعدًا، فغلب عليه -
وأسماء يومئذ غلام شاب يذكر ذلك، فأتى الصّريخ بني مالك، فركبوا في أثره، فاستنقذوا ما أصاب،
وأردكه عتيبة بن الحارث بن شهاب بن عبد قيس بن كباس بن جعفر بن ثعلبة بن يربوع، فأسره
وأخذ أم أسماء، وقد كان بسطام قتل مالك بن حطّان بن عوف بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن
يربوع، وبجير بن عبد الله بن الحارث بن عاصم - وعبد الله هو أبو مليل - وأثقل الأحيمر
اليربوعي، فأشفق عتيبة أن يأتي به بني عبيد بن ثعلبة، مخافة أن يقتلوه بمالك بن حطّان أو ببجير،
ورغب في الفداء، فأتى به عامر بن مالك بن جعفر، وكانت عمته خولة بنت شهاب، ناكحًا في بني
الأحوص - ولدت زعموا في بني الأحوص - فزعموا أن بسطامًا لما
[ ١ / ٢٤٠ ]
توسط بيوت بني جعفر قال:
واشيناناه ولا شيبان لي، فبعث إليه عامر ابن الطفيل، إن استطعت أن تلجأ إلى قبتي فافعل، فإني
سأمنعك، وإن لم تستطع فاقذف بنفسك في الرَّكيَّ التي خلف بيوتنا، وكانت الركي بديئًا، إنما حُفر
منها قامتان، فأتت أم حمل - وهي تابعة له كانت من الجن - عتيبة، فخبّرته بما كان من أمر عامر،
فأمر عتيبة ببيته، فقوّض وركب فرسه، وأخذ سلاحه، ثم أتى مجلس بني جعفر وفيه عامر بن
الطفيل فحيّاهم، ثم قال: يا عامر، إنه قد بلغني الذي أرسلت به إلى بسطام، فأنا مخيّرك فيه خصالًا
ثلاثًا، فاختر أيتهن شئت، قال عامر: ما هن يا أبا حزرة؟ قال: إن شئت فأعطني خلعتك وخلعة أهل
بيتك - يعني بخلعته ماله ينخلع عنه - حتى أُطلقه لك، فليست خلعتك وخلعه أهل بيتك بشر من
خلعته وخلعة أهل بيته، فقال عامر: هذا مالا سبيل إليه. فقال عتيبة: فضع رجلك مكان رجله، فلست
عندي بشر منه، فقال عامر: ما كنت لأفعل فقال عتيبة: فأُخرى هي أهونهن، فقال عامر: ما هي؟
قال عتيبة: تتبعني إذا أنا جاوزت هذه الرابية، فتقارعني عنه الموت، فإما لي، وإما علي. فقال
عامر: تيك أبغضهن إليّ فانصرف عتيبة إلى بني عبيد بن ثعلبة، فإنه لفي بعض الطريق، إذا نظر
بسطام إلى مركب أم عتيبة، فقال يا عتيبة: أهذا مركب أمك؟ قال: نعم. قال: ما رأيت كاليوم قط
مركب أم سيد، مثل هذا إنّ حِدج أمك لرث. قال عتيبة: ألك إرث، قال: نعم. قال عتيبة: أما واللات
والعزى، لا أطلقك حتى تأتيني أمك بكل شيء ورّثك قيس بن مسعود، وبجملها، وحدجها، فأتته أم
بسطام على جملها وحدجها، وبثلاثمائة بعير. وهي ليلى بنت الأحوص بن عمرو بن ثعلبة الكلبي
فقال عتيبة في ذلك:
أبْلِغْ سَراةَ بني شَيبانَ مَالَكَةً إني أباتُ بعبدِ الله بِسطامَا
[ ١ / ٢٤١ ]
أبأته من البواء وهو أن يُقتل الرجل بمن قتل.
قاظَ الشِّرِبَّةَ في قيدٍ وسِلسِلَةٍ صوتُ الحديدِ يُغَنِّيهِ إذا قاما
إنْ يحصُروكَ بذي قارٍ فَذَاقِنَةٍ فقد أُعَرِّفُهُ بِيدًا وأعلاما
وقال عتيبة أيضًا:
ألاَ مَنْ مُبلِغٌ جَزءَ بنَ سَعدٍ=فكيف أصاتَ بَعدُكُم النَّقِيلُ
أصات من الصيت والشرف. وروى الكلبي: أصاب، والنقيل يعني نفسه، لأنه كان نقيلًا في
الثعلبات.
