وقد كان عمرو بن عمران الصيداوي جارًا لحري بن ضمرة، فأخذ قيس بن حسان بكرًا من إبل
الصيداوي، فشكا عمرو ذلك إلى حري
[ ٣ / ١٠٣٤ ]
بن ضمرة، فانطلق حري إلى قيس بن حسان فضربه ضربة
بالسيف، فقطعت أحد زنديه، وأخذ من إبله ثلاثين بعيرًا، فدفعها إلى عمرو بن عمران جاره. وقال
حري في ذلك:
وعمرو بنَ عمرانٍ حَبوتُ بهجمَةٍ فآب ولم يُقرف بعَوراء جاريا
وقلتُ لهُ خُذها هَنيئا فإنها ستكفيكَ يومًا أن تمنّى الأمانيا
ولستُ بمُبتاعٍ بقومي عشيرةً إذا القومُ هزوا للقاء العَواليا
وقال حري أيضًا:
عمرو بنَ عِمرانٍ حبوتُ بهجمةٍ مكانَ قَلوصٍ رازحِ أن أعيرّا
فأوفَيتُهُ منها ثلاثين جِلّةَ ولم يكُ نصري الجارَ أن أتدبرا
مخافةَ يوم أن أسبّ بمثلها إذا أظهرَ السبّ الذي كانَ مضمرا
بنو نهشل قومي ومن يكُ فاخرًا بأيامِ قومي نهشلٍ يعلُ مفخرا
همُ خيرُ من ساقَ المطيّ عُصارَةً وأعرفُ معروفًا وأنكرُ مُنكرا
بنو نهشلٍ قُرسانُ كلّ قبيلةٍ إذا الأفقُ أمسى كابيَ اللونِ أغبرا
يقال: إن أمه ماوية بنت نهشل بن دارم، فانطلق قيس بن حسان إلى بني مجاشع أخواله، فخبّرهم
الخبر، فغضبت له بنو مجاشع، ومشوا إلى بني نهشل، فقالوا: أغار صاحبكم على ابن أختنا وجرحه،
وأخذ إبله، فإنا والله لا نخذله، وإن كنا أخواله، فأنتم أخواله. فكلم بنو نهشل حري بن ضمرة أن يرد
على قيس إبله، فأبى. فقالت بنو مجاشع لبني مهشل: إما أن تردوا على قيس إبله، وإما أن تجعلوا
حريًا خليعًا. فجعلوه خليعًا. فأخذوه فضربوه بأضاخ، وأخذوا من إبله ثلاثين بعيرًا، أخذها له الأقرع
بن سفيان - وهو فارس المدعاس - فدفعها إلى قيس، فأتى حري بني نهشل فاستصرخهم، فقالوا: لا
ننصرك، فإنك قد ظلمت وقطعت القرابة، ففي ذلك يقول حري بن ضمرة:
[ ٣ / ١٠٣٥ ]
أعطيتُ ما عَلموا عندي وما جهِلوا إذ لم أجد لفُضولِ القومِ أقرانا
كانت بنو نهشل قومًا ذوي حسبٍ فنالهم أقرعٌ ضُلٌ بنُ سفيانا
شفى الغليلَ ونجزي العامدينَ لها بالظلمِ ظلمًا وبالعدوانِ عُدوانا
لحَاكمُ اللهُ لحيا لا كفاء لهُ إني بدأتكمُ كُفرًا وطُغيانا
ما كانَ من جندلٍ فاعلم ولا قَطنٍ لا بني نُويرَةَ جارُ يومَ فيحانا
وفي ذلك يقول شمّاس الطهوي:
يا ويحَ حريّ علينا ورهطهِ ببطنِ أضاخَ إذ يجرُ ويُسحبُ
قضاءً لنَواسٍ بما الحقُ عيرهُ كذلكَ يخزوكَ العزيزُ المُدرب
فأدّ إلى قيسِ بنِ حسانَ ذَودَهُ وما نيلَ منكَ التمرُ أو هوَ أطيبُ
فإلاّ تصل رحمَ ابنِ عمرو بنِ مرثدٍ يُعلّمكَ وصلَ الرحمِ نِسعُ مُقضّب
فإنكَ لولا حَفرُكَ العِزّ حلّقتْ بما نِلتَ من قيسٍ عُقابُ تقلّبُ
فصرتَ ذليلًا في الجِمارِ ودارِمٍ ولو خرشتْ ما تحتَ خُصيَيكَ عقربُ
الجمار يريد الجمرات. قال أبو عبيدة: وجمرات العرب في الجاهلية ثلاث: بنو ضبّة بن أد، وبنو
الحارث، وبنو نمير بن عامر. فطفئت منهم جمرتان، وبقيت واحدة. طفئت ضبة، لأنها حالفت
فصارت ربة من الرباب. وطفئت بنو الحارث، لأنها حالفت مذحج، وبقيت نمير لم تطفأ لأنها لم
تحالف.
أغرّكَ يومًا أن يُقالَ ابنُ دارِمٍ وتُقضى كما يُقضى منَ البركِ أجرَبُ
فأجابه حري بن ضمرة فقال:
يا ويحَ شماسٍ علينا ورهطهِ إذا الناسُ عدّوا قبصهُمُ وتحزّبوا
ولاذَ الدليلُ بالعزيز فلم يكن إلى رهطِ شماسٍ منَ الذُلّ مهربُ
فأنتَ على ما كانَ من شَحطِ بيننا كما قيلَ للواشي أغشُ وأكذبُ
[ ٣ / ١٠٣٦ ]
بكفّي حُسامٌ ما نبا عن ضريبةٍ ونبعيّةُ مما تجوّدَ عُليبُ
أمرٌ لها مربوعُ متنٍ كأنهُ مَرِيء قَطاةٍ لمّهُ المُتعقّبُ
وزُرقٌ قِرانٌ يَقلسُ السم حدُها يُذَرُ عليها سمها وتُذَرّبُ
زرق نصال. وقران على قرن واحد.
لنا رأسُ رِبعيّ منَ المجدِ لم يَزل لدُنْ أنْ أقامتْ في تهامَةَ كَبكبُ
أبى اللهُ ما دامتْ ذُؤابةُ دارمٍ ليَ الدهرَ عمُّ يحرِثُ المجدَ أو أبُ
رجع إلى شعر الفرزدق:
وما تركتْ منكم رماحُ مجاشعٍ وفُرسانهُا إلا أكولَةَ منسرِ
عشيةَ روّحنا عليكم خناذدًا منَ الخيلِ إذ أنتم قعودٌ بقرقرِ
ويروى كفقع بقرقر. قال: وهو القاع المستوي من الأرض. الحر الطين. قال: والخناذيذ من الخيل،
الفحولة الكرام المعروفة بالنجابة. واحدها خنذيذ. ويقال للشاعر المفلق في شعره، إنه لخنذيذ من
الشعراء، يريد أنه لفحل من الشعراء.
أبا معقلٍ لولا حَواجِزُ بيننا وقُربى ذَكرناها لآلَ المُجبّرِ
أبو عبد الله، المجبر بالفتح. قال: والمجبر هو سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم. قال: وأم سلمى
خماعة بنت مجاشع بن دارم. قال: وإنما سمي مجبرا لأنه أصاب الناس جهد شديد ست سنين، فقال:
لا يحقنن أحد لبنا، وجعل على كل قبيلة رجلا منهم، فإن حقن إنسان لبنًا، أتاه سلمى فاستفاء ماله -
أي جعله فيئًا، وهو استفعل من الفيء ويكون افتعل من السفي، وهو سفي الريح، يريد يحمله فيذهب
به. واستشفى من سفي الريح التراب - قال: وأبو معقل هو مسروق بن
[ ٣ / ١٠٣٧ ]
مسعود، أخو بني يزيد بن مسعود من بني سلمى المجبر. يقول: ذكرنا القرابة التي كانت بيننا وبين المجبر.
إذا لركبنا العامَ حدّ ظُهورِهم على وقرٍ أندابُهُ لم تَغفّر
أندابه جروحه. وقوله لم تغفر، يقول: هي طرية لم تيبس، فتُجلب فتُقشر.
فما بكَ منْ هذا وقد كنتَ تجتني جَنى شجرٍ مُرّ العواقبِ ممقرِ
وهم بين بيتِ الأكثرينَ مجاشعٍ وسلمى وربعيّ بن سلمى ومُنذرِ
ولستُ بهاجِ جندلا إنّ جندلًا بنونا وهم أولادُ سلمى المجبرِ
ولا جابِرًا والحين يُورِدُ أهلهُ مَواردَ أحيانًا إلى غيرِ مصدرِ
قال: يعني جابر بن قطن بن نهشل. فيقول لا أهجوهم وإن كنت منهم، ولكن أهجوكم خاصة دون
غيركم، وذلك لما أوليتموني من هجائكم إياي.
ولا التّوأمينْ المانعين حِماهمُا إذا كانَ يومٌ ذو عَجاج مُثوّرِ
قال: التوأمان هما عمرو وعامر ابنا جابر بن قطن، وهما العامران، ويقال العَمران.
أنا ابنُ عِقالٍ وابنُ ليلى وغالِبٍ وفَكاكِ أغلالِ الأسيرِ المُكفّرِ
يعني عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. وقوله وابن ليلى، وليلى أم غالب. وقوله وفكّاك أغلال،
يريد ناجية بن عقال.
وكانَ لنا شيخانِ ذو القبرِ منهُما وشيخٌ أجارَ الناسَ من كل مقبرِ
ذو القبر، يعني غالبًا، وذلك أن العرب كانت تستجير بقبره، وكان المستجير به يصير إلى مجنته،
وتقضى حاجته، وكان هو علمًا في ذلك، ولم تعرف الناس الاستجارة بالقبر إلا بقبر غالب، فذهب له الاسم
[ ٣ / ١٠٣٨ ]
بذلك أبدًا. قال والذي أحيى الوئيد صعصعة بن ناجية بن عقال.
على حينِ لا تحيا البناتُ وإذ همُ عُكوفُ على الأنصابِ حولَ المُدوّرِ
المدور صنم يدورون حوله، وقال عامر بن الطفيل:
ألا يا ليتَ أخوالي غَنيّا لهم في كل ثالثةٍ دَوارُ
قال أبو عبد الله: في كل نائبة. والدوار عيد يطوفون فيه، يقول: فيه الشرف القديم والحديث.
أنا ابنُ الذي رَدّ المنيةَ فضلهُ وما حسبُ دافعتُ عنهُ بمُعورِ
أبي أحدُ الغيثين صعصعةُ الذي متى تخلفِ الجوزاء والنجمُ يُمطرِ
ويروى والدلو. يقول: إذا أجدب الزمان، قام أبي مقام الخصب، فأعطى الأموال، أي أبي غيث
الأرض. هما غيثان: غيث السماء المطر، وأبي غيث الأرض إذا لم يكن مطر.
أجارَ بناتِ الوائدينَ ومن يجُرْ على الفقرِ يعلمْ أنهُ غير مخفرِ
وفارقِ ليلٍ من نساء أتت أبي تُعالجُ ريحًا ليلُها غير مُقمرِ
ويروى تمارس ريحًا. وقوله وفارق، يعني امرأة فارقًا، وإنما شبهها بالفارق من الإبل، وهي الناقة
يضربها المخاض، فتفارق الإبل، فتمضي على وجهها حتى تضع. تفعل ذلك لما يصيبها من الجهد.
وأصل الفارق من الإبل، ثم نُقل إلى النساء. وشبه المرأة بالناقة الفارق لانفرادها.
فقالت أجرْ لي ما ولدتُ فإنني أتيتك من هَزلى الحَمولَةِ مُقترِ
هِجَفّ منَ العُثوِ الرؤوسِ إذا ضغتْ لهُ ابنةُ عامٍ يحطمُ العظمَ مُنكرِ
[ ٣ / ١٠٣٩ ]
قوله هجف يعني جافي الخلقة. وقوله من العثور، قال: والأعثى الكثير الشعر، والأنثى عثواء. قال:
والضبع يقال لها عثواء، بينة العثا - مقصور.
رأى الأرضَ منها راحةً فرمى بِها إلى خُدَد منها وفي شرّ محفرِ
خدد حفر كالقبر. ويروى إلى شر.
فقالَ لها نامي فإني بذمتي لِبِنْيِكِ جارٌ منْ أبيها القَنَوّرِ
ويروى فيئي. قوله القنور، هو الضيق الصدر، السيء الخلق. يقول: أنا جار لها من أبيها.
فما كانَ ذنبي أنْ جَنابٌ سَما بهِ حِفاظٌ وشيطانٌ بطيء التعذّرِ
ومَسجونَة قالتْ وقد سَدّ زوجُها عليها خَصاصَ البيتِ منْ كلّ منظر
لَعمري لقد أروى جَنابٌ لِقاحَهُ وأنهلَ في لَزنٍ منَ الماء مُنكرِ
ويروى جناب لبونه. في لزن من الماء، يعني قلة من الماء وضيقًا.
فإنكَ قدْ أشبعتَ أبرامَ نهشلٍ وأبرزتَ منهم كلّ عذراء مُعصرِ
قال: الأبرام الذين لا يدخلون مع الأيسار في الجزور، ولا نصيب لهم، وإنما ينتظرون أن يطعمهم
الناس، زلا يشترون لحمًا، إنما يتّكلون على أن يُطعموا. والمعصر من النساء التي قد أدركت
وحاضت. يقول: خرجن من الجهد يلتمسن فضلك.
ولو كنتَ حُراما طَعمتَ لحُومَها ولا قُمتَ عندَ الفرثِ يا بنَ المُجَشّرِ
إلمْ تعلما يابنَ المُجشرِ أنها إلى السيفِ تُستبكى إذا لم تُعقّر
مَنا عيشُ للمولىَ مَرائيبُ للثأي مَعاقيرُ في يومِ الشتاء المُذكّرِ
وما جَبرتْ إلا على عتبٍ بها عَراقيبُها مُذ عُقّرتْ يومَ صَوءَرِ
[ ٣ / ١٠٤٠ ]
ويروى على عطب وعنت. قوله على عتب، وهي الناقة تمشي على ثلاث. وقوله يوم صوءر، هو
يوم معاقرة سحيم بن وثيل الرياحي غالبًا.
وإنّ لها بين المقَرّينِ ذائِدًا وسيفَ عِقالٍ في يدى غيرِ جَيدَرِ
جيدر قصير. ويروى وسيف خبال، يريد سيفًا لا يُبقي على شيء لا يمر بشيء إلا ذهب به. وقوله
بين المقرين ذائدًا، يعني أباه غالبًا دُفن ثَمّ.
إذا رُوّحَتْ يومًا عليهِ رأيتَها بُروكًا مَتاليها على كل مجزَر
وكائنْ لها منْ محبسٍ أنهبَتْ بهِ بجَمعٍ وبالبَطحاء عندَ المُشَعّرِ
وما إبلٌ أدعَى إلى فرع قَومِها وخيرُ قِرى للطارِقِ المُتنَوّرِ
قال: الطارق الذي يطرق القوم ليلا يريد القِرى. قال: والمتنور الذي يطلب نار الحي، فإن الذين
يقرون الأضياف نارهم بالليل ظاهرة، ليُغشوا، ومن لا يقرى فلا نار له. يقول: فالطارق يطلب النار
للقرى. قال أبو عبيدة: لا يكون الطارق إلا ليلا، ولا يقال للذي يأتيهم بالنهار طارق. وذلك قول
الأصمعي.
وأعرفُ بالمعروف منها إذا التَقَتْ عَصائِبُ شَتى بالمقَامِ المُطَهّرِ
وما أفُقُ إلا بهِ منْ حَديثِها لها أثرٌ يَنمي إلى كلّ مَفخَرِ
قال: فأجابه جرير عن بني نهشل:
لقد سرّني ألاّ تعُدُّ مجُاشِعٌ منَ الفخرِ إلاّ عَقرَ نابٍ بِصَوأرِ
أنابُكَ أمْ قَومٌ تَفُضُ سُيوفُهُم على الهامِ ثنيَيْ بيضَةِ المُتَجَبّرِ
ويروى تقدّ سيوفهم على الهام. ويروى فرخي بيضة، يريد الدماغ. يقول: فخرك بنابك خير أم
فخري بقوم تفض سيوفهم هام الرجال،
[ ٣ / ١٠٤١ ]
وتقطع بيضهم الذي على رءوسهم. ويروى أقومك أم قوم.
لَعَمري لَنعمَ المُستَجارونَ نهشلٌ وحيُّ القِرى للطارقِ المُتنَوّرِ
فَوارِسُ لا يَدعونَ يالَ مجاشِعٍ إذا برزتْ ذاتُ العريشِ المُخَدّرِ
قوله ذات العريش يعني البناء. والمخدر المستور بالثياب. يقول: تبرز المخدرات من الجهد مما نزل
بهن.
وتَدعونَ سلمى يا بَني زَبَد أستِها وضَمرَةَ لليومِ العَماسِ المُذكّر
قوله يا بني زبد استها، يريد أن يُصغر به ويُهينه. قال: واليوم العباس، يريد بذلك اليوم الكريه
الشديد الصعب.
أولئكَ خيرٌ مَصدَقًا منْ مجاشعِ إذا الخيلُ جالتْ في القَنا المُتكسّرِ
لَعمري لقد أردى هِلالَ بنَ عامِر بِتَنهِيَةِ المِرباع رَهطُ المُجشّرِ
ويروى لعمري لقد لاقت هلال. وقوله لقد أردى هلال بن عامر، يعني قتل المشيخة الثمانين الذين
قتلهم بنو نهشل، وهو رهط المجشر.
وما زلتَ مُذلمْ تستجيبْ لكَ نهشلٌ تُلاقي صرُاحِيّا منَ الذُلِّ فأصبرِ
وعافتْ بَنو شَيبانَ حوضَ مجاشع وشَيبانُ أهلُ الصفو غيرِ لمُكدّرِ
ولو غَضبتْ في شأنِ حَدراء نهشلٌ سَموها بِدَهم أو غَزوها بأنسُرِ
مَعازيلُ أكفالٌ كأنّ خُصاكُمُ قَناديلُ قَسّ الحيرةِ المُتنَصّرِ
قال أبو عبيدة: وأما الأغر فحدثني أن جنابًا إنما عقر ناقتين، فلما رأى ذلك ربعي وحكيم، أحالا على
سائرها فعقرا قطيعه أجمع. ففي ذلك يقول المحل بن كعب النهشلي:
فِدىً للغُلامِ النهشلي الذي ابترَى عَراقيبَها ضربًا بسيفِ المُجَشرِ
وقد سرّني ألا تعُدَّ مجاشعٌ منَ المجدِ إلا عقرَ نابٍ بصوءَرِ
[ ٣ / ١٠٤٢ ]
وأنتم قُيونٌ تَصقُلونَ سُيوفَنا ونَعصى بها في كل يومٍ مُشهّرِ
قوله ونعصى بها في كل يوم مذكر. يقول: نضرب بسيوفنا ونتخذها عصيا.
فوارِسُ كَرّارونَ في حَومةِ الوَغا إذا خرجتْ ذاتُ العَريشِ المُخدّرِ
حومة الوغا أشد موضع في الحرب، وحومة الماء الكثير. وذات العريش، يقول برز النساء
المخدرات.
فقال الفرزدق مجيبًا له:
بين إذا نَزلتْ عليكَ مجاشعٌ أو نهشلٌ تلعاتِكُم ما تصنعُ
تلعاتكم جمع تلعة، وهو مسيل الماء والتلعة، الموضع المرتفع أيضًا. ويروى تلغى بكم.
في جَحفلٍ لجبٍ كأن زُهاءهُ شرقيٌّ رُكنِ عَمايتَين الأرْفَعُ
الجحفل الجيش الكثير. واللجب الكثير الأصوات. وزهاؤه عدده واجتماعه. وعمايتين جبل. وشرقيه
ما وليّ الشمس منه إذا طلعت عليه الشمس، وذلك أنه شبه الجيش في جمعه وكثرته، بالجبل في
انبساطه وسعته.
وإذا طُهَيّةُ منْ ورائي أصبحتْ أجَمُ الرماحِ عليهمِ يَتزَعزَعُ
قال: يعني بني طهية، وهم عوف، وأبو سود، وحشيش. أمهم طهية
[ ٣ / ١٠٤٣ ]
بنت عبد الشمس بن سعد بن زيد بن تميم. وأبوهم مالك بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة.
وقوله أجم الرماح، قال: إنما شبه كثرة
الرماح واجتماعها وانضمام بعضها إلى بعض، بأجم القصب في كثرته في منابته.
حوضيِ بَنو عُدُسٍ على مِسقاتِهِ وبَنو شرَافِ منَ المكارِمِ مُترعُ
يريد عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم. وبنو عدس زرارة، وعمرو، ومسعد، وسري وشراحيل.
وبنو شراف محمد، وقرط، وحوي، بنو سفيان بن مجاشع، وشراف بنت بهدلة بن عوف بن كعب بن
سعد. والمترع المملو.
إنْ كانَ قد أعياكَ نقضُ قصائدي فانظُرْ جريرُ إذا تلاقى المَجمعُ
وتهادَروا بِشقاشِقٍ أعناقُها غُلبُ الرِقابِ قُرومُها لا تُوزَعُ
قوله بشقاشق، قال: الشقشقة التي تخرج من فم البعير إذا هدر مثل الدلو. قال: والأغلب من الرجال،
الغليظ الرقبة. وقوله لا توزع لا تكف عما تريد. والقرم فحل الإبل، نقل فصُير للرجال الكرام
الأشداء الأبطال.
هل تأتينّ بمثلِ قومِكَ دارِمًا قومًا زثرارةُ منهُمُ والأقرعُ
قال أبو عبد الله: يروى هل تنقضن. ويروى هل تفخرن. أي هل تفخر دارما، أي تكون أفخر منهم
من قولهم، فاخرته ففخرته.
وعُطارِدٌ وأبوهُ منهم حاجِبُ والشيخُ ناجيَةُ الخضَمُّ المِصقَعُ
يريد ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. والخضم السيد من الرجال. والمصقع الخطيب
من الرجال، البين الكلام، المتكلم عن أصحابه، يأخذ في كل صقع. والخضم سخي معظم.
[ ٣ / ١٠٤٤ ]
ورئيسُ يومِ نَطاعِ صَعصَعَةُ الذي حينًا يضرُ وكانَ حينًا ينفعُ
يعني صعصعة بن ناجية بن عقال. قال: ونطاع مكان أغارت فيه بنو سعد على لطيمة الملك، وقد
أملينا حديثه فيما أمليناه من الكتاب تامًا مفسرًا.
واسألْ بِنا وبكم إذا وردتْ مِنىً أطرافُ كل قبيلةٍ منْ يسمعُ
قوله أطراف كل قبيلة، يعني سادة كل قبيلة والمعروفين منهم. والطرف الرجل السيد. قال أبو
عثمان: سمعت الأصمعي وأبا عبيدة يقولان للفرس الكريم الرائع، إنه لكريم الطرفين، يعني الأبوين.
تقول العرب للرجل الضعيف العقل ما يدري أي طرفيه أطول، يعني لا يدري أي أبويه أكرم.
والطرف أيضًا الفرس الرائع الكريم النسب، المعروف بالنجابة، ويقال أيضًا الطرف السيد من
الرجال. قال الأعشى:.
همُ الطّرَفُ النّاكي العَدُوّ وأنتمُ بَقُصوى ثلاثٍ تأكلونَ الوَقائِصا
ويروى هم الطرف الناكو العدو. قال الأصمعي: وقد يروى الطُّرُف، وهم الذين كثرت آباؤهم
وأنجبوا وشرفوا. قال: وإذا كان الرجل كذلك، كان أكرم من القُعدد.
صوتي وصوتكَ يخبروكَ مَنِ الذي عن كلّ مَكرُمةٍ لخندِفَ يدفعُ
وإذا أخذتُ بِقاصِعائِكَ لم تجدْ أحدًا يُعينُكَ غير منْ يتقصعُ
هذا البيت أول القطعة. القاصعاء جحر اليربوع. يروى يغيثك. وقوله غير من يتقصع، يريد غير
من يصيد اليرابيع.
[ ٣ / ١٠٤٥ ]
فأجابه جرير فقال يهجوه جميع الشعراء:
بانَ الخليطُ بِرامَتَينْ فوَدّعوا أوَ كلما رفعوا لِبَين تجزعُ
الخليط الجيران المخالطون في المنزل والمال.
رَدوا الجِمالَ بذي طُلوحٍ بعدما هاجَ المَصيفُ وقد تولى المَربَعُ
قوله ردوا الجمال، يعني ردوها من موضع رعيها إلى الحي، حين أرادوا التحمل. قوله بعد ما هاج
المصيف، أي جاء الصيف، واحتدم الحر، واشتد وهجه، ويبس العُشب من الرعي، ورجع كل قوم
إلى مواضعهم. قال: وذو طلوح موضع يجمعهم.
إنّ الشّواحِجَ بالضُحى هَيّجنّني في دارِ زينبَ والحَمامُ الوُقّعُ
قوله إن الشواحج، يريد صياح الغربان. هيجنني يقول ذكرنني اجتماع الحي وتفرقهم. وقوله والحمام
الوقع يعني الحمام التي تقع فتعتلف بعدما ترحّل الناس.
نَعبَ الغُرابُ فقلتُ بَينٌ عاجِلٌ وجَرى بهِ الصرُدُ الغَداةَ الألمعُ
الصرد الألمع لأن فيه خضرة وسوادًا فقال الألمع.
إنّ الجميعَ تفرّقتْ أهواؤهُم إنّ النوى بهوى الأحبةِ تَفجَعُ
قال الأصمعي: النوى هو الموضع الذي ينوي الرجل أن يأتيه، وهو النوى والنية، وذلك أنهم تفرقوا
فقصد كل قوم منهم حيث ينوون، فلذلك تشاءمت العرب بالنوى، لتفرقهم بعد اجتماعهم.
[ ٣ / ١٠٤٦ ]
كيفَ العَزاءُ ولم أجد مُذْ بِنْتُمُ قلبًا يَقِرُ ولا شرابًا ينقعُ
قوله ولا شرابًا ينقع، يعني يُروي. ويقال الشراب ينقع نقعًا ونقوعًا، وذلك إذا روي منه صاحبه،
وهو الماء الذي ينقع المال ويوافقه.
ولقد صَدقتُكِ في الهوى وكذبتني وخَلَبتني بمواعدٍ لا تنفعُ
قد خفتُ عندكمُ الوشاةَ ولم يكنْ لِيُنالَ عندي سرُكِ المُستودعُ
كانت إذا نظرت لعيدٍ زينةً هَشّ الفؤادُ وليسَ فيها مطمعُ
أي ارتاح وأحب النظر إليها ولا مطمع فيها.
تركتْ حَوائِمَ صادِيات هُيّمًا مُنعَ الشِفاء وطابَ هذا المَشرعُ
الحوائم التي تدور حول الماء لتقع على الماء، ثم تمتنع من الوقوع. قال: والصادي العطشان. قال
الأصمعي: إذا اختلف اللفظ والمعنى واحد، استحسنت العرب إعادة الألفاظ، وذلك أنه قال صاديات ثم
هُيّما وهما جميعًا من العطش. قال أبو عبد الله: يقال الهيام ينال الإبل فتشرب الماء فلا تروى منه.
وقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ يقال بعير أهيم وناقة هيماء.
أيامَ زينبُ لا خفيفُ حِلمُها همشَى الحديثِ ولا رَوادٌ سَلفَعُ
قوله همشى الحديث، يقول مختلطة الحديث من الحياء. وقوله ولا رواد، يقول ليست هي بطوافة.
وخفف روادوا لوزن الشعر، وقد تفعل العرب ذلك. والسلفع الجريئة البذية من النساء. قال: جندل في
قوله همشى تصديقًا له:
إنْ سَمعوا عَوراء أصغَوا في أذَنْ وهمَشوا بكَلِمٍ غيرِ حَسنْ
قوله همشوا يعني خلطوا. يقال همشى الحديث، يعني مختلطة
[ ٣ / ١٠٤٧ ]
الكلام. وإنما عنى بذلك أن هذه المرأة منعها الحياء من الكلام.
وقوله همشى، يقال ليست بهشة الحدث مختلطته، ولكنها كما قال الآخر: إن
تخاطبك تبلت. أي تقصر، أي ليست بمهذارة.
بانَ الشبابُ حميدةً أيامُهُ ولوَ أنّ ذلكَ يُشترى أو يَرجِعُ
رَجفَ العِظامُ منَ البِلىَ وتقادَمتْ سِنّي وفي لمُصلِحٍ مُستَمتَعُ
وتقولُ بَوزعُ قد دَببتَ على العصا هَلاّ هَزِئتِ بغيرنا يا بَوزَعُ
قوله هلا هزئت بغيرنا، يقول قد عهدتني شابًا، فقد كبرتِ كما كبرتُ، فاهزئي بنفسك أيضًا.
ولقد رأيتُكِ في العَذارى مَرّةً ورأيتِ رأسي وهوَ داجٍ أفرَعُ
قوله وهو داج، يقول كان شعري وأنا شاب أسود. وأفرع أي طويل. ويقال الداجي الكثير النبات.
الأسود يريد شعره.
كيفَ الزيارَةُ والمَخاوِفُ دونكُمْ ولكم أميرُ شَناءة لا يَربَعُ
قوله شناءة، يعني بغضًا. يقال فلان يشنأ فلانًا إذا أبغضه. وشنان قوم بغض قوم. يربع يكف.
يا أثلَ كابَةَ لا حُرِمتِ ثَرى الندا هَلُ رامَ بَعدي ساجِرٌ فالأجرَعُ
قوله يا أثل كابة، هو موضع دعا له بالندى. قال: الثرى الندا المُبتل. قال: والندى من الطل
والمطر.
وسقى الغَمامُ مُنَيزِلًا بِعُنَيزَةٍ إمّا تُصافُ جَدى وإما تُربَعُ
قال: الجدى المطر الواسع. يقول إما أن يصيبها مطر الصيف، لقوله إما تصاف، وإما أن يصيبها
مطر الربيع، لقوله وإما تربع. قال:
[ ٣ / ١٠٤٨ ]
والغمام السحاب. وعنيزة موضع.
حَيوا الدّيارَ وسائِلوا أطلالهَا هل ترجِعُ الخبرَ الديارُ البَلقعُ
قال: الأطلال ما شخص من آثار الديار. وطلل الإنسان شخصه. والعرب تقول للرجل حيّا الله
طللك، يعنون شخصك. وقال أبو عبيدة: الأطلال الشخوص، نحو الوتد، والأثفية، وما شخص من
الأرض. والبلقع من الأرضين القفر التي ليس فيها أحد.
ولقد حبستُ بها المَطي فلم يكن إلا السلامُ ووكفُ عينٍ تدمعُ
لمّا رأى صحبي الدموعَ كأنها سَحُّ الرذاذِ على الرداء استرجعوا
قوله سح الرذاذ، قال الرذاذ من المطر الخفيف الصغار القطر. والسح الدائم في سكون ولين.
قالوا تعزّ فقلتُ لستُ بكائنٍ مني العَزاء وصدعُ قلبي يُقرعُ
فسَقاكِ حيثُ حَللتِ غير فقيدةٍ هَزِجُ الرواح ودِيمَةٌ لا تُقلِعُ
قوله هزج الرواح، يريد غيما يأتي فيكثر ماؤه. قال: والديمة المطر الساكن، يمطر ساعة، ويقلع
أخرى، ويدوم مطره في لين.
فلقدْ يُطاعُ بنا الشفيعُ لديكُمُ ونُطيعُ فيكِ مودةً مَنْ يشفَعُ
هل تذكرينَ زماننا بِعُنيزةٍ والأبرقين وذاكِ ما لا يرجعُ
قال: الأبرق من الأرض الذي فيه حصى ورمل. والأبرق الحبل فيه حصى ورمل. والحبل هو
الرمل بعينه. ويقال فيه أيضًا حصى وطين. وعنيزة أكمة سوداء.
إنّ الأعاديَ قد لَقُوا لي هضبَةً تُنبِي مَعاوِلهُمْ إذا ما تُقرَعُ
قوله هضبة يعني جبلا. تنبي معاولهم يقول ترد المعاول لصلابتها،
[ ٣ / ١٠٤٩ ]
فلا تؤثر فيها. تُقرع يريد تُضرب، وإنما ضربه مثلًا لشرفه، وأنه لا يقدر أحد أن يفخر عليه بنسب وحسب.
ما كُنتُ أقذِفُ مِنْ عشيرةَ ظالمٍ إلاّ تركتُ صَفاهُمُ يتصدّعُ
قال أبو عبد الله: ويروى صفاتهم تتصدع. يقول وما قصدت أحدًا من الشعراء إلا تركت صفاهم.
والصفا الحجارة، أي وإن كان شعرهم مثل الصفا، تصدع من جودة شعري.
أعددتُ للشعراء كأسًا مُرّةً عندي مخُالطُها السمامُ المُنقَعُ
هلاّ نَهاهُم تسعةٌ قَتلتُهُم أو أربعونَ حَدَوتهُم فاستجمعوا
حدوتهم يقول سُقتهم. فاستجمعوا يقول فاستوسقوا واستجابوا لحدائي، وهو من قوله الله ﷿:
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ يريد اجتمع والله أعلم.
خَصّيتُ بعضهم وبعضُ جُدّعوا فشكا الهَوانَ إلى الخَصِى الأجدَعُ
قال أبو عبد الله: هذا فعل مكرر يريد خصيت واحدًا بعد واحد. وقوله خصّيت يريد خصيت فثقله
لوزن الشعر. ويروى فخصيت بالتخفيف.
كانوا كمُشتركينَ لمّا بايعوا خَسِروا وشُفّ عليهمِ فاستُوضِعوا
قوله شف عليهم، يقول رُبح عليهم. والشف الفضل. والشف أيضًا: النقصان. وهو من الأضداد.
وهي حروف تأتي بمعنيين مختلفين، مثل السدف وهو الضوء، والسدف الظلمة، ومثل القشيب وهو
الجديد من الثياب، والقشيب الخلق، وهي حروف معروفة.
أفَيَنتهونَ وقد قضيتُ قضاءهُم أم يصطَلونَ حريقَ نارٍ تسفَعُ
[ ٣ / ١٠٥٠ ]
قوله تسفع، يقول هذه النار تُغير لون الوجه فتصيره إلى السواد والحمرة. وإنما أراد أن شعره كالنار
يغير وجوههم، لما يسمعون من هجائي إياهم، وذكري مثالبهم.
ذاقَ الفرزدقُ والأخيطلُ حَرّها والبارِقيُّ وذاقَ مِنها البَلتَعُ
قوله البارقي يعني سُراقة. والبلتع يعني المستنير بن أبي بلتعة العنبري.
ولقد قسمتُ لذي الرِقّاعِ هديةً وتركتُ فيهِ وَهيّةً لا تُرقَعُ
ويروى وتركت فيه وهية. قوله لذي الرقاع هو عدي بن الرقاع. وقوله وهية هي فعلية من الوهي
والضعف. تقول من ذلك وهي الأديم فهو يهي، وذلك إذا تخرّق.
ولقد صَككتُ بَني الفَدوكَس صَكّةً فلقوا كما لَقيَ القُرَيدُ الأصلَعُ
ويروى ولقد دققت بني فدوكس دقة. قوله فدوكس. هو جد الأخطل. والقريد الأصلع يريد الفرزدق.
قال أبو عبيدة، والأصمعي: كان الفرزق أصلع.
وَهنَ الفرزدقُ يومَ جَرّبَ سَيفَهُ قَينٌ بهِ حمُمُ وآمٍ أربعُ
ويروى خزي. ويروى وهن. وقوله جرّب سيفه، يريد يوم الأسير بين يدي سليمان بن عبد الملك.
وقد أملينا حديثه فيما مضى من الكتاب. وقوله آم أربع، يريد ولده أربع إماء، يعيره بذلك.
أخزيتَ قومكَ في مقامٍ قُمتهُ ووجدتَ سيفَ مجاشعٍ لا يقطعُ
لا يُعجبنّكَ أنْ ترى لمجاشع جَلدَ الرجالِ ففي القلوبِ الخَولَعُ
ففي القلوب الخولع، يقول: هم جبناء، يريد كأن أفئدتهم مخلوعة من الفزع.
[ ٣ / ١٠٥١ ]
ويَريبُ مَنْ رجعَ الفِراسةَ فيهمُ رَهلُ الطفاطِفِ والعِظامُ تخرّعُ
قوله والعظام تخرع، الخراعة الضعف. يقال من ذلك عظم خريع أي متكسر. وقوله رهل الطفاطف،
يريد كثرة اللحم واسترخاءه. والطفاطف لحم الخاصرتين. يقول: من أعاد الفراسة فيهم ارتاب بهم،
لأنهم لا يُشبهون العرب.
بَذَرتْ خَصافِ لهم بِماء مجاشعِ خَبُثَ الحَصادُ حصادُهم والمَزرَعُ
بذرت يعني ولدت. وخضاف ضروط.
إنّا لَنعرِفُ مِنْ نِجارِ مجاشع هَدّ الحَفيفِ كما يحفُ الخِروَعُ
يقول: قلوبهم جوف لا عقول لهم، وإنما شبههم بالخروع لأنه مجوف ضعيف العود.
أيُفايِشونَ وقد رأوا حُفاثَهُم قد عضّهُ فقضى عليهِ الأشجَعُ
قوله أيفايشون، قال: المفايشة المفاخرة بلا حقيقة. وقوله حفاثهم، قال: الحفاث حية لا سم لها، تأكل
الفأر وما أشبهه. والأشجع يريد الشجاع من الحيّات القاتل، ومنه سمي الرجل شجاعًا.
هلاّ سألتَ مجاشعًا زَبدَ أستِها أينَ الزبير ورَحلُهُ المُتمَزّعُ
ويروى المتوزع. قوله المتمزع، يقال من ذلك تمزع القوم إذا تفرقوا.
أجحفتُمُ جُحفَ الخَزيرِ ونمتُمُ وبَنو صَفيةَ ليلُهُم لا يهجعُ
صفية هي صفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوام. والخزير دقيق يُعصد تأكله الأعراب.
ويروى أجخفتم، الخاء معجمة.
وُضِعَ الخَزيرُ فقيلَ أينَ مجاشعٌ فشَحا جَحافِلَهُ حُرافٌ هِبلَعُ
[ ٣ / ١٠٥٢ ]
قوله فشحا يعني فتح جحافله، وهي شفتاه. وقوله جراف، يقول يجرف كل شيء إذا أكل. وقوله
هبلع، يقول: هو واسع الجوف. يقول إنما طعام بني مجاشع الخزير، يعيرهم بذلك.
ومجاشعٌ قَصبٌ هَوتْ أجوافُهُ غَرّوا الزبير فأيّ جارٍ ضَيّعوا
إنّ الرزيةَ مَنْ تضمّنَ قبرُهُ وادي السباعِ لكل جَنبٍ مَصرعُ
لمّا أتى خبرُ الزبيرِ تواضعتْ سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشّعُ
رفع الجبال بالخشع، وجعل الخشع خبرًا. قال أبو عبد الله: المعنى والجبال خشع لذلك، ثم ادخل
الألف واللام على النعت، ودخول الألف واللام على النعت أفخم.
وبكى الزبيرَ بناتُهُ في مأتم ماذا يُرَدُّ بُكاء من لا يسمعُ
ويروى دعاء. ويروى ماذا يرد عليك من لا يسمع.
قالَ النّوائِحُ منْ قريشٍ إنما غَدرَ الحُتاتُ ولينُ والأقرعُ
لين يعني غالب بن صعصعة كان يلقب به. ويروى وغالب والأقرع.
تَركَ الزبيرُ على مِنىً لمجاشع سُوء الثناء إذا تقضّى المجمعُ
قتلَ الأجاربُ يا فرزدقُ جارَكُم فكُلوا مَزاوِدَ جارِكُم فتمتعوا
قوله قتل الأجارب، قال: الأجارب خمس قبائل من بني سعد، وهم: ربيعة، ومالك، والحارث - وهو
الأعرج - وعبد العُزى - وهو حمان - والحرام، بنو كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. قال أبو
عبيدة: وإنما سُموا الأجارب لأنهم نحروا جملًا جربًا، فأكلوا لحمه، وغمسوا أيديهم في دمه، وتحالفوا
وهم ولد كعب بن سعد. قال: وقاتل الزبير عمرو بن جرموز، أحد بني ربيعة بن كعب من الأجارب.
أحُبارَياتِ شَقائِقٍ مَوليّةٍ بالصيفِ صَعْصَعَهُنّ بازٍ أسفَعُ
[ ٣ / ١٠٥٣ ]
ويروى مولية بالخبت. الشقائق واحدتها شقيقة. قال والشقيقة ما غلظ بين حبلى رمل. وقوله مولية،
يقول مُطرت الولي. قال: والولي، المطر بعد مطر كان قبله. وقوله صعصعهن يريد فرّقهن. وقوله
باز أسفع، يعني في ريشه حمرة إلى السواد، وهو لون البازي.
لو حَلّ جارُكُم إليّ مَنعتُهُ بالخيلِ تَنحِطُ والقَنا يَتزَعزَعُ
قوله بالخيل تنحط، يعني تُحضر وتصهل، يريد تزفر، وتنحط تحيطًا من الجهد. وقوله والقنا
يتزعزع، يريد يتحرك للطعن. قال أبو عبد الله: كان أبو العباس يقول: ذلك تفعل مخافة الطعن.
لحَمَى فوارِسُ يحسرِونَ دُروعَهُم خلفَ المَرافِق حينَ تَدمى الأذرُعُ
فاسألْ مَعاقِلَ بالمدينةِ عندهُم نورُ الحكومةِ والقضاء المَقنَعُ
قال: المعاقل القوم الذين يُلجأ إليهم، فيمنعون كل من لجأ إليهم.
مَنْ كانَ يذكُرُ ما يُقالُ ضُحى غَد عندَ الأسنّةِ والنفوسُ تطلّعُ
كذبَ الفرزدقُ إنّ قومي قبلَهُم ذادوا العدوَّ عنِ الحِمى فاستوسعوا
منعوا الثغورَ بعارِض ذي كوكبٍ لولا تقدُمنا لضاقَ المَطلَعُ
قوله بعارض، يعني جيشًا كثير العدد. قال والعارض السحاب، وهو من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ
عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ﴾ شبه الجيش بالسحاب لعظمه وكثر أهله. وقوله ذي كوكب، يعني هذا الجيش كثير
السلاح يبرق سلاحه كما يبرق الكوكب لكثرة السلاح.
إنّ الفوارِسَ يا فرزدقُ قد حمَوا حَسبًا أشَمّ ونَبْعَةً لا تُقْطَعُ
قوله حسبًا أشم، يعني حسبًا عاليًا لا يُعادله أحد في الشرف.
[ ٣ / ١٠٥٤ ]
عَمدًا عمدتُ لما يسوء مجاشِعًا وأقولُ ما عَلمتْ تميمٌ فاسمعوا
لا تُتبَعُ النّخَباتُ يوم عظيمةٍ بُلغَتْ عَزائمُهُ ولكن تَتبَعُ
قوله بلغت عزائمه، يقول انتُهي لما عزموا عليه فيه.
هَلاّ سألتْ بني تميم أيُنا يحمي الذّمارَ ويُستجارُ فيمنعُ
مَنْ كانَ يستلِبُ الجبابِرَ تاجَهُم ويضَرُّ إذ رُفعَ الحديثُ وينفعُ
الرواية من يستلب المنابر أهلها. يعني منابر غلبت عليها بنو يربوع، منها منابر خراسان، غلب
عليها وكيع بن أبي سود الغداني، وقتل قتيبة ابن مسلم الباهلي. قال: ومنبر الكوفة غلب عليه مطر
بن ناجية الرياحي، وطرد أميرها عبد الرحمن الحضرمي، عامل الحجاج بن يوسف. والأسود بن
نعيم بن قعنب أخذ منبر المدينة. ومنبر البصرة غلب عليه سلمه بن ذؤيب الرياحي، وقتل مسعود بن
عمرو الأزدي، في فتنة عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان، حين هلك يزيد بن معاوية. قال: وقد أملينا
حديث مسعود بن عمرو الأزدي في رواية أبي عبيدة.
أيُفايِشونَ ولم تَزِنْ أيامُهُم أيامَنا ولَنا اليَفاعُ الأرفَعَ
ويروى الأفرع. قوله ولنا اليفاع الأرفع، يقول لنا الشرف المترفع، الذي لا يبلغه مفاخر، ولا يقاربه
مباذخ، فضربه مثلًا لليفاع.
مِنّا الفوارِسُ قد علمتَ ورائِسٌ تهدِي قنابِلَهُ عُقابٌ تلمعُ
رائس رئيس. والقنابل الجماعات، الواحدة قنبلة، يريد جماعةً بعد جماعةٍ. والعقاب يريد الراية.
وتلمع أي هي ظاهرة مشهور مكانها ثابتة لا تنهزم.
ولَنا عليكَ إذا الجُباةُ تَفارَطوا جابٍ لهُ مَددٌ وحَوضٌ مُترعُ
[ ٣ / ١٠٥٥ ]
قوله إذا الجباة، هم السقاة الذين يملأون الحياض، حتى ترد الإبل وتشرع فيها. وقوله تفارطوا، يريد
تقدموا للاستقاء قبل أن تردَ الإبل. قال: والفرط الرجل يقدم أولادًا صغارًا، فهم له شافعون يوم
القيامة. وقوله جاب له مدد، يقول له مستق من الماء الكثير. قال: وإنما هذا مثل ضربه، يقول لنا
سادة ذادة كثير خيرهم.
هَلاّ عَدَدتَ فَوارِسًا كَفوارِسي يومَ ابنُ كَبشَةَ في الحديدَ مُقنّعُ
يعني يوم ذي نجب. قال: وقد أملينا حديث يوم ذي نجب، فيما أمليناه من الكتاب.
خَضَبوا الأسنّةَ والأعنّةَ إنهم نالوا مَكارِمَ لم ينَلها تُبّعُ
وابنَ الرِبابِ بذاتِ كَهفٍ قارَعوا إذ فَضّ بيضَتَهُ حُسامٌ مِصدَعُ
قوله وأبن الرباب، يريد الأسود بن المنذر، وأم الأسود أمامة بنت جلهم، من تيم الرباب. قال: ولذلك
قال ابن الرباب.
واستنزَلوا حَسّانَ وابنَى مُنذِرٍ أيامَ طِخفَةَ والسروجُ تَقَعقَعُ
يريد حسان بن معاوية الكندي، وقد أملينا حديثه فيما أمليناه من الكتاب.
تلكَ المكارِمُ لم تجد أيامَها لمُجاشعٍ فقفوا ثُعالَةَ فارضَعوا
لا تظمَأونَ وفي نُحَيحٍ عمّكُمْ مَروىً وعندً بني سُويدٍ مَشبَعُ
قوله في نحيح، هو نحيح بن عبد الله بن مجاشع. وثعالة عبد لهم. وقد أملينا حديثه فيما أمليناه من
الكتاب.
نزفَ العُروقَ إذا رَضعتُم عمّكُم أنفٌ بهِ خَثَمٌ ولحيٌ مُقنَعُ
قتلَ الخِيارُ بَنو المُعلبِ عَنوَةً فخُذوا القَلائِدَ بعدهُ وتَقنّعوا
وُطِيء الخِيارُ ولا تخافُ مجاشِعٌ حتى تحطّمَ في حَشاهُ الأضلُعُ
[ ٣ / ١٠٥٦ ]
ودَعا الخِيارُ بَني عِقالٍ دَعوةً جَزعًا وليسَ إلى عقالٍ مجزَعُ
يريد الخيار بن سبرة، وهو من بني مجاشع، قتله بنو المهلب في فتنة يزيد بن المهلب. قال: وكان
الخيار أميرًا على عمان، وكان أمره عدي ابن أرطاة الفزاري، وكان عدي عاملًا لعمر بن عبد العزيز
على البصرة.
لو كانَ فاعترَفوا وَكيعٌ منكُمُ فَزعَتْ عُمانُ فما لكم لم تَفزعوا
هَتفَ الخيارُ غَداةَ أدرِكَ رُوحُهُ بمجاشع وأخو حُتاتٍ يسمعُ
لا يفزَعنً بنو المُهلبِ إنهُ لا يُدرِكُ الترّةَ الذليلُ الأخضَعُ
هذا كما تركوا مَزادًا مُسلَمًا فكأنما ذُبحَ الخروفُ الأبقَعُ
قال: وقد أملينا حديث مزاد. قال وذلك أنه قتل عوف بن القعقاع مزادًا. يقول فهدر دمه، هدر دم
الخروف.
زعمَ الفرزدقُ أنْ سيقتُلُ مَربعًا أبشر بِطولِ سلامةٍ يا مَربعُ
مربع هو لقب لُقب به، واسمه وعوعة، رواية لجرير. وكان نفر بأبي الفرزدق وضربه، فيقال إنه
مات في تلك العلة، فحلف الفرزدق ليقتلنه، فقال جرير حينئذ لمربع: أبشر بطول سلامة يا مربع،
تكذيبًا للفرزدق في مقالته ليقتلن مربعًا، أي أنك لا تموت إلا ميتة نفسك. وهو وعوعة أحد بني أبي
بكر بن كلاب.
إنّ الفرزدقَ قد تبينّ لُؤمهُ حيثُ التقتْ حُشَشاؤهُ والأخدَعُ
قال: الحششاء العظم الناتيء خلف الأذن. والأخدع عرق في صفح العنق، يحتجم عليه المحتجم.
حُوقُ الحِمارِ أبوكَ فاعلَمْ عِلمَهُ ونَفاك صَعصعَةُ الدّعِي المُسبَعُ
المسبع المهمل المتروك الذي قد خلاّه أهله ونفوه وذلك لخبثه.
[ ٣ / ١٠٥٧ ]
وزَعمتَ أمكمُ حَصانًا حُرّةً كَذبًا قُفَيرةُ أمكُم والقَوبَعُ
وبَنو قُفيرةَ قد أجابوا نهشَلًا باسمِ العُبودَةِ قبلَ أن يتَصعصَعوا
هذي الصحيفةُ مِنْ قُفيرةَ فاقرأوا عُنوانهَا وبشر طينٍ تُطبَعُ
كانت قُفيرةُ بالقَعودِ مُربّةً تبكي إذا أخذَ الفصيلَ الروبَعُ
القعود البعير يقتعده صاحبه فيركبه في حوائجه. وقوله مربة، يقول لازقة به لا تفارقه. قال:
والروبع داء يصيب الفصلان فتضعف لذلك الفصلان وتسترخي.
تَلقى نِساء مجاشعٍ مِنْ ريحِهِم مَرضى وهُنّ إلى جُبيرٍ نُزّعُ
جبير كان عبدًا لصعصعة، فنسب جرير غالبًا أبا الفرزدق إلى جبير، وكان قينًا يعيّره بذلك.
ليلى التي زَفرتْ وقالت حَبذا عَرقُ القِيانَة مِنْ جُبيرٍ يَنبُعُ
ليلى الذي غيرتُمُ أنْ قُلتُمُ هذا لَعمرُ أبيكَ قَين مُولَعُ
ويروى طير مولع. الرواية أفكان ما غيّرتم أن قلتم.
بئسَ الفوارِسُ يا نَوارُ مجاشِعٌ خُورٌ إذا أكلوا خَزيرًا ضَفدَعوا
قوله ضفدعوا يعني سلحوا. ويروى الخزيرة. ضفدعوا أي ضرطوا.
يَغدون قد نفخَ الخَزيرُ بُطونهُم رَغدًا وضَيفُ بني عِقالٍ يخفَعُ
يُصرع ويُغشى عليه من الجوع.
أينَ الذينَ بِسيفِ عمروٍ قُتّلوا أم أينَ أسعدُ فيكُمُ المُسترضَعُ
[ ٣ / ١٠٥٨ ]
يعني عمرو بن هند. قال: وذلك أنه كان أغار على بني دارم يوم أوارة، فأصاب فيهم. وقد أملينا
حديثه فيما أمليناه، وحديث أسعد بن عمرو.
حَرّبتُمُ عَمرًا فلما استوقَدتْ نارُ الحروبِ بغُرّبٍ لم تمنعوا
قوله بغرب هو اسم جبل كانت فيه الوقعة.
وبأبرَقي ضَحيان لاقوا خِزيَة تلكَ المَذلّةُ والرِقابُ الخُضّعُ
خورٌ لهم زَبدٌ إذا ما استَأمنوا وإذا تتابَعَ في الزمانِ الأمرُعُ
هل تعرِفونَ على ثَنيّةِ أقرُن أنَسَ الفَوارِسِ يومَ شُكّ الأسلَعُ
قوله الأسلع يعني الأبرض، يريد عمرو بن عمرو بن عدس ابن زيد. قال: وكان أبرص. قال:
وقوله أنس الفوارس، عنى أنس بن زياد العبسي.
وزَعمتَ وَيلَ أبيكَ أنّ مجاشِعًا لو يسمعون دعاء عَمروٍ وَرّعوا
ورعوا حبسوا خيلهم عليه. يقال ورّع الرجل إذا وقف في الحرب.
لم يخفَ غدرُكُمُ بِغَورِ تهامَةٍ ومجر جِعثنَ والسماعُ الأشنَعُ
أختُ الفرزدقِ مِنْ أبيهِ وأمّهِ باتت وسيرتهُا الوَجيفُ الأرفَعُ
قال: الوجيف سير في عجلة وحركة شديدة. يقال قد أوجف القوم، وذلك إذا أسرعوا في سيرهم.
قد تعلمُ النخَباتُ أنّ فَتاتهُمْ وُطئتْ كما وُطئ الطريقُ المَهيَعُ
هلاّ غضبتَ على قُرومِ مُقاعِسٍ إذ عجّلوا لكمُ الهوانَ فأسرعوا
نُبئتُ جعثنَ دافعتهُم باستَها إذ لم تجد لمجاشع من يدفعُ
أمدَحتَ ويحكَ مِنقَرًا أن ألزَقوا بالحارقَين فأرسلوها تظلَعُ
[ ٣ / ١٠٥٩ ]
باتت بكلِ محُرّفٍ حامي القَفا حابِي الضلوعِ مُقاعِسيّ تُكسَعُ
قوله مقاعسي، يعني مقاعس، وهم عبيد، وصريم، وربيع، بنو الحارث ابن عمرو بن عوف بن
سعد.
يا ليتَ جعثنَ عندَ حجرةِ أمّهِا إذ تستديرُ بها البلادُ فتُصرعُ
قال الفرزدقُ وابنُ مُرّةَ جامِحٌ كيفَ الحياةُ وفيكِ هذا أجمعُ
جُرّتْ فتاةُ مجاشِعٍ في مِنقَرٍ غير المِراء كما يجُر الميكَعُ
قوله الميكع هو السقاء، يُدنى فمه من الغدير ومن الحوض، فيُملأ ثم يجر فيُنحّى.
يبكي الفرزدقُ والدماء على استِها قُبحًا لتلكَ غُروبَ عينٍ تدمعُ
أوقدتَ نارَكَ فاستضأتَ بخزيَةٍ ومنَ الشهودِ خَشاخِشٌ والأجرَعُ
خشاخش والأجرع موضعان.
تبا لجِعثنَ إذ لقيتَ مُقاعسًا مُتخَشعًا ولأيّ شَكرِ تخشَعُ
الشكر الجماع. قال عمارة في روايته: أنسيت جعثن.
هذا الفرزدقُ ساجدًا لمُقاعِسٍ والقينُ أجزل بالصفاح موقّع
جَدعتْ مسامِعكَ التي لم تحمِها سعدٌ فلين بنابتٍ لك مسمع
سعدُ بنُ زيدِ مَناةَ عِزّ فاضِلُ جمع السعود وكل خير يجمع
ويروى فضلوا السعود وكل خير يجمع.
يكفي بني سعدٍ إذا ما حارَبوا عِزٌ قُراسِيَةٌ وجَدُّ مِدفَعُ
القراسية العظيم الجسم. وجد مدفع يقول يدفع عنه الأعداء لعزه.
الذائدونَ فلا يهُدّمُ حوضُهُم والوارِدونَ فوِردُهُم لا يُقدَعُ
[ ٣ / ١٠٦٠ ]
قوله لا يقدع، يقول لا يرد ولا يكف. يقال قدعه عن ذاك وكفه بمعنى واحد.
ما كانَ يضلَعُ مِنْ أخي عِمّيّةٍ إلا عليهِ دُروء سعدٍ أضلَعُ
قوله يضلع أي يميل ويتقي. وعميّة ضلالة والدُّروء شماريخ تنتأ من الجبل، وهذا مثل.
فاعلمْ بأنّ لاِلَ سعدِ عندنا عهدًا وحَبلَ وثيقَةٍ لا يُقطعُ
يعتادُ مخدَعهُ الفرزدقُ زانيًا أفَلا يهُدّمُ يا نَوارُ المخدعُ
عرفوا لنا السلفَ القديمَ وشاعرًا تركَ القصائدَ ليسَ فيها مصنعُ
ورأيتَ نبلكَ يا فرزدقُ قَصرّتْ ووجدتَ قوسكَ ليسَ فيها منزَعُ
هذا مثل. أي ليس عندك غناء.
وقال الفرزدق لخالد بن عبد الله ويهجو جريرًا:
ألا مَنْ لمُعتادٍ منَ الحُزنِ عائِدِ وهَمّ أتى دونَ الشراسيفِ عامِدي
الشراسيف منقطع ضلوع الجنبين. والمعنى في ذلك يقول: هذا الهم الذي أصابني قد دخل هذا
المدخل.
وكم مِن أخٍ لي ساهرِ الليلِ لم يَنمْ ومُستثقَلٍ عني منَ النومِ راقِدِ
وما الشمسُ ضوء المشرقينِ إذا انجلتْ ولكن ضوء المشرقينِ بخالد
ستعلمُ ما أثنى عليكَ إذا انتهتْ إلى حضرموتَ جامحاتُ القصائِدِ
ألم ترَ كفّي خالِدٍ قد أفادتا على الناسِ رِزقًا مِن كثيرِ الروافِدِ
[ ٣ / ١٠٦١ ]
أسالَ لهُ النهرَ المباركَ فارتمَى بمِثلِ الزوابيِ المُزبداتِ الحَواشِد
ويروى فإن له النهر المبارك. وروى أبو عمرو:
وكانَ لهُ النهرُ المباركُ فارتمى بهِنّ إليهِ مُزبداتِ الحواشِدِ
ويروى على الراسيات العاليات الحواشد. قوله المزبدات الحواشد، قال: حواشد الماء حوالبه التي
تصب فيه.
فزِدْ خالدًا مثلَ الذي في يمينِهِ تجدهُ عَن الإسلامِ مِن خيرِ ذائِدِ
قوله فزد خالدًا، يقول يا رب زد خالدًا من الخير يدعو له.
فإني ولا ظُلمًا أخافُ لخالدِ منَ الخوفِ أسقَى مِنْ سِمامِ الأساوِدِ
وإني لأرجو خالدًا أن يفُكّني ويُطلقَ عني مُقفَلاتِ الحَدائدِ
تكشّفَت الظلماءُ عن نورِ وجههِ لضوء شِهابٍ ضَوؤهُ غيرُ خامِدِ
ألا تذكُرونَ الرحمَ أو تُقرضونَني لكم خُلقًا من واسِع الخُلقِ ماجِدِ
يقول خلقكم واسع. ويروى لكم حلبًا، يعني بلاء يُحلب.
لهُ مِثلُ كَفّي خالِدٍ حينَ يشتَري بكل طَريفٍ كل حمدٍ وتالدِ
فإن يكُ قيدي ردّ همي فربما تناولتُ أطرافَ الهمومِ الأباعِدِ
ويروى:
فإن يكُ قيدي أدهمَين فربما ترامَى بهِ رامِي الهمومِ الأباعدِ
[ ٣ / ١٠٦٢ ]
منَ الحامِلاتِ الحَمدَ لمّا تَكمّشتْ ذَلاذِلهُا واستورأت للمُناشِدِ
قوله لما تكمشت، يعني ارتفعت. وذلاذلها علائقها. وقوله واستورأت، يقول نفرت ومضت. والمناشد
الذي ينشد - يريد يطلب - ضالة فهو ينشدها.
فهل لابنِ عبدِ اللهِ في شاكرٍ لهُ بمعروفٍ أنْ أطلقتَ قيديهِ حامدِ
بمعروف منون، وحامد مردود على شاكر. يريد بمعروف حامد، إن أطلقت قيديه حامد لك. قال:
ففرق بين المضاف والمضاف إليه، وهذه حجة في النحو.
وما من بلاء غيرَ كل عَشيةٍ وكل صباحٍ زائرٍ غير عائدِ
يقولُ ليَ الحدادُ هل أنتَ قائمُ وما أنا إلا مثلُ آخرَ قاعدِ
كأني حَرورِيُّ لهُ فوقَ كعبه ثلاثون قيدًا من صريمٍ وكابِدِ
قوله صريم، يعني صريم بن الحارث وهو مقاعس. قال: وكانوا خوارج. كابد حي من اليمن.
وإما بدَينٍ ظاهَروا فوقَ ساقِهِ فقد عَلِموا أنْ ليسَ دَيني بناقِدِ
وراوٍ عليّ الشعرَ ما أنا قُلتهُ كمعتَرضٍ للرمحِ بين الطرائِدِ
الطرائد التي تُطرد، والطريدة ما طُرد من الصيد.
[ ٣ / ١٠٦٣ ]
فناكَ الذي يروي عليَ التي مشتْ بهِ بين حَقوَي بطنِها والقلائِدِ
بأيرِ ابنِها إنْ لم تجئ حينَ تلتقي على زورِ ما قالوا عليّ بشاهِدِ
قال فأجابه جرير ويمدح خالد بن عبد الله، فقال:
لعلّ فِراقَ الحيّ للبين عامِدي عشيةَ قاراتِ الرحيلِ الفَواردِ
يقال عمد سنام البعير يعمد عمدًا، إذا خرجت فيه دبرة فأفسدته. وإنما هو مثلٌ. والقارات الجبال
الصغار. والرحيل من البصرة على فرسخين، وهو منزل معروف.
لَعمرُ الغَوانيِ ما جَزينَ صَبابتي بهنّ ولا تحبيرَ حوكِ القصائِدِ
قوله تحبير يريد تحسين، يقال من ذلك قد حبّرَ الشاعر شعره، وذلك إذا حسّنه وجوّده. قال أبو
عبيدة: وكأنه مأخوذ من الحبرة، وحبر اليمن المخطط.
رأيتُ الغواني مُولَعاتٍ بذي الهوى بحُسن المُنى والخُلفِ عندَ المَواعِد
لقد طالَ ما صِدنَ القُلوبَ بأعينٌ إلى قَصَبٍ زين البُرى والمَعاضِدِ
قال: البرى الخلاخيل. والمعاضد يعني الدماليج. ويروى والمعاقد.
وكم من صديقٍ واصِلٍ قد قطعنَهُ وأفتَن مِنْ مُستحكِمِ الدينِ عابدِ
[ ٣ / ١٠٦٤ ]
أتُعذَرُ أنْ أبديتَ بعدَ تجلُّد شَواكِلَ مِنْ حُبٍّ طريفٍ وتالدِ
فإن التي يومَ الحَمامةِ قد صَبا لها قلبُ تَوّابٍ إلى اللهِ ساجدِ
قوله يوم الحمامة، يعني حمامة داود ﵇. وقوله لها قلب، يعني قلب داود، على نبينا وعليه
الصلاة والسلام.
ونطلُبُ وُدا منكِ لو نَستفيدُهُ لكانَ إلينا مِنْ أحَبِّ الفَوائدِ
ويروى ومطلب دينًا ولو يستفيده لكان إليه.
فلا تجمعي ذِكرَ الذنوبِ لتبخلي علينا وهجرانَ المُدِلّ المُباعدِ
إذا أنتَ زًرتَ الغانياتِ على العَصا تمنّيتَ أن تُسقى سِمامَ الأساود
أعِفُّ عَنِ الجارِ القريبِ مَزارُهُ وأطلُبُ أشطانَ الهُمومِ الأباعدِ
قال: الأشطان في غير هذا الموضع الحبال، وهي، ها هنا، الأسباب.
لقد كانَ داءٌ بالعراقِ فما لَقُوا طبيبًا شَفى أدواءَهم مثلَ خالدِ
يعني خالد بن عبد الله القسري.
شَفاهُم بحلمِ خالَطَ الدِينَ والتُقا ورأفةَ مهدِيّ إلى الحق قاصدِ
فإن أميرَ المؤمنينَ حَباكُمُ بمُستبصرِ في الدين زَين المَساجدِ
وإنّ ابنَ عبدِ اللهِ قد عُرفَت لهُ مواطنُ لا تخزيهِ عندَ المَشاهِدِ
وأبلى أميرَ المؤمنينَ أمانَةً وأبلاهُ صِدقًا في الأمورِ الشدائدِ
إذا ما أراد الناسُ منهُ ظُلامَةً أبى الضيمَ واستعصى على كلِ قائدِ
فكيفَ يرومُ الناسُ شيئًا مَنعتَهُ لهًا بين أنيابِ الليوثِ الحَوارِد
[ ٣ / ١٠٦٥ ]
قال أحمد بن عبيد: هو منعنه، يعني اللَّها فقدّم وجمع. أي الذي تمنعه أنت كأنه في لهاة بين أنياب
ليث، فمن يقدر على استخراجه.
إذا ما لقيتَ القِرنَ في حارة الوغا تنفّسَ من جيّاشَةٍ ذاتِ عانِدِ
قوله جياشة، يقول هذه الطعنة تجيش بالدم، كما تجيش القدر بما فيها من شدة الغليان. وقوله ذات
عاند، يقول الدم الذي يسيل من هذه الطعنة عاند، يريد يأخذ غير الطريق من كثرته، يذهب الدم يمنة
ويسرة، وهو من قولهم: قد عَنَد فلان عن الطريق، إذا ذهب مذهب الباطل والظلم، فكأنه مشتق من
ذلك، قال أبو جعفر: عاند لا يجيب راقيًا من سعة مخرجه من الطعنة.
وإنْ فَتنَ الشيطانُ أهلَ ضلالَةٍ لَقُوا منكَ حربًا حميُها غيرُ بارِدِ
إذا كانَ أمنٌ كانَ قلبُكَ مؤمنا وإنْ كانَ حوفٌ كنتَ أحكمَ ذائدِ
قوله كنت أحكم ذائد، كنت أحكم من يدفع عن حريمه. يقال فلان يذود الناس، وذلك إذا دفع عنهم.
حميتَ ثغورَ المسلمينَ فلم تُضعْ وما زِلتَ رأسًا قائدا وابنَ قائدِ
تُعدُ سرابيلَ الحديدِ معَ القَنا وشُعثَ النواصيِ كالضراء الطواردِ
قوله كالضراء الطوارد، يعني الكلاب الضارية، الواحد ضرو، والأنثى ضروة.
وإنكَ قد أعطيتَ نصرًا على العِدى ولُقيتَ صبرا واحتسابَ المُجاهد
إذا جمعَ الأعداءُ أمرَ مكيدةٍ لِغدرٍ كفاكَ اللهُ كيدَ المُكايدِ
[ ٣ / ١٠٦٦ ]
وإنّا لنرجو أن توافقَ عُصبةً يكونونَ للفردوسِ أولَ وارِد
تمكنتَ في حيي مَعدَ مِنَ الذُرى وفي اليَمنِ الأعلى كريمَ الموالِد
يعني كريم الآباء والأمهات.
فُروعٍ وأصلٍ من بجيلَةَ في الذُرى إلى ابنِ نزارٍ كانَ عمًا ووالدِ
وما زِلتَ تسمو للمكارمِ والعُلى وتعمُرُ عزًا مُستنيرَ الموارِدِ
إذا عُدّ أيامُ المكارمِ فافتخرْ بآبائكَ الشُم الطوالِ السواعدِ
قوله الشم الطوال المرتفعة، وهذا مثلٌ ضربه للشرف والكرم. أي أن حسبهم لا يبلغه من يُفاخره.
وكم لكَ مِنْ بانٍ رفيعٍ بِناؤهُ وفي آلِ صَعبٍ مِنْ خطيبٍ ووافدِ
يريد صعب بن علي بن بكر بن وائل. ويروى وكم من أبٍ صعب رفيع بناؤه.
يَسركَ أيامَ المُحصّبِ ذَكرُهم ويومَ مقامِ الهَدي ذاتِ القلائدِ
ويروى يُشرف أيام المحصب. المعنى في ذلك، يقول إذا اجتمع الناس من كل فج عميق، تذاكروا
آباءهم قديمًا وحديثًا يتفاخرون. يقول: إذا تفاخر الناس في تلك الأيام، سرك ما سمعت من ذكر آبائك،
وما تقدم من فعلهم.
[ ٣ / ١٠٦٧ ]
بَنيتَ المَنارَ المُستنيرَ على الهُدى فأصبحتَ نورًا ضَوؤهُ غيرُ خامدِ
بنيتَ بناء لم يرَ الناسُ مثلهُ يكادَ يُوازي سُورهُ بالفَراقد
وأعطيتَ ما أعيى القُرونَ التي مضتْ فنَحمدُ مولانا وليّ المَحامِد
لقد كانَ في أنهارِ دجلةَ نعمةٌ وحُظوةُ جَدّ للخليفةِ صاعدِ
عطاء الذي أعطى الخليفةَ مُلكهُ ويكفيهِ تزفارَ النفوسِ الحواسِدِ
فإن الذي أنفقتَ حَزمًا وقوةً يجيء بإضعافٍ منَ الربحِ زائِد
ويروى فكان. و: فأبشر بأضعاف قال: يعني ما أنفقه على المبارك، نهر كان احتفره خالد.
جَرتْ لكَ أنهارٌ بيُمنٍ وأسعُدٍ إلى زينةٍ في صحصَحان الأجالدِ
يُنَبّتْنَ أعنابًا ونخلًا مباركًا وحبًا حصيدًا من كريم الحصائِد
ويروى وأنقاء بُر في جرون الحصائد.
إذا ما بعثنا رائدًا يطلبُ الندَى أتانا بحمدِ اللهِ أحمدَ رائِد
ويروى إذا ما أردنا رائدًا. و: أتانا بحمد الله من خير رائد. الرائد الذي يطلب الكلأ. ومثلٌ من أمثال
العرب في الصدق: "الرائد لا يكذبُ أهله". يقول هو يصدقهم.
[ ٣ / ١٠٦٨ ]
فهل لكَ في عانٍ وليسَ بشاكرٍ فتُطلِقَهُ من طولِ عَضّ الحدائِدِ
هذا يقوله لخالد في الفرزدق، أي إن أطلقته لم يشكرك.
يعودُ وكانَ الخُبثُ منهُ طبيعةً وإنْ قال إني مُتعبٌ غيرُ عائِد
فلا تقبلوا ضربَ الفرزدقِ إنهُ هوَ الزيفُ ينفي ضربهُ كلُ ناقِدِ
نَدِمتَ وما تُغني الندامةُ بعدما تطوّحتَ مَنْ صَكّ البُزاةِ الصوائدِ
تطوحت أي سقطت من أعلى إلى أسفل.
وكيفَ نجاةٌ للفرزدقِ بعدما ضَغا وهوَ في أشداقِ أغلبَ حارِدِ
قوله في أشداق أغلب، يعني في شدق أسد غليظ الرقبة. وإنما ضرب الأسد مثلًا لنفسه، شبّه نفسه
بالأسد.
يُلوّي أستَهُ مما يخافُ ولم يزل بهِ الحَينُ حتى صارَ في كَفّ صائِدِ
بَني مالك إنّ الفرزدقَ لم يزل كَسوبًا لعار المُخزياتِ الخوالِدِ
وإنّا وجدنا إذْ وفَدنا عليكمُ صُدورَ القَنا والخيلَ أنجحَ وافدِ
ألم ترَ يربوعًا إذا ما ذكرتهُا وأيامها شَدّوا مُتونَ القصائدِ
فمن لك إنْ عَدّدتَ مثلَ فوارسي حَووا حَكمًا والحضرمي بنَ خالدِ
يعني الحضرمي بن عامر بن مجمع بن موألة بن خالد بن ضب بن القين بن مالك بن ثعلبة بن
دودان بن أسد بن خزيمة. والحكم بن مروان بن زنباع بن جذيمة العبسي، أسرتهما بنو يربوع.
وقال جرير يمدح هلال بن أحوز المازني، ويفخر بأبناء إسماعيل وإسحاق، ويهجو الفرزدق وبني
طهية:
[ ٣ / ١٠٦٩ ]
لمن رَبعُ دارهَم أنْ يتغيرا تَراوحَهُ الأرواحُ والقطرُ أعصرُا
ويروى رسم دار. وقوله تراوحه الأرواح، يعني تعاوره الأرواح هذه مرة وهذه مرة. وقوله أعصرا،
يعني دُهورا، وواحد الأعصر عصر.
وكُنا عَهِدنا الدارَ والدارُ مَرّةً هيَ الدارُ إذ حلّت بها أم يَعمُرا
ذكَرنا بها عَهدًا على الهجرِ والبِلى ولابُد للمَشعوفِ أنْ يتذكّرا
ويروى ذكرت. و: على النأي.
أجِنّ الهوىَ ما أنسَ لا أنسَ مَوقِفا عَشيّةَ جَرعاء الصريفِ ومَنظَرا
عَشيّةَ تَسبي القلبَ من غيرِ ريبَةٍ إذا سفرت عن واضِح اللون أزهرا
أزهر أبيض. وقوله عشية جرعاء، قال: الجرعاء الرابية من الرمل. قال الأصمعي: قد جاء في
الحديث، إن ليلة الجمعة ليلة غراء، ويومها يوم أزهر. والأزهر الأبيض.
أتى دونَ هذا النومِ همٌّ فأسهَرا أراعي نُجومًا تالياتٍ وغُوّرا
قوله تاليات يعني نجوم آخر الليل. وقوله غورا، يعني بدأن بالمغيب.
أقولُ لها من ليلةٍ ليسَ طُولهُا كَطُولِ الليالي ليتَ صُبحَككَ نَوّرا
حذارًا على نفسِ ابنِ أحوزَ إنهُ جَلا كلّ وجهٍ من مَعَدّ فأسفرا
أخافُ عليه إنهُ قد شفى جَوىً وأبلى بَلاء ذا حُجولٍ مُشهّرا
قال: الجوى الداء الباطن، الذي لا يقدر الطبيب على أن يراه بعينه، فعلاجه شديد.
[ ٣ / ١٠٧٠ ]
وإنما أراد أنه قد شفى قلوبًا من داء شديد بإدراك الذحل. ثم قال: وأبلى بلاء ذا حجول مشهرا. يقول
فعل فعلا اشتهر به وعُرف، كما عُرف هذا الفرس المشهور، وهو الأبلق من الخيل.
ألا رُبّ سامي الطرفِ من آلِ مازِنٍ إذا شمّرتْ عن ساقِها الحربُ شَمّرا
أتنسونَ شَدّاتِ ابنِ أحوزَ مُعلِمًا إذا الموتُ بالموتِ ارتدى وتأزّرا
تقول أعلم الرجل في الحرب، إذا لبس خرقة حمراء، أو صفراء، أو شيئًا يُعرف به.
فأدركَ ثأرَ المِسمَعين بسيفهِ وأغضبَ في يومِ الخيار فنَكّرا
قوله فأدرك ثأر المسمعين، قال: المسمعان مالك وعبد الملك ابنا مسمع. والخيار هو ابن سبرة
المجاشعي.
جعلتَ بقبرٍ للخيارِ ومالكٍ وقبر عَدِيّ في المقابرِ أقبُرا
شفيتَ منَ الأثآرِ خولةَ بعدما دعتْ لهفها واستُعجِلَتْ أن تخمّرا
هي خولة بنت عطية بن عمار، من بني وائل باهلة. وكانت امرأة عدي ابن أرطاة، فقُتل زوجها،
فيقول شفيتها ممن قتل زوجها.
وغرّقتَ حِيتانَ المَزونِ وقد رأوا تميمًا وعِزا ذا مناكبَ مِدسرَا
قوله مدسر هو الرجل الشديد المدافعة، يقال دسر دسرًا أي دفعه دفعًا شديدًا.
فلم تُبقِ منهم رايةً يرفعونهَا ولم تُبقِ من آلِ المُهلّبِ عَسكرا
وأطفأتَ نيرانَ النفاقِ وأهلِها وقد سارعوا في فتنةٍ أن تسعّرا
[ ٣ / ١٠٧١ ]
فإن لأنصارِ الخلافةِ ناصِرًا عزيزًا إذا طاغِ طغى وتجبرا
فذو العرشِ أعطانا على الكُره والرِضا إمامَ الهُدى ذا الحِكمةِ المُتخيرا
وإنّ الذي أعطى الخلافةَ أهلَها بنى ليَ في قيسٍ وخندفَ مفخرا
فأمستْ رواسي المُلكَ في مُستقرِها بمُنتجَبٍ من آلِ مراونَ أزهرا
مَنابرُ مُلك كلها خِندفيّةٌ يُصليّ عليها من أعرناهُ منبرا
أنا ابنُ الثرى أدعوا قُضاعةَ ناصرًا وآلَ نزارٍ ما أعف وأكثرا
عديدًا مَعدّيا لهُ ثروةُ الحَصى وعزا قُضاعِيا وعزّا تَنَزّرا
نِزارٌ إلى كلبٍ وكلبٌ إليهمُ أحقُّ وأدنى مِن صُداء وحمِيرَا
فأيُّ مَعَدّيّ يخافُ وقد رأى جِبالَ مَعَدّ والعديدَ المُجمهرا
المجمهر يريد العديد الكثير المعظم.
أبونا خليلُ اللهِ واللهُ رَبُنا رضينا بما أعطى المَليكُ وقدّرا
بنى قِبلَةَ اللهِ التي يهتدى بها فأورثَنا عِزا ومُلكًا مُعمّرا
أبونا أبو إسحاق يجمعُ بيننا أبٌ كانَ مهديًا نبيا مُطهرا
فيجمعُنا والغُر أبناء سارةٍ أبُ لا نُبالي بعدهُ من تغدّرا
ومنا سليمانُ النبيُّ الذي دعا فأعطيَ تبيانًا ومُلكًا مُسخّرا
ويعقوبُ منا زادَهُ اللهُ حكمةً وكانَ ابنُ يعقوبٍ نبيًا مُصدّرا
[ ٣ / ١٠٧٢ ]
وعيسى وموسى والذي خرّ ساجدًا فنَبّتَ زَرعًا دمعُ عينيهِ أخضرا
وأبناءُ إسحاق الليوثُ إذا ارتدوا محَامِلَ موتٍ لابسينَ السنوّرا
السنور يعني الدروع والسلاح.
ترى منهمُ مُستبشرينَ إلى الهُدى وذا التاج يُضحي مَرزُبانًا مُسوّرا
قوله مرزبانا مسورا، يعني أن العجم من بني إسحاق بن إبراهيم، ﵉.
أغرّ شبيهًا بالفَنيقِ إذا ارتدى على القُبطُريّ الفارسيّ المُزرّرا
الفنيق الفحل من الإبل.
فيَومًا سرابيلُ الحديدِ عليهمُ ويومًا ترى خزّا وعصبًا مُنيرّا
إذا افتخروا عدّوا الصبَهبَذَ منهمُ وكسرى وآلَ الهُرمُزانِ وقيصرا
وكانَ كتابٌ فيهمُ ونبوةٌ وكانوا بإصطخرَ الملوكَ وتُسترا
أي كان الملوك ينزلون إصطخر وتُستر.
وقد جاهدَ الوضّاحُ في الدِين مُعلِمًا فأورثَ مجدًا باقيًا آل بَربَرا
لَشَتّانَ من يحمي تميمًا منَ العِدى ومن يعمرُ الماخورَ فيمن تمخّرا
فبُؤ بالمخازي يا فرزدقُ لم يبتْ أديمُككَ إلا واهيًا غيرَ أوفرا
ألا قبحَ اللهُ الفرزدقَ كلما أهلّ مهلٌّ بالصلاة وكَبرّا
فإنكَ لو تعطي الفرزدقَ دِرهمًا على دينِ نصرانيةِ لتنَصرا
فلا يقربنً المَروتينِ ولا الصفا ولا مسجدَ اللهِ الحرامَ المُطهّرا
[ ٣ / ١٠٧٣ ]
يبّين في وجه الفرزدقِ لؤمهُ وألأمُ منسوبٍ قَفا حينَ أدبرا
وتعرفُ منهُ لؤمهُ فوقَ أنفهِ فقُبّحَ ذاكَ الأنفُ أنفًا ومشفَرا
لحا اللهُ ماء من عُروقٍ خَبيثةٍ سَقت سابياء جاء فيها مخُمّرا
السابياء الذي يخرج من الولد، وهو لفافة الولد.
فما كانَ من فحلينِ شرُّ عُصارةً وألأمُ من حُوقِ الحمارِ وكَيمرا
قُفيرةُ لم تُرضِعْ كريمًا بثديهَا وما أحسنتْ من حيضَةٍ أن تطهّرا
وما حملتْ إلا عِراضًا لخبثَةٍ وما سيقَ منها من سياقٍ فتمهَرا
أتعدِلُ نجلًا من قُفيرةَ مُقرِفًا بسام إذا اصطَكّ الأضاميمُ أصدَرا
ويروى صدّرا. والأضاميم الجماعات.
عشيّةَ لاقى القِردُ قردُ مجاشعٍ هَريتًا أبا شبلَين في الغِيلِ قَسورا
قال أبو عبد الله، أخبرنا أمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي: يقال فلان أهرت من فلان، يريد أوسع
فمًا للكلام.
منَ المُحمياتِ الغينَ غينَ خَفيّةٍ ترى بين لحييهِ الفريسَ المُعقرا
أشاعت قريشٌ للرزدقِ خزيَةً وتلكَ الوفودُ النازلونَ المُوقرا
وقالت قريشٌ للحَواريّ جارِكُم أرغوانَ تدعو للوفاء وضَوطَرا
قال رغوان مجاشع. وقال سعدان: رغوان رجل من بني مجاشع،
[ ٣ / ١٠٧٤ ]
وضوطر منهم أيضًا. ينسبهم إلى قلة الوفاء، ونقض العهد.
تراغيتُمُ يومَ الزبير كأنكم ضباعُ مغاراتٍ تعاظَمنَ أجعُرا
فإن عِقالًا والحُتاتَ كليهما تردّى بثوبي غَدرةٍ وتأزرا
وما كان جيرانُ الزبيرِ مجاشعٌ بالأمَ من جيرانِ وهبٍ وأغدرا
أتنعونَ وهبًا يا بني زَبدِ استَها وقد كنتمُ جيرانَ وهبٍ بن ابجرا
إلم تحبسوا وهبًا تمُنُّونهَ المُنى وكانَ أخاهم طريدًا مُسيرّا
فلا تأمنِ الأعداء أسيافَ مازنٍ ولكنّ رأي ابني قُفيرةَ قَصرّا
وإنّككَ لو ضُمنتَ من مازنِ دمًا لما كانَ يابن القينِ أن يتخيرا
ولو أنّ وهبًا كانَ حَلّ رِحالَهُ بحَجرٍ للاقى ناصرينَ وعُنصرا
روى سعدان حلّى رجاله. وليس بشيء. الرواية حل رحاله. وقوله حلى رجاله، يعني ألبسهم
السلاح. والعنصر الأصل.
ولو ضافَ أحياء بِحَزمِ مُليحَةَ للاقَى جِوارًا صافيًا غير أكدرا
ويروى بحزم سويقة. ويروى بنعف مليحة. وقوله بحزم، فالحزم ما أشرف من الأرض. ومليحة
جبل بقلة بني يربوع، معروف ذلك عندهم.
ولو حلّ فينا عاينَ القومُ دونهُ عَوابِسَ يَعلُكنَ الشكائِمَ ضُمّرا
الشكائم حدائد اللجام. ومنه قيل للرجل إنه لصلب الشكيمة.
إذا لسمعتَ الخيلَ والخيلُ تدّعي رياحًا وتدعو العاصمين وجعفرا
[ ٣ / ١٠٧٥ ]
قوله وتدعو العاصمين، قال العاصمان عاصم وأزنم ابنا عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وجعفر بن ثعلبة.
فوارسُ لا يدعونَ يالَ مجاشع إذا كانَ ما تذري السنابكُ عِثيرَا
همُ ضربوا هامَ المُلوكِ وعَجّلوا بورد غَداةَ الحوفزان فنكّرا
وقد جرّبَ الهِرماسُ وقعَ سُيوفنا وقطعنَ عن رأسِ ابنِ كبشَةَ مغفَرا
وقد جعلتْ يومًا بطخفةَ خيلُنا لآلِ أبي قابوسَ يومًا مُذَكّرا
فنوردُ يومَ الروع خيلًا مُغيرةً وتوردُ نابًا تحملَ الكيرَ صَوأرا
سُبقتَ بأيامِ الفعالِ فلم تجد لقومكَ إلا عقرَ نابكَ مفخرا
لقيتَ القُرومَ الخاطِرات فلم يكن نكيرُكَ إلا أنْ تَكِشّ وتَبعَرا
ويروى وتيعرا، وهو تصحيف ظاهر لا يصلح مع الكشيش. قال: والكشيش هدر البكارة، وهو هدر
ضعيف لا يكاد يتبين من ضعفه. وقوله تيعرا، اليعر صياح المعز، والثؤاج صوت الضأن. والقروم
الفحول، والأصل في القروم يقال لفحل الإبل الذي لم يمسه الحبل. وإنما هو للضراب لكرمه، لا
يُحمل عليه ولا يُذلل، فنُقل إلى القرم من الرجال، وهو سيد القوم والمنظور إليه منهم. قال:
والخاطرات اللواتي تضرب بأذنابها، كأنها توعد في ذلك وتُحذر من أنفسها، وإنما يفعل ذلك القرم
لقوته وشدته ونشاطه، وإنما ضرب ذلك مثلا للحرب. يقال فرجالي كهذه القروم الخاطرات بأذنابها.
ولاقيتَ خيرًا من أبيكَ فوارِسًا وأكرمَ أيامًا سُحيمًا وجَحدَرا
[ ٣ / ١٠٧٦ ]
قوله سحيمًا وجحدرا، هما ابنا وثيل. وذلك أن سحيمًا كان عاقر غالب بن صعصعة أبا الفرزدق.
قال أبو عبيدة: المعاقرة أن يضرب هذا إبله بالسيف فيعقرها، ويضرب هذا إبله بالسيف فيعقرها،
فهذه المعاقرة حتى يعجز أحدهما، فتكون الغلبة حينئذ للآخر. قال: وكانت المعاقرة بصوءر، وهو
موضع اجتمعا فيه. قال فغمره غالب فقهره. قال: فساق سحيم إبله إلى الكوفة، وجمع إليها غيرها
فعقرها بالكناسة. قال وعلي بن أبي طالب - ﵁ - بالكوفة. قال: فأمر علي - رضي الله
عنه - مناديًا فنادى في الناس، لا تأكلوها فإنه أهل بها لغير الله. فلم يطيعوه، وجعلوا ينتهبون لحومها
فيطبخونها.
همُ تركوا عَمرًا وقيسًا كِلاهمُا يَمُجُّ نَجيعًا من دمِ الجوفِ أحمرا
يعني عمرو بن كبشة، الذي أسر في يوم ذي نجب. قال: وقيس الذي ذكر، هاهنا، هو قيس أخو
الهرماس، وهما ابنا هجيمة من غسان، بارزهما عتيبة بن الحارث فعادى بينهما عداء يوم كنهل،
وهو يوم غول.
وسارَ لبكرٍ نَخبةٌ من مجاشع فلما رأى شيبانَ والخيلَ عفّرا
قوله نخبة، هو لقب، وهو الفقحة. وقوله عفرا، يقول لما رأى الخيل سقط على الأرض، فتترب.
والعرب تقول للرجل الصالح والطالح ما على عفر الأرض مثله. وهو التراب يكون ذلك هجاء
ومدحًا.
وفي أيّ يوم لم تكونوا غنيمةً وجارُكُمُ فَقعٌ يحالِفُ قَرقرا
قال: الفقع أردأ الكمأة. يقول إذ توطؤون فلا تمتنعون، كما لا تمتنع الكمأة ممن أخذها. والقرقر القاع
المستوى من الأرض.
[ ٣ / ١٠٧٧ ]
فلا تعرِفونَ الشر حتى يُصيبكُم ولا تعرفونَ الأمرَ إلا تَدبُّرا
وعَوفٌ يَعافُ الضيم في آلِ مالكٍ وكُنتم بني جوخَي على الضيم أصبرا
لقد كنتُ يابنَ القَينِ ذا خُبرٍ بِكُم وعَوفٌ أبو قيس بكم كانَ أخبرَا
يريد عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله ابن دارم.
تركتُم مَزادًا عندَ عوفٍ رَهينةً فأطعمهُ عوفٌ ضِباعًا وأنسرُا
وصالحتُمُ عَوفًا على ما يُريبكُم كما لم تَقاضوا عُقرَ جِعثنَ منقرا
فما ظنُّكم بالقُعسِ من آلِ مِنقَرٍ وقد باتَ فيهِم ليلُها مُتَسحّرَا
تَناومتَ يا بنَ القَينِ إذ يخلجِونها كخَلج الصواري السفينَ المُقَيرّا
الصواريون الملاّحون. قال: والخلج أراد النكاح. وقوله بالقعس، قال الأقعس من الرجال، الذي قد
دخل ظهره وخرج صدره. قال: والخلج أن يجذبوها إليهم، بعد إدخالهم متاعهم فيها، فشبه ذلك
بالنكاح.
وباتتْ تُنادي غالِبًا وكأنما يَشُقّونَ زِقًا مَسّهُ القارُ أشعَرا
وعِمرانُ ألقى فوقَ جِعثنَ كَلكَلاّ وأوردَ أمّ الغُولِ فيها وأصدرا
أم الغول الفيشة والكمرة.
رأى غالبٌ آثارَ فَيشَلِ مِنقَرٍ فما زالَ منها غالبٌ بعدُ مُهترَا
بكى غالبٌ لمّا رأى نُطفا بِها منَ الذُلّ إذ ألقى على النارِ أيصرَا
الأيصر الحشيش اليابس يستضيء به، فينظر ما شأن جعثن، أي حالها.
[ ٣ / ١٠٧٨ ]
جزى اللهُ ليلى عن جُبيرٍ مَلامةً وقَبّحَ قَينًا بالمِقَرينِ أعورا
إذا ذكرتْ ليلى جُبيرًا تعَصرّتْ وليسَ بشافِ داءها أن تعصرّا
جبير عبد قين كان لهم. وليلى أم غالب تعصرت من البلل مما تنزّل من مائها، إذا ذكرته من
شهوته.
تزورُ جبيرًا مَرةً ويزورها وتتركُ أعمى ذا خميلٍ مُدثّرا
تَسوفُ صُنانَ القينِ من ربّةٍ بهِ ليجعلَ في ثَقبِ المَحالةِ محورَا
يُزلولُ فيها القين مَحبوكةَ القَفا كأنّ بها لونًا منَ الوَرسِ أصفرا
فهل لكمُ في حَنثَرٍ يابنَ حنثرِ ولمّا تُصبْ تلكَ الصواعقُ حنقرا
حنثر وربيع والمشيّع كلهم من بني طهية. وقوله يا بن حنثر، يعني أبا حنثر بن فلان بن حنثر.
فإن ربيعًا والمُشيّعَ فاعلَموا على موطنٍ لم يَدريا كيفَ قدّرا
ألا رُبّ أعشى ظالمِ مُتخمّطٍ جعلتُ لعينيهِ جِلاء فأبصرا
وقد كنتُ نارًا يتقي الناسُ حرّها وسَمًا على الأعداء أصبحَ ممِقرا
يعني شدة المرارة بقوله ممقرا.
ألم أكُ زادَ المُرملينَ ووالجًِا إذا دفعَ البابُ الغريبَ المُعوّرا
قال: والمعور يريد المردود عن الباب، المدفوع عنه، فلا يؤذن له.
نُعَدُّ لأيامٍ تُعَدُّ لمِثلها فَوارِسُ قيسٍ دارِعينَ وحُسرّا
[ ٣ / ١٠٧٩ ]
وما كنتَ يابنَ القَينِ تلقى جِيادَهُم وقوفًا ولا مُستنكرًا أن تُعقّرا
أتنسونَ يومَي رَحرحانَ وقد بدا فوارسُ قيسٍ لابسينَ السّنَوّرا
تركتُم بوادي رَحرحانَ نِساءكُم ويومَ الصفا لاقيتُمُ الشِعبَ أوعرا
قوله بوادي رحرحان، هو موضع كانت فيه وقعة كثيرة القتل. وقد أملينا خبر رحرحان فيما مضى
من الكتاب. وقوله يوم الصفا، يعني يوم جبلة، وهو يوم الشعب.
سَمعتُم بني مجدٍ دَعوا يالَ عامرِ فكنتُم نَعامًا بالحَزيزِ مُنَفّرا
قوله بني مجد، وهي مجد ابنة تيم الأدرم بن غالب أخي لؤي.
وأسلمتُمُ لابنَي أسيدَةَ حاجِبًا ولاقى لقيطٌ حتفهُ فتَقطّرا
قال: أسيدة، هي أم مالك ذي الرقيبة القشيري. وقوله ولاقى لقيط حتفه فتقطرا، يقول لقي منيته
فتقطر، يريد فقطّره الرمح، أي صرعه، فسقط إلى الأرض. وذلك يوم جبلة، وهو يوم أوثب فرسه
الجرف، فسقط فتقطر، فيقول لقي حتفه، وهو منيته. يقال قطّره بالرمح إذا صرعه. ويقال تقطر به
فرسه أيضًا إذا ألقاه فرسه. والأمر في ذلك سواء، قريب بعضهما من بعض. وجدّله إذا ألقاه على
الجدالة، وهي الأرض. وتجدّل هو سقط على الأرض، سقط على أحد قطريه، وهما جانباه.
وأسلَمتِ القَلحاء للقومِ معبَدًا يجُاذِبُ مخموسًا منَ القِدّ أسمَرا
وقال الفرزدق يمدح هشام بن عبد الملك، ويهجو جريرًا وبني كليب:
[ ٣ / ١٠٨٠ ]
ألستُم عائِجينَ بِنا لَعَنّا نرى العَرصاتِ أو أثرَ الخِيامِ
عائجين يعني عاطفين. لعنا في معنى لعلنا. العرصات واحدها عرصة، وكل متسع حوله ربو، ليس
فيه بناء، يقال له عرصة، وباحة، وساحة، وبالة، كل ذلك من الأبنية. حدثنا الأصمعي، قال: حدثني
عيسى بن عمر قال: سمعت أبا النجم يقول: أغد لعنا، يريد لعلنا. قال: وفيها لغات. يقول بعض
العرب لَعَلّني، وبعضهم لَعلنّي، ويقول آخرون عليّ، ولعنّي. ويقول آخرون لأنني، وآخرون لأني
مهموز.
فقالوا إنْ عَرضتَ فأغن عَنا دُموعًا غير راقِئَةِ السَجام
يقال رقأ الدمع إذا احتبس، إذا انقطع سيلانه وقطره. سجام سيلان.
وكيف إذا رأيتً دِيارَ قومٍ وجيرانٍ لنا كانوا كِرام
قال: وهذا على معنى وديار جيران كرام كانوا لنا فيما مضى.
أكَفكِفُ عَبرةَ العينينِ مِنّي وما بعدَ المَدامِحِ من كلامِ
وبِيضٍ كالدُمى قد بِتُّ أسرِي بِهنّ إلى الخَلاء عنِ النّيامِ
يقول أنحيهن عن القوم النيام، لئلا ينتبهوا بحسّنا، إلى موضع خال ليس به أحد.
ثلاثٌ واثنتانِ فهُنّ خمسٌ وسادسةٌ تميلُ إلى الشمامِ
السادسة هي خاصته. والشمام هي القبل والرشف.
ظِباءٌ بَدّلَتهُنّ الليالي مكانَ قُرونهِنّ ذُرى جمِامِ
[ ٣ / ١٠٨١ ]
جمع جمة من شعر. ذرى أعالي وذروة كل شيء أعلاه.
ترى قُضُبَ الأراكِ وهُنّ خُضرٌ يَمِحنَ بها وعِيدانَ البَشامِ
ويروى وهن خور يمحن بها أي يستكن فيشربن ماء الأراك، وماء عيدان البشام، وهو أخضر.
والبشام شجر يستاك به طيب الريج. أي كما يميح المُستقي من البئر، أي يغترف بيده، وذلك إذا قل
ماء البئر نزل إليها، ففعل بها ذلك.
ذُرى بَرَدٍ بَكَرنَ عليهِ عَذبٍ وليسَ بُكورُهُنّ على الطعامِ
ويروى بكرن بها على برد عذاب.
ولو أنّ امرئ القيسِ بنَ حُجرٍ بِدارَةِ جُلجُلٍ لَرأى غَرامي
ويروى: ولو أن امرأ القيس بن حجر. ودارته معي لرأى غرامي. يريد قول امرئ القيس بن حجر.
ولاسيما يوم بدارة جلجل. قال: والدارة كل متسع من الأرض حوله جبال. غرامي وجدي بهن.
لهُ منهُنّ إذ يَبكينَ ألاّ يَبِتنَ بلَيلَةٍ هيَ نصفُ عامِ
يقول لامرئ القيس، منهن أي من النساء إذا يبكين ألا يبين بليلة معه، هي نصف عام في طولها
ليستمتعن به، في ليل طويل، وإنما يبكين من قصر الليل.
سَيُبلغُهُنّ وَحيَ القولِ مِني ويُدخِلُ رأسَهُ تحتَ القِرام
وحي القول، ما أوحي إليه من كلام أو رسالة. والقرام الستر الرقيق. فيقول سيبلغهن شعري ووجدي
بهن، ويُدخل زوجها رأسه للذي أصابه. ويروى سيبلغهن وحي القول مني.
[ ٣ / ١٠٨٢ ]
أسَيّدُ ذو خُريّطةٍ بهَيمٌ منَ المُتلَقّطي فَردَ القُمامِ
ويروى ذو خُريطة نهارا. أسيد يعني زوجها. خُريطة أي له خُريطة يلتقط فيها قرد القمام، وهو قطع
الصوف المتلبد. والقمامة الكناسة والكساحة. ويقال أسيد أي رسول أرسله إليها في هذه الحالة التي
وصف، لئلا يؤبة له.
فقُلنَ لهُ نُواعِدُكَ الثُريّا وذاكَ إليهِ مُرتفَعُ الرِجام
ويروى الزحام. أي للرسول، أي نواعد الفرزدق وقت طلوع الثريا. يقول وذاك الوقت عنده لمرتفع
الزحام، أي انقشاعه وذهابه. والمعنى الآخر، يقول ذاك الوعد كأنه أخرج من الرجام، وهي القبور
سرورا به.
فجئِنَ إليه حينَ لَبِسنَ ليلًا وهُنّ خُوائفٌ قدرَ الحِمامِ
مَشَين إلي لم يُطمَثنَ قبلي وهُنّ أصَحُّ من بَيضِ النّعامِ
تقول العرب للبعير المحرم: ما طمثه حبل قط. فأراد أنهن ما مسهن رجل قبلي.
وبتنَ جَنابَتي مُصرّعاتٍ وبِتُ أفُضُ أغلاقَ الخِتامِ
فأعجَلنا العَمودُ ونحنُ نشفي غليلًا من مُدوّرَةٍ جِهامِ
العمود الصبح. والغليل حرارة في الجوف. ومدورة أحراح. جهام واحدها جهم، وهو الركب الضخم.
والجهام سحاب قد هراق ماءه.
كأنّ مَقالقَ الرُمانَ فيها وجمرَ غَضىً قَعدنَ عليهِ حامِ
فما تدري إذا قعدَتْ عليهِ أسَعدُ اللهِ أكثرُ أم جُذامِ
كأنّ تريكةً من ماء مُزنٍ وداريّ الذّكيّ منَ المُدامِ
[ ٣ / ١٠٨٣ ]
التريكة ماء غادره السيل، فتركه في نقرة الجبل. داري منسوب إلى دارين، وهي فُرضة البحرين.
أتى نفسي بِها نفسٌ ضعيفٌ لهُنّ قُبيلَ مُنقلبِ الكلامِ
بها للتريكة. نفس ضعيف، يقول لما كلمنني تحيرت فبقيت مبهوتًا، فانقلب كلامي.
سَقينَ فمي بِها ونَقعنَ مني منَ الأحشاء صادِيَةَ الأورامِ
نقعن أروين. صادية عطشى. والأوام واللواب والحُرار العطش. وصادية عطشى. وهو مثل قوله
تعالى: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾.
وكُنّ كأنهنّ شِفاء داء يُقالُ هوَ السلالُ معَ الهُيامِ
ويروى وهن كأنهن شفاء داء يقال له. السلال جمع سِل. والهيام داء يأخذ الإبل فتشرب عليه الماء
ولا تروى، حتى تموت، ويأخذها هذا الداء في رءوسها.
فهُنّ إليّ مثلُ محُلآتٍ مُنعنَ الماء في لهَبانِ حامِ
رآني الغانِياتُ فقُلنَ هذا أبونا جاء من تحتِ الرجام
الرجام القبر. أي كأنه مات ثم نشر. ويروى السلام. وهي صخور، واحدتها سلمة.
فإن يسخرنَ أو يهزأنَ مني فإني كنتُ مِرقاصَ الخِدامِ
ويروى فإن يضحكن أو يسخرن مني. الخدام كل ما تشد المرأة في رجلها من خرز، أو صوف
مُلون، أو سير أو غير ذلك.
[ ٣ / ١٠٨٤ ]
ولو جَدّاتهِنّ سألنَ عني قَرأنَ عليَ أضعافَ السلامِ
رأينَ شروخَهُنّ مُؤزّرات وشرخُ لديّ أسنانُ الهِرامِ
شرخ الشباب أوله وطراته. مؤزرات منظمات مستويات. والهرام جمع هرم، وهو الشيخ الكبير.
لدي الواحد لدة.
رَمتني بالثمانينَ الليالي وسَهمُ الدهرِ أصوبُ سهمِ رامِ
وغيرّ لونَ راحلتي ولوني تَردّيّ الهَواجرَ واعتمامي
وإقبالي المَطيةَ كلّ يومٍ منَ الجوزاء مُلتهبِ الضرّامِ
الجوزاء من نجوم القيظ. والضرام تضرم النار، وهو أيضا ما دق من الحطب.
وإدلاجي إذا الظلماء حازتْ إلى طردِ النهارِ دُجى الظلامِ
دجى جمع، واحدته دُجية، وهو إباس الظلام، واجتماعه، واشتماله على كل شيء.
يقولُ بَنيّ هل بكَ من رحيلٍ تُقوّمُ منكَ غير ذوي سَوام
السوام كل شيء رعى من إبل، وغنم، وخيل، وهي السائمة أي الراعية.
فتنهضُ نهضَةً لبَنيكَ فيها غنىً لهمُ منَ المَلكِ الشّآمي
فقلتُ لهم فكيفَ ولستُ أمشي على قدمَيّ ويحكمُ مرامي
وهل لي حيلةٌ لكمُ بشيء إذا رجلايَ أسلمتا قيامي
أقولُ لناقَتي لمّا ترامَتْ بنا بيدٌ مُسربلَةُ القَتامِ
[ ٣ / ١٠٨٥ ]
بيد أرض مستوية قفر. القتام الغبار.
أغيثي مَنْ وراءكِ مِنْ ربيع أمامكِ مُرسلٍ بيَدَي هِشامِ
أغيثي اطلبي الغيث لمن وراءك ممن قدامك. مرسل يريد المطر. فيقول ربيع أمامك، وذلك الربيع
بيدي هشام.
يَدَي خيرِ الذينَ بَقُوا وماتوا إمامٍ وابنِ أملاكٍ عظامِ
بهِ يحيي البلادَ ومَن عليها منَ النعمِ البَهائِمِ والأنامِ
منَ الوَسميّ مُبتَرِكٌ بُعاقٌ يَسُحُّ سِجالَ مُرتجِزٍ رُكام
الوسمي أول مطر الخريف، وسمي وسميًا لأنه يسم الأرض. مبترك دائم المطر. بعاق من أشد
المطر يشقّ الأرض. مُرتجز أي بالرعد.
فإن تُبلِغكِ أربَعكِ اللواتي بهِنّ إليه نرجع كل عامِ
فكوني مثلَ مَيتَةٍ فحَيّتْ وقد بُلّت بتَنضاح السّجام
ويروى تكوني. وقد بليت. بُلّت سمنت، أي قد صار فيها نبات.
قدِ استَبطأتُ ناجِيَةً ذَمولًا وإنّ الهَمّ بي وبِها لَسام
الناجية الناقة السريعة التي تنجو في سيرها. ذمول تسير الذميل. والذميل أسرع المشي، وأرفع ما
يكون من العنق وأفسحه. يقال ذملت الناقة تذمل ذميلًا. قال الأصمعي: لا يذمل بعير يومًا وليلة إلا
مهري.
أقولُ لها إذا ضَجِرَتْ وعَضّت بمَورِكَةِ الوِراكِ معَ الزِمامِ
[ ٣ / ١٠٨٦ ]
ويروى إذا عطفت. الموركة والمورك الموضع الذي يثني الرجل عليه رجله قُدّام واسطة الرحل، إذا
ملّ من الركوب، وهو الوراك يتورّك عليه الرجل، يكون تحت القتب، وهو النمرق الذي يُلبس مقدم
الرحل، ثم يثنى تحته.
إلامَ تَلفّتينَ وأنتِ تحتي وخيرُ الناسِ كلهمُ أمامي
متى ترِدي الرصافةَ تستريحي منَ التهجيرَ والدّبرِ الدوامِ
وتُلقِي الرحلَ عنكِ وتستغيثي بغيثِ اللهِ والمَلك الهُمام
كأنّ أراقِمًا عَلقتْ بُراها مُعلّقةً إلى عمدِ الرخام
شبه الزمام بالحية، وشبه طول عنقها بأساطين الرخام.
تَزِفُّ إذا العُرَى قَلقتْ عليها زَفيفَ الهادِجاتِ منَ النّعام
الزفيف دون الذميل، وفوق المشي المرتفع. العُرى عرى الأزمة، وهي أزرارها. والعرى والبرى
والخشاش، والبُرة والعروة من صُفر، والخشاش والعِران من خشب. وهي الخشبة في أنف البعير، أو
الحلقة.
إذا رَضراضَةٌ وَطِئتْ عليها خَبَطنَ صُدورَ مُنعَلَةٍ رِثام
رضراضة أرض ذات حجارة وحصى. رثام سائلة بالدم، يعني أن مناسمها قد أدمتها الحجارة.
وإنْ شرَكُ الطريقِ تجَشّمتهُ عَسِكنَ بحَيّةٍ حذرَ الإكامِ
[ ٣ / ١٠٨٧ ]
شرك الطريق جادته. ويروى ترسّمته أي تتبعت آثاره. عسكن لزقن. بحية بزمام. ويروى الكلام
وهو نخس. ويروى عسكن بحية أي بما حيّ من الطريق، لأن ما حيي منه يُذلله الوطء.
كأنّ العنكبوتَ تَبيتُ تَبني على الأشداقِ من زَبَدِ اللّغامِ
تُثيرُ قَعاقِعَ الألحى إذا ما تلاقتَ وارِدَ العَرَقِ النّيام
قعاقع صوت أسنانها. العرق الصف من القطا، وما صف من الطير.
وصاديَةِ الصُدورِ نَضحتُ ليلًا لهنّ سِجالَ مُترعَةٍ طَوامِ
صادية إبل عطاش. نضحت أي سقيتهن. سجال دلاء. طوام أبار ممتلئة. ويروى آجنة طوام. أي
مياه صفر متغيرة اللون والريح والطعم.
كأنّ نِصال يثرِب ساقَطتها على الأرجاء مِن ريشِ الحَمامِ
شبه الريش على الماء بسهام يثرب.
عَمَدتُ إليكَ خير الناسِ حيّا لتَنعشَ أو يكونَ بكَ اعتصامي
إلى ملكِ المُلوكِ جمعَتُ همي على المُتردّفاتِ منَ السّمامِ
المتردفات الإبل، شبه الإبل بالسمام لسرعة مرّها وخفتها. والسمام طير تشبه النوق بها.
منَ السّنَةِ التي لم تُبقِ شيئًا منَ الأنعامِ باليَةَ الثُمامِ
إليك طَويتُ عرضَ الأرضِ طَيا بخاضِعَةٍ مُقطّعَةِ الخِدامِ
[ ٣ / ١٠٨٨ ]
رَجوفِ الليل قد نَقبَتْ وكَلّت منَ الإدآبِ فاترَة البُغامِ
لتَدنوَ منْ بِلادكَ أو لتَلقَى سِجالًا منْ فَواضِلكَ السِجامِ
على سُفُنِ الفَلاةِ مُردّفاتٍ جُناةَ الحَربِ بالذّكرِ الحُسامِ
قَطعنَ بنا مخاوفَ كل أرضٍ إليككَ على الوُهونِ منَ العظام
فما بَلّغننا إلا جريضًا بنِقي في العظامِ وفي السّنام
جريض بقية النفس.
كأنّ العِيسَ حينَ أتحِنَ هجرًا مُفَقّأةٌ نَواظِرُها سَوامي
هجرًا أي نصف النهار، وهي الهاجرة. سوام غاثرة الأعين، وقد ارتفعت أعينها في رؤوسها، وتكون
أيضا مرتفعة النظر، ويقال رافعة رؤوسها من الإعياء.
وحَبلُ اللهِ حبلُك مَن يَنللهُ فما لعُرى يديه مِنِ انفصام
يداكَ يدٌ ربيعُ الناسِ فيها وفي الأخرى الشهورُ منَ الحَرامِ
الشهور من الحرام، أي من رعاية الذمام كما تقول: لا يقاتل في الأشهر الحرام.
وإنّ الناسَ لولا أنتَ كانوا حصى خَرَزٍ تحَدّر من نظامِ
وليسَ الناسُ مجتمعينَ إلا لخِندِفَ في المشُورةِ والخِصامِ
يعني أن الخلافة في خندف، فالناس يجتمعون إلى الخلفاء.
وبَشرّتِ لسماء الأرضَ لما تحدّثنا بإقبالِ الإمامِ
إلى أهلِ العراقِ وإنما هُم بقايا مثلُ أشلاء الرِمام
[ ٣ / ١٠٨٩ ]
ويروى مثل أشلاء وهام. وهام موتى. وأشلاء بقايا، وشلو الشيء بقيته.
أتانا زائِرٌ كانت علينا زيارتهُ منَ النعَمِ العِظامِ
أميرَ المؤمنينَ بكم نُعِشنا وَجُذّ حِبالُ آصارِ الأثامِ
آصار أثقال الواحد إصر. والأثام جمع إثم. ويروى أمير المؤمنين به نُعشنا.
فجاءَ بسُنّةِ العُمَرينِ فيها شِفاءٌ للصُدورِ منَ السقامِ
رَآكَ اللهُ أولى الناسِ طُرا بِأعوادَ الخلافةِ والسلامِ
الأعواد المنابر. والسلام بالخلافة.
إذا ما سارَ في أرضٍ تراها مُظَلّلةً عليهِ منَ الغَمامِ
رأيتك قد ملأتَ الأرضَ عَدلًا وضوءا وهيَ مُسبلَةٌ الظلام
رأيتُ الظُلمَ لمّا قُمتَ جُذّتْ عُراهُ بشَفرتي ذكر حُسام
ويروى هُذام. وهو القاطع.
تَعَنّ فلستَ مُدرِكَ ما تعَنّى إليهِ بساعدَي جُعلِ الرغامِ
يعني جريرًا. والرغام رمل خشن فيه دقة.
ستخزى إنْ لقيتَ بغَورِ نَجدٍ عَطيّةَ بين زَمزمَ والمَقامِ
عطيةُ فارسُ القعساء يومًا ويومًا وهيَ راكِدَةُ الصيامِ
القعساء أتان في ظهرها همز وتطامن وخروج بطنها.
[ ٣ / ١٠٩٠ ]
إذا الخَطفَى لقيتَ بهش مُعَيدًا فأيهُما تُضَمّرُ للِضّمامِ
فأجابه جرير، ويهجو البعيث، والأخطل، وسُراقة البارقي، وعبيد الله ابن العباس الكندي:
عرفتُ الدارَ بعدَ بِلى الخِيامِ سُقيتِ نَجِيّ مُرتجزٍ رُكام
النجو ما خرج من السحاب، وإنما سمي نجوًا لخروجه من السحاب. قال الأصمعي: النجي واحد
النجاء من السحاب. وقال غيره: نجاة واحدة النجي، وفيه ماء لأنه ينجوه فيخرجه. وقال غيرهما:
النجو الذي لا ماء فيه. مرتجز مصوّت بالرعد. ركام مرتكم غليظ من السحاب بعضه على بعض.
الخيام ما يبنونه من الشجر يظللونه بالثمام.
كأنّ أخا اليهودِ يخُظُّ وَحيًا بِكافٍ في مَنازِلها ولامِ
وحي كتاب، وحي يحي وحيًا كتب.
وقاطَعتُ الغَوانيَ بعدَ وصلٍ فقد نزعَ الغَيور عنِ اتهامي
تُنازعُنا بجِدّتهِا حِبالًا فَنينَ بِلىً وصرِنَ إلى رِمامِ
وقد خُبرتهُنّ يقُلنَ فإن ألا ينظُرنَ من خَللِ القِرامِ
إذا حَدّثتُهُنّ هَزِئنَ مني ولا يغشَين رَحلي في المنامِ
فقد أقصرتُ عن طلبِ الغواني وقد آذَنّ حَبلي بانصِرامِ
وعاوٍ قد تعرّضَ لي مُتاح فدَقّ جبينهُ حجرُ المُرامي
ضَغا الشعراء حينَ لَقُوا هِزَبرًا إذا مُدّ الأعنّةُ ذا اعتِزامِ
[ ٣ / ١٠٩١ ]
فلما قتّلَ الشعراء غَما أضرّ بهِم وأمسكَ بالكِظامِ
قتلتَ التّغلَبي وطاحَ قِردٌ هوى بين الحَوالِقِ والحَوامي
واحد الحوالق حالق، يعني الجبل الطويل في السماء. وحواميها أصولها ونواحيها.
ولابنِ البارِقيّ قَدرتُ حَتفًا وأقصَدتُ البَعيثَ بسهمِ رامِ
ابن البارقي سُراقة. أي قدرت حتفه في نفسي كما قال الشاعر:
هتكتُ مجامِعَ الأوصالِ منهُ بنافِذةٍ على دَهشٍ وذعرِ
فإن يبرأ فلم أنفُثْ عليهِ وإنْ يهلِكْ فذلكَ كانَ قدري
أي ما قدرت. وأقصدت قتلت.
وأطلَعتُ القصائِدَ طودَ سلمى وجَدّعَ صاحبي شُعَبَى انتقامي
يعني الأعور النبهاني وكان منزله سلمى، أحد جبلي طيء، وذلك قول جرير:
وأعورَ مِن نبهانَ يعوي وحولهُ منَ الليلِ بابا ظُلمةٍ وسُتورُ
وصاحبا شعبى، عبيد الله بن العباس الكندي، وابنه، هجاهما وكان حليفًا في فزارة، فكان ينزل
شعبى، وهو اسم موضع.
ستخزى ما حييتَ ولا يحُيّا إذا ما مِتّ قَبركَ بالسلامِ
ولو أني أموتُ لشدّ قبري بمسمومٍ مضارِبُهُ حُسامِ
ويروى ولو متنا لشد عليك.
[ ٣ / ١٠٩٢ ]
لقد رحلَ ابنُ شِعرَةَ نابَ سَوء تَعضُّ على المَواركِ والزمامِ
ابن شعرة نبر يصغره به ويحقره. والمورك واحدتها موركة، وهي التي يتورك عليها الراكب، يضع
ساقه قدام شعبة الرحل.
تَلفّتُ أنها تحتَ ابنِ قين حليفِ الكيرِ والفأسِ الكَهام
متى تَرد الرصافةَ تخزَ فيها كخزيكَ في المواسمِ كل عام
لقد نزلَ الفرزدقُ دارَ سعدٍ لياليَ لا يَعفُ ولا يُحامي
إذا ما رُمتَ ويلَ أبيكَ سَعدًا لقيتَ صِيالَ مُقرمَةٍ سَوامِ
مقرمة فحول. سوام مشرفات رافعات رءوسها وأعناقها.
همُ جَرُّوا بناتِ أبيكَ غَصبًا وما تركوا لجاركَ من ذِمامِ
وهم قتلوا الزبير فلم تغيرَّ ودقُوا حوضَ جِعثنَ في الزحامِ
وهم شَدخوا بواطِنَ اسكَتَيها بمثل فَراسِن الجَملِ الشآمي
أضيئوا للفرزدقِ نارَ ذُلّ لينظُرَ في مشاعرِها الدوامي
وحَجزَةُ لو تبينَ ما رأيتمُ بِعضرَطها لمات منَ الفُحامِ
حجزة اسم رجل. والفحام السواد.
وإنّ صدى المِقرّ بهِ مُقيمٌ يُنادي الذُلّ بعدَ كَرى النيامِ
الصدى عظام الميت. المقر موضع قبر غالب فيه، وهو من بلاد بني سعد.
[ ٣ / ١٠٩٣ ]
لأعظَمِ غَدرةٍ نَفشوا لُحاهُمْ غداةَ العرقِ أسفلَ مِنْ سَنامِ
يَلومُكمُ العُصاةُ وآلُ حربٍ ورَهطُ محمدٍ وبَنو هِشام
العصاة هم بنو العاصي. قال أبو الحسن: هم ولد أمية بن عبد شمس الأكبر وهم: العاصي، وأبو
العاصي، والعيص، وأبو العيص. أمهم آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، فهم
الأعياص. قال النابغة الجعدي:
وشارَكنا قُريشًا في تُقاها وفي أحسابهِا شركَ العِنانِ
بما وَلدتْ نساء بَني هِلالٍ وما ولدتْ نساء بني أبانِ
وقوله وآل حرب، يريد حربًا وأبا حرب، وسفيان وأبا سفيان. وبنو هشام يعني هشام بن المغيرة
المخزومي.
ولو حلّ الزبيرُ بنا لجَلّى وجوهُ فوارسي رَهجَ القَتامِ
لخافوا أن تَلومهمُ قريشٌ فرَدوا الخيلَ داميةَ الكلامِ
سقى جدفَ الزبيرِ ولا سقاكُم نَجِيُّ الوَدقِ مُرتجزُ الغَمام
ويروى بعيج الودق منهمر الغمام.
وإنكَ لو سألتَ بنا بَحيرًا وأصحابَ المَجَبّةِ عن عِصامِ
بحير بن عبد الله القشيري. المجبة بن الحارث الشيباني من بني أبي ربيعة. وعصام بن المنهال
الرياحي.
ونازَلنا ابنَ كبشَةَ قد علمتُم وذا القرنين وابنَ أبي قَطامِ
[ ٣ / ١٠٩٤ ]
ابن كبشة حسان بن معاوية الكندي. وإنما كبشة أمه. قتله حشيش ابن نمران الرياحي في يوم ذي
نجب. وذو القرنين عمرو بن المنذر اللخمي، وأمه هند. ويقال ذو القرنين المنذر بن ماء السماء.
وابن أبي قطام حجر بن الحارث بن عمرو آكل المرار.
وللهِرماسِ قد تركوا مجَرًا لطيرِ يعتفينَ دمَ اللحامِ
الهرماس بن هجيمة الغساني، وأخوه قيس بن هجيمة. بارزهما عتبة بن الحارث يوم غول، فقتلهما
جميعًا.
وساقَ ابنَي هجيمةَ يومَ غَولٍ إلى أسيافِنا قَدرُ الحِمام
فقتّلنا جَبابرةً مُلوكًا وأطلقنا الملوكَ على احتكامِ
يعني يوم طخفة، وهو لبني يربوع على المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، أسروا فيه ابنيه، قابوس
وحسان.
وذا الجَدّين أرهقَتِ العَوالي بكُلّ مُقلّصٍ قلقِ الحِزامِ
ذو الجدين بسام بن قيس، أسره عتيبة بن الحارث. العوالي واحدتها عالية، وهي أعلى الرمح.
مقلص فرس. قلق الحزام ضامر.
رَجعنَ بهانِئ وأصَبنَ بِشرًا ويومُ الجُمدِ يومُ لهُى عِظامِ
هانئ بن قبيصة الشيباني، أسره وديعة بن مرثد، أحد بني عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وبشر بن عبد
عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد، قتله سويد بن شهاب بن عبد قيس. اللهى العطايا الضخام. وأصل
اللهوة قبضة من طعام تطرح في الرحا. ويوم الجمد هو يوم الصمد، ويوم الغبيط، وهو يوم لبني
يربوع على عجل وشيبان،
[ ٣ / ١٠٩٥ ]
أسروا فيه أبجر بن جابر العجلي، والحوفزان بن شريك.
ألسنا نحنُ قد عَلِمَتْ تمَيمٌ نَمُدُّ مَقادَةَ اللّجِبِ اللُّهام
اللجب الجيش الكثير الأصواب من كثرة أهله. لهام يلتهم كل شيء يبتلعه.
نُقيمُ على ثُغورِ بني تميمٍ ونَصدَعُ بيضَةَ المَلكِ الهُمامِ
وكنتم تأمنونَ إذا أقمنا وإنْ نظعن فما لكَ من مُقامِ
وكنا الذائدينَ إذا جلوتُم عنِ السبي المُصبَّح والسّوام
ويروى ونحن الذائدون إذا أقمتم. الذائدون الدافعون الحامون. ويروى هربتم السلوم كل مال يرعى
من إبل وغيرها.
تُفَدّينا نِساؤكمُ إذا ما رَقصنَ وقد رَفعنَ عن الخِدامِ
الخدام خرز يُجعل مكان الخلخال. والخلخال البرة والجمع بُرون.
تَسوفونَ العِلابَ ولم تُعدّوا ليوم الروعِ صَلصلة اللجامِ
ويومَ الشّيّطَين حُبارَياتٌ وأشردُ بالوقيطِ منَ النعامِ
يوم الشيطين، يوم لبكر بن وائل ولبنى تميم لم يكن فيه كبير قتال. قال أبو عبيدة: وكان الشّيّطان
لبكر بن وائل، فلما ظهر الإسلام من غير أن يكون أهل نجد والعراق أسلموا، سارت بكر بن وائل
قبل السواد، وبقي مقاس بن عمرو حليف بني شيبان، وجاءت تميم حتى نزلوا الشّيّطين، فاستوبأت
بكر السواد ومواشيهم. فزعم غير أبي عبيدة، أنهم أصابهم الطاعون، طاعون شيرويه.
[ ٣ / ١٠٩٦ ]
قال أبو عبيدة: فانجلوا هاربين، فأقبلوا حتى نزلوا لعلع، وهي مجدية، وقد أخصب الشيطان، فكان
مقاس يقول: ليت بكرًا في هذا الخصب. وكان أكتل بن حيان العجلي طالب حاجة في بني نهشل بن
دارم، فلم يقضوها له، فرجع من الشيّطين إلى قومه بلعلع، فأخبرهم بخصب أرضهم الشيّطين،
فأجمعت بكر على الإغارة على بني تميم. قالوا إن في دين عبد المطلب، أن من قتل نفسًا، قُتل بها،
فنغير هذه الغارة ثم نُسلم عليها. فارتحلوا بالذراري والأموال، ورئيسهم بشر بن مسعود بن قيس بن
خالد، فأتوا الشيطين في أربع، وما بينهم مسيرة أيام ثمانية فسبقوا كل خبر حتى صبّحوهم وهم لا
يشعرون فقاتلوهم فهزمت تميم. فقال رشيد بن رميض العنزي:
وما كانَ بين الشّيّطَين ولَعلَعٍ لِنِسوَتنا إلا مناقِلُ أربعُ
فجئنا بجمعٍ لم يرَ الناسُ مثلةُ يكادُ لهُ ظهرُ الوريعةِ يَظلَع
بأرعَنَ دَهمٍ تُنشَدُ البُلقُ وسطَهُ لهُ عارِضٌ فيهِ المَنيةُ تَلمع
إذا حانَ منهُ منزلُ القومِ أوقدتْ لأخراهُ أولاهُ سَنًا وتَيَفّعوا
رفعوا نارهم على يفاع من الأرض لتُبصر نارهم.
صَبحنا بهِ سَعدًا وعَمرًا ومالِكًا فظلّ لهم يومٌ منَ الشر أشنع
وذي حَسبٍ من آلِ ضَبّةَ غادَروا يجُرُّ كما جُرّ الفَصيلُ المُقرّع
المقرع الذي به القرع، وهو جُدري فيجر في السباخ ليتفقأ ما به.
تَقَصّعَ يربوعٌ بِسرّةِ أرضِنا وليسَ ليربوعٍ بها مُتَقصّعُ
وقلتُ ليربوعٍ أسرُّ نَصيحَةً ولو أنّ يربوعًا إذا امتارَ يرفعُ
[ ٣ / ١٠٩٧ ]
يخلو لنا صَحنُ العراقِ فإنهُ حِمىً منهمُ لا يُستطاعُ ممُنّعُ
فأجابه محرز بن المكعبر الضبي فقال:
فَخرتُمْ بيومِ الشّيّطين وغيركُمْ يضرُ بيومِ الشّيّطَين وينفعُ
وجئتُم بها مَذمومةً عنَزيّة تكادُ منَ اللومِ المُبينِ تظلَعُ
فإن بكُ أقوامٌ أصيبوا بغِرّةٍ فأنتم منَ الغاراتِ أخزى وأوجَعُ
فريقانِ منهمْ مَن أتى البحرُ دونه ومُودٍ كما أودَت ثمودُ وتُبّعُ
وما منكمُ أفناء بكرِ بن وائلٍ لغارتنا إلا ذَلولُ مُوقّعُ
وقال مقاس بن عمرو العائذي، واسمه مسهر، ومقاس لقب:
تمنّيتُ بَكرًا بالعراقِ مُقيمةً وأنى لنا بكرٌ بأكاف عَرعر
نهيتُ تميمًا أن ترُبّ نِحاءها وتطويَ أحناء الركيّ المُعوّرِ
حَلفتُ لهم باللهِ حَلفَةَ صادقٍ يمينًا ومَن لا يتقِ اللهِ يفجُرِ
ليَختَلِطَنّ العامَ راعٍ مجُنّبُ إذا ما تلاقَينا بِراعٍ مُعشرِ
المجنب الذي لا لبن في إبله. والمعشر الذي قد نتجت إبله فصارت عِشرا. يقولف: نحن لا لبن لنا،
فنأخذ إبلهم ورُعاتها، فنخلطها بابلنا التي لا لبن لها.
فأعجلنَ ضَبا بالوَريعَة خُدعةً ويَربوعُها يَنفَقنَ في كُلّ محجَرِ
ضَبًّا يعني بني ضبة يقول: أعجلنها أن تخدع فتلزم الجُحر، وإنما هذا مثل، يقول: أغرنا عليهم قبل
أن ينذروا بنا.
وما كانَ رَوضا طيّئ غير شربَةٍ ولكنما كانا لنا شرِبَ أشهُرِ
[ ٣ / ١٠٩٨ ]
وقال كبد الحصاة، وهو قيس بن عمرو العجلي في ذلك:
صَبَحنا غَداةَ الشّيّطَين تمُيّمًا بذي لجَبٍ تَبيضُّ منهُ الذوائبُ
فيا رُبّ داعي جَوعةٍ من شُعاعِها وقد أشرفتْ فوقَ الحَزيزِ الكَتائِبُ
أسرّكمُ أن يهدِمَ الدينُ ما مضى وفيكُم كُلومٌ مُستَكِنٌ وجالِبُ
فقالوا: إن بكرًا أتاهم كتاب النبي ﷺ فأسلموا على ما في أيديهم وقول جرير
خباريات أي جبناء. وقوله وأشرد بالوقيط من النعام، والوقيط لبكر بن وائل على بني دارم، ولم
تشهده يربوع.
رجع إلى شعر جرير:
وخالي أبنُ الأشَدّ سَما بسَعدٍ فحازُوا يومَ ثَيتَلَ وهوَ سامِ
ابن الأشد سنان بن خالد بن منقر، وله حديث في يوم النباج وثيتل
قال أبو عبيدة: غزا قيس بن عاصم المنقري بمقاعس، وهو رئيس عليها. والأجارب حمان،
وربيعة، ومالك، والأعرج، بنو كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ومقاعس صريم، وعبيد، وربيع،
بنو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد فغزوا بكر بن وائل، فوجدوا اللهازم وبني ذهل بن ثعلبة بن
عكابة - واللهازم بنو قيس، وتيم اللات ابنا ثعلبة - وعجل بن لجيم، وعنزة بن أسد بن ربيعة بن
نزار، بالنباج وثيتل، وبينهما روحة، فتنازع قيس وسلامة في الإغارة، ثم اتفقا على أن يغير قيس
على أهل النباج، ويغير سلامة على أهل ثيتل فبعث قيس الأهتم، وهو سنان بن سمي شيّفة - أي
طليعة - له فلقي رجلًا من بني بكر بن وائل، فتعاقدا أن لا يتكاتما. فقال الأهتم: من
[ ٣ / ١٠٩٩ ]
أنت، أذكر؟ قال: أنا فلان بن فلان، ونحن بجوف الماء حضور، فمن أنت؟ قال الأهتم: أنا سنان بن سمي، وهو
لا يعرف إلا بالأهتم، فغفّل نفسه له، فقال: أنا سنان بن سمي في الجيش وفي الحي. فرجع البكري
فأخبر قومه عنه، ورجع الأهتم فأخبر فيسًا الخبر وقال: يا أبا علي، هل بالوادي طرفاء؟ فقال قيس:
بل به نَعم. وعرف أنهم بكر، فكتمهم أصحابه فلما أصبح سقى خيله، ثم أطلق أفواه الروايا وقال
لأصحابه: قاتلوا، فالموت بين أيديكم، والفلاة من ورائكم. فلما دنوا من القوم صُبحا، سمعوا ساقيًا من
بكر يقول لصاحب له: يا قيس أورد. فتفاءلوا به الظفر، فأغاروا على أهل النباج قبيل الصبح،
فقاتلوهم قتالًا شديدًا، ثم إن بكرًا انهزمت. وأسر الأهتم حمران بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن
مرثد وأسر فدكي بن أعبد المنقري جثامة الذهلي. فأصابوا غنائم كثيرة فقال قيس لأصحابه: لا نقيل
دون إخوتنا بثيتل. قال: ولم يُغر بعد سلامة وأصحابه على من بثيتل، فأغار قيس عليهم، فقاتلوهم، ثم
انهزموا، فأصابوا إبلا كثيرة، وجاء سلامة فقال: أغرتم على ما كان إلي. فتلاجوا، حتى كاد الأمر
يفقم ثم إنهم سلّوا له غنائم ثيتل. وفي ذلك يقول ربيعة بن طريف بن تميم، حيث رثى قيسًا:
فلا يُبعِدَنكَ اللهُ قيسَ بنَ عاصِمٍ فأنتَ لنا عِزٌ عزيزٌ ومَعقِلُ
وأنتَ الذي حَربتَ بكرَ بنَ وائلٍ وقد عَضّلتْ منهاغ النّباجُ وثيتلُ
غَداةَ دَعتْ يا آلَ شَيبانَ إذ رأتْ كَراديسَ يهديهنّ وَردٌ محُجّلُ
وظَلّت عُقابُ الموتِ تهفُوا عليممُ وشُعثُ النواصيِ لجمهُنّ تُصَلصِلُ
فما منكمُ أفناء بكرِ بنِ وائلِ لِغارَتِه إلا رَكوبٌ مُذَللُ
[ ٣ / ١١٠٠ ]
وقال جرير:
لهم يومُ الكُلابِ ويومُ قيسٍ هَراقَ على مُسلّحةَ المَزادا
رجع إلى شعر جرير:
فأورَدهُم مُسلّحتَي تِياسٍ حَظيظٌ بالرياسَةِ والزعامِ
[ ٣ / ١١٠١ ]