قال أبو عبيدة، حدثنا دراوس، أحد بني معبد بن زرارة، قال: غزا عمرو بن عمرو بن عدس، فأغار
على بني عبس، فأخذ إبلا وسبي، ثم أقبل حتى إذا كان أسفل من ثنية أقرن، نزل فابتنى بجارية من
السبي، ولحقه الطّلب، فاقتتلوا، فقتل أنس الفوارس بن زياد العبسي عمرا، وانهزمت بنو مالك بن
حنظلة ويقال: إنّ عمرو بن عمرو فارس بني مالك بن حنظلة، فقتلت حنظلة بن عمرو بن عمرو،
وقال بعضهم قُتل في غير هذا اليوم. وارتدّوا ما في أيدي بني مالك. فنعى جرير على بني دارم ذلك
فقال:
هل تذكرونَ على ثَنيّةِ أقْرُنٍ أنسَ الفوارس يومَ يهوي الأسلعُ
وكان عمرو أسلع يعني أبرض. وقال جرير أيضًا:
أتنسَوَنَ عَمرا يومَ بُرقَةِ أقْرُنٍ وحنظلةَ المقتول إذ هويَا معا
قال: وكانت أم سماعة بن عمرو بن عمرو، من بني عبس، فزاره خاله، فقتل خاله بأبيه، ففي ذلك
يقول المسكين الدارمي:
وقاتلُ خالِهِ بأبيهِ مِنا سَماعَةَ لم يَبِعْ حَسَبًا بِمالِ
قال الأصمعي: والذي تناهى إلينا من علم ذلك، أنهم أخطأوا الثنية، وأخذوا المهواة، فسقطوا من
الجبل، ففي ذلك يقول عنترة بن شداد العبسي:
[ ٣ / ٨٠٩ ]
كأنّ السرايا بين قَوّ وصارَةٍ عَصائِبُ طير ينتَحينَ لمَشربِ
شفى النفسَ مني أو دنا مِنْ شِفائها تهورهُمْ مِن حالِق مُتَصَوبّ
وقد كنتُ أخشى أن أموتَ ولمْ تقُمْ قَرائِبُ عمروٍ وسطَ نوحِ مُسَلبِ
التسليب لُبس المسوح وترك الزينة.
وعِمرانُ يومَ الأقرَعَينْ كأنما أناخَ بذي قُرطَين خُرس خَلاخلُهْ
يعني عمران بن مرّة بن دُبّ بن مرّة بن ذُهل بن شيبان، أسر الأقرع ابن حابس بن عقال بن محمد
بن سفيان مُجاشع.
ولم يبقَ في سيف الفرزدقِ محمَلٌ وفي سيف ذَكوانَ بنِ عمرو محَامِلُهْ
قال: ذكوان بن عمرو من بني فُقيم بن جرير بن دارم، قتل غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال،
أبا الفرزدق.
هوَ القينْ يُدنيِ الكيرَ مِنْ صَدَإ استِهِ وتعرفُ مَسّ الكَلبتينْ أناملُهْ
ويرضعُ مَنْ لاقى وإنْ يلقَ مُقعدَا يقودُ بأعمىَ فالفرزدقُ سائِلُهْ
إذا وضع السربالَ قالتْ مجاشِعْ لهُ منكبا حوضِ الحمارِ وكاهِلُهْ
وأنتَ ابن ينخوبية من مجاشع تخضخضَ مِنْ ماء القيونِ مفاصِلُهْ
على حفرِ السيدانِ لاقيت خِزيَة ويومَ الرحا لم يُنق ثوبكَ غاسلُهْ
وقدْ نَوخَتها مِنقَر قدْ عَلِمتمُ بمُعتَلج الدأيَينْ شُعر كَلاكلُهْ
يعني رجلًا مأزرًا أشعر. ويروى الدأيات.
يفرجُ عِمرانُ بن مرة كينها وينزو نزاء العيرِ أعلقَ حابلُه
[ ٣ / ٨١٠ ]
قال: عمران بن مرة من بني منقر بن عبيد، وهو الذي كذب عليه جرير، ورماه بجعثن أخت
الفرزدق، وكان جرير يستغفر ربه، مما قاله لها، وما رماها به من الكذب. وكانت جعثن إحدى
الصالحات فيما بلغنا عنها.
أصَعْصَعَ ما بال أدعائكَ غالبًا وقدْ عرفَتْ عيني حُبيرْ قَوابِلُهْ
أصَعْصَعَ أينَ السيفُ عَنْ مُتَشَمسٍ غَيور أربتْ بالقُيون حَلائَلُهْ
قوله أبت بالقيون حلائله، أربت يقول أقامت لزمنه لا يبرحنه، عن متشمس، يعني أباه ناجية بن
عقال.
وتزعُمُ ليلى مِنْ جُبيرْ بريئة وقدْ ضَهلتْ في رحم ليلى ضَواهلُهْ
وزاوَلَ فيها القَين محبوكَةَ القَفا كما زاولَ الكُردوسَ في القدر ناشلُهْ
الكردوس العظم الضخم، والكردوس أيضًا الكتيبة الضخمة.
أحارثُ خُذ من شئتت منا ومنهُمُ ودَعنا نقِس مجدًا تعدُّ فواضلهْ
الحارث بن أبي ربيعة المخزوميّ.
فما في كتاب اللهِ تهديمُ دارِنا بتهديمِ ماخور خبيث مَداخلُهْ
قوله: فما في كتاب الله تهديم دارنا، عنى الحارث بن عبد الله المخزومي، وهو القُباع. وكان ولي
البصرة، وكان متنسكًا. يروى عنه الفقه، قال: فلما تهاجى جرير والفرزدق، فقام جرير بالمربد، وقام
الفرزدق في المقبرة، أرسل الحارث إلى الدارين اللتين كانا ينزلانهما، فشعّث منهما لينتهيا. فقال
الفرزدق:
أحارثُ داري مَرتينْ هَدمتَها وأنتَ أبنُ أخت لا تخُافُ غَوائلُهْ
[ ٣ / ٨١١ ]
وقد كان القباع أراد هدم دار الفرزدق، في شيء بلغه، ثم إنه كُلم فيه، وهرب الفرزدق، وقال في هربه:
وقبلكَ ما أعيَيتُ كاسرَ عَينهِ زيادًا فلم تقدرْ عليّ حَبائلُهْ
فآليتُ لا آتيهِ تسعينَ حِجّة ولو كُسرتْ عين القُباعِ وكاهِلُهْ
قوله فآليت، يقول فحلفت، يقال آلى فلان وذلك إذا حلف قال: وكان عبّاد بن الحصين، أبو جهضم
الحبطي، على أحداث البصرة، فأعان جريرا على الفرزدق، وهو الذي أعار جريرا الدرع والفرس
لمّا وقفا يتهاجيان، فقال الفرزدق في ذلك:
أفي قَمَليّ مِنْ كُليب هَجَوتهُ أبو جَهضمَ تغلى عليّ مُراجلُهْ
وفي مخدعَ منهُ النّوارُ وشربُهُ وفي مخدَع أكيارهُ ومَراجلهْ
تميلُ بهِ شربُ الحوانيتِ رائحا إذا حرّكتْ أوتارَ صَنْج أناملهْ
ولستَ بذي دَرءٍ ولا ذي أرومَة وما تُعط مِنْ ضَيم فإنك قابلهْ
جزعتُم إلى صَنّاجَة هَرَويّةٍ على حينِ لا يلقى معَ الجدّ باطلهْ
إذا صقلوا سيفًا ضربنا بِنَصلهِ وعادَ إلينا جَفنهُ وحمائلهْ
يقول: هم قيون، فإذا صقلوا السيوف، ضربنا بها، وصارت جفونها إلينا كما قال:
تصفُ السيوفَ وغيركمْ يَعصى بها يا أبنَ القُيونِ وذاك فعلُ الصّيقَلِ
وقال جرير للفرزدق والبعيث:
ذكرتُ وِصالَ البيضِ والشّيْبُ شائِع ودارُ الصّبا مِنْ عَهدهِن بَلاقعُ
قوله والشيب شائع، يقول: متفرق في الرأس، ومنه قولهم: قد شاع
[ ٣ / ٨١٢ ]
الحديث، وذلك إذا تفرق وانتشر، وقوله بلاقع، يقول ودار الصبا بلاقع منهن، والبلاقع القفار من الأرض المستوية.
أشَتّ عِمادُ البَينْ واختلفَ الهَوى ليقطعَ ما بينْ الفريقينْ قاطعُ
ويروى أشتّت ديار الحي، قوله أشتّ يريد تفرّق، وعماد البين، يقول: لما همّوا بالبين قرّضوا
أبنيتهم.
لعلّكَ يوما أنْ يُساعفَك الهَوى فيجمعَ شعبيْ طيّه لكَ جامعُ
الشعب الحي العظيم في المُرتبع، يعني شعبه وشَعبَ التي نأت عنه، يقول لعل الحَيِّين يجتمعان،
والطّيّة المذهب.
أخالدَ ما مِنْ حاجَه تَنبري لنا بِذِكراكِ الاّ أرفضّ منيّ المَدامعُ
قوله تنبري لنا تعرض لنا. وقوله ارفض يعني انقطع وتفرّق.
وأقرضتُ ليلى الودّ ثُمّتَ لمْ تُردْ لتجزيَ قرضي والقروضُ ودَائعُ
سَمَتْ لكَ مِنها حاجة بين ثَهمَد ومَذعى وأعناقُ المَطيّ خَواضِعُ
مذعى ماء لبني جعفر بن كلاب بوضح الحمى، قال أبو عبد الله: ومذعى بفتح الميم، سَمت،
ارتفعت. وخواضع يقول: المطي واضعة رءوسها، مادة اعناقها، وذلك لاعتماد السير.
يسُمنَ كما سامَ المَنيحانِ أقدُحا نخَاهُنّ مِنْ شَيبانَ سَمح مخُالعُ
قوله يسمن يريد في سيرهن، قال: والسوم الاستقامة على سنن الطريق. والمنيحان قِدحان يدخلان
في القداح، وذلك لتكثر بهما القِداح، فإذا خرج المنيح رد، حتى يخرج ما له نصيب.
قال: ومعنى سام هاهنا قصد، قال: فشبّه انضمام الركب،
[ ٣ / ٨١٣ ]
واجتماعهم، باجتماع القِداح، وانضمام بعضها إلى بعض، ومُخالع يريد مُقامرًا،
قال أبو الله: مخالع مقامر بخلعته، ولا يقال لكل مقامر مخالع حتى يقامر بخلعته.
فهلاَ اتّقيتِ اللهَ إذْ رُعْتِ محرِما سرى ثم ألقى رَحلَهُ فهوَ هاجع
ومِنَ دونه تيهِ كأنّ شِخاصَها يحُلْنَ بِأمثالٍ فهُنّ شَوافِعُ
قوله شخاصها يريد الذي يرتفع فيها من جبل وأكمة، وقوله يحلن، يريد يتحركن قوله بأمثال يريد
بمثلهن، فهن شوافع يقول تراهن اثنين اثنين قال: الشفع الزوج، والوتر الفرد وذلك فعل السراب،
ليس ثم تحرّك، وترى الشخص شخصين. أي بينك وبينه تيه، أي قفار مُضلّة.
تحِنُ قَلوصي بعدَ هَدْء وهاجَها وَميضٌ على ذاتِ السلاسلِ لامِعُ
يقول: شاقها وميض برق، يعني طربت واستخفت للمطر.
فقلتُ لها حِنّي رُويدا فإنني إلى أهلِ نجدٍ مِنْ تهَامَةَ نازِع
تغيّضُ ذِفْراها بجونٍ كأنه كُحيلٌ جرى في قُنفُذِ اللّيتِ نابِعُ
ويروى تفيّض بالفاء، أي تسيل، وبالغين أي كأنها تُنقصه من موضعه، وهما روايتان، وقوله تفيّض
ذفراها، يعني تسيل ذفراها، قال: والذفرى ما خلف الأذن من القفا، وقوله بحون، يريد بعرق أسود،
وقوله كُحيل، هو القطران، شبه ما يسيل من ذفراها بالقطران الردي، لأنه أسود، يعني يسيل من
الذفرى، وقوله جرى يعني العرق. قال: وقنفذ الليت، خلف أذنها من قفاها. ونابع قاطر. قال أبو
جعفر، أحمد بن عبيد: القنفذ هو الذفري.
ألا حَيّيا الأعرافَ مِنْ مَنبتِ الغَضا وحيث حَبا حولَ الصرّيفِ الأجارعُ
ويروى الطريف، الصريف فوق النباج بفرسخين حبا أشرف،
[ ٣ / ٨١٤ ]
والأجارع رمال، واحدها أجرع.
سَلمتَ وجادتْك الغُيوثُ الرّوابعُ فأنّكَ وادٍ للأحبّةِ جامعُ
فلم أرَيا ابنَ القَرْمِ كاليومِ مَنظَرا تجَاوَزَهُ ذو حاجة وهوَ طائعُ
أتنسينْ ما نَسري لحُبّ لقائكمْ وتهجيرنَا والبيدُ غُبرٌ خواشِعُ
بَني القَين لاقيتُمْ شُجاعًا بهَضْبةَ رَبيبَ حِبال تَتقيهِ الأشاجعُ
قال: الأشاجع جمع أشجعة، وأشجعة جمع شجاع، والشجاع ضرب من الحيّات، شديد الإقدام.
فإنكَ قَينْ وابنُ قَينين فاصْطَبرْ لذلكَ إذْ سُدّتْ عليكَ المَطالعُ
ولمّا رَأيتُ الناسَ هرّتْ كلابهُمْ تشَيعتُ إذ لم يحمِ إلا المُشايعُ
قال: المشايع الجري المقدم، الذي لا يبالي من لقي، تشنعت تنكّرت.
وجهّزتُ في الآفاق كُلّ قصيدَة شَرودٍ ورودٍ كُلّ رَكب تُنازِعُ
قوله شرود، يعني تذهب في الآفاق، كما يشرد البعير الناد على وجهه، ورود يعني ترد المياه على
كل قوم في ناديهم ومحلّتهم، فتملا كل بلد.
يجُزنَ إلى نَجرانَ مَنْ كانَ دونَةُ ويظهرنَ في نجد وهُنّ صَوادعُ
قوله وهن صوادع، يقول يشققن وسط الأرض، لا يعدلن يمنة ولا يسرة، قال: وهو مأخوذ من قول
الرجل للرجل الذي يسبح في الماء، مرّ يشق الماء شقا، وذلك إذا مرّ مستقيما، وروى أبو عبيدة:
يخضن إلى.
تَعرّضَ أمثالُ القوافي كأنها نجائبُ تعلُو مربدًا فتُطالعُ
المربد محبس الإبل الذي تُحبس فيه.
[ ٣ / ٨١٥ ]
أجئتُمْ تبغّونَ العُرامَ فعِندنا عُرامُ لمنْ يبغي العَرامَةَ واسعُ
قال: العرام الشر، والأدنى انه لعارم، مأخوذ من العرامة الكثير الشر.
تَشَمّسُ يربوعُ ورائي بالقَنا وعادتُنا الإقدامُ يومَ نُقارِعُ
تشمّس، يقول تأبى أن أضام، وتمنعني أن أنال بمكروه، وكأنه مأخوذ من الفرس الشموس، وهو
الذي يمتنع أن يُمس ويأبى ذلك. وقوله يوم نُقارع، يعني يوم نُجالد ونُضارب ونُقاتل.
لنا جبلٌ صعبٌ عليهِ مَهابةٌ مَنيعُ الذرى في الخندفيين فارِعُ
وفي الحيّ يربوع إذا ما تَشَمّسوا وفي الهُندُوانيّات للضيم مانعُ
لنا في بني سعد جبالُ حصينةٌ ومُنتَفَدٌ في باحة العزّ واسعُ
قوله منتفد يعني متسعا. وقوله في باحة العز، يقال من ذلك باحة وساحة، عرصة، كله بمعنى واحد،
وهي ساحة الدار، والموضع بلا بناء يكون فيه.
وتَبذَخُ مِنْ سَعد قُرومُ بِمفزَع بِهم عندَ أبوابِ الملوكِ نُدافِعُ
قوله وتبذخ من سعد قروم، البذخ الصلف والتجبر، يقال من ذلك، ما أبذخ فلانًا، إذا كان متعظمًا
متصلفًا، قال: والقرم فحل الإبل الكريم منها، فاستُعير فصُيّر لعظيم القوم وكريمهم ورئيسهم، قال أبو
عبد الله: قروم بمفرع غير معجمة.
لِسَعد ذُرى عادِيّة يهتدى بها ودَرء على مَنْ يبتغي الدرء ضالعُ
قوله ضالع، يعني مائلا عليه، ويقال من ذلك ضلع فلان مع فلان، إذا كان ميله معه ونُصرته له.
وإنّ حِمى لم يحمِهِ غيرُ فَرْتَنا وغيرُ ابن ذي الكيرين خَزيان ضائعُ
[ ٣ / ٨١٦ ]
قوله غير فرتنا، يريد ابن أمَة، يريد البعيث، قال: وفرتنا اسم تُسمّى به الإماء، يُعلمه أن أمّه كانت أمَة.
رَأتْ مالِكٌ نبلَ الفرزدقِ قَصرت عَنِ المجد إذْ لا يأتلي الغَلوَ نازِعُ
قوله نبل الفرزدق قصّرت، يقول قصّر شعره، فلم يبلغ ما يريد من مطالبته، ولسان الرجل هو
سهمه، ونبله، وسلاحه الذي يُناضل به، ويدفع به عن نفسه، والمجد الشرف، والكرم، والمجد كثرة
فعل الخير
تَعرّض حتى أثبتَتْ بينْ خَطمِهِ وبين مخَطّ الحاجبينْ القَوارعُ
أرى الشيبَ في وجه الفرزدق قدْ علا لهازمَ قِرد رَنّحتهُ الصواقعُ
قال أبو عبد الله: لغة تميم صواقع، وغيرهم صواعق. ويروى في رأس الفرزدق. قوله رنحته،
يقول أدارت رأسه حتى سقط، قال: وهو مأخوذ من قولهم للشارب، إنه لمُرنّح، وقد ترنّح فلان من
الشراب، وذلك إذا شرب فتمايل في مشيه.
وأنتْ ابنُ قينْ يا فرزدق فازدهر بِكيركَ إنّ الكيرَ للقينْ نافعُ
قوله ازدهر، يقول احتفظ، استمسك، وهي كلمة نبطية، سرقها من كلام النبط، لحاجته إليها، يقول
النبطي: ازدهر أي استمسك.
فإنكَ إنْ تنفُخْ بكيركَ تَلقَنا نُعد القَنا والخيلَ يومَ نُقارعُ
ويروى نُماصع. وروى غيره حي نُفارع.
إذا مُدّ غَلوُ الجَري طاحَ ابن فرتَنا وجَدّ التّجاري فالفرزدقُ ظالعُ
وأما بنو سَعد فلو قُلتَ أنصِتوا لتُنشدَ فيهم حَزّ أنفكَ جادعُ
رَأيتكَ إذ لم يغنكَ اللهُ بالغِنى لجأتَ إلى قيس وخَدكَ ضارعُ
ويروى رجعت، قال: وذلك أنه كان لجأ إلى الحجاج. وضارع خاضع ذليل.
[ ٣ / ٨١٧ ]
وما ذاكَ أنْ أعطى الفرزدقُ باستهِ بأول ثَعرِ ضَيّعَتهُ مجاشعُ
ألا إنما مجدُ الفرزدق كيرِهُ وذُخر لهُ في الجنبتين قَعاقعُ
يريد حديد القين وأداته. قال: والجنبة جلدُ بعير مثل الكنف، يجعل فيه القين ألته، وقعاقع يعني
قعقعة.
يقولُ لليلىَ قينْ صَعْصَعَة اشفَعي وفيما وراء الكير للقينْ شافعُ
لَعَمري لقدْ كانتْ قُفَيرةُ بيّنَت وشِعْرة في عينيكَ إذ أنتَ يافعُ
تَبَينّ في عينيكَ مِن حمرَة استها بُروق ومُصفَر مِنَ اللونِ فاقعُ
ويروى عروق ومصفر. والفاقع الشديد الصفرة، وهو من قوله تعالى: ﴿صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾
إذا أسفرَتْ يوما نساء مجاشعِ بدَتْ سَوءة مما تجنُ البَراقعُ
مَناخرُ شانتها القُيونُ كأنها أنوفُ خَنازيرِ السّوادِ القَوابعُ
القوابع صوت، يقال من ذلك قبع الخنزير إذا صوّت، والقبوع صوت الخنزير ويروى سافتها.
مَباشيمُ عَنْ عبّ الخَزيرِ كأنما تُصوّتُ في أعفاجهنّ الضفادِع
وقدْ قَوستْ أمّ البَعيثِ وأكرهتْ على الزفر حتى شَنّجتها الأخادعُ
صَبور على عَضَ الهَوان إذا شتتْ ومغليمُ صيف تبتغي مَنْ تُباضعُ
لقد علمتْ غيرْ الفِياشِ مجاشعِ إلى مَنْ تصيرُ الخافقاتُ اللوامعُ
الفياش الجحف، وهو النفخ، وهو أن يفخر الرجل بما ليس عنده، وهو طرف من البذخ بالكذب.
لنا بانيا مجد فبان لنا العُلى وحام إذا احمرّ القَنا والأشاجعُ
[ ٣ / ٨١٨ ]
قوله إذا احمر القنا والأشاجع، يعني من الطعن. قال: والأشاجع العصب على اليد. يقول فقد احمر
القنا والأشاجع من الطعن بالدم.
أتعدلُ أحسابا كرامًا حُماتُها بأحسابكم إني إلى اللهِ راجعُ
لقومي أحمَى في الحقيقة منكمُ وأضربُ للجبارِ والنقعُ ساطعُ
ويروى للحقيقة. قوله للجبار، يعني رئيس القوم، قال الشاعر:
وكنا إذا الجبارُ صعّر خدّهُ علينا ضربنا رأسهُ فتقَوّما
والحقيقة ما يلزمك حفظه قال: والنقع الغبار، وهو من قول الله ﷿: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾.
وأوثَقُ عندَ المُردفاتنِ عشيّة لحاقًا إذا ما جرّدَ السيف لامعُ
ويروى المُرهقات، وهي المدركات المُعجلات عن الهرب. يقول: لحقن عند الهرب والنجاء،
وسيجيء حديثه في موضعه.
وأمنعُ جيرانًا وأحمدُ في القرىَ إذا اغبرّ في المحل النجومُ الطوالعُ
وسامٍ بَدهم غير مُنتفضِ القُوىَ رئيس سَلَبنا بَزّهُ وهوَ دارعُ
قوله وسام ورُبّ سام، يعني مرتفع النظر وقوله بدَهم، يعني بجيش كثير العدد. يقال من ذلك: أتانا
فلان في الدّهم، وذلك إذا أتاهم في جمع كثير لا يُحصى. غير منتفض، أي هو مُحكم الأمر.
ندَسنا أبا مَنْدوسةَ القينْ بالقَنا ومارَ دَمٌ مَن جارِ بَيْبَةَ ناقعُ
قوله ندسنا، يعني طعنّاه ومار يعني جاء وذهب، كما يقال هاج البحر وذلك إذا اضطربت أمواجه
فجاءت وذهبت. وناقع شافٍ مُرو، وأبو مندوسة، مُرّة بن سفيان بن مجاشع، قتلته بنو يربوع في يوم
[ ٣ / ٨١٩ ]
الكُلاب الأول، وهو يوم قتل شُرحبيل بن الحارث بن عمرو ابن حُجر، آكل المُرار، وقد كتبنا حديثه
في غير هذا الموضع قال: وجار بيبة هو الصّمّة بن الحارث الجُشمي، قتله ثعلبة بن حصبة، في
جوار الحارث بن بيبة بن قُرط بن سفيان بن مجاشع.
ونحنُ نفرنا حاجبًا مجدَ قومهِ وما نالَ عمرو مجدَنا والأقارع
قوله نفرنا غلبنا. وقد كتبنا قصة حاجب وعُتيبة بن الحارث ومخاطرتهما على بني يربوع، حين
سار إليهم قابوس وحسّان ابنا المنذر، ليقعوا بهم، فكانت الدائرة على قابوس وحسّان، ومن معهما قال:
وقمر وعتيبة حاجبًا مائة من الإبل، كانا تخاطرا عليها. وقوله وما نال عمرو مجدنا، يعني عمرو بن
زيد والأقارع يعني ابن حابس وأخاه فراسًا.
ونحنُ صَدَعنا هامةَ ابنِ محُرّق فما رقأت تلكَ العيونُ الدوامعُ
قال أبو عبد الله: يروى فلا رقأت. وقوله رقات، يقول: ما احتبست، يقال للرجل إذا دعوا عليه: لا
رقأ دمعك. يقول: لا زال دمعك سائلًا بالمصائب والفجعات فإذا دعوا له قالوا: ما له رقأ دمعه،
والمعنى في ذلك يقول: لا زال فرحًا مسرورًا، فدمعه راقيء، يعني محتبس. قال: وابنُ محرّق،
قابوس بن المنذر بن النعمان الأكبر. قال: أسرة طارق ابن حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن
يربوع، يوم طخفة، وقد كتبنا حديثه.
وما باتَ قوم ضامنينَ لنا دمًا فتُوفينا إلاّ دِماء شَوافعُ
قوله شوافع، يقول: لا يوفينا إلا دمان من غيرنا بدم واحد منا.
بِمرُهَفَة بَيض إذا هي جردَتْ تَألقُ فيهنّ المَنايا اللوامعُ
قوله بمرهفة، يريد مرقّقة بالمسان، يريد هذه السيوف. وقوله
[ ٣ / ٨٢٠ ]
اللوامع، يقول: هذه السيوف لها بريق ولمعان كالبرق.
لقدْ كانَ يا أولادَ خَجْخَجَ فيكُمُ محُوّلُ رَحْلٍ للزُبيرْ ومانعُ
وقدْ كادَ في يوم الحَواري جاركُمْ أحاديثُ صمّتْ مِن نَثاها المَسامعُ
وبتُمْ تعشّون الخَزير كأنكمْ مُطلّقَةُ حينًا وحينًا تُراجعُ
بُقَبحُ جبريلٌ وجوهَ مجُاشع وتنعى الحَواريّ النجومُ الطوالعُ
إذا قيلَ أيُ الناس شرّ قبيلَةً وأعظَم عارا قيلَ تلك مجاشع
بَني ضَمْضَمِ السّوءاتِ لمّا أقادَكُمْ نُبَيْهُ إستها سُدّتْ عليه المَطالعُ
قوله بني ضمضم وهو بنو مجاشع قال: ونبيه رجل كان يعين الفرزدق على جرير، ويروي هجاء
جرير.
فأصبحَ عَوف في السلاح وأصبحتْ تَفُشٌ جُشاءات الخَزيرِ مجاشعُ
قوله فأصبح عوف، يعني عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة، قاتل مزاد، وقد مر حديثه فيما
أمليناه، وقوله تفش، يريد تخرج الجشاء.
وما سَلَمتْ منها حُوَيّ ولا نَجَتْ فُروجُ البَغايا ضَمْضَم والصعاصعُ
قوله حوي، هو حوي بن سفيان بن مجاشع. قال: وضمضم بن عقال، والصعاصع صعصعة بن
ناجية وولده.
نَدِمْتَ على يوم السّباقَينْ بعدما وهبتَ فلم يوجد لوهيك راقعُ
قال: السباق وادٍ بالدهناء يعني قتل مزاد.
فما أنتمُ بالقوم يوم افتديتُم بِهَ عَنوةً والسمهريّ شوارعُ
فأجابه الفرزدق فقال:
[ ٣ / ٨٢١ ]
منا الذي اختيرَ الرجالَ سَماحةً وخيرًا إذا هبّ الرياحُ الزعازعُ
ومِنا الذي أعطى الرسولُ عَطيّة أسارَى تميمٍ والعُيونُ دَوامِعُ
قال: وذلك أن الأقرع بن حابس كلّم رسول الله - ﷺ - في أصحاب الحُجرات،
وهم بنو عمرو بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، فرد سبيهم وحمل الأقرع الدماء.
ومنا الذي يُعطي المائينَ ويشتري الغوالي ويعلو فضله مَنْ يُدافِع
ومنا خطيب لا يُعابُ وحامِلٌ أغرّ إذا التفّت عليهِ المَجامعُ
قوله خطيب، يعني شبّة بن عقال بن صعصعة. قال: والحامل يعني عبد الله بن حكيم بن نافذ من
بني حُوي بن سفيان بن مجاشع، وكان يقال له القرين، والأغر من الرجال، المعروف، كما يُعرف
الفَرس بغرته في الخيل، يقول: فهو معروف في الكرم والجود.
ومنا الذي أحيَى الوئيدَ وغالِبُ وعمرو ومنا حاجبُ والأقارعُ
قال: الذي أحيى الوئيد، يعني جده صعصعة بن ناجية بن عقال، وغالب أبوه. قال: وعمرو بن
عمرو بن عدس، قال والأقارع، الأقرع وفراس ابنا حابس بن عقال.