أُحامي عن ذِمار بني أبيكمُ ومثلي في غُواتِكِمُ قليلُ
كما لاقى ذَوو الهِرماسِ مني غَداةَ الرَّوعِ إذ فُرِيَ الشَّليلُ
إذا اختَلَفتْ نواصي الخيل ظنُّوا بأنّ بصَعدَتي يُشفى الغليلُ
صعدته رمحه. وأنشد عن أبي توبة:
صعدة نابتة في حائر أينما الريح تميلها تمل
وقال جرير في ذلك اليوم ولم تتم قصيدته الأولى بعد:
ألا طالَ ما لم نُعُطِ زيقًا بحُكمِهِ وأدّى إلينا الحُكمَ والغُلُّ لازِبُ
حَوينَا أبا زِيقٍ وزيقًا وعَمَّهُ وجدَّةُ زيقٍ قد حَوَتها المَقَانِبُ
ألم تعلموا يا آل زِيقٍ فوارسي إذا احمرَّ من طُولِ الطِّرادِ الحواجبُ
حوت هانئًا يومَ الغبيطينِ خيلُنا وأدرَكنَ بِسطامًا وهُنَّ شَوازِبُ
رجع إلى القصيدة.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وتَكذِبُ أستاهُ القُيونِ مُجاشِعٌ متى لم نَذُذْ عن حَوضِنَا أن يُهدّمَا
جعل مجاشعًا قيونًا لعبد كان لصعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان يسمى جبيرًا، فنسب
جرير غالبًا أبا الفرزدق إلى القين، ولذلك يقول جرير:
وجَدنَا جُبَيرًا أبا غالبٍ بعيدَ القَرابَةِ من مَعبدِ
أتَجعَلُ ذا الكِيرِ من دارِمٍ وأينَ سُهيلٌ من الفَرقَدِ
إذا عُدَّ فَضلُ السعيِ مِنّا ومنهُمُ فَضَلنَا بني رَغوانَ بُؤسى وأنعُمَا
بنو رغوان بنو مجاشع، وكان مجاشع خطيبًا، فسمعت كلامه امرأة بالموسم فقالت: كأنه يرغو فسمي
بهذا. وحكي أن مجاشعًا وفد على بعض الملوك، فكان يُسامره، وكان نهشل بن دارم رجلًا جميلًا، ولم
يكُ وفّادًا إلى الملوك، فسأله الملك عن نهشل فقال له: إنه مقيم في ضيعه، وليس ممن يفد إلى الملوك،
فقال: أوفده. فأوفده، فلما اجتهره نظر إلى جماله، قال: حدثني يا نهشل، فلم يجبه، فقال له مجاشع:
حدّث الملك يا نهشل، فقال: الشر كثير وسكت، ثم أعاد إليه مجاشع، فقال: حدّث الملك. فقال إني
والله لا أحسن تكذابك وتأثامك تشول بلسانك شولان البروق. البروق بفتح الباء هي التي تشول بذنبها
فيظن أنها لاقح وليس بها ذلك، فأرسلها مثلا.
ألمْ تَرَ عَوفًا لا تزالُ كِلاَبُهُ تَجُرَّ بِأكمَاعِ السِّباقَين ألحُمَا
عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة، والسباقان واديان، وأكماعهما نواحيهما، والألحم التي ذكر: لحم
مزاد بن الأقعس بن ضمضم، أخي
[ ١ / ٢٤٣ ]
هبيرة بن ضمضم. وكان من حديث هذا اليوم، أن الحارث بن حاطب،
كان على صدقات بني حنظلة، فورد على بني مالك بن حنظلة فصنعوا له طعامًا، فسبق
طعام بني طهية طعام بني عوف بن القعقاع فاقتتلوا بينهم، فقتلت بنو طهية قيس بن عوف بن القعقاع
رُمي بحجر فانتهوا إليه وهو يقول: ظُهير قتلني، وفيهم رجلان كل واحد منهما يسمى ظهيرًا، فادّعوا
على ظهير أخي بني ميثاء، وجاء عوف برجلين يشهدان على ظهير هذا، فشهدا أن ظُهيرًا هو
القاتل، وكان أحدهما من بني ضبة، والآخر من بكر بن وائل. فقال لهم الأمير: هل تطعنون في
شهادة هذين الرجلين الشاهدين؟ فقال الأخضر بن هبيرة ابن المنذر بن ضرار الضبي، وكان أخواله
بنو ميثاء، أشهد على الضبي أنه لم تبق سوأة إلا وقد عملها، غير أني لم أره يأتي أمه! فأبطل شهادة
الضبي، فقُضي لعوفٍ بالدية، فأبى عوف أن يأخذها وخلّى سبيل ظهير. وأن مورق بن قيس بن
عوف بن القعقاع، لقيَ غلامًا من بني ميثاء، يقال له حكيم بن برق، نحره فقتله بأبيه وقال:
كَسَوتُ حُكيمًا ذا الفَقَارِ ومَنْ يكُنْ شِعارًا له ترِنن عليهِ أقارِبُه
فمن مُبلِغٌ عُليَا طُهيّةَ أنني رَهِينٌ بيومٍ لا تَوارى كَواكِبُه
جَزاءً بيومِ السَّفحِ عند ابنِ حاطِبٍ ومِثلُ خَبِيِ السَّوءِ دَبّتْ عقارِبُه
ثم إن بني طهية استعدت زياد بن أبيه، فبعث إلى بني عوف هبيرة ابن ضمضم المجاشعي، فطلب
بني عوف فأدركهم بكنهل، فقتل منهم عمرو بن عوف، وجعل عمرو يرتجز ويقول:
إن كنتَ لا تدري فإني أدري أنا القُباعُ وابنُ أمِّ الغَمرِ
هل أُقتَلَنْ إن قَتَلتُ ثأرِي
[ ١ / ٢٤٤ ]
ويروى وابن أم عمرو.
فأمهل الناس حتى إذا مات معاوية واضطرب الأمر، نهض بنو عبد الله بن دارم فأخذوا هبيرة بن
ضمضم، فقالوا: قتلت عمرو بن عوف. فقال: إنما كنت عبدًا مأمورًا، والله ما أردتُ قتله، وإنما بَوّأت
له بالرمح ليستأسر، فحمل نفسه على الرمح، ودفع اليهم مزاد بن الأقعس ابن أخيه رهينة بالرضا،
وكان مزاد غلامًا حديث السن، فلما فارق هبيرة الحي، دعا عوف غلامًا له أسود يقال له نُبيه، فأمره
بضرب عنق مزاد، ففعل. فخرج أحد الأقعسين الأقعس أو هبيرة يطلب عوفًا بدم مزاد، فأتاه ليلا فلما
دنا منه هابه فرماه بسهم، فأصاب ركبته ثم انصرف، فعرج عوف من الرمية، فقال الفرزدق:
لو كنتَ بالمغلوبِ سيفَ ابنَ ظالمٍ ضربتَ أبا قيسٍ أرَنَّتْ أقارِبُهُ
ولكن وجدتَ السَّهمِ أهونَ فُوقَةً عليكَ فقد أودَى دمٌ أنت طالِبُه
حَسِبتَ أبا قيسٍ حمارَ شَريعَةٍ قَعدْتَ له والصُّبحُ قد لاحَ حاجِبُه
فإنْ أنتُما لم تجعلا بأخيكُما صَدىً بينَ أكماعِ السباقِ يُجاوِبُه
فليتَكُما يا ابنَي سُفينَةَ كُنتما دمًا بينَ رجَلَيها تسيلُ سَبَائِبُهُ
[ ١ / ٢٤٥ ]
وقد لَبِسَتْ بعدَ الزبيرَ مجاشِعٌ ثيابَ التي حَاضَتْ ولم تَغسِلِ الدَّمَا
يعيره بإخفار النعر بن الزمام المجاشعي الزبير بن العوام، وقد استجاره فقتل في جواره. وكان من
حديث قتل الزبير ﵁ أن الزبير لما انصرف عن الجمل يريد المدينة، جاء رجل إلى
الأحنف بن قيس، فقال: هذا الزبير بن العوام قد مر آنفًا، فقال: ما أصنع به، جمع بين الفئتين من
المسلمين عظيمتين، فقتل بعضهم بعضًا، ثم لحق بقومه. فاستجار النعر بن الزمام المجاشعي، فنهض
عمرو بن جرموز، وفضالة بن حابس، ونفيع بن كعب بن عمير السعديون، فاتبعوا الزبير فلحقوه
بوادي السباع - وادي السباع فيما بين مكة إلى البصرة، بينه وبين البصرة خمسة فراسخ - فكرّ
عليهم الزبير حين رآهم فانهزموا عنه، ولحق الزبير ابن جرموز، فقال: أنشدك الله يا أبا عبد الله،
فكفّ عنه ورجع الزبير، فانصرف فضالة ونقيع ولزمه ابن جرموز فسايره، في ليلة مقمرة، فكرّ
عليه الزبير، فقال: أنشدك الله يا أبا عبد الله فكف عنه. وسايره وأغفى الزبير فطعنه فأذراه عن
فرسه، فقال الزبير: ما له قاتله الله يُذكّر بالله وينساه، ومات الزبير. ورجع ابن جرموز إلى علي
﵁ - فأخبره أن قاتل الزبير بالباب، فقال: بشروا قاتل ابن صفية بالنار، وكان ابن
جرموز أخذ سيف الزبير فأخذه علي منه، وقال سيف طالما فرّج الغماء عن وجه رسول الله صلى
الله عليه وسلم.
وقد عَلِمَ الجيرَانُ أنّ مجاشِعًا فُرُوجُ البَغَايا لا يرى الجَارَ مَحرَما
ولو عَلقَتْ حبلَ الزبيرِ حبَالُنَا لكانَ كَناجٍ في عَطالَةَ أعصَمَا
[ ١ / ٢٤٦ ]
يقول: لو تعلق منا الزبير بذمة لأصبح في عز ومنعة كناج: كوعل في عطالة، وعطالة اسم جبل
بالبحرين منيع شامخ.
ألم تَرَ أولادَ القُيُون مجاشِعًا يَمُدُّونَ ثَديًا عندَ عَوفٍ مُصَرَّمَا
عوف بن القعقاع قاتل مزاد هذا. يقول: يتقربون إليه برحم غير مرعية ولا موصولة، مصرّم مقطّع
والتصريم أن يكوى خلف الناقة حتى ينقطع لبنها ويكون أشد لها.
ولمّا قَضى عَوفٌ أشَطَّ عليكُم فأقسَمتُم لا تفعلُونَ وأقسَما
أشط: جار كلّفكم شططًا، فلم يرض منكم دون قتل مزاد هذا، يقول: أقسمتم لا تعطونه إلا الدية وأقسم
لا يأخذ إلا الجزاء أي القتل.
أبَعدَ ابنِ ذَيَّالٍ تقولُ مجاشِعًا وأصحابَ عوفٍ يُحسِنُونَ التَّكلُّمَا
ابن ذيال: عمرو بن جرموز بن فاتك بن ذيال السعدي. معنى تقول: تظن، ولا تقول تظن في القول
إلا في فعل مستقبل، وأنشد:
أنُوَّامًا تقولُ بني لُؤَيٍّ قَعيدَ أبيكَ أم مُتَنَاوِمينا
معنى تقول تظن بني لؤي.
فأُبتُمْ خَزَايَا والخَزيزُ قِرَاكُمْ وباتَ الصَّدى يدعو عِقالًا وضَمضَمَا
عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، وضمضم بن مرة بن سيدان، والصدى: صدا مزاد المقتول،
خزايا واحدهم خزيان والمرأة خزيا، والمصدر الخزى، وهو كل أمر يُستحى منه، والخزير شيء
يُعمل من الدقيق شبه العصيدة.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وتغضَبُ مِن شأنِ القُيُونُ مجاشِعٌ وما كانَ ذِكرُ القَين سِرَّا مُكَتَّمَا
ولاقيتَ مني مِثلُ غاية دَاحسٍ وموقِفِهِ فأستَأخِرَنْ أو تقَدَّمَا
يقول: لقيت مني نكدًا وشؤما، كما لقي عبس وذبيان، ابنا بغيض وفزارة بن ذبيان في داحس.
ترى الخُور جِلدًا من بَنَاتِ مجاشِعٍ لدى القَينِ لا يَمنعنَ منهُ المُخَدَّمَا
الخور الفاسدة، والمخدم موضع الخلخال، قوله جلدًا يعني جلودًا.
إذا ما لَوى بالكَلبَتينِ كتيفَةً رَأينَ وراءَ الكِيرِ أيرًا مُحَمَّمَا
الكتيفة ضبة من حديد، والمحمم الأسود يريد أنه حداد.
ويروى ترى الخور أجلاد بنات مجاشع.
لقد وجدتْ بالقين خُورُ مجاشِعٍ كوَجدِ النصارى بالمسيحِ بن مَريمَا
شبه نساءهم بالخور من الإبل، وهي الغزار الرقيقة الجلود، الطويلة الأوبار، اللينات الأبشار.