وكان من قصة مقتل عمارة، وهذا اليوم الذي قتل فيه، يقال له يوم أعيار، ويوم النقيعة، أن المثلم بن
المشخرة العائذي ثم الضبي، كان مجاورًا لبني عبس، فقامر هو وعمارة بن زياد بالقداح، فقمره
عمارة حتى حصل عليه عشرة أبكر، فقال له المثلم: هلم أزايدك في المقارعة حتى تزيد عليَّ أو أحط
بعض ما علي، فقال له عمارة: ما أنا بفاعل، ما أريد أن أزيد عليك وقد عجزت، وما أريد أن أحط
عنك شيئًا قد ركبته عليك؛ فقال له المثلم: خل عني حتى آتي قومي، فأبعث إليك بالذي لك عليَّ فأبى
عمارة إلا أن يرتهنه، فرهنه ابنه شرحاف بن المثلم، وخرج حتى أتى قومه فأخذ الأبكار فأتى بها
عمارة، وافتك ابنه. فلما انطلق بابنه، قال له في الطريق: يا أبتاه، من معضال؟ قال: ذلك رجل من
بني عمك ذهب فلم يوجد إلى الساعة، ولم يحسن له أثر، قال شرحاف: فإني قد عرفت قاتله. قال
أبوه: ومن هو؟ قال: هو عمارة بن زياد، سمعته يحدث القوم يومًا، وقد أخذ فيه الشراب أنه قتله، ثم
لم يلق له ناشدًا.
ثم لبثوا بعد ذلك حينًا، وشب شرحاف، ثم إن عمارة جمع جمعًا عظيمًا من بني عبس، فأغار بهم
على بني ضبة، فاطردوا إبلهم وركبت عليهم بنو ضبة فأدركوهم في المرعى، فلما نظر شرحاف إلى
عمارة، قال: يا عمارة أتعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا شرحاف بن المثلم، أد إلي ابن عمي
معضالًا مثله يوم قتلته، قال عمارة: يا شرحاف اذكر اللبن. قال شرحاف: الدم أحب إلي من اللبن، ثم
حمل عليه فقتله، وهزم جيشه واستنقذ الإبل، فقال في ذلك المثلم بن المشخرة:
[ ٢ / ٣٦٧ ]
إنْ تُنْكِروني فَأَنا المثلَّمْ فارسُ صِدقٍ يوم تنضاحِ الدَّمْ
بشكَّتي وفرسٍ مُصمَّمْ طَعْنًا كأَفواهِ المزادِ المُعصَمْ
وقال شرحاف:
ألاَ أبْلِغ سراةَ بني بَغيضٍ بما لاقَتْ سَرَاةُ بني زيادِ
وما لاقت جذيمةُ إذ تُحامِي وما لاقَى الفوارِسُ من بجاد
تركنَا بالنَّقيعةِ آل عَبْسٍ شَعاعًا يُقتَلونَ بكلِّ واد
وما إنْ فاتَنَ إلا شَرِيدٌ يؤُمُّ القَفْرَ في تيهِ البلاد
فَسَلْ عنَّا عُمارةَ آلِ عبسٍ وسَلْ وَرْدًا وما كُلٍّ بَدادِ
تركتُهُمُ بوادي البَطنِ رَهنًا لِسيدانِ القَرَارَةِ والجِلاد
وقال الفرزدق:
وهنَّ بِشِرحافٍ تداركنَ دالِقًا عُمارةَ عبسٍ بعدما جَنحَ العَصْرُ
وأما حديث محرق وأخيه زياد يوم بزاخة، فإنه أغار محرق الغساني وأخوه في إياد، وطوائف من
العرب من تغلب وغيرهم، على بني ضبة بن أد ببزاخة، فاستاقوا النعم فأتى الصريخ بني ضبة،
فركبوا فأدركوه واقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن زيد الفوارس حمل على محرق، فاعتنقه وأسره وأسروا
أخاه، أسره حبيش بن دلف السيدي، فقتلتهما بنو ضبة - وكان يقال لأخي محرق فارس مردود - وهزم
[ ٢ / ٣٦٨ ]
القوم، وأصيب منهم ناس كثير. فقال في ذلك ابن القائف أخو بني ثعلبة، ثم أحد بني معاوية
بن كعب بن ثعلبة بن سعد بن ضبة:
نِعمَ الفوارسُ يومَ جيشه محرِّقٍ لَحِقوا وهُم يدعونَ يالَ ضِرارِ
زيدُ الفوارِسِ كرَّ واْبَنا مُنذِرٍ والخيلُ أوجعها بنو جَبِّار
حتى سَموا لمحرِّقٍ برماحِهِم بالطَّعْنِ بين كتائبٍ وغُبار
ولَعَمْرُ جَدِّكَ ما الرُّقادُ بِطائِشٍ رَعِشٍ بديهتُهُ ولا عُوَّار
يرمي بغُرَّةِ كامِلٍ وبنحرهِ خَطرَ النُّفوسِ وأيُّ حينِ خِطار
لما رأوْا يومًا شديدًا بأسُهُ كرِهَ الحياةَ وشُقَّةَ الأسفار
وكأنَّ زيدًا زيدَ آلِ ضِرارِ ليثٌ بكفيْهِ المنَّيةُ ضار
وكأنَّ آثارَ الغَرِيبِ عليهم ومَكَرَّهُ يومًا مُطَافُ دُّوار
جَعَلُوا لعافي الطيرِ منهم وقعَةً صَرعى تَضَوَّرُ في قنًا أكسار
لولا فوارِسُهُنَّ قِظْنَ عواطلا في غيرِ ما نَسَبٍ ولا إصهار
قال: وأما ابن مزيقياء الغساني - ومزيقياء عمرو بن عامر، وعامر ماء السماء وفيهم كان ملك
غسان بالشام في آل جفنة بن علبة بن عمرو - بن عامر - فإنه أقبل حتى أغار على بني ضبة يوم
إضم، فأصاب بني عائذة بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة، وقد كانوا أوقدوا مع جروة وشقرة ابني
ربيعة بن ثعلبة بن سعد بن ضبة نارًا للحرب، فقال الملك: ما هذه النار التي تدخن علينا؟ قالوا: هذه شقرة
[ ٢ / ٣٦٩ ]
وجروة قد أوقدوا نارا للحرب. قال: أحملوا عليهم، فحملوا عليهم، فأبادوا يومئذ بني عائذة،
وقُتل الرديم وهو عمرو أبو ضرار الضبي وكان يسمى فارس مسمار، فترجل يومئذ وقال: مسمار
أقبل وأدبر، مسمار لا تستحسر، مسمار إن اليوم يوم ذفر، فقتل فيمن قُتل يومئذ.
وجاء رجل من بني قيس بن عائذ يدعى عامر بن ضامر، فقال: والله لأطعنن اليوم طعنة كمنخر
الثور، النعر فطعن ابن مزيقياء وقتله، وانهزم أصحابه هزيمة قبيحة. فقال ربيعة بن مقروم:
وآلُ مُزيقياءَ وقد تَداعَتْ حلائِبُهُم لنا حتى تَرينا
صَبَرْنا بالسُّيوفِ لهم وكانت معاقِلُنَا بِهِنَّ إذا عَصِينا
وغادَرْنا قَريعَهم صَريعًا عوائدُهُ سِباعٌ يَعتفينا
وقالت نائحته:
لَعَمْرِي لقد غَادَرْتُمُ يومَ رْحْتُمُ على إضَم منكم عَقِيَرةَ عامِرِ
لقد خَطَّطَ الأنواءَ طعنةُ عامرٍ ألاَ يا قتيلًا ما قتيلُ ابنِ ضامرِ
رجع
وهُمُ إذا اقْتَسَم الأكابِرُ رَدَّهُمْ وافٍ لِضَبَّةَ الرِّكابُ تُشَلَّلُ
الأكابر شيبان، وعامر، وجليحة، من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، أجارهم بدر بن حمراء أخو
بني ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن
[ ٢ / ٣٧٠ ]
ضبة، فوفى لهم.
جارٌ إذا غَدرَ اللِّئامُ وَفَى بِهِ حَسبٌ ودعْوةُ ماجِدٍ لا يُخْذَلُ
جار يعني بدر بن حمراء الضبي.
قال أبو عبيدة: حدثني أبو عمرو بن العلاء، قال: أصاب الناس سنة، فخرج كدام التيمي، وبدر بن
حمراء الضبي، والمساور بن نعمان ابن جساس التيمي، فاستجاروا في بني تيم اللات بن ثعلبة،
فأجاروهم، فرعوا بلادهم حتى أخصبت بلاد بني تميم فرجعوا ووفوا لهم. ثم أصاب بلاد بني تيم
اللات سنة، فقال بنو تميم لجيرانهم: تعالوا فارعوا بلادنا، فأنتم في جوارنا حتى تبسطكم سماء،
ففعلوا. فانطلق كل رجل منهم بجيرانه، ثم إن كدامًا التيمي مرَّ ذات يوم بجاره وهو يلوط حوضه،
فقنعه بالسوط، وقال: أحسن لوط حوضك، فقال البكري: متى كنت أُتهم عليها؟ يعني إبله، وبات
المساور التيمي معرسا بجارته ليلته، فلما أصبح زوجها أتى صاحبه فأخبره، فأتيا بدر بن حمراء
الضبي، فذكروا له ما أتي إليهما، فأتى القوم فقال: ما صنعتم بجيراني وجيرانكم؟ قالوا: ومالك ولهم،
ونحن أعلم بجيراننا، وأنت أعلم بجيرانك، فقال: كذبتم والله لقد عقدت لهم جميعًا، وتجمعت له
حلائب قومه فخلى القوم عنهم بأموالهم، فقال: النجاء أرضكم.
فقال في ذلك بدر بن حمراء:
أَبْلغْ أبا بدرٍ إذا ما لقيتَهُ فَعِرضُكَ محمودٌ ومالُكَ وافرُ
وفَيتَ وفاءً لم يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ بِتعشَارَ إذ تحنو إليَّ الأكابر
[ ٢ / ٣٧١ ]
تعشار وتبراك وتقصار وتجفاف وتلقاء. والأكابر شيبان وعامر وجليحة من تيم اللات.
حَبَوْتُ بها بَكْرَ بنَ سعدٍ وقد حَبَا كِدامٌ بأُخْرَى رَهطهِ والمُساوِرُ
فَمنْ يكُ مَبنيًا على بيت جارِهِ فإني امرؤٌ عن بيتِ جارِيَ جافر
مبنيا يقول معرسا بامرأة جاره، فإني امرؤ جافر عن ذاك، كما يجفر الفحل عن إبله إذا أعرض عنها
وعدل بعدما يلقحها.
أقولٍ لمنْ دلَّتْ حِبالي وأوردَتْ تعلَّم وبيتِ الله أنَّكَ صادِر
قوله دلت حبالي أي أجرته وصار في كنفي وجواري صادر سالم.
كذاكَ منعتُ القومَ أن يتقسَّموا بسيفي وعُريانُ الأشاجعِ خادِر
قوله وعريان الأشاجع، يقول: رجل عريان الأشاجع، خادر مثل الأسد في نفسه، والأشاجع عروق
ظاهر الكفين.
رجع إلى شعر الفرزدق:
وعشيَّةَ الجمَلِ المُجَلَّلِ ضَاربوا ضَربًا شُؤُونُ فَراشِهِ تَتزيَّلُ
ويروى وهم لدى الجمل. يعني يوم الجمل مع عائشة، ﵂، قال: وقُتل من بني ضبة
يومئذ فيما يذكرون، ألف ومائة رجل، ما منهم رجل يتحرك من مكانه.
وراجز بني ضبة يقول:
[ ٢ / ٣٧٢ ]
لا تَطْمعُوا في جمْعِنَا المُكَلَّلِ والموتُ دونَ الجَمَلِ المُجَللِّ
وهذه الحُرْمَةُ لمَّا تُحْلَلِ
ويروى لم تحلل يعني حرمة عائشة ﵂، وروي عند الجمل.
يَا بْنَ المَراغَة أَيْنَ خالُك إنَّني خالي حُبَيْشٌ ذو الفَعالِ الأفضَلُ
خالي الَّذي غَصَبَ المُلوكُ نفوسَهْم وإليه كانَ حِباءُ جَفَنَةَ يُنْقَلُ
خاله حبيش بن دلف بن عسير بن ذكوان بن السيد بن مالك بن بكر ابن سعد بن ضبة، أسر عمرو
بن الحارث بن أبي شمر بن الحارث بن حجر بن النعمان بن الحارث بن جبلة بن ثعلبة بن جفنة بن
علبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد فجز ناصيته،
واشترط عليه أن يبعث إليه كل سنة بحباء حتى يموت.
وَلئِنْ جَدعتَ ببظْرِ أُمِّكَ أنفها لتنالَ مِثْلَ قديمهم لا تفْعلُ
إنَّا لَنْضربُ رأْسَ كُلِّ قبيلةٍ وأبُوكَ خلفَ أتانِهِ يتقمَّلُ
يهزُ الهرانِعَ عقدُهُ عندَ الخُصى بِإذلَّ حيثُ يكونُ منْ يتذلَّلُ
قوله يهز الهرانع يعني ينزع القمل، والهرانع القمل الواحد هرنع، عقده يعني عقد ثلاثين إذا قتل
القمل.
وشُغلتُ عنْ حَسَبِ الكرامِ وما بَنَوا إنَّ اللَّئيم عنِ المكارِمِ يُشْغَلُ
إنَّ التِّي فُقئَتْ بها أبصارُكُمُ وهيَ التي دمعتْ أباكَ الفيصَلُ
الفيصل مقطع الحق فيما بيننا وبينكم. قال خالد: هذه القصيدة
[ ٢ / ٣٧٣ ]
كانت تُسمى الفيصل.
وهبَ القصائِدَ لي النَّوابِغَ إذُ مضَوْا وأَبو يَزيدَ وذُو القُرُوحْ وجَرْولُ
النوابغ أراد نابغة بني ذبيان، والجعدي، ونابغة بني شيبان، وأبو يزيد المخبل، واسمه ربيعة بن
مالك بن ربيعة بن قتال بن أنف الناقة، وذو القروح امرؤ القيس بن حجر، وجرول هو الحطيئة.
والفحلُ علقمةُ الذَّي كانتْ لهُ حُلَلُ المُلْوكِ كَلامُهُ لا يُنْحَلُ
ويروى كلامه يتمثل، علقمة بن عبدة وإنما سمي الفحل لأن في بني عبد الله بن دارم علقمة الخصي
فلذلك قال الفحل.
وأَخو بنَي قيْسٍ وهُنَّ قتلنَهُ ومُهَلْهِلُ الشُّعراءِ ذاكَ الأوَّلُ
أخو بني قيس طرفة بن العبد، وهن قتلنه يعني القوافي، ومهلهل بن ربيعة ابن الحارث بن زهير
بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب.
والأعشَيانِ كلاهُما ومُرقشٌ وأَخو قُضاعَةَ قَوْلُهُ يُتمثلُ
الأعشيان يعني أعشى بني قيس وأعشى باهلة، وقال بعضهم: هو الأسود بن يعفر. وأخو قضاعة
أبو لطمحان القيني.
وأخُو بَني أسَد عبيدٌ إذْ مَضَى وأَبو دُؤادٍ قولُه يُتنحلُ
عبيد بن الأبرص بن جشم، وأبو دؤاد جارية بن حمران.
وابْنا أبي سُلْمَى زُهَيْرٌ وابْنُهُ وابنُ الفُريعةِ حينَ جَدَّ المِقولُ
يعني بابن الفريعة حسان بن ثابت، وزهير بن أبي سلمى، وابنه كعب.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
والجعفريُّ وكانَ بِشْرٌ قبلهُ لِيِ مِنْ قصائِدِهِ الكتابُ المُجملُ
الجعفري يعني لبيد بن ربيعة الجعفري، وبشر بن أبي خازم الأسدي.
ولقدْ ورِثتُ لآلِ أَوْسٍ منطقًا كالسَّمِّ خالطَ جانبيه الحنظلُ
والحارثيُّ أخُو الحِماسِ ورثْتُهُ صَدْعًا كما صَدَعَ الصَّفاةَ المِعْوَلُ
ويروى ورثته قولا، ويروى والحارثي أخا الحماس بالرفع والنصب يعني النجاشي، صدعا يعني
قسما.
يَصْدَعْنَ ضاحيَةَ الصَّفا عَنْ مَتنِها ولهُنَّ مِنْ جَبَلَيْ عَمايَةَ أثقلُ
ضاحية يعني ظاهرة، متنا عن متن الصفاة، ويروى عن متنه.
دَفعوا إليَّ كتابهُنَّ وصيَّةً فورثتُهُنَّ كأنَّهُنَّ الجندلُ
الجندل الحجارة الواحدة جندلة ويروى وراثة.
فِيهِنَّ شارَكني المُساورُ بعدهُمْ وأخُو هوازنَ والشَّآمي الأخطلُ
المساور بن هند بن قيس بن زهير العبسي، وأخو هوازن يعني الراعي.
وبنُو غُدانةَ يُحلبُونَ ولمْ يكُنْ خيليِ يقُومُ لَها اللَّئيمُ الأعْزَلُ
غدانة بن يربوع، ويروى حربي.
فليبرُكنْ يا حقُّ إنْ لَمْ تنتهوا مَن مالكَيَّ عَلَى غُدانَةَ كَلْكَلُ
حقة امرأة من بني غدانة ولكنه رخم، وقوله مالكي يعني مالك بن زيد، ومالك بن حنظلة. وقال
بعضهم: حقة أم جرير، وليس أم جرير
[ ٢ / ٣٧٥ ]
اسمها عندنا حقة.
إنَّ استراقَكَ يا جَريرُ قصائِدي مِثلُ ادِّعاءِ سَوىَ أَبيكَ تنقلُ
وابْنُ المراغَةِ يدَّعِيِ منْ دارِمٍ والعبدُ غيرَ أبيهِ قَدْ يتنحَّلُ
لَيْسَ الكِرامُ بنا حِليكَ أَباهُمُ حَتَّى تُرَدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ
تعتل تساق قسرًا، ويقال تعتل تقاد بين اثنين.
وزَعَمْتَ أنَّكَ قَدْ رَضِيتَ بما بَنَى فَاصْبِرْ فما لَكَ عَنْ أَبيكَ مُحَوَّلُ
ولَئِنْ رَغِبْتَ إلى أبيكَ لترجعنْ عَبْدًا إليه كأَنَّ أنفَكَ دُمَّلُ
أزْرَى بجَرْيكَ أنَّ أُمكَ لَمْ تَكُنْ إلاَّ اللئيم مَن الفُحُولَة تُفحَلُ
قَبَح الإلُه مَقَّرةً في بطنها مِنْهَا خَرجتَ وكُنتَ فيها تُحملُ
مقرة يعني مستقر الولد في الرحم.
نَسفتْ مَنيَّ أبيكَ فهيَ خَبيثَةٌ وَبها إلى قَعْر المقرَّةِ يضهلُ
يضهل يسيل ويجتمع قليلًا ويروى رشفت.
يَبكي علَى دِمَنِ الدِّيارِ وأُمُّهُ تعلُو عَلى كَمَر العَبيد وتَسْفُلُ
وَإذا بَكيتَ عَلى أُمامةَ فاسْتَمعْ قولًا يعُمُّ وتارةً يُتنخَّلُ
ويروى ومرة يتخلل، ويروى شتما يعم، يتنخل يخص، وأمامة امرأة جرير، وهي أمامة بنت عمرو
بن حرام بن حوط بن شهاب بن حارثة بن عوف بن كليب ابن يربوع، ولدت لجرير من الرجال
عكرمة وموسى، ومن النساء موفية وجبلة وربداء وجعادة.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
أسألتني عَنْ حُبوتي ما بالُها فَأسأل إلى خبري وعمَّا تَسألُ
ويروى وسألتني. ويروى إلى خبريك عما تسأل.
فاللُّؤمُ يمنعُ منكُمُ أنْ تحتبوُا والعْزِ يَمنعُ حُبوتي لا تُحْلَلُ
والله أثبتها وعِزٌّ لَمْ يَزَلْ مُقْعَنسسًا وأبيكَ مَا يتحوَّلُ
مقعنسس مترادف قوي، ويقال اقعنسس الليل إذا طال، وأبيك أقسم له بأبيه.
جَبَلِي أعزُّ إذا الحُروبُ تكشَّفَتْ مِمَّا بَنَى لَكَ والدِاكَ وأفضَلُ
ويروى أولوك وأطول.
إنَّي ارْتَفَعتُ عليكَ كُلّ ثَنيَّةٍ وعَلوتُ فوقَ بني كُليبٍ مِنْ عَلُ
الثنية الطريق في الجبل.
هَلاّ سألتَ بني غُدانَةَ ما رَأوا حيثُ الأتانُ إلى عَمودِكَ تُرْحَلُ
كسرَتْ ثنيَّتَكَ الأتانُ فشاهِدٌ مِنها بِفيكَ مُبيّنٌ مُستقبَلُ
رَمَحَتْكَ حينَ عَجلْتَ قبلْ وَدَاقِها لكنْ أبُوكَ وَدَاقَها لا يَعجَلُ
جاءُوا بِحقّةَ مُفرِمِينَ عجانَها يَحدُو الأتانَ بِها أجيرٌ مِرْحَلُ
الفرم شيء يتضيق به النساء، والفرام المعبأة وهي خرقة الحائض والمرحل البصير بالرحلة.
وقفتَ لتِزْجُرني فقُلْتُ لها ابرُكي يا حِقُّ أنتِ وما جمعتِ الأسفلُ
وكشفتُ عنْ أيري لَهَا فتجحلتْ وكذاكَ صاحبةُ الوداقِ تجحدلُ
[ ٢ / ٣٧٧ ]
تجحدلها تقبضها واجتماعها، وقال قدُّ بن مالك الوالبي:
تعالوَا نجمع الأموالَ حتى نُجَحْدِلُ من عَشيرتِنا المِئِينا
لَقِيَتْ أخا نعَظٍ لها مُتبَذِّلًا وأخُو المُفاضحةِ الذي يتبذَّلُ
وتركتُ أُمَّكَ يا جريرُ كأنَّها للنَّاسِ باركةً طريقٌ مُعملُ
وكأنَّما كمَرُ الغُواةِ على أُستِها أوْرادُ مات سَقتِ النِّباجُ فثيتلُ
النباج وثيتل قريتان في أرض بني شيبان، وفيهما مياه ونخل، غلبت بنو سعد عليهما
يا حِقُّ ما نُبئْتُ مِنْ رَجُلٍ لَهُ خُصْيَانِ إلاَّ ابْنَ المَراغَةِ يَحبَلُ
حقة أم جرير نبزها به - أي لقبها به - لأن سويد بن كراع العكلي كان خطبها إلى أبيها وهي
جارية، فقال له أبوها: إنها صغيرة ضرعة، فقال له سويد: لقد عهدتها وإنها لحقة - والحقة من النوق
طروقة الفحل - فصيره نبزا لها لقبا، وفي ذلك يقول أبو الرديني وهو يهاجي عمارة بن عقيل بن
بلال بن جرير:
فطورًا تَدَّعي لبني كُراعٍ وطورًا أنتَ للخَطَفَى اللئَّيمِ
وقال بشام بن نكت وهو يهاجي نوح بن جرير:
يا نوحُ يا ابنَ جريرٍ إنَّ شِعَركُمُ من شِعرِ عُكْلٍ وإنَّ الشِّعرَ ينتسبُ
وأم جرير أم قيس بنت معيد بن حية بن عبد العزي بن حارثة بن عوف بن كليب، وأُمها أُم عثمان
من بني عبد حربش أحد بني عمرو بن حنظلة.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
شَرِبَ المنيَّ فأصبحتْ في بَطنهِ بَظْراءُ أسفلُ بَظرِها يَتَأكلُ
ولئنْ حبِلْتَ لقدْ شربتَ رثيئةً ما باتَ يجعلُ في الوليدةَ نبتلُ
الرثيئة اللبن الحامض يحلب عليه الحليب، وهو أطيب اللبن، ومثل للعرب:
إن الرثيئة ما يفثأ الغضبا، أي يسكنه. والوليدة يعني أمة لأبي سواج أخي بني عبد مناة بن سعد بن
ضبة، ونبتل اسم عبد لأبي سواج.
وكان من حديثه أن أبا سواج سابق صرد بن جمرة بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وهم عم
مالك ومتمم ابني نويرة، بن جمرة فسبق أبو سواج صردًا على فرس له يقال لها ندوة، وكان فرس
صرد حصانا يقال له القطيب، فقال أبو سواج في ذلك:
ألم تَرَ أنَّ ندوةَ إذ جريُنَا وجَدَّ الجِدُّ خلَّفَتِ القَطيبا
لها كَفلٌ يصِلُّ الرَّبْوُ فيه وتخبطُ سُنبُكًا عجُرًا صَليبا
وعُوجًا فعمَةً رُكِّبنَ فيها خِفافَ الوقعِ تحسبها صُقوبا
كأَنَّ قطيبَهم يتلو عُقابا على الصَّلعَاءِ وازِمَةً طَلوبا
الوزم قطع اللحم، والوازمة الفاعلة ويروى:
كَأَنَّ قطيبهم في الجَرْي يتلو عُقايا كاسِرًا أُصُلًا طَلوبا
[ ٢ / ٣٧٩ ]
الكاسر المنقضة، والأصل العشية -
مُقَرَّبَةٌ أُجَلِّلها رِدَائِي إذا ما ألجأَ الصِّرُّ الكَليبا
وأَمنحُها المَدِيدَ وإن مرادًا من مَباءَتَها قريبا
فشري الشر بينهما، حتى جعل صرد يحدث الناس، أنه يخالف إلى امرأة أبي سواج، وقد كان
يتحدث إليها، فقال لها صرد فيما يقول: لستُ أَرضى حتى تَقُدي من عجان أبي سُواجٍ سيرا، فقالت
لأَبي سُواج: إن هذا يسُومني سيرًا من عجانِكَ، فقام أبو سُواجٍ فذبح نعجة سحماءَ وقد من أَليتها سيرًا
فبعثَتْ به إلى صُرَدٍ، فَشَسَع به نعلَه وقَعَدَ في النَّادي فقال: بِتُّ بِذي بِلِيانْ، وفي رجلي من اسْتِ بعضِ
القوم شِسْعانْ. فَعَلِمَ أبو سُواج أنه يُعرِّضُ به، فقام فَتَوَحَّشَ من ثِيَابِه - أي تجرَّد - وقام على أربعٍ
فقال: هل ترون بأسًا؟ فإذا ليس به شيءٌ، فعاوَدَ صُرَدُ امرأةَ أبي سُواجٍ، فقال: غَدَرْتِ بي!! ولم تزل
تُرَاصِدُه - ويروَى ولم تَزَلْ تُرَاسِلُه - وهي تُريدُ أن تَمْكُرَ به، حتى واعَدَتْهُ ليلةً، فأَمَر أبو سُواجٍ
عبدَهُ نَبْتَلًا أن ينكح جاريةً له ليلَه كُلَّه، فإذا أراد أن يُفْرغَ أفْرَغَ في عُسٍّ، ثم أمرَ فَحُلِبَ عليه وخِيضَ،
ثم أمرها أن تَسْقِيَ صردًا إذا استسقى لبنًا، فَسَقَتْهُ فانْتَفَخَ ثم مات، فبنو يربوع يُعيَّرون بِشُرْبِ الَمنِيِّ
إلى اليومِ.
وقال في ذلك رُشَيْدُ بنُ رُمَيْضٍ العَنْزِيُّ:
إنَّ ابنَ المُحِلِّ وصاحِبَيْهِ لأهلٌ للنَّواكَةِ والضَّجَاجِ
المُحِلُّ هو ابنُ قُدَامَةِ بنِ أسودَ بنِ جَمْرَةَ بن جعفرِ بنِ ثعلبةَ بنِ يربوعٍ.
أَتَحْلِفُ لاتَذُوقُ لنا طعامًا وتشربُ سَيْءَ عبدِ أبي سُواجِ
شَرِبْتَ رَثِيئَةً فَحَبِلْتَ منها فمالَكَ راحَةٌ دونَ النِّتَاجِ
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وقال في ذلك المُسْتَنِيرُ العَنْبرِيُّ لجريرٍ:
أَتَهْجُونَ الرِّبابَ وقد سَقَوْكُم مِنِيَّ العَبْدِ في لَبَنِ اللِّقاحِ
دَهَاكُم فيه مَكْرُ أَبي سُوَاجٍ وحِرْصُ العَنْبَرِيِّ على الضَّياحِ
الضَّياحُ لَبَنٌ صُبَّ عليه ماءٌ.
وقال الأَخطلُ في هجاءِ جريرٍ:
تَعِيبُ الخَمْرَ وهي شَرَابُ كِسْرَى وَيَشْرَبُ قَوْمُكَ العَجَبَ العَجِيبَا!
مَنِيُّ العبدِ عبدِ أَبي سُواجٍ أَحَقُّ من المُدَامَةِ أَن تَعِيبَا!
وقال في ذلك أَبو سُواجٍ:
جَأْجِئْ بيربوعٍ إلى المَنِيِّ جَجَأَةً بالشَّارِفِ الخَصِيِّ
في بَطنِه جَاريةُ الضَّبِّيِّ وشيخُها أَشْمَطُ حَنْظَلُّيِ
وقال ابن لَجَأٍ:
تُمَسِّحُ يَرْبُوعٌ سِبالًا لَئيمةً=بها من مَنِيِّ العَبْدِ رَطْبٌ ويابِسُ
فلما شرب صُردُ بنُ جَمرةَ العُسَّ، وَجَدَ طعمًا خبيثًا فكَرِهَهُ، فقالت: إنما هذا من طُولِ ما أُنْقِعَ،
أَقسمتُ عليك إلا شَرِبْتَهُ، فقال: إني أَرى لَبَنَكُم يَتَمَطَّطُ، أحْسَبُ إبِلَكُم زَعَتِ السَّعْدَان - والسَّعْدَانْ
مُخْثِرَةٌ لأَلبانِ الإِبِلِ، والحُرْبُثُ لأَلبانِ الغَنَمِ - فلما وقع في بطنه، وجد الموتَ فخرج هاربًا إلى أهله،
وأصحابُهُ لا يعلمون بشيءٍ من هذا.
فلما جَنَّ الليلُ على أبي سواج، أمر بإبله وأهله وغلمانه، فانصرفوا إلى قومه، وخلَّف الفرس وكلبه
في الدار، فجعل الكلب ينبح، والفرس يصهل، وساروا ليلتهم، فأصبحت الدار ليس فيها أحد غيره،
ومعه
[ ٢ / ٣٨١ ]
فرسه وكلبه والعس، فلما أصبح ركب فرسه، وأخذ العس، فأتى مجلس بني يربوع، فقال:
جزاكم الله خيرًا من جيران، فقد أحسنتم الجوار، وكنتم أهل ما صنعتم! قالوا: يا أبا سواج ما بدالك
في الانصراف عنا، وقد كنا بك أضناء؟ قال: إن صرد بن جمرة لم يكن فيما بيني وبينه محسنًا، وقد
قلت في ذلك شعرا:
إن المَنِيَّ إذا سَرَى في العبدِ أصبَحَ مُسْمَغِدّا
أَتناكُ سَلمَى باطِلًا وخُلِقْتُ يومَ خُلِقْتُ جَلدا
ألا واعلموا أن هذا القدح قد أحبل منكم رجلا وهو صرد بن جمرة، ثم رمى بالعس على صخرة
فانكسر ثم ركض فرسه، فتنادوا: عليكم الرجل فأعجزهم ولحق بقومه. فكان أول من هجاهم عمرو
بن لجأ فقال:
تُمسِّحُ يربوعٌ سِبالًا لئيمةً بها من مَنيِّ العبدِ رطبٌ ويابسُ
فما ألبس الله امرءًا فوقَ جلدِهِ من اللُّؤمِ إلاّ والكُليبيُّ لابسُ
عليهم ثِيابُ اللُّؤمِ لا يُخلِقونَها سَرَابيلُ في أعناقِهم وبَرَانِسُ
باتَتْ تُرَقِّصها العَبيدُ وعُسُّها قَربانُ مما يَجعلون وتَجعلُ
ويروى تعارضها ويروى كربان، ويروى وعسها ضربان يعني اللبن والمني، قربان قد قارب الملء
وكربان مثله، وجمعان إذا امتلأ فجعل يسيل في جوانبه يعني الوليدة، ويقال: إناء نصفان وذلك إذا
صار إلى نصفه فقال الأخطل في هجائه جريرًا:
تَعيبُ الخمرَ وهي شَرَابُ كِسرَى ويشربُ قومُكَ العَجَبَ العَجِيبا
مَنِيُّ العَبدِ عبدِ أبي سُواجٍ أحَقُّ من المُدَامَةِ أنْ تَعِيبا
حَتَّى إذا خَثُرَ الإناءُ كأنّها فيه القَريسُ مِن المَنِيِّ الأشكلُ
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وكأنّ خاثِرَهُ إذا ارتَثَئُوا بهِ عسلٌ لهمْ حُلِبَتْ عليهُ الأيّلُ
ويروى الإبل بالباء، وحكي عن بعض الأعراب أنه قال: الإبل خثرت ألبانها وغلظت. وقال
بعضهم: هي جمع آبل ويروى الأيل.
قالتْ وخاثِرُهُ يَكُرُّ عليهِمُ والليلُ مُختَلِطُ الغياطِلِ أليَلُ
الغياطل ظلمة الليل، الأليل التام، كما يقال عام أعوام، وشهر أشهر، وسنة سنهاء، ويوم أيوم، ونهار
أنهر.
لا تَشتَهي إمّاهُمْ ارْتَثَؤا بِهِ يَومين مِنْ ثِقْلَ الشّرابِ المأكَلُ
هذا الذي زَحَرَتْ بِهِ أستَاهُكُمْ ويرُى لهُ لَزَجٌ إذا يتَمَثّل
ويروى وترى له لزجا، إذا يتمثل أي تصير له ثمالة وهي الرغوة والحفالة، ويقال يُتمثل يُستقصى
شربه كله.
سَجراءُ مُنْكَرَةٌ إذا خَضْخَضْتُها مِنها يَكادُ إناؤُها يَتَزَيّلُ
ويروى يتميل، سجراء يضرب لونها إلى الحمرة.
قالتْ لِشاعِرِها كُليبٌ كلُّها أتَنِيكُ أُمَّكَ أم تُقادُ فتُقتَلُ
والموتُ أهونُ يا جريرُ مِنَ التي عُرِضَتْ عليكَ فأيّ تَنيِكَ تفعلُ
والمُرَّيين يُخيِّرونَكَ منهُما فالموتُ مِنْ خَلَقي عَجوزكَ أجملُ
المُريّان من المرارة خلقاها إستكاها أي إنها عجوز كبيرة، المريان الواحدة مري وهي الفعلى من
المرارة ومذكره الأمر، ويروى المرتين، ويروى خلفي.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
فاختارَ نَيكَ كبيرةٍ قدْ أصهَرَتْ شَمْطاءَ ليفُ عجانها يَتَفَتّلُ
ويروى ضرب كبيرة، أصهرت صار لها أصهار من قِبل بنيها وبناتها.
والعجان ما بين القُبل والدبر، أي أنها عجوز لا تستحلق.
قالتْ وقَدْ عرفتْ جريرًا أمُّهُ مهلًا جريرُ إليّ جئتَ تَغَفَّلُ
تغفل تأتيني على غفلة، ويروى تذيّل وتقمّل.
إنّ الحياةَ إلى الرجال بغيضةٌ بعدَ الذي فعلَ اللئيمُ الأثَولُ
يقول: خُيّر جرير بين القتل وبين ما عُرض عليه في أمه، فاختار ما عرض عليه لحب الحياة،
والأثول المجنون.
قال أبو عبد الله: يقال رجل أثول وهو الأهوج، وأصل الثول في الشاء أن يكون بالشاء هوج، فلا
تتبع الغنم، ويقال للأنثى ثولاء، ويقال رجل ضاجع وهو الأحمق.
فأجابه جرير فقال:
لِمَنِ الدِّيارُ كأنها لمْ تُحلَلِ بينَ الكناسِ وبينَ طَلحِ الأعزلِ
الكناس موضع من بلاد غني، والأعزل واد لبني كليب به ماء يسمى
[ ٢ / ٣٨٤ ]
الأعزل، الطلح شجر من العضاة، وقوله لم تحلل يخبّر أنها قد درست وامّحت آثارها.
ولقدْ أرى بِكَ والجديدُ إلى بلىً موتَ الهوى وشِفاءَ عَينِ المُجتلي
قوله موت الهوى يقول: كنا بك يا دار مجتمعين متجاورين، فهو أنا ميت، فلما افترقنا جاء التذكّر
والأحزان كما قال جرير:
فأما التَقى الخَيَّانِ أُلقِيَتِ العَصَا وماتَ الهوى لما أُصِيبَتْ مقاتله
يقول: لما اجتمعوا وصاروا إلى المواصلة مات الهوى، والمجتلي المفتعل من قولهم اجتليت العروس
أي أبرزتها، ويروى إلى البلى.
نَظَرتْ إليكَ بِمثِل عَيني مُغْزِلٍ قَطَعتْ حِبَالَتها بأعلَى يَلْيَلِ
مغزل ظبية غزالها، ويليل موضع.
ولقدْ ذَكَرتُكِ والمَطِيُّ خَواضِعٌ وكأنَّهُنَّ قَطَا فَلاةٍ مَجْهَل
يَسْقِينَ بالأدمَى فِراخَ تَنُوفَةٍ زُغْبًَا حَواجِبُهُنًّ حُمرَ الحَوصَلِ
الحوصل جمع حوصلة، ويروى جآجئهن.
يا أمَّ ناجِيَةَ السلامُ عليكُمْ قبلَ الرَّواحِ وقبلَ لومِ العُذَّلِ
يقول: إذا أخّرنا الرحيل ودفعناه، لم نعدم لائمًا على ذلك، قال ابن أحمر:
أفِدَ الرحيلُ وَلَيتهُ لم يأفَدِ واليومَ عاجِلُهُ ويُعذَرُ في غَدِ
[ ٢ / ٣٨٥ ]
قال: العواذل يلمن إذا أخّرنا الرحيل.
وإذا غَدوتِ فَباكَرَتكِ تَحيّةٌ سَبَقَتْ سُروح الشَّاحجاتِ الحُجَّلِ
يعني الغربان، تشحج في صياحها، وتحجل في مشيها، وهي يتشأم بها، يقول: فباكرتك تحية قبل
سروح الغربان للمرعى بكرًا.
لو كنتُ أعلمُ أنَّ آخِرَ عهدِكُمُ يومُ الرحيلِ فعلتُ ما لمْ أفعلِ
يعني في حسن الحال والوداع.
أو كنتُ أرهَبُ وشكَ بَينٍ عاجلٍ لقَنَعْتُ أو لسألتُ ما لمْ يُسأل
ويروى أحذر فجع بين، ويروى ما لم أسأل.
أعدَدْتُ للشُّعراءِ سُمًّا ناقِعًا فسَقَيتُ آخِرَهُمْ بِكأسِ الأولِ
ويروى كأسًا مرةً.
لمّا وضَعتُ على الفرزدق ميسَمي وضغَا البَعيثُ جَدَعتُ أنفَ الأخطلِ
أخزى الذي سَمَكَ السماءَ مُجاشِعًا وبنى بِناءَكَ في الحضيضِ الأسفلِ
الحضيض أسفل الجبل، وأعلاه عرعرته.
بيتًا يُحَمَّمُ قَينُكُمْ بِفِنائِهِ دَنِسًا مَقاعِدُهُ خَبيثَ المَدخَلِ
ويروى المأكل، يحمم أي يدخّن فيه فيسوده.
ولقد بَنَيتَ أخَسَّ بيتٍ يُبتَنَى فهَدَمتُ بيتَكُمْ بِمثلي يَذْبِلُ
إنّي بنى ليَ في المَكارِمِ أوّلي ونَفَختُ كِيرَكَ في الزمانِ الأولِ
أعيتكَ مأثُرَةُ القُيُونِ مُجاشِعٍ فانظرْ لعلّكَ تدّعي من نهشلِ
[ ٢ / ٣٨٦ ]
مجاشع ونهشل أخوان. والفرزدق مجاشعي، فقال: أما مجاشع فلا فخر لك فيهم، فانظر لعلك تجد
فخرًا في نهشل، يهزأ به.
وامدَحْ سَراةَ بني فُقيمٍ إنّهُمْ قَتلو أباكَ وثأرُهُ لم يُقتَلِ
قال أبو عبيدة: كانت اللهابة خبراء بالشاجنة، وحولها مياه بني مالك بن حنظلة القرعاء، ولصاف،
والرمادة، وطويلع، فاختفتها بنو كعب بن العنبر - أي أظهرتها - فوقع بين بني فقيم وبين بني كعب
شر، حتى ارتفعوا فيها إلى مروان ابن الحكم وهو يومئذ عامل معاوية على المدينة، فاختلفوا فيها
وجعل رجل من بني كعب يرتجز ويقول:
إنَّ لُهابًا وارِدُ اللَّهَابَهْ ووارِدُ الجَمَّةِ والحَطَّابَهْ
ثم إلى طُوَيْلِعٍ مَآبَهْ
فقال مروان: من يبتدئ بأن يدع المنهل؟ فقالت بنو فقيم: نحن. فابتدءوا وتركوا الماء لبني كعب،
فلما مرّوا بأضاخ راجعين، نشروا برامًا وطُرفا، فعدلوها، فقدموا بها على أهلهم، فقال الفرزدق:
آبَ الوَفْدُ وفْدُ بني فُقَيْمٍ بأخبثِ ما يؤوبُ به الوفودُ
فَآبُو بالبِرامِ معدَّليها وفازَ الجُدُّ بالجُدِّ السَّعيدُ
وزاحمتِ الخُصُومُ بني فُقَيْمٍ بلا جَدٍّ إذا زَحَمَ الجدودُ
- ويروى وزاحمت الخصوم بنو فقيم، ويروى إذا ازدحم الجدود
[ ٢ / ٣٨٧ ]
- فلما بلغت هذه الأبيات بني فقيم،
قالوا: هذا قول همام فشكوه إلى غالب، فكذب عنه فصدقوه، فقال الفرزدق يعتذر إلى بني فقيم:
يا قومِ إني لم أُرِدْ لأسُبَّكم وذو الطنئِ محقوقٌ بأنْ يتعذّرا
ويروى لم أكن لأسبكم، والطنئ التهمة.
تناهوْا فإني لو أَردتْ هِجاءَكم بَدَا وهو معروفٌ أغرَّ مٌشَهَّرًا
إذا قال غاوٍ من معدٍّ قصيدةً بها جربٌ كانت علىَّ بِزوبرا
أي بأجمعها، يقال: خذ هذا بزوبره أي بأجمعه، وبزوبر لا ينصرف. قال أبو عثمان: سمعت
الكسائي والأصمعي جميعا يقولان، خذه بزوبره، وبزاجمه، وبزامجه، وبصنايته، وبحذافيره، أي خذه
بأجمعه.
أينطقُها غيري وأُرمى بذنبها وهذا قضاءٌ حقهُ أنْ يُغيَّرا
فلما سمع هذه الأبيات غالب، قال: أنت والله صاحب القوم. وقال لبني فقيم: إن شئتم فاعفوا، وإن
شئتم فعاقبوا. فعفوا عنه واضطغنوا عليه في أنفسهم. ثم إن ركبا من بني فقيم نهشل، وفيهم شغار بن
مالك الفقيمي، وفيهم امرأة من بني يربوع، معها صبية لها من بني فقيم، خرجوا يريدون البصرة،
فمروا بجابية من ماء السماء بالقبيبة لغالب، عليها أمة لها تحفظها، فشرعوا فيها فنهتهم الأمة فشيعهم
- أي جرأهم - شغار على ورودها، فضربوها واستقوا. وأتت المرأة أهلها فأخبرتهم الخبر وهم
قريب، فركب الفرزدق فرسًا، وأخذ رمحا، حتى أدرك القوم، فشق أسقيتهم، وعقر بشغار، وشق نحي
[ ٢ / ٣٨٨ ]
المرأة، وجرح أصل ذنب بعيرها، فقال: في ذلك الفرزدق:
لعمرُ أبيكَ الخيرِ ما رغمُ نهشلٍ عليَّ ولا حرداؤها بكبيرِ
ويروى ولا حردائها، ويروى حردانها، حرداؤها لقب من الحرد في اليد، وهو أن يعنت العقال يد
البعير، فييبس عصبه، فتبقى قائمة، إنما يرمى بها رميًا.
وقَدْ علمَتْ يومَ القُبيباتِ نَهشلٌ وحرداؤُها أنْ قدْ مُنُوا بِعَسير
عَشِيَّةَ قالوا إنَّ ماءَكُمُ لنا فلاقَوْا جوازَ الماءِ غيرَ يَسيرِ
الجواز سقي الماء من قولهم: أجز فلانًا أي اسقه، ومن هذا اشتقت الجائزة.
وكم تركوا من خَلْفِ نَحِيْ وبُرْمَةٍ وأَحْرَدَ ضَخْمِ الخُصيتينِ عقيرِ
فما كان إلا ساعةً ثم أدبرتْ فُقَيمٌ بأعضادٍ لها وظُهُورِ
فقلتُ له استمسكْ شِغارُ فإِنَّهُ أُمُورٌ دنتْ أحناؤُها لأُمورِ
فلما قدمت المرأة البصرة أراد قومها وإخوتها أن يثئروا بها - يفتعلوا من الثأر - فقالت: لا، حتى
يشب هؤلاء الصبية، فإن صنعوا شيئًا وإلا طلبتم. وكان أكبر ولدها ذكوان بن عمرو من بني مرة بن
فقيم، فلما شب ذكوان راض الإبل بالبصرة، فلما كان يوم عيد تزين
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وركب ناقة له فائقة، فقال له ابن عم له: ما أحسن هيأتك يا ذكوان،
لو كنت أدركت ما صُنع بأمك، قال: وإن ذاك مما يؤنب به؟ قال
ابن عمه لعز - أي لشد ما - فاستنجد ذكوان ابن عم له، فخرجا حتى أتيا غالبًا بالحزن متنكرين،
وهو على ذات الجلاميد، فلم يقدرا له على غرة، حتى تحمل يريد كاظمة فعرضا له، فقال ذكوان:
أتبيعني هذا البعير، وهو أكثرها معاليق؟ فقال الفرزدق: نعم. قال: فحط عنه حتى أنظر إليه، فأناخوا
فحطوا عنه، فقال: لا أريده ومضى. فشُغل الفرزدق ومن معه بإعادة الجهاز على البعير، حتى لحق
ذكوان غالبًا وهو محمل، وعديلته أم الفرزدق لينة بنت قرظة فعقر بعيرهما، ثم عقر بعير جعثن بنت
غالب، وهي أخت الفرزدق، ثم هرب هو وابن عمه. فزعم مليص الفقيمي أن غالبًا لم يزل وجعا
منها حتى مات بكاظمة، فذلك قول جرير:
وامْدحْ سَرَاةَ بني فُقيمٍ إنَّهم قتلُوا أباكَ وثأرُهُ لم يُقتلِ
وقال في تصداق ذلك ذكوان بن عمرو:
زعمتُمْ بني الأقيانِ أنْ لَنْ نُضُركُمْ بَلَى والذي تُرْجَى إليه الرَّغائِبُ
ويروى زعمتم بني رغوان.
لقد عضَّ سيفي ساقَ عودِ فتاتكم وخرَّ على ذاتِ الجلاميدِ غالبُ
فكُدِّحَ منه أنفُه وجبينُه وذلك منه إن تبينتَ جالبُ
أي عليه جلبه. وقال جرير أيضًا ينعى ذلك على الفرزدق:
[ ٢ / ٣٩٠ ]
رَأَيْتُكَ لم تترُكْ لِسَيْفِكَ محمَلًا وفي سيفِ ذكوانَ بن عمرو محاملُه
تفرَّدَ ذكوانٌ بمقتلِ غالِبٍ فهلْ أنت إن لاقيتَ ذكوانَ قاتِلُه
وقال جرير أيضا ينعى ذلك على الفرزدق:
قتلتْ أباكَ بنو فُقيمٍ عنوةً إذ خرَّ ليسَ على أَبيك إزارُ
عقرُوا رَواحلهُ فليس بِقتلهِ قتلٌ وليس لعقرهِنَّ عِقارُ
وقال جرير أيضا:
ذكوانُ شَدَّ على ظَعائِنكُم ضُحىً فَسَقى أَباكَ من الأمرُ الأعلقِ
أُمُّ الفرزدقُ بعدَ عقرِ بعيرِها شُقَّ النَّطاقُ عن اسْتِ ضَبٍّ مُذْلَقِ
أي مخرج. فهذا قول جرير والهجاء كذوب. وأما ذكوان بن عمرو فإنه لم يدع غير ما في قصيدته،
فهذا الذي هاج الفرزدق على هجاء بني فُقيم.
رجع إلى شعر جرير:
ودعِ البراجمَ إنَّ شِرْبَكَ فيهِمُ مُرٌّ مذاقتهُ كطعمِ الحنظلِ
إنَّي انصببتُ منَ السَّماءِ عليكمُ حتَّى اختطفتكَ يا فرزدقُ منْ عَلِ
مِنْ بعدِ صكَّتِيَ البعيثَ كأنَّهُ خربٌ تنفجَ مِنْ حِذارِ الأجدلِ
الخرب ذكر الحبارى، والأجدل الصقر وربما جعل البازي صقرًا،
[ ٢ / ٣٩١ ]
تنفج نفش ريشه، وذلك أن الحبارى إذا رأت الصقر تنفشت واتقته بسلحها.
ولقدْ وسمتكَ يا بعيثُ بميسميِ وضَغا الفرزدقُ تحتَ حدِّ الكلكلِ
الكلكل الصدر، وذلك قتل الفحول، إنما تضع الرجل تحت كلكلها فتطحنه.
حسبُ الفرزدقِ أَنْ تسُبَّ مُجاشِعٌ ويعُدَّ شِغرَ مُرَقَّشٍ ومُهلهلِ
طلبتْ قُيُونَ بَني قُفيرةَ سابِقًا غمرَ البديهةَ جامحًا في المسحلِ
قفيرة أم صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، والمسحل جديدتا اللجام
تكتنفان اللحيين يمنة ويسرة، وفأس اللجام الذي فيه لسانه.
قال: حدثني عمارة بن عقيل، قال: أم قفيرة اسمها المذبة، وكانت المذبة وليدة لكسرى، وهبها لزرارة
بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، فوهبها زرارة لابنة أخيه يثربي بن عدس بن زيد، وزوجها
مرثد ابن الحارث، أو زياد بن الحارث، فساعاها أخوه سكين بن الحارث فجاءت بقفيرة، فجاءت
بأجمل من الشمس، فتزوجها ناجية ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، على أنها من عبد الله
بن دارم فنعاها عليه جرير.