[ ٣ / ٨٢٢ ]
قال اليربوعي، حدثني عقال بن شبة بن عقال بن صعصعة، أنه كان من حديث صعصعة وإحيائه
الوئيد، قال: خرجت باغيًا لناقتين عُشراوين فارقين، فرفعت لي نار، فسرت نحوها، وهممت
بالنزول، قال: فجعلت النار تُضيء مرة وتخبو أخرى، فلم تزل تفعل ذلك حتى قلت: اللهم إن لك
علي إنْ بلّغتني هذه النار الليلة، ألا أجد أهلها يوقدونها لكربة يقدر أن يُفرجها أحد من الناس، إلا
فرّجتها عنهم. فلم أسر إلا قليلًا، حتى انتهيت، فإذا صرم من بني أنمار بن هُجيم بن عمرو بن تميم،
وإذا شيخ حادر أشعر يوقدها في مقدّم بيته، والنساء قد اجتمعن إلى امرأة ماخض، قد جبستهم ثلاث
ليال، فسلمت، فقال لي الشيخ: مَن أنتَ؟ قلت أنا صعصعة بن ناجية. قال: مرحبا بابن سيدنا، ففيم
أنتَ يا ابن أخي؟ قلت: في بغاء ناقتين لي فارقين عمي علي أثرهما. قال: وقد وجدتهما، وقد أحيى
الله بهما أهل بيت من قومك، وقد نتجناهما، وعطفنا إحداهما على الأخرى، وهما تانّك في أدنى
الإبل. قال: قلت لمَ توقد نارك منذ الليلة؟ قال: أوقدها لامرأة ماخض قد جبستنا منذ ثلاث ليال. قال:
وتكلم النساء فقلن: قد جاء، قد جاء، يعنين الولد. قال الشيخ: إن كان غلامًا فوالله ما أدرى ما أصنع
به، وإن كانت جارية فلا أسمعنّ صوتها أقتلنها. قلت يا فل ذرها، فإنها ابنتك، ورزقها على الله،
وقلت: أنشدك الله، قال: إني أراك بهات حفيّا فاشترها مني. قلت: فإني أشتريها منك. قال: ما
تعطيني. قلت أعطيك إحدى ناقتيّ. قال لا قلت: أزيدك الأخرى،
فنظر إلى جملي الذي كان تحتي، فقال: لا، إلا أن تزيدني جملك هذا، فإني أراه حسن اللون، شاب
السن. قلت: هو لك والناقتان على أن تُبلغني عليه أهلي. قال: قد فعلت، فابتعتها منه بلقوحين وجمل،
وأخذت عليه عهد الله وميثاقه، ليُحسنن برها وصلتها ما عاشت، حتى تبين عنه أو يدركها الموت
قال: فلما برزت من عنده، حدّثت نفسي فقلت: إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، وقلت: اللهم إن
[ ٣ / ٨٢٣ ]
لك ألا أسمع برجل من العرب يريد أن يئد ابنة له، إلا اشتريتها منه بلقوحين وجمل. قال
وبُعث - النبي ﷺ - وقد أحييت مائة موءودة إلا أربعًا، ولم يشركني في ذلك أحد
من العرب، حتى أنزل الله ﷿ تحريم ذلك في القرآن: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ
نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا﴾
قال اليربوعي: وحدثني أبو شيبة القرشي، ثم الزهري، يرفع الحديث إلى صعصعة، أنه أحيى
ثلاثمائة موءودة إلا أربعًا.
رجع إلى شعر الفرزدق:
ومنا غَداةَ الرّوع فِتيانُ غارة إذا مَتعتْ تحتَ الزجاج الأشاجعُ
قوله متعت، يريد ارتفعت بالسيوف بعد الطعان بالرماح، قال: والأشاجع عصب ظاهر الكف.
ومنا الذي قادَ الجيادَ على الوَجا لنَجرانَ حتى صبّحتها النزائعُ
قال: وإنما أراد عمرو بن حُدير بن المُجبر، والمجبر هو سلمى بن جندل بن نهشل. قال: والأقرع
بن حابس أغار على أهل نجران، وقد كتبنا حديثهما، والوجا الحفا. والنزائع من الإبل والخيل التي
نُزعت من هاهنا إلى هاهنا فقد تُخيرت.
أولئكَ آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جريرُ المَجامِع
نموني فأشرقتُ العَلايةَ فوقكمْ بحُور ومنا حامِلونَ ودافِعُ
والعلاية، يقول أعلو وأقهر الناس، ويروى العلاءة.
[ ٣ / ٨٢٤ ]
بهِمْ أعتلي ما حمّلَتني مجُاشِعُ وأصرعُ أقراني الذينَ أصارِعُ
فيا عجبي حتى كُليبُ تسُبّني كأنّ أباها نهشلَ أو مجاشِعُ
أتفخرُ أنْ دقّتْ كُليبُ بنهشل وما مِنْ كُليبَ نهشل والربائعُ
قال: الربائع ربيعة الكبرى ابن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهم رهط علقمة بن مالك بن زيد، وهم
رهط المغيرة بن حبناء. ورهط أبي بلال مرداس بن أدية، وعروة بن أدية، وربيعة الصغرى، وهو
ربيعة بن مالك بن حنظلة، وهم حنظلة، وهم رهط حنتف بن السجف، وهو قاتل حُبيش بن دلجة
القيني، وكان مروان بعثه إلى أهل المدينة، ليعمل بهم ما عمل بهم مسلم بن عقبة المري، قاتل أهل
الحرة. قال: فكل واحد منهم عم صاحبه.
ولكنْ همُا عمّايَ مِنْ آل مالكِ فأقْع فقدْ سدّتْ عليك المطالعُ
قوله فأقع، يقول: اقعد على إستك، كما يُقعي الكلب.
فإنكَ إلا ما اعتصمتَ بنهشل لمُستَضعف يا بنَ المَراعَة ضائعُ
إذا أنتَ يا أبن الكلبِ ألقتكَ نهشل ولم تكُ في حلْف فما أنتَ صانعُ
ألا تسألونَ الناسَ عنا وعنكمَ إذا عظّمتْ عندَ الأمورِ الصناتع
تعالَوا فعُدوا يعلمِ الناس أينا لصاحِبهِ في أول الدهر تابعُ
وأيُ القَبيلَينْ الذي في بيوتهِم عِظامُ المَساعي واللهَى والدسائعُ
قال: اللهى في مذهب جمع والدسائع العطايا، وأصل اللهوة من الطعام تُلقّمُها الرحا.
[ ٣ / ٨٢٥ ]
وأينَ تُقضي المالِكان أمورهَا بحَق وأينَ الخافقاتُ اللوامعُ
المالكان يعني مالك بن زيد بن تميم، ومالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن تميم.
وأينَ الوجوهُ الواضِحاتُ عَشيّة على البابِ والأيدي الطّوال النوافعُ
ويروى الواضحات ومنهم الحكومة والأيدي. قال: بعث الله تعالى محمدًا - ﷺ -
والأقرع ابن حابس حكم العرب في كل موسم، وهو أول من حرّم القمار، وكانت العرب تتيمن به،
ذكر ذلك الأصمعي وأبو عبيدة.
تَنَحّ عن البَطحاء انّ قديمَها لنا والجبال الباذَخاتُ الفوارعُ
أخذنا بآفاقِ السماء عليكمُ لنا قَمَراها والنجومُ الطوالعُ
قوله لنا قمراها أراد الشمس والقمر، فغلّب المذكر مع حاجته إلى إقامة البيت، وذلك كما قيل الأبوان
للأب والأم.
لنا مًقرَم يعلُو القُرومَ هَديرهُ بِذْخ كل فَحلٍ دونهُ مُتَواضعُ
ويروى يعلو الفحول. ويروى كل قرم. وهذا أصح وأقوم. قال: والمقرم الفحل الذي لم يحطم،
يركب، هو كريم على أهله، وذلك الأصل، ثم نُقل إلى أن قيل في الأنس مقرم القوم، وقرمهم
وسيدهم. ويروى يعلو الفحال، وبذخ كلمة تقولها العرب فخرًا، كأنه هدر. ويقال بخ، قال ابن
الأعرابي.
هوى الخَطَفى لما اختَطفتُ دماغَهُ كما اختَطَفَ البازي الخَشاشَ المُقارعُ
الخشاش من الطير، الذي لا يصيد شيا، وليس هو بسبع من الطير،
[ ٣ / ٨٢٦ ]
والمقارع نعت البازي.
أتعدلُ أحسابًا لئامًا أدقّة بأحسابِنا إني إلى الله راجِع
ويروى أتعدل أحساب لئام أدقّة.
وكنا إذا الجبارُ صعّرَ خدهُ ضربناهُ حتى تستقيمَ الأخادعُ
صعر خده يعني أماله تكبرًا وتعظما، والصعّر الميل. قال: وهو من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ
لِلنَّاسِ﴾، يقول ولا تلوه عنهم تعظمًا وتجبرًا، قال: والأخدعان عرقان في صفحتي العنق، يقول
نضربه حتى تستقيم أخادعه، ويذهب صعره وكبره.
ونحنُ جعلنا لابنِ طَيبةَ حُكمَهُ مِنَ الرُمح إذْ نقَعُ السنابكِ ساطعُ
قوله لابن طيبة، ملك من ملوك غسان. قال: أغار يوم الترويح في غسان وطوائف من اليمن، على
بني نهشل فهزموا جيشه وقتلوه، قتله أبي بن ضمرة بن جابر بن قن بن نهشل، وقتلوا أبا الهرماس
الغساني فقال الأشهب بن رميلة، يفخر على الفرزدق بقتلهما، وبقتل بني نهشل خليف بن عبد الله
النميري بذي نجب:
ألمْ تسألْ فتُخبرَ يا بنَ قَينْ مَساعينا لدى الملكِ الهُمامِ
ومَقتلَنا أبا الهِرماسِ عَمرًا ومَسقانا بنَ طَيبةَ بالسّمامِ
ونحنُ عشيّةَ الترويح عنكمْ رَددنا حَدّ ذي لجَبٍ لهامِ
ونازَلنا المُلوكَ ونازَلَتنا على الركَبات في ضيقِ المُقامِ
وغادرنا بذي نجَبٍ خُليقًا عليهِ سبائِبُ مثلُ القِرامِ
قوله سبائب، هي طرائق الدم الواحدة سبيبة، والقرام الستر الرفيق
[ ٣ / ٨٢٧ ]
الأحمر ولجب أصوات مختلطة كثيرة. وقوله لهام، يقول هذا الجيش يلتهم كل شيء لكثرته.
وكلُ فَطيم ينتهي لفِطامِهِ وكلُ كُليبي وإنْ شابَ راضعُ
الفطيم القطيع من اللبن، والفطم القطع، كأنه راضع للؤمه.
تزيدَ يربوعٌ بهمْ في عدادِهِمْ كمل زِيدَ في عَرضِ الأديمِ الأكارِعُ
إذا قيلَ أي الناسِ شرِ قبيلةً أشارتْ كُليبٌ بالأكفّ الأصابعُ
ويروى شرٌ قبيلةٍ. ويروى أشرّت. يقول: وكليب. قال: الناس هم شر الناس، وأشرّت أظهرت.
ولمَ تمنَعوا يومَ الهُذيل بنَاتكمْ بَني الكلبِ والحامي الحقيقة مانعُ
غَداةَ أتتْ خيلُ الهُذَيلِ وراءَكُمْ وسُدّتْ عليكمْ من إرابَ المَطالعُ
إراب موضع.
قال أبو عبيدة: وكان من قصة الهُذيل، وهو الهذيل بن هبيرة أبو حسان التغلبي، أنه أغار على بني
يربوع باراب، فقتل فيهم قتلا ذريعًا، وأصاب نعما كثيرًا، وسبى سبيًا كثيرًا، فيهن زينب بنت
حميري بن الحارث بن همام بن رياح بن يربوع، وهي يومئذ عقيلة نساء بني يربوع، والعقيلة
الكريمة على أهلها المفضّلة فيهم. قال أبو عبيدة، فحدثني أفار بن لقيط العدوي، وهو أبو خيرة، قال:
كان الهذيل يسمى مجدّعًا، وكان بنو تميم يفزعون به ولدانهم، وأسر قعنبا، وسبى كآبة بنت جزء بن
سعد الرياحي، ففداها أبوها جزء بن سعد، وتمنّع بمفاداة زينب بنت حميري، فركب عتيبة بن
الحارث فيها، وفي أسرائهم، حتى فكهم، ثم بلغه أنهم يمرون نعتمه عليهم. وقوله يمرون يجدون قال
أبو عبيدة وأنشدني سليط لعتيبة في ذلك:
[ ٣ / ٨٢٨ ]
أبلِغْ أبا قُرّانَ حيثُ لَقيتَهُ وبلِّغْ خِدامًا إنْ نأي أو تجنّبا
جلَبنا الجيادَ مِنْ وبالَ فأدركَتْ أخاكُمْ بنا في القدّ والمرء قَعنَبا
فما ردّنا حتى حَلَلنا وثاقَهُ حديدًا وقدّا فوقَ ساقيهِ مجلبا
فقلنا لهُ إفسحْ بعض خَطوِكَ طالَ ما جلستَ وقدْ رُمتَ الخُطى يا ابنَ أرنبا
وما كانتِ العَسراء ترجو إيابةُ ولا أمهُ مِنْ طولَ ما قدْ تَعتّبا
أي لزم السجن، وقوله قد تعتبا، أراد لزم عتبة البيت لا يبرح، قال: وأبو قرّان، نعيم بن قعنب، وهو
زوج زينب بنت حميري، ولدت له قران بن نعيم. قال: وخدام الذي ذكر، وهو خدام أخو نعيم بن
قعنب ابن أرنب، وهي بنت حرملة بن هرمي، وهي بنت جزء بن سعد.
همْ قارَعوكُم عنْ فُروجِ بناتِكُمْ ضُحىً بالعوالي والعوالي شَوارعُ
فبِتنَ بُطونًا للعَضاريطِ بعدما لَمعنَ بأيديِهنّ والنقعُ ساطِعُ
العضاريط التِّبّاع، واحدهم عُضروط. والنقع الغبار، وهو من قوله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾
إذا استعجلَ العُضروطُ حَلّ فِراشها تَوَسّدها قَدْ كَدّحَتها البَلاقِعُ
إليكُمْ فَلمْ تَستَنزلوا مُردَفَاتكُمْ ولم تَلْحَقوا إذْ جرّدَ السيفَ لامِعُ
يحُصّنُ عَنهُنّ الهُذَيل فِراشَهُ وهُنّ لخُدّام الهُذيل بَراذِعُ
فراشه أي لا يجامعهن، يرفع نفسه عنهن، ويبذلهن للخدام.
إذا حرّكوا أعجازَها صوّتتْ لهمْ مُفرّكَةً أعجازُهُنّ المَواقِعُ
المواقعة في الجماع يريد أصواتها، وقوله المواقع، من قولك جمل موقع. قال: وذلك إذا كان به آثار
دبر لكثرة ما يحمل عليه، فيريد أنه قد فُعل بهن مرارًا كثيرة. قال الشاعر:
[ ٣ / ٨٢٩ ]
وما مِنكُمْ أفناء بَكرْ بنِ وائلٍ لِغارَتنا إلا ذَلولُ مُوقّعُ
بَكَينْ إليكُمْ والرماحُ كأنها معَ القومِ أشطانُ الجَرورِ النَوازِعُ
أراد منزوع لها. قال: والجرور البعيدة القعر، التي لا يُستقى عليها إلا بسانية.
دَعَتْ يالَ يربوع وقدْ حالَ دونها صُدورُ العوالي والذكورُ القواطعُ
فأيّ لحَاقٍ تَنظُرونَ وقد أتى على أمُلِ الدّهنا النساء الرواضِعُ
ويروى المراضع. الأميل رمل يطول بلا عرض كثير، وقوله أمل، واحدها أميل، وهو الرمل
يعرض ويستطيل مسيرة أيام، والدهنا الرمال الكثيرة.
وهُنّ رُدافَى يَلتَفتْنَ إليكُمُ لأسوُقِها خَلفَ الرجال قَعاقِعُ
بِعيط إذا مالَتْ بهِنّ خمَيلَة مَرَى عَبراتِ الشّوقِ مِنها المدامعُ
قوله بعيط يريد بأعناق عيط، وهي الطوال؛ من قولك ناقة عيطاء، وبعير أعيط. ومرى حلب.
تِخَقٌ الكُلَيْبيّاتُ تحتَ رجالهِمْ كما نَقَ في جوف الصرّاة الضفادعُ
الخفيق صوت الفرج. والصراة الماء المتغير في لونه وريحه، قوله تخق الكليبيات تحت رجالهم،
هو النخير عند غشيان الرجال إياهن. يقول: هن ينخرن عند الغشيان من الغُلمة.
فجِئنَ بأولادِ النصارى إليكُمْ خَبالى وفي أعناقهنّ المَدارعُ
ترَى للكُليبيّاتِ وسطَ بُيوتهِمْ وجوهَ إماء لمْ تَصُنها البَراقِعُ
كأنّ كُليبا حين تشهدُ محفلا حُلاقَةُ إسبْ جمّعتها الأصابعُ
الإسب شعر العانة.
[ ٣ / ٨٣٠ ]
وقال جرير للفرزدق، وآل زبرقان بدر البهدليين، ويخص عيّاشًا، وإخوته، وأمهم هنيدة بنت
صعصعة، عمة الفرزدق، وكانت تسمى ذات الخمار. قال: وهو لقولها: من جاء من نساء العرب
بأربعة رجال، يحل لها أن تضع خمارها عندهم كأربعتي، فصرمتي لها: أبي صعصعة، وأخي
غالب، وخالي الأقرع، وزوجي الزبرقان بن بدر:
أمِنْ عهدِ ذي عهد تفيضُ مدامعي كأنّ قذَى العينينْ مِنْ حَبّ فُلفُلِ
ويروى دموعه. وقوله أمن عهد ذي عهد، أي مكان قد كنت عهدته، ثم أحدثت به عهدًا تفيض
مدامعي، وقوله من حبّ فلفل، أي كأن الذي وقع في عيني من القذى، حب فلفل، فهو أكثر لدمعها.
فإن يرَ سلمى الجِنُ يَستَأنسوا بها وإنْ يرَ سلمى راهبُ الطُورِ ينزل
مِنَ البِيضِ لم تَظعَنْ بعيدًا ولمْ تطأ على الأرض إلا نيرَ مرط مُرَحّل
قوله مرحل، يعني معلمًا. يقول: لم تلبس إلا مرطًا، وهو إزار من خَزّ معلم، وقال بعضهم: يكون
المرط أيضًا من الصوف معلمًا، وهو أيضًا المرحّل، والمرحّل المنقوش على عمل الرحال.
إذا ما مَشتْ لمْ تنتهزْ وتأوّدَتْ كما أنآدَ مِنْ خيل وَج غير مُنعَل
تأودت تثنّت في مشيتها من سمنها ونعيمها، كمشي هذا الذي يمشي وهو وج حَفِ، فهو يمشي ويتّقي
على قدميه، لا يطأ عليهما وطئًا شديدا.
كما مالَ فضلُ الجُلّ عَنْ متن عائِذ أطافَتْ بِمُهرٍ في رباط مُطَولِ
[ ٣ / ٨٣١ ]
قوله عائذ جماعها عوذ، وهي التي معها ولدها، يقال للواحد عائذ وعوذ للجميع. وقوله مطول، يريد
هو مشدود بطول، قال: والطول الحَبل.
لهَا مِثل لونِ البَدرِ في ليلةِ الدُجِي وريحُ الخُزامىَ في دِماث مُسَيّلِ
الدماث من الأرض السهلة اللينة، قال: وهو مشتق من الدميث، وهو الرمل اللين.
أإنْ سُبّ قَينْ وأبنُ قَينٍ غَضِبْتُمُ أبهدَلَ يا أفناء سَعد لبَهدَلِ
قوله يا أفناء سعد لبهدل، كما قال الله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أي تعجبوا لإيلاف قريش.
أعيّاشُ قَدْ ذاقَ القُيونُ مرارتي وأوقدتُ ناري فادنُ دونكَ فاصْطَل
فلما بلغ هذا البيت عياشًا قال: إني إذا لمقرر.
سَأذكُرُ ما قالَ الحُطيئةُ جارُكُمْ وأحدثُ وسما فوقَ وسم المُخَبّلِ
يريد المخبل الشاعر، واسمه ربيعة، واسم الحطيئة جرول، وهما جميعًا هجوا الزبرقان بن بدر.
أعيّاشُ ما تُغني قُفيرةُ بعدما سَقيتك سمًا في مَرارَة حَنظل
أعيّاشُ قدْ آوتْ قُفيرةُ نَسلَها إلى بيت لُوم ما لَهُ مِنْ محُوّل
تُذَيّر أبكارَ اللقاح ولم تكنْ قُفَيرة تدري ما جناةُ القَرنفُل
قال الذئار بعر رطب يُجعل بين خلف الناقة، وبين خيط الصرار، حتى يقي الخلف. قال: والتذئير
الصرار ببعرة، وذلك إذا أعوز الصرار.
[ ٣ / ٨٣٢ ]
فإن تدّعوا للزّبرقان فإنكُمْ بَنو بنت قينِ ذي عَلاة ومرحَلِ
العلاة سندان القين، ومرجل قدر من حديد، فإن كانت من حجارة، فهي البرمة. وقوله بنت قين يريد
هنيدة بنت صعصعة.
وما حافظتْ يومَ الزُبيرْ جاشِع بنَو ثيلِ خَوّار يُداوَى بحَرمَل
ولوْ باتَ فينا رَحلُهُ قدْ عَلمتمُ لآبَ سليمًا والضبّابَةُ تنجلي
ويروى لأب جميعًا أي سيظهر الأمر ويبدو.
فشُدّوا الحُجَى للغدر إنيّ مُشمّر إذا ما عَلامَتْنَ المُفاضَةِ محمَلي
المفاضة درع واسعة، وقوله محملي يعني محمل السيف.
ولا تطلُبا يا ابني قُفيرةَ سابقًا يدقُ جماحًا كلّ فأس ومِسحَلِ
الفأس، فأس اللجام المنتصب في الفم وهو اللسان. والمسحلان الحديدتان اللتان اكتنفتا اللحيين في
أطرافهما سير العذار. والشكيمة الحديدة المعترضة في وسطها.
كما رامَ منا القين أيام صوءر فلاقَى جماحًا مِنْ حمِام مُعَجّل
ضَغا القِردُ لمّا مَسّهُ الجدُّ واشتكيَ بَنو القَين منا حَدّ ناب وكَلْكَل
أتمدَحُ سَعدا بعدَ أسلابِ جارِكُمْ وجَرّ فَتاةٍ عُقرُها لم يحُلّل
قوله جاركم يعني الزبير، وقاتله ابن جرموز السعدي.
أجعثِنُ قدْ لاقيتْ عِمرانَ شاربًا على الحبةِ الخضراء ألبانَ أيّلِ
يقول إذا شرب الحبة الخضراء، مع ألبان الأيل هاجت غلمته.
[ ٣ / ٨٣٣ ]
فباتتْ تُنكاكُ الشغزبية بعدما دعتْ بنتُ قين الكيرِ لم يتوكلِ
ويروى تُناك الحوزقية، ويروى الجوربية. ويروى بنت قين بات لم يتوقل. ويروى مات لم يتوكل.
والشغزبية أن تضع إحدى رجليها وترفع الأخرى.
لعلكَ ترجو يا ابنَ نافِخ كيرِة قُرومًا شَبا أنيابِها لم يُفَلّل
قوله قرومًا، قال: القرم الفحل من الإبل الكريم على أهله، الذي لم يمسسه حبل ولا حمل، ثم نُقل إلى
الكريم السيد، والأصل في الإبل. وهذا من الحروف المنقولة، تُنقل من موضعها إلى غيرها، وقد
تفعل العرب ذلك كثيرًا، وشبا أنيابها حد أنيابها، ولم يُفلل، يريد لم تُفلّ ولم تُكسر، ومنه يقال: المرجل
ما يفل منه شيء. أي لا يؤخذ منه شيء.
تَوجّعُ رَصفَ الركبتينْ وتشتكي مَساحِجَ مِنْ رَضراضَة ذاتِ جَندَلِ
والرضراضة الأرض الكثيرة الحصى.
أتعدلُ يربوعًا وأيامَ خَيلِها بِأيام مَضفونينَ في الحربِ عُزّل
الضفن ضرب الأست بالرجل من خلف أسته وهو قائم، ويروى وقّافين.
ألا تسألونَ المُردَفاتِ عَشِيّةً معَ القومِ لا يخبَأنَ ساقًا لِمُجتَلِ
يعني يوم المروت، يوم منع بنو يربوع سبي بني العنبر، وأسروا بحير ابن عبد الله، وقد مر حديث
المروت.
مَن المانعونَ السبيَ لا تمنعونَهُ وأصحابُ أعلالِ الرئيسِ المُكَبّلِ
وفي أيّ يوم لم تُسَلّلْ سيوفنا فنَعلو بِها هامَ الجَبابِر مِنْ عَلِ
ويروى فيغلي بها.
[ ٣ / ٨٣٤ ]
فما لُمتُ نفسي في حديثٍ وليتُهُ ولا لمتُ فيها قَدّمَ الناسُ أوّلي
فأجابه الفرزدق فقال:
أتنسى بنو سًعدٍ جَدودَ التي بِها خذلتم بني سعد على شر مخذل
يعني خذلان بني يربوع بني سعد، حين أدركوا الحوفزان ومن معه، من بكر بن وائل.
قال: وكان الحوفزان قد أغار على بني رُبيع فأغاثتهم بنو سعد. قال: ويومئذ حُفز الحوفزان في أسته
بالرمح واسمه الحارث بن شريك بن عمرو، وعمرو، هو الصلب، وهو لقب لُقب به.
عَسِيّةَ ولّيتُمْ كأنّ سُيوفَكُمْ ذآنينُ في أعناقِكُمْ لمْ تُسلّلِ
الذانين نبتة طويلة ضعيفة لها رأس مدور.
وشيبانُ حولَ الحوفَزان بوائِلِ مُنيخًا بجيشٍ ذي زوائدَ جَحفل
قوله ذي زوائد، يعني هذا الجيش ذو زوائد، جحفل كثير الأهل والتباع، ويقال الجحفل الكثير الخيل
والسلاح.
دَعَوا يالَ سعد وادّعَوا يالَ وائِل وقدْ سُلّ مِنْ أغمادِهِ كل مُنضُل
قبيلَين عند المُحصَناتِ تَصاوَلا تَصاوُلَ أعناقِ المصاعيبِ مِنْ عَلِ
عَصَوا بالسيوفِ المَشرفيّهِ فيهمِ غَيارى وألقَوا كُلّ جَفنٍ ومَحمَلِ
قوله عصوا بالسيوف، يقول اتخذوا السيوف كالعصي.
حمَتْهُنّ أسيافٌ حِدادُ ظُباتهُا ومنْ آلِ سعدٍ دَعوةٌ لم تهُلّلِ
[ ٣ / ٨٣٥ ]
قوله لم تهلل، يقول دعوتهم صدق لم تُكذّب.
دَعَونَ وما يَدرينَ منهُمْ لأيهَمْ يكُنْ وما يخفينَ ساقًا لمُجتَل
لعلكَ مِنْ في قاصعائَكَ واجِدٌ أبًا مثلَ عبدِ اللهِ أو مثلَ نهشل
وآل أبي سُود وعوفِ بنِ مالكِ إذا جاء يومٌ بأسهُ غيرُ مُنجل
قوله وآل أبي سود، قال: أبو سود وعوف من بني طُهيّة.
ومُتخَذٌ منا أبًا مثلَ غالِبٍ وكان أبي يأتي السماكَين مِنْ عَلِ
وأصيدَ ذي تاج صَدَعنا جبينَهُ بأسيافنا والنقعُ لمْ يتَزَيّل
ترى خزَراتِ المُلكِ فوقَ جَبينه صَوولُ شَبا أنيابِهِ لم يُفَلّل
وما كانَ مِنْ آرِيّ خَيل أمامَكُمْ ولا محتبىً عندَ الملوكِ مُبَجّلِ
ويروى محتب، وهو أجود. مبجل معظّم.
ولا أتبعتكُمْ يومَ ظعنِ فلاؤها ولا زُجرَتْ فيكُمْ فحالتُها هَل
ولكنّ إعفاء على إثر عانَة عليهِنّ أنحاء السّلاء المُعَدّل
الإعفاء واحدها عفو، قال وهو ولد الحمار. وأنحاء جمع نحي وهو زق السمن. وعانة جماعة حمير.
بناتُ ابنِ مَرقومِ الذّراعَين لم يكنْ ليذْعَرَ مِنْ صوتِ اللجامِ المُصَلْصِلِ
أرى الليلَ يجلوهُ النهارُ ولا أرى عظامَ المخازي عَنْ عَطيّةَ تَنْجَلي
أمِنْ جَزَع أنْ لم يكُن مثلَ غالبٍ أبوكَ الذي يمشي بِربْق مُوَصّلِ
ظَللت تُصادي عن عَطيّة قائمًا لِتَضربَ أعلى رأسِهِ غير مُؤتَلِ
قوله تصادي، يقول تُداري، وتخاتل، وهي المُصاداة.
لكَ الويلُ لا تقتُلْ عَطيّةَ إنهُ أبوكَ ولكنْ غيرهُ فتَبَدّل
وبادلْ بهِ مِنْ ثومِ بضعةَ مثلَةُ أبًا شرّ ذي نعلينْ أو غير مُنعَلِ
فإن همْ أبَوا أنْ يقبَلوهُ ولم تجدْ فِراقًا لهُ إلا الذي رُمتَ فافَعلَ
[ ٣ / ٨٣٦ ]
وإنْ تهجُ آلَ الزبرقانِ فإنما هَجوتَ الطوالَ الشُمّ مِنْ هَضبِ يَذْبُل
وقدْ ينبح الكلبُ النجومَ ودونها فَراسِخُ تنضي العين للمتأمل
يقول: فكما لا يضر النجوم نباح الكلب، كذلك لا يضرنا قولك، وقوله تنصي العين يقول تحسر
الطرف قال أبو عبد الله: ومن كلام العرب، قد ينبح الكلب القمر، يُضرب مثلا للذي يتعرض
للشريف بعيب أو أذى.
فما تمّ في سعد ولا آلِ مالكِ غُلامٌ إذا ما قيلَ لمْ يتبهدَل
ويروى في عمرو ولا آل مالك. قوله يتبهدل، يريد ينتسب إلى بهدلة، وهم آل الزبرقان بن بدر،
وبهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة.
لهُمْ وهبَ النعمانُ بُرْدَ محَرّقٍ بِمجدِ مَعَدّ والعديدِ المحَصّلِ
ويروى الجبار بدل النعمان.
[ ٣ / ٨٣٧ ]
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: كان المنذر بن ماء السماء، وأمه بنت عوف بن جشم بن هلال بن
ربيعة النمري، أبرز سريره، وقد اجتمعت عنده وفود العرب، ثم دعا ببردي ابنه محرّق، وهو عمرو
بن هند، وأمه هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المُرار. قال: وإنما سمي محرقا لأنه كان
يحرّق الرجال بالنار، فمن ثم سمي محرقا. فقال: ليقم أعز العرب قبيلة، وأكثرهم عددا، فليأخذ هذين
البردين قال: فقام عامر بن أحيمر بن بهدلة فأخذهما، فأتزر بواحد، وارتدى بالآخر. فقال له المنذر بمَ
أنت أعز العرب. وأكثرهم عددا؟ فقال: أيها الملك، العز والعدد من العرب في معد، ثم في نزار، ثم
في مضر، ثم في خندف، ثم في تميم، ثم في سعد ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة. فمن أنكر
هذا من العرب فلينافرني، فسكت الناس، فقال المنذر: عند ذلك فهذه عشيرتك كما تزعم، فكيف أنت
في أهل بيتك وبدنك؟ قال: أنا أبو عشرة، وأخو عشرة، وعم عشرة، وخال عشرة، تُعينني الأصاغر
على الأكابر، والأكابر على الأصاغر وأما قولك كيف أنت في بدنك فشاهد العز شاهدي. ثم وضع
قدمه على الأرض، فقال من أزالها من الأرض فله مائة من الإبل. فلم يقمْ إليه أحد من الناس، وذهب
بالبردين، فسميَ ذا البردين قال الزبرقان بن بدر:.
وبُردا ابْن ماء المُزنِ عمي اكتَساهمُا بِعِزّ مَعد حينَ عُدّتْ محَاصلُهْ
رآهُ كِرامُ الناس أولاهم بهِ ولم يجدوا في عِزّهم مَنْ يُعادلهْ
قال شيبان بن دثار النمري، يمدح بني بهدلة ويخص الزبرقان بن بدر، ويهجو بني قريع بن عوف،
ويخص بني لأي بن أنف الناقة، وهو جعفر بن قريع:
مَنْ يكُ سائلًا عني فإنيّ أنا النّمَريُ جارُ الزبرِقانِ
طَريدُ عشيرة وطَريدُ حرب بما اجترمَتْ يدي وجَنَى لساني
[ ٣ / ٨٣٨ ]
أبيتُ الليل أرقُبُ كلّ نجمْ شَآم قَرّ في بَلَد يَمانِ
كأني إذْ حَللتُ بِهِ طَريدًا حَللتُ على المُمَنّع مَنْ أبانِ
إلى بيت الأكارمِ مِنْ مَعَدّ محَلاّ بَيّنًا لمنِ ابتغاني
فخَلّوا عنهم يا آل لاي فليسَ لكُمْ بِسعيِهم يَدان
غَداة سعى لهم عمرُو بنُ طَوقِ وذو البردَين نَعمَ الساعيانِ
رجع إلى شعر الفرزدق:
وهم لَرسول اللهِ أوفَى مجُيرُهُمْ وعّموا بفَضلٍ يومَ بُسر مجُلّل
هَجَوتَ بني عَوف وما في هجائهم رَواحُ لعَبد مِنْ كُليب مُغَربَل
أبهدَلَةَ الأخيارَ تهجو ولم يَزَلْ لهُمْ أول يَعلو على كُلّ أوّلِ
قال: لما قُبض رسول الله - ﷺ - ارتدت العرب عن الإسلام إلا القليل، وأبوا أن
يؤدوا الزكاة وقد كان رسول الله - ﷺ - بعث رجالا من أفناء العرب على صدقات
عشائرهم، فلما قُبض رسول الله - ﷺ - أنهب بعضهم ما في يديه من الصدقة،
وتربص بعضهم، وكان أول من ورد المدينة بالصدقة على أبي بكر - ﵁ - عدي بن
حاتم، ثم الزبرقان بن بدر، وكان مما قوى الله - ﷿ - به الإسلام، قال: وكبّر أهل المدينة
وفرحوا بوفاء الزبرقان، قال: وجهّز أبو بكر - ﵁ - خالد بن الوليد - ﵁ -
إلى أسد وغطفان، وهم على بزاخة قد ارتدوا مع طليحة بن خويلد الفقعسي. ففي ذلك يقول الزبرقان
بن بدر:
وفيتُ بأذْوادِ الرسولِ وقدْ أبتْ سُعاة فلمْ يَردُدْ بعيرا مجُيرُها
معًا ومنعناها منَ الناس كلهمْ تَراها الأعادي حولنا ما تُضيرُها
وأديتُها مِنَ أنْ تُضامَ بذمتي محَانيقَ لم تُدرَس رُكوبًا ظُهورُها
أردْتُ بها التقوىَ ومجدَ حَديثها إذا عُصبَة سامَي قَبيلي فَخورُها
[ ٣ / ٨٣٩ ]
وإنيّ لَمن قومْ إذا عُدّ سَعيُهُمْ أبىَ المُخزِياتِ حَيُها وقَبيرُها
صِغارهُمُ لم يَطبَعوا وكبارُهُمُ أصيبتْ مناياها عِفافا صُدورُها
قال وبُسر الذي ذكر بُسر بن أرطاة، أحد بني نزار بن مغيص بن عامر ابن لؤي، بعثه معاوية بن
أبي سفيان - ﵄ - إلى البادية، ليقتل من كان من شيعة علي بن أبي طالب - رضي
الله عنه - يومئذ.
فلما انتهى إلى بلاد بني سعد، سار بنو مقاعس، وهم صريم، وعبيد، وربيع بنو الحارث. وهو
مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة، وعليهم طلبة بن قيس بن عاصم، فتوسّطوا بلادهم،
فجُمعوا لبُسر، فخشيهم أن يُقدم عليهم، وأصاب من بني عوف غرّة، فأصاب فيهم، فطلبه بنو بهدلة
فقاتلوه فهزموه، وأصابوا من أصحابه رجالا ففي هذه الفتنة يقول نابغة بني جعدة بن كعب بن ربيعة
بن عامر لوبر بن أوس بن مغراء القريعي:
لَعَمرُ أبيكَ يا وَبرَ بنَ أوس لقدْ أخزيت قَومكَ في الكلامِ
أتتركُ معشرَا قَتَلو هُذيلا وتُوعدُني بقَتلي مِنْ جُذامِ
ولمْ تفعلْ كما فَعل ابنُ قيس وعِرقُ الصّدْقَ في الأقوامِ نامِ
سرى بمُقاعسِ وتركتَ عَوفًا ونمتَ ولم يَنمْ ليلَ التمامِ
فأصبحَ دونهُ بَقَرُ التّناهِي وأصبحَ حَولكُم فِرقُ البهامِ
قال هذا الشعر النابغة، لأن بني عوف اتهموا رجلا من بني جعدة، يدعى مزاحمًا، وقالوا دلّ بُسرا
على غرتنا فقال وبر بن أوس، يحضض بني عوف على مزاحم:
يُقيمونَ يَرعَونَ النجيلَ وأنتُمُ تَنَهّسُ قَتلاكُمْ كِلابُ مُزاحِم
[ ٣ / ٨٤٠ ]
وقال الفرزدق يهجو جريرا ويُعرّض بالبعيث:
وَدَّ جريرُ اللؤمِ لو كان عانيًا ولم يَدْن مِنْ زأرِ الأسودِ الضرّاغِمِ
ويروى غائبا. وقوله عانيًا يعني أسيرا، يقال زأر يزئر، ويزأر زأرا. قال: والضراغم واحدها
ضرغام وضرغامة، وهو القوي الشديد من الأسد. قال: والزأر إنما هو للأسد خاصة.
وليسَ ابن حمراء العِجانِ بِمُفلتي ولمْ يَزدجرْ طير النُحوسِ الأشائم
يقول: كيف لم يتعيف فيزجر طير النحوس الأشائم فينتهي عني.
فإن كنتما قَدْ هِجتُماني عليكما فلا تجزعا وأستسمعا للمُراجمِ
قوله واستسمعا يعني جريرًا والبعيث. قال: والمُراجم يعني نفسه. يقول أنا مساب ومقاذف، أدفع عن
نفسي وعن حسبي. يقول: يجيء من لساني من الهجاء، والقول الشديد، كما يرجم الرجل بالحجارة.
لمِردَى حُروبٍ مِنْ لدُنْ شَدّ أزْرَهُ محُام عَنِ الأحْسابِ صَعْبِ المَظالمِ
قوله مردى حروب، الردي الرجم، يقال من ذلك رداه يرديه رديًا شديدًا. قال: ومن هذا قول العرب،
قد أنصف القارة من راماها. ويروى من رادها، ومردى مرجمّ بالصخر، قال: والمرداة الصخرة التي
يرمي بها الرجل صاحبه وقوله من لدن شد أزره، يقول: من لدن أنا غلام أحامي عن أحساب قومي،
وأنا صعب القياد لمن ظلمني.
غَموس إلى الغايات يُلفَى عَزيمُهُ إذا سَئمَتْ أقرانُهُ غير سائمِ
ويروى سبوق. غموس ماض. إذا سئمت، يقول إذا ملّت الرجالات
[ ٣ / ٨٤١ ]
من أصحابي، فأنا غير سائم، يقول فأنا غير ملول، لا أنا ضجر من ذلك.
تَسورُ بهِ عندَ المَكارمِ دارِمٌ إلى غايةِ المُستَصعَبات الشّداقمِ
قوله تسور به، يقول تثب به فترفعه، يعني نفسه، يعني تفخر بذكري عند المكارم، وتفرح
المستصعبات. يقول: لم تمسسها حبال العمل. قال: والشراقم واحدها شرقم وهو الواسع مشق الشرق.
قال: والميم زائدة، قال: وإنما كان الأصل فيه أن يقال، أشدق، فقالوا شدقم، وذلك كما قالوا للأسته من
الرجال سُتهُم.
رأتنا مَعَدٌّ يومَ شالَتْ قُرومُها قِيامًا على أقتار إحدى العَظائمِ
ويروى حين. وقوله أقتار يريد نواحي. وقوله يوم شالت قرومها، رفعت هذه القروم أذنابها، وهي
خيار الأبل للايعاد، وإنما يفعل ذلك الفحل إذا أوعد، خطر بذنبه، يضرب به هذه الفخذ مرة، وهذه
الفخذ مرة.
رأونا أحَقّ بني نِزار وغيرهمْ بِإصلاح صَدع بينهمْ مُتَفاقم
قوله متفاقم، هو الأمر العظيم الشديد، يقال قد تفاقم الأمر بينهم، إذا اشتد وصعب.
حَقَنّا دِماء المسلمينَ فأصبحتْ لنا نِعمَة يُثنى بها في المواسمِ
قوله في المواسم، يقول يُذكر غناؤنا ومناقبنا في المواسم، وهي المجامع التي يجتمع الناس بها
فيتذكرون أيامهم.
عَشيّةَ أعْطَتنا عُمانُ أمورَها وقُدْنا مَعَدّا عَنْوَة بالخَزائم
قوله عنوة يعني قهرا. والخزائم الحلق في أنوف الإبل من شعر، فإن كانت من صُفر فهي بُرة. قال:
ويجعلون البُرة خزامًا أيضًا.
[ ٣ / ٨٤٢ ]
ومنا الذي أعطى يديهِ رَهينةً لَغارَي مَعَدّ يومَ ضربِ الجماجمِ
قوله لغاري معد، هما تميم وبكر، وهما الجُفان أيضًا، قال: والذي أعطى يديه رهينة، عبد الله بن
حكيم بن زياد بن حوي بن سفيان بن مجاشع بن دارم، في خبر مسعود بن عمرو بن عدي بن
محارب بن صنيم بن مليح بن سرطان بن معن بن مالك بن فهم.
كفى كُلّ أمّ ما تخافُ على ابنها وهُنّ قيامٌ رافعاتُ المعاصِم
عشيّة سالَ المِربدَان كلاهما عَجاجَةَ موتٍ بالسيوفِ الصوارِمِ
قال والمربدان، يعني سكة المربد بالبصرة، والسكة التي تليها من ناحية بني تميم، جعلها مربدين،
لأنها تساوي سكة المربد إلى الجبان، كما قالوا الشعثمان، وهما شعثم وعبد شمس، ابنا معاوية وكما
قالوا الأحوصان، وهما الأحوص وعوف بن الأحوص، ومثل هذا كثير في كلامهم.
[ ٣ / ٨٤٣ ]
قال: حدثنا أبو عبيدة بحديث مسعود وقصّته، قال: فكتبنا منها بعض ما يجتزأ به من جملته. وقال
أبو عبيدة: مبدأ حديثه، أن يونس ابن حبيب النحوي، حدثني قال: لمّا قتل عُبيد الله بن زياد الحسين
بن علي - ﵄ - وبني أبيه، بعث بُرءوسهم إلى يزيد، فسر بقتلهم أولا، وحسنت بذلك
منزلة عبيد الله عنده. قال: فلك يلبث إلا قليلًا حتى ندم على قتل الحسين - ﵁ - فكان
يقول: وما كان عليّ لو احتملت للحسين الأذى، فأنزلته معي في داري، وحكمته فيما يريد، وإن كان
في ذلك وكف ووهن في سلطاني، حفظا لرسول الله - ﷺ - ورعاية لحقه وقرابته،
لعن الله ابن مرجانة، فإنه أخرجه واضطره، وقد كان سأله أن يخلي سبيله، ويرجع من حيث أقبل،
أو يأتيني ويضع يده في يدي، أو يلحق بثعر من ثغور المسلمين، حتى يتوفاه الله تعالى فأبى ذلك
وردّه عليه، وقتله، فبغّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع في قلوبهم العداوة فأبغضني، له البر والفاجر،
بما استعظم الناس من قتلي حُسينا. ما لي ولابن مرجانة، لعنه الله وغضب عليه ثم إن عبيد الله بعث
مولى يقال له أيوب بن حمران إلى الشام، ليأتيه بخبر يزيد. قال: فركب عبيد الله ذات يوم، حتى إذا
كان في رحبة القصابين، إذا هو بأيوب بن حمران قد قدم، فلحقه فأسر إليه موت يزيد بن معاوية،
فرجع عبيد الله من مسيره ذلك، فأتى منزله، وأمر عبد الله بن حصن، أحد بني ثعلبة بن يربوع،
فنادى الصلاة جامعة قال أبو عبيدة: وأما عمير بن معن الكاتب، فحدثني قال: الذي بعثه عبيد الله
حمران مولاه، فعاد عبيد الله عبد الله بن نافع أخي زياد لامه، ثم خرج عبيد الله ماشيًا من خوخة
كانت في دار نافع، إلى المسجد، فلما كان في صحنه، إذا هو بحمران مولاه أدنى ظلام عند المساء -
قال: وكان حمران رسول عبيد الله إلى معاوية حياته وإلى يزيد حياته - فلما رآه ولم يكن آن له أن
يقدم، قال: مهيم يعني ما وراءك قال: خيرا، أدنو منك. قال: نعم قال: فدنا فأسر إليه موت يزيد،
واختلافا من أهل الشام.
[ ٣ / ٨٤٤ ]
قال: وكان يزيد مات يوم الخميس، النصف من شهر ربيع الأول، سنة أربع وستين قال: فأقبل عبيد
الله من فوره ذلك، فأمر مناديًا ينادي الصلاة جامعة. فلما تجمع الناس، صعد المنبر، فنعى يزيد،
وعرّض بثلبه. قال: وإنما فعل ذلك، لقصب يزيد إياه. كان قبل موته حتى خافه عبيد الله. فقال
الأحنف بن قيس لعبيد الله: إنه قد كانت ليزيد في أعناقنا بيعة، وكان يقال أعرض عن ذي قبر،
فأعرض عنه.
ثم قال عبيد الله فذكر اختلافًا من أهل الشام، ثم قال إني قد وليتكم، وما يحصى ديوان مقاتلتكم إلا
أربعين ألفا، ولا ديوان ذراريكم، إلا سبعين ألفا، فقد بلغ ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفا، وديوان ذراريكم
مائة وأربعين ألفا، لم أترك لكم ظنة أخافها عليكم، ألا وقد جمعتها في سجني هذا، وأنتم أوسع الناس
بلادًا، وأبعدهم مقادًا، وأكثرهم عديدًا وحديدًا، لا حاجة بكم إلى أحد من الناس، بل الحاجة للناس
إليكم، فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم وسلطانكم، حتى تجتمع الناس على خليفة، وأنا أول من
سمع وأطاع، وأعان بماله ونصيحته وقوته، وإن تنسبوني، تجدوا مهاجر والدي إلى البصرة، ومولدي
بها، وأنا رجل منكم.
قال: فقامت الخطباء إلى عبيد الله، لما فرغ من خطبته فقالوا: قد قبلنا ما أشرت به، ولا نرى أحدًا
أضبط لهذا الأمر منك، ولا أقوى عليه، فبايعوه على رضى منهم، ومشورة منه، فلما خرجوا من
عنده، جعلوا يمسحون أكفّهم بباب الدار وحيطانه، ويقولون: أظن ابن مرجانة أنّا نوليه أمرنا في
الفرقة، فأقام عبيد الله أميرا غير كثير، حتى جعل سلطانه يضعف، يأمر بالأمر فلا يُقضى، ويرى
الرأي فيُرد عليه رأيه، ويأمر بحبس المُظن أي المتهم فيحال بين أعوانه وبينه قال أبو عبيدة:
فسمعت غيلان بن محمد. يحدث عثمان البتي قال: حدثني عبد
[ ٣ / ٨٤٥ ]
الرحمن بن جوشن، قال: تبعت جنازة، فلما كنت في سوق الإبل، إذا رجل على فرس شهباء متلفع بساج - أي طيلسان –
وفي يده لواء وهو يقول: أيها الناس، إني أدعوكم إلى ما لم يدعكم إليه أحد قبلي، إني أدعوكم إلى العائذ
بالحرم، عبد الله بن الزبير - ﵄ - قال: فتجمع إليه نويس، فجعلوا يصفقون على
يديه، ومضينا حتى صلينا على الجنازة، فلما رجعنا، إذا هو قد تأوى إليه أكثر من الأولين، فأخذ بين
دار قيس بن الهيثم بن أسماء بن الصلت السلمي، ودار الحارثيين قبل بني تميم، في الطريق التي
تأخذ إليهم وقال: ألا من أرادني، فأنا سلمة بن ذؤيب بن عبد الله بن ملحم بن زيد بن رياح بن يربوع
بن حنظلة. قال فلقيني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عند الرحبة فأخبرته بخير سلمة بعد رجوعي، فأتى
عبد الرحمن عبيد الله فحدثه بالخبر عني، فبعث إلي، فأتيته، فقال: ما هذا الذي خبّرني به عنك أبو
بحر؟ قال: فاقتصصت عليه أول الحديث، حتى أتيت على آخرة، فأمر بالقبض - أي العطا - على
المكان، فنودي الصلاة جامعة. قال: فتجمع الناس، فأنشأ عبيد الله يقتص أول أمره وأمرهم، وما قد
كان دعاهم إلى من يرضون به، فيبايعه معهم، وإنكم أبيتم غيري، ثم إنه بلغني إلى من يرضون به،
فيبايعه معهم، وإنكم أبيتم غيري، ثم إنه بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان، وباب الدار، وقلتم ما قلتم،
وإني آمر بالأمر فلا يُنفذ، ويرد علي رأيي، وتحول القبائل بين أعواني وطلبتي، ثم هذا سلمة بن
ذؤيب، يدعو إلى الخلاف عليكم، إرادة أن يُفرق جماعتكم، ويضرب بعضكم جباه بعض بالسيوف.
فقال الأحنف، وهو صخر بن قيس بن معاوية بن حصن بن النزال بن مُرة ابن عبيد بن الحارث بن
كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقال الناس: نحن نجيئك بسلمة. قال: فأتوا باب سلمة، فإذا جمعه
قد كثُف، وإذا الفتق قد اتسع على الراتق، وامتنع عليهم، فلما رأوا ذلك، قعدوا عن عبيد الله فلم يأتوه.
[ ٣ / ٨٤٦ ]
قال، وقال أبو عبيدة، فحدثني غير واحد، عن ابن الجارود بن أبي سبرة الهُذلي، عن أبيه الجارود،
قال: وكان عبيد الله قد قال في خُطبته: يا أهل البصرة، والله لقد لبسنا الخَزّ واليُمنة واللين من
الثياب، حتى لقد أجمته جلودنا، فما نبالي أن نُعقبها الحديد أيامًا يا أهل البصرة، والله لو اجتمعتم على
ذنب عنز لتكسروه ما كسرتموه قال الجارود: فوالله ما رُمي بجماح حتى هرب فتوارى عند مسعود،
فلما قُتل مسعود لحق بالشام، قال أبو عبد الله: الجماح السهم على رأسه طين.
قال أبو عبيدة، قال يونس: وكان في بيت مال عُبيد الله يوم خطب الناس، قبل خروج سلمة، ثمانية
آلاف ألف أو أقل، قال أبو الحسن المدائني: كان سبعة عشر ألف ألف، فقال للناس: إن هذا فيئكم،
فخذوا أعطياتكم، وأرزاق ذراريكم منه، وأمر الكتبة بتحصيل الناس، وتخريج الأسماء، واستعجل
الكتاب بذلك، حتى وكّل بهم من يحبسهم بالليل في الديوان، وأسرجوا لهم الشمع. قال: فلما صنعوا ما
صنعوا وقعدوا عنه، وكان من خلاف سلمة عليه ما كان، كف عن ذلك، ونقلها حين هرب، فهي إلى
اليوم تردد في آل زياد، فيكون فيهم العُرس والمأتم، فلا يُرى في قريش، ولا في غيرهم مثلهم في
الغضارة والكسوة قال: فدعا عبيد الله رؤساء بُخارية السلطان، فأرادهم على أن يقاتلوا معه، فأبوا،
فدعا البخارية فأرادهم على مثل ذلك، فقالوا: إن أمرنا قُوّادنا قاتلنا، فقال أخو عبيد الله لعبيد الله: ما
من خليفة فتقاتل معه عنه، فإن هُزمت فئت إليه، وأمدك وقوّاك، وقد علمت أن الحرب دُول، فلا
تدري لعلها تدول عليك، وقد اتخدنا بين أظهر هؤلاء القوم أموالا، فإن ظفروا أهلكونا وأهلكوها، فلم
تبق لنا باقية. وقال له عبد الله، أخوه لأبيه وأمه مرجانة - وكانت أمة لزياد - لئن قاتلت القوم،
لأعتمدن على ظُبة سيفي حتى يخرج من صُلبي. فلما رأى ذلك، أرسل إلى الحارث بن قيس بن
صُهبان بن عوف بن علاج بن مازن بن
[ ٣ / ٨٤٧ ]
أسود بن جهضم بن جذيمة بن مالك بن فهم، فقال له: يا حار، إن أبي حين احتاج إلى الهرب والجوار اختاركم،
وإن نفسي تأبى غيركم فقال الحارث: قد أبلوك في أبيك ما قد علمت، وأبلوه فما وجدوا عندك ولا عنده مكافأة،
وما لك مُنزل إذا اخترتنا، وما أدرى كيف آنى لك، لئن أخرجتك نهارًا إني أخاف أن لا أصل بك إلى قومي،
حتى تُقتل وأقتل معك، ولكني أقيم معك حتى إذا وارى دمسًا - يريد حتى إذا وارى الليل الشخص - وهدأت العيون ردفت
خلفي لئلا تُعرف، ثم آخذ بك إلى أخوالي بني ناجية. فقال عبيد الله: نعم ما رأيتَ، فأقامَ حتى إذا قلت
أخوك أم الذئب، حمله خلفه. وقد نقل تلك الأموال فأحرزها، ثم انطلق به يمر به على الناس، قال:
وكانوا يتحارسون مخافة الحرورية والإغارة، قال: فيسأل عبيد الله أين نحن؟ فيخبره، فلما كان في
بني سُليم، قال: سلمنا - إن شاء الله - فلما أتى به بني ناجية قال: أين نحن؟ قال في بني ناجية،
قال: نجونا - إن شاء الله - فقال بنو ناجية: مَن أنت؟ قال: أنا الحارث بن قيس. قالوا: ابن أختكم،
وعرف رجل منهم عبيد الله، فقال: ابن مرجانة، فأرسل عليه سهمًا، فوقع في عمامته، ومضى به
الحارث بن قيس حتى ينزله في دار نفسه في الجهاضم. ثم مضى إلى مسعود بن عمرو بن عدي بن
محارب بن صنيم بن مليح بن سرطان بن معن بن مالك بن فهم، فلما رآه مسعود قال: يا حار قد كان
يتعوذ من شر طوارق الليل، فنعوذ بالله من شر ما طرقتنا به. فقال الحارث: لمَ تقول ذلك؟ لم أطرقك
إلا بخير، وقد علمت أن قومك قد ألجأوا زيادًا، فوفوا له، وصارت لهم مكرمة في العرب يفتخرون
بها عليهم، وقد بايعتم عبيد الله بيعة الرضا، رضا عن غير مشورة، بعد بيعة أخرى قد كانت في
أعناقكم، قبل هذه البيعة - يعني بيعة الجماعة -. قال: يا حارث أترى نُعادي أهل مصرنا في عبيد
الله، وقد أبليناه في أبيه بما أبليناه، ثم نُكافأ، ولم نُشكر، ما كنت أحسب أن يكون هذا من رأيك. قال
الحارث إنه لا
[ ٣ / ٨٤٨ ]
يُعاديك أحد على الوفاء ببيعتك حتى تُبلغه مأمنه.
قال أبو عبيدة: وحدّثني مسلمة بن محارب بن سلم بن زياد، وغيره من آل زياد، عمن أدرك ذلك
منهم ومن مواليهم، والقوم أعلم بحديثهم، أن الحارث بن قيس لم يُكلم مسعودًا، ولكنه أمر عبيد الله،
فحمل معه مائة ألف درهم، ثم أتى بها أم بسطام، امرأة مسعود، وهي ابنة عمه، ومعه عبيد الله وعبد
الله ابنا زياد، فاستأذن عليها، فأذنت له، فقال لها الحارث: قد أتيتك بما تسودين به نساءك، وتثبتين به
شرف قومك، وتُعجّلين به غِنا ودُنيا لك خاصة، هذه مائة ألف درهم، خذيها لك وضمي عبيد الله،
قالت: إني أخاف أن لا يرضى مسعود بذلك ولا يقبله، قال الحارث: ألبسيه ثوبًا من ثيابه، وأدخليه
بيتك، وخليّ بيننا وبين مسعود، قال: فقبضت المال وفعلت ما قيل لها، فلما جاء مسعود، أخبرته
الخبر، فأخذ برأسها فخرج عبيد الله والحارث من حجلتها عليه، فقال عبيد الله: قد أجارتني بنت
عمك، وهذا ثوبك عليّ، وطعامك في مذاخري، وقد التفّ عليّ بيتك.
قال: وشهد له على ذلك الحارث، وتلطفًا له حتى رضي. قال: فقال مسلمة: وأعطى عبيد الله
الحارث نحوا من خمسين ألف درهم، فلم يزل عبيد الله في منزل مسعود حتى قُتل مسعود.
قال أبو عبيدة: فحدثني يزيد بن سمير الجرمي، عن سوار بن سعيد الجرمي قال: فلما هرب عبيد
الله، غبر أهل البصرة بغير أمير، فاختلفوا فيمن يؤمرون عليهم، ثم تراضوا برجلين يختاران لهم
خيرة، فيرضون بذلك إذا أجمعا عليه، فتراضوا بقيس بن الهيثم السلمي، وبنعمان بن صهبان الراسبي
- راسب بن جرم بن زبان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة - أن يختارا لهم من
يرضيان، فذكرا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأمه هند بنت
[ ٣ / ٨٤٩ ]
أبي سفيان بن حرب بن أمية. قال: وكان يلقب ببة، وهو جد سليمان ابن عبد الله. وذكرا عبد الله بن الأسود
الزهري قال: فلما أطبقا عليهما، اتّعدا المربد، وواعدا الناس، وحضرت معهم قارعة المربد - يعني
أعلاه - قال: فجاء قيس بن الهيثم، ثم جاء النعمان بعد، فتجاول قيس والنعمان. قال: فأرى النعمان
قيسا أن هواه في ابن الأسود، ثم قال له: إنّا لا نستطيع أن نتكلم معًا. قال: وأداره النعمان على أن
يجعل الكلام إليه، ففعل قيس، وقد اعتقد أحدهما على الآخر، فأخذ النعمان على الناس عهدًا ليرضون
بما يختار لهم. قال: ثم أتى النعمان عبد الله بن الأسود فأخذ بيده، وجعل يشترط عليه الشرائط، حتى
ظن الناس أنه مبايعه، ثم تركه وأخذ بيد عبد الله بن الحارث فاشترط عليه مثل ذلك، ثم حمد الله
وذكر النبي - ﷺ - وصلى عليه، وذكر حق أهل بيته وقرابته، وقال: يأيها الناس،
ما تنقمون من رجل من بني عم نبيكم، وأمه هند بنت أبي سفيان، فإن كان المُلك فيهم، فهو ابن
عمّهم، وإن كان فيهم، فهو ابن أختهم. ثم صفق على يده، ثم قال: ألا إني قد رضيت لكم به، فنادوا قد
رضينا. قال: وأقبلوا بعبد الله بن الحارث، حتى نزل دار الإمارة، وذلك في أول جمادى الآخرة سنة
أربع وستين، واستعمل على شرطته هميان بن عدي السدوسي، ونادي في الناس، أن احضروا البيعة
فحضروا فبايعوه. فقال في ذلك الفرزدق حين بايعه:
وبايعتُ أقواما وَفَيتُ بعهدهمْ وبَبّةُ قَدْ بايَعْتُهُ غَيرَ نادمِ
قال أبو عبيدة: فحدثني زهير بن هنيد عن عمرو بن عيسى، قال: كان منزل مالك بن مسمع
الجحدري في الباطنة عند باب عبد الله الأصفهاني، في خط بني جحدر - والخط الطريق - الذي
عند باب المسجد الجامع، فكان مالك يحضر المسجد، قال: فبينا هو قاعد فيه، وذلك بيسير من إمرة
ببة، قال: وفي الحلقة رجل من بني عبد الله
[ ٣ / ٨٥٠ ]
بن عامر بن كُريز القُرشي، إذا أتته وقعة عبد الله بن خازم بربيعة بهراة، فتنازعوا، فأغلظ لمالك،
فلطم رجل من بكر بن وائل القرشي، فتهايج من ثمّ من مضر وربيعة. قال: وكثرتهم ربيعة الذين في الحلقة.
فنادى رجل: يال تميم، قال: فسمعت الدعوة
عُصبة من بني ضبة بن أدّ كانوا عند القاضي، قال: فأخذوا رماح الحرس، حرس المسجد وترستهم،
ثم شدوا على الربعيين فهزموهم، فبلغ ذلك مالك بن مسمع، فأقبل متفضلا يُسكّن الناس، وكف بعضهم
عن بعض قال: فمكث الناس شُهيرا أو أقل، فكان رجل من بني يشكر يجالس رجلا من بني ضبّة في
المسجد، فتذاكروا لطمة البكري القرشي، قال: ففخر بها اليشكري وقال: ذهبت ظلفا يعني باطلا،
يقول لم يؤخذ بطائلتها، فذهبت اللطمة باطلا. قال: فأحفظ الصبي، فوجأ عنقه. فوقده الناس في
الجمعة، فحُمل اليشكري ميتًا إلى أهله. قال: فثارت بكر إلى رأسهم أشيم بن شقيق، فقالوا: سر بنا.
قال: بل أبعث إليهم رسولا فإن شنئوا لنا حقنا، وإلا سرنا إليهم. فأبت ذلك بكر - قال أبو عبد الله:
يقال شنيء له بكذا أي خرج له عنه - فأتوا مالك بن مسمع .. وقد كان قبل ذلك مالك بن مسمع،
غلب أشيم على الرئاسة، حتى شخص أشيم إلى يزيد بن معاوية قال: فكتب له إلى عبيد الله بن زياد
أن اردد الرئاسة إلى أشيم، قال: فأبت اللهازم - وهم بنو قيس بن ثعلبة، وحلفاؤها عنزة، وتيم اللات
بن ثعلبة، وحلفاؤها عجل، حتى تواقفوا. والذهلان شيبان، وحلفاؤها يشكر وذُهل بن ثعلبة، وحلفاؤها
ضُبيعة بن ربيعة بن نزار أربع قبائل. وأربع قبائل، وكان هذا الحلف في أهل الوبر في الجاهلية،
فلما جاء الإسلام، وكانت حنيفة، بقيت من قبائل بكر لم تكن دخلت في الجاهلية، في هذا الحلف،
قال: وذلك أنهم أهل مدر، فدخلوا في الإسلام مع أخيهم عجل فصاروا لهزمة - ثم تراضوا بحكم
عمران بن عصام العنزي أحد بني هميم فردها إلى أشيم. فلما كانت هذه الفتنة، استخفت بكر مالك
بن مسمع، فخفّ وجمع وأعدّ
[ ٣ / ٨٥١ ]
وطلب إلى الأزد، أن يجدّدوا الحلف الذي كان بينهم قُبيل ذلك في
الجماعة على يزيد بن معاوية. فقال حارثة بن بدر بن حصين بن قطن ابن مجمع ابن مالك بن غُدانة
بن يربوع بن حنظلة في ذلك:
نزعنا وأمّرنا وبكرُ بنُ وائِل تجرُ خُصاها تبتغي من تحُالفُ
وما باتَ بَكرِي من الدهرِ ليلةً فيُصبحَ إلاّ وهوَ للذّلّ عارِفُ
قال: فبلغ عبيد الله، وهو في رحل مسعود، تباعد ما بين بكر بن وائل وبين تميم، فقال لمسعود: إلق
مالكا فجدد الحلف الأول. قال: فلقيه فتراسا ذلك، وتأبّى عليهما نفر من هؤلاء وأولائك. قال: فبعث
عبيد الله أخاه عبد الله مع مسعود، فأعطى من أبى المال حتى أنفق في ذلك أكثر من مائتي ألف
درهم، على أن يبايعوهما، وقال عبيد الله لأخيه، استوثق من القوم لأهل اليمن. قال: فجددوا الحِلف،
وكتبوا بينهم كتابين آخرين، سوى اللذين كانا كتبا بينهما في الجماعة، فوضعوا كتابًا عند مسعود بن
عمرو. قال أبو عبيدة: فحدثني بعض ولد مسعود، أنّ أول تسمية مَنْ فيه، الصّلت بن حُريث بن جابر
الجُعفي، ووضعوا كتابًا عند الصلت بن حريث،
أول من فيه أبو رجاء العودي، من عود ابن سود. قال: وقد كان بينهم قبل هذا حلف.
قال أبو عبيدة: وزعم محمد بن حفص، ويونس بن حبيب، وهبيرة بن حدير، وزهير بن هُنيد، أنّ
مضر كانت تكثر ربيعة بالبصرة، وكانت جماعة الأزد آخر من نزل البصرة، حيث بُصرّت البصرة.
قال: فلما حوّل عمر بن الخطاب - ﵁ - من تنخَ من المسلمين إلى البصرة، أقامت
جماعة الأزد ولم يتحولوا، ثم لحقوا بعد ذلك بالبصرة. في آخر خلافة معاوية، وأول خلافة يزيد بن
معاوية. قال: فلما قدموا، قالت بنو تميم للأحنف: بادر إلى هؤلاء القوم، قبل أن تسبقنا إليهم ربيعة،
فقال الأحنف: إنْ أتوكم فاقبلوهم، ولا تأتوهم، فإنكم إن أتيتموهم صرتم لهم أتباعًا. فأتاهم مالك بن
مسمع، ورئيس الأزد
[ ٣ / ٨٥٢ ]
يومئذ مسعود بن عمرو المعنّي - ويقال العتكي - فقال مالك: جددوا حلفنا
وحلف كندة في الجاهلية، وحلف بني ذُهل بن ثعلبة في طيء بن أُدّفي بني ثعل. ففعلوا ذلك. فقال
الأحنف: أما إذ أتوهم فلن يزالوا لهم أذنابًا.
قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حُدير عن إسحاق بن سويد، قال: فلما أجيئت بكر إلى نصر الأزد
على مضر - يقول: اضطرت - وجددوا الحلف الأول، فأرادوا أن يسيروا، قالت الأزد: لا نسير
معكم إلا أن يكون الرئيس منا، فرأسوا مسعودًا عليهم.
قال أبو عبيدة: حدثني مسلمة بن محارب، قال: فقال مسعود لعبيد الله: سر معنا حتى نعيدك في
الدار. فقال: ما أقربني. وأمر برواحله فشدوا، عليها أدواتها وشوارها، وتزمّل في أهبة السفر، وألقوا
له كرسيًا على باب مسعود، فقعد عليه، وسار مسعود، وبعث عبيد الله غلمانا له على الخيل مع
مسعود، وقال لهم: إني لا أدري ما يحدث فأقول. فإذا كان كذا وكذا، فليأتني بعضكم بالخبر، ولكن لا
يحدثن خبر خير ولا شر، إلا أتاني بعضكم به. فجعل مسعود لا يأتي على سكّة، ولا يجاوز قبيلة، إلا
أتى بعض أولئك الغلمان بخبر ذلك عبيد الله. وقدم مسعود ربيعة، وعليهم مالك بن مسمع، وأخذا
جميعًا سكة المربد. فجاء مسعود، حتى دخل المسجد فصعد المنبر، وعبد الله بن الحارث في دار
الإمارة. فقيل له: إن مسعودًا وربيعة وأهل اليمن قد ساروا، وسيهيّج بين الناس شر، فلو أصلحت
بينهم، وركبت مع بني تميم إليهم. فقال: أبعدهم الله، والله لا أفسد نفسي في صلاحهم، وجعل رجل
من أصحاب مسعود يقول:
لأنْكِحَنّ بَبّهْ جاريَةً في قُبّهْ=تمْشُطُ رَأس لَعبَهْ
قال، فهذا قول الأزد وربيعة، وأما مضر فيقولون: أمهُ هند بنت أبي
[ ٣ / ٨٥٣ ]
سفيان، كانت تُرقّصه وتقول هذا. قال: فلما لم يحُل أحد بين مسعود وبين صعوده المنبر، خرج مالك بن مسمع في كتيبة، حتى
علا الجبان من سكة المربد، قال: ثم جعل يمر بعداد دور بني تميم، حتى دخل سكة بني العدوية، من
قبل الجبان، فجعل يُحرّق دورهم للشحناء التي كانت في صدورهم لقتل الضبي اليشكري.
ولاستعراض ابن خازم ربيعة بهراة. قال: فبينا هو في ذلك، إذا أتوه فقالوا: قتلوا مسعودًا، وقالوا
سارت بنو تميم إلى مسعود. فأقبل حتى إذا كان عند دار عفّان القيسي، عند مسجد بني قيس في سكة
المربد - وهي اليوم لميّة امرأة معاوية بن عبد المجيد الثقفي - بلغه قتل مسعود فوقف.
قال أبو عبيدة: ولو كان مالك شهد قتل مسعود، لقُتل أو لهرب، كما هرب أشيم بن شقيق وبه طعنة.
قال أبو عبيدة: وحدثني زهير بن هنيد، قال حدثني الوضاح بن خيثمة أحد بني عبد الله بن دارم،
قال: حدثني مالك بن دينار، قال: ذهبت في الشباب الذين ذهبوا إلى الأحنف ينظرون، قال: فأتته بنو
تميم، فقالوا: إنّ مسعودًا قد دخل الرحبة، وأنت سيدنا، قال: لست بسيدكم إنما سيدكم الشيطان. قال:
وأما هبيرة بن حُدير، فحدثني عن إسحاق بن سويد العدوي، قال: أتيت منزل الأحنف في النظارة،
فأتوا الأحنف، فقالوا: يا أبا بحر، إن ربيعة والأزد قد دخلوا الرحبة. قال: لست بأحق بالرحبة منهم.
فقالوا قد دخلوا المسجد. قال: لست بأحق بالمسجد منهم. ثم أتوه فقالوا: قد دخلوا الدار. قال: لست
بأحق بالدار منهم. قال: فتسرّع سلمة بن ذؤيب الرياحي فقال: إليّ يا معشر الفتيان، فإن هذا جبس
يجرّ أذنيه، لا خير لكم عنده. فندب ذؤبان بني تميم، فانتدب معه خمسمائة، فأقبل حتى إذا كان ببعض
الطريق، تلقّاه رئيس الأساورة في أربعمائة، وهو مافروردين، فقال لهم سلمة: أين تريدون؟ قالوا:
[ ٣ / ٨٥٤ ]
إياكم أردنا، قال: فتقدموا.
قال أبو عبيدة: فحدثني زهير بن هنيد، عن أبي نعامة عن ناشب بن الحسحاس، وحميد بن هلال،
قال: أتينا منزل الأحنف في بني عامر ابن عبيد، قال: وكان نزل منزله الذي كان في مُربعة الأحنف
بحضرة المسجد. قال: فكنا فيمن ينظر، فأتته امرأة بمجمر فقالت: ما لك وللرئاسة عليك بمجمري،
فإنما أنت امرأة. قال: أست المرأة أحق بالمجمر. فذهبت مثلا. قال: ثم أتوه فقالوا: إنّ عليّة بنتَ
ناجية الرياحي، وهي أخت مطر - وقال آخرون عزّة الخز - قد سُلبت، حتى انتُزع خلاخيلها من
ساقيها - وكان منزلها شارعًا في رحبة بني نمير على الميضأة، وهي المطهرة التي فيها الميضأة،
مفعلة من الوضوء - وقالوا: قتلوا الصّبّاغ الذي على طريقك، وقتلوا المُقعد الذي كان على باب
المسجد، وقالوا: إنّ مالك بن مسمع قد دخل سكة بني العدوية من قبل الجبّان، فحرّق دُورا. قال
الأحنف: أقيموا البينة على هذا، ففي دون هذا ما يحل به قتالهم. قال: فشهد نفر عنده على ذلك. فقال
الأحنف: أجاد عبّاد؟ - وهو عباد بن حصين بن يزيد بن عمرو بن أوس بن سيف بن غرم بن حلزّة
بن نيار بن سعد بن الحارث الحبط ابن عمرو بن تميم - فقالوا: لا، ثم مكث غير طويل. فقال: أجاد
عبّاد ابن حصين؟ فقالوا: لا. فقال: أهاهنا عبس بن طلق بن ربيعة بن عامر بن بسطام بن حكم بن
ظالم بن صريم بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد؟ فقالوا: نعم. فدعاه فانتزع معجرًا في رأسه،
ثم جثى على رُكبتيه، فعقده في رُمح، ثم دفعه إليه وقال سر. فلما ولى، قال: اللهم لا تخزها فيما
مضى - يعني الراية. قال: فسار وصاحت النظارة، هاجت زبراء - وزبراء أمة للأحنف، وإنما كنوا
بها عنه، إجلالا وهيبة لقدره، لأنه كان أحلم العرب، فكرهوا أن ينسبوه إلى الخفّة، فصيّروا ذلك إلى
أمته زبراء. قال: فذهبت مثلا إلى يوم القيامة.
[ ٣ / ٨٥٥ ]
فالناس يقولون عند الشر وهيجان القتال ثارت زبراء
- فلما سار عبس ابن طلق الصريمي، فجاء عبّاد في ستين فارسًا، فسأل ما صنع الناس؟ فقالوا:
ساروا، قال ومن عليهم؟ قالوا: عبس بن طلق الصريمي. فقال عبّاد: أنا أسير تحت لواء عبس. قال:
فرجع في أولئك الفرسان إلى أهله.
قال أبو عبيدة: فحدثني زهير، قال حدثني أبو ريحانة العريني، قال: كنت يوم قتل مسعود، تحت
بطن فرس الزرد بن عبد الله السعدي أعدوا، حتى بلغنا سويقة القديم. قال إسحاق بن سويد: فأقبلوا،
فلما بلغوا أفواه السكك، وقفوا، فقال له مافروردين بالفارسية: ما لكم يا معشر الفتيان! فقالوا: تلقّونا
بأسنة رماحهم. فقال لهم: صُكوهم بالفنجكان - يعني بخمس نُشابات في رمية واحدة - قال:
والأساورة أربعمائة، فصكّوهم بألفي نُشابة في دفعة، فأجلوهم عن أفواه السكك، وقاموا على أبواب
المسجد، ودلفت التميمية إليهم، فلما بلغوا الأبواب وقفوا، فسألهم مافروردين فقال: ما لكم؟ فقالوا:
أسندوا إلينا أطراف رماحهم. فقال لهم: ارموهم بألفي نُشابة! فأجلوهم عن الأبواب. فدخلوا المسجد،
فاقتتلوا فيه، ومسعود يخطب على المنبر، ويحضض الناس، فجعل غطفان بن أنيف بن يزيد بن
فهدة، أحد بني كعب بن عمرو بن تميم - وكان يزيد بن فهدة فارسًا في الجاهلية - يقاتل ويحض
قومه ويرتجز وهو يقول:
يالَ تميمٍ إنها مَذكوَرهَ إنْ فاتَ مَسعود بها مَشهورهْ
فاستمسكوا بجانب المقصورهْ
يقول: لا يهرب مسعود فيفوت. قال: إسحاق بن سويد: فأتوا مسعودًا، فاستنزلوه وهو على المنبر
يحضّ الناس، فقتلوه، وذلك في أول شوال سنة أربع وستين، فلم يكن القوم شيئا، وانهزموا، وبادر
أشيم بن شقيق القوم باب المقصورة هاربًا، طعنه أحدهم، فنجا بها.
[ ٣ / ٨٥٦ ]
ففي ذلك يقول الفرزدق:
لوَ أنّ أشيمَ لمْ يسبقْ أسنّتنا أو أخطأ البابَ إذْ نيرانُنا تَقِدُ
إذا لَصاحَبَ مسعودًا وصاحِبَهُ وقدْ تماءتْ لهُ الأعفاجُ والكَبِدُ
تماءت على وزن تفاعلت، وقوله تماءت خربت وفسدت، يقال من ذلك مأى بينهم، ومأس بينهم،
سواء بمعنى واحد.
قال أبو عبيدة: فحدثني سلام بن أبي خيرة، قال: سمعته أيضًا من أبي الخنساء كسيب العنبري،
يُحدّث يونس النحوس، وكان علاّمة أهل البصرة، قال: سمعنا الحسن بن أبي الحسن، يقول في
مجلسه في مسجد الأمير، فأقبل مسعود من هاهنا - وأشار بيده إلى منازل الأسد - في أمثال الطير
معلمًا بقباء ديباج أصفر معين بسواد، يأمر بالسُّنة، وينهى عن الفتنة - ألا إنّ من السِّنة أن يؤخذ ما
فوق يديك أي يؤخذ ما على يديك - وهم يقولون: القمر القمر، فوالله ما لبثوا إلا ساعة، حتى صار
قُميرا، فأتوه فاستنزلوه وهو على المنبر، قد علم الله فقتلوه. قال سلاّم في حديثه، قال الحسن: وجاء
الناس من هاهنا وهاهنا، وأشار بيده إلى دور بن تميم.
قال أبو عبيدة، فحدّثني مسلمة بن محارب، قال: فأتوا عبيد الله، فقالوا: قد صعد مسعود المنبر، ولم
يُرم دون الدار بكُثّاب - يعني سهمًا بغير ريش - قال: فبينا هو في ذلك يتهيأ ليجيء إلى دار
الإمارة، إذا جاؤوا فقالوا: قُتل مسعود، فاغترز في ركابه، فلحق بالشام. قال: وذلك في أول شوال سنة
أربع وستين.
قال أبو عبيدة: فحدثني ذواد أبو زياد الكعبي قال: فأتى مالك بن
[ ٣ / ٨٥٧ ]
مسمع ناس من مضر، فحصروه في داره وحرّقوا، ففي ذلك يقول غطفان بن أنيف الكعبي في أرجوزة له:
وأصبحَ ابنُ مِسْمَع محصورا يحمي قُصورًا دونَهُ ودُورا
حتى شَبَبْنا حولَهُ السّعيرا
قال: ولمّا هرب عبيد الله بن زياد، تبعوه فأعجز الطلب، فانتهبوا ما وجدوا له، ففي ذلك يقول واقد
بن خليفة بن أسماء، أحد بني صخر ابن منقر بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد:
يا رُبّ جَبّار شَديد كَلَبُهْ قَدْ صارَ فينا تاجُهُ وسَلَبُهْ
منهُمْ عُبيدُ الله يومَ نسلُبُهْ جِيادَهُ وبزّه ونَنْهَبُهْ
يومَ التقَى مقْنَبُنا ومقْنَبُهْ لو لمْ يُنجّ ابنَ زياد هربُهْ
منا للاقَى شَعبَ مَوتٍ يَشْعَبُهْ نَجّاهُ خَوّارُ العِنانِ مُقرَبُهْ
وقال عرهم بن عبد الله بن قيس، أحد بني العدوية، في قتل مسعود في كلمة له طويلة:
ومَسْعودَ بنَ عَمرو أذع أتانا صَبَحنا حَدّ مَطرورٍ سَنينا
رَجا التأميرَ مَسعودُ فأضحى صَريعًا قدْ أزَرناهُ المَنونا
وقال القُحيف بن حمير العنبري في قتل مسعود:
فِدىً لقوم قتلوا مَسعودا واستَلَبوا يَلْمَقَهُ الجَديدا
واستلاموا ولَبِسوا الحديدا
وقال جرير في كلمة له طويلة:
سائلْ ذَوي يَمَن إذا لاقَيْتَهُمْ والأزْدَ إذْ نَدبوا لنا مَسعودا
لاقاهُمُ عَشرونَ ألفَ مُدَجّجّ مُتَسربلونَ يَلامِقا وحَديدا
[ ٣ / ٨٥٨ ]
فغادَروا مَسْعودَهُم مُتَجَدّلا قَدْ أودَعوهُ جَادِلا وصَعيدا
وقال المغيرة بن حبناء في كلمة له طويلة - قال وذلك حين هاجى زيادًا الأعجم - يُعير ربيعة
بفرارهم عن مسعود، وفرار مالكٍ وأشيم، ويحقق قتل مسعود في المقصورة:
فلما لَقيناكُمْ بِشَهباء فَيْلَق تَزَلْزَلَ منها جمعكم فتَبَدّرا
وطرْنا إلى المَقْصورتينْ عليكُمُ بأسيافنا يَفْرينَ دِرعا ومغْفَرا
وأبْتُمْ خَزايا قَدْ سُلِبْتُمْ سلاحَكُمْ وأسلَمْتُمُ مَسْعودَكُمْ فتَقَطّرا
وأفْلَتَنَا يسعى مِنَ الموتَ مالِكٌ ولو لم يَفِرّ ما رَعَى النّبتَ أخضرَا
وأشيَمُ إذْ ولىّ يَفوقُ بطَعْنَة بُبادِرُ بابَ الدار يهرُبُ مُدْبَرا
وقال العجاج في ذلك في أرجوزة له طويلة:
بل لو شهدتَ الناس إذْ تُكُمّوا بِفِتْنَةٍ غُمّ بِها وغُمُوا
وهي قصيدة طويلة. الرواية بغمة لو لم تُفرّج غموا. وقال أيضا القلاخ ابن حزن بن جناب، أحد
بني حزن بن منقر بن عبيد في ذلك:
إنّ لنا ضُبارِمًا هوّاسا ذا لِبَدٍ غَضنْفرًا دْرواسا
وهي قصيدة طويلة. ودرواس هو الشديد من نعت الأسد. والهوّاس أيضا الشديد، وهو من نعت
الأسد. وهو الذي يدق كل شيء فيأتي عليه اقتدار. وقال أيضًا القُحيف العنبري:
جاءتْ عُمانُ دَغَرَى لا صَفّا بَكْرُ وجمع الأزْدِ حينَ التَفّا
[ ٣ / ٨٥٩ ]
ويروى دغرا لا صفا، وهي طويلة. والدغرى الذين يحملون في دفعة واحدة، لا ينتظر بعضهم
بعضا. وقال سؤر الذئب أحد بني مالك بن سعد:
نحنُ خَبَطْنا الأزْدَ يومَ المَسجدِ والحَيّ مِنْ بَكرِ ويَومَ المِربَدِ
إذْ خَرّ مَسعودُ ولمْ يُسوسدِ ولم يجُنّ في سَواء المَلْحَدِ
قال وهي أيضًا طويلة. وقال القلاخ أيضًا في ذلك:
لمّا رأينا الأمرَ في مَرْجوسِ وهاجِسٍ مِنْ أمرهمْ مَهْجوسِ
وهي طويلة أيضًا. قال: ومن قال في قتل مسعود هذه القصص من شعراء تميم، أكثر من ذلك،
فتركناه اختصارا منا، لما فشا من قول الشعراء في ذلك، قديمًا وحديثًا، اختصارًا لأنه أكثر من أن
يحصى. قال: ثم إن أهل اليمن بعد مقتل مسعود من الليل، زمّوا أمرهم ليلتهم، فأجمع أمرهم أن
رأسوا عليهم زياد بن عمرو بن الأشرف بن البختري ابن ذهل بن يزيد بن عكب بن الأشد بن
العتيك. قال: ثم خرجوا من الغد، وخرجت ربيعة بن نزار، عليهم مالك بن مسمع بن شيبان بن
شهاب يطلبون دماء من أصيب منهم، قال: فعبّوا الأزد قلبا، عليهم زياد بن عمرو، وعبّوا عبد القيس
وألفافها من أهل هجر، وعليهم الحكم بن مخربة ميسرة، وعبّوا بكرا وألفافها عنزة بن أسد بن ربيعة،
وبني ضبيعة بن ربيعة، والنمر بن قاسط، وعليهم مالك بن مسمع ميمنة، قال: وذلك في أول شوال
سنة أربع وستين، حتى كانوا بأعلى المربد. قال: وخرجت إليهم مضر، وعليهم الأحنف، وهو صخر
بن قيس، وقد عبّى بني سعد بن زيد مناة وألفافها من الأساورة والأندغان، قوم من العجم كانوا معهم،
وضبّة وعدي بن زيد مناة - قال وليس أحد من الرباب بالبصرة غير ضبة وعدي - وعليهم قبيصة
ابن حُريث بن عمرو بن ضرار الضبي - وهو الهملج، ومات في
[ ٣ / ٨٦٠ ]
الطاعون الجُراف سنة تسع وستين - قال: وعلى جماعة هؤلاء عبس ابن طلق الصريمي، فجعلهم ميمنة بإزاء الأزد.
قال: وعبّا قيس عيلان، وجعل عليهم قيس بن الهيثم بن قيس بن أسماء بن الصلت، فجعلهم بإزاء عبد القيس
وألفافها، وعبّى بني عمرو بن تميم، وجعل عليهم عبّاد بن حُصين، ومعهم بنو حنظلة بن مالك
وألفافها من بني العم، والزّطّ، والسيابجة، وعلى جماعتهم سلمة بن ذؤيب الرياحي، فجعلهم بإزاء بكر
وألفافها. قال: وفي ذلك يقول شاعر بني عمرو بن تميم:
سيَكْفيكَ عَبْسٌ أخو كَهْمَس مُقارَعَةَ الأزدْ بالمِربدِ
وتَكْفيكَ قَيسٌ على رِسلها لكَيزَ بنَ أفْصَى وما عددَ
ونكفيكَ بَكْرا وألْفافَها بضرب يشيبُ له الأمردُ
قال: فكانوا يتغادون فيقتتلون زمانًا، ثم إنّ عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي من قريش، وعمر بن
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، مشيا للصلح فيما بينهما، حتى التقى مالك والأحنف
والعمران في الصلح، فجعل الأحنف يخفّ عند المراوضة، ويثقل مالك. فقال القرشيان: يا أبا بحر
مالك تخف وقد ذهب حلمك في الناس، ومالك يرزن. فقال إني أرجع إلى قوم يتأبون عليّ، ويرجع
إلى قوم، إن قال نعم، قالوا نعم. قال: فلم يتفق بينهم صلح، فتغادروا للقتال. ثم إنهم أرسوا الصلح
يقال تراسوا الصلح، يعني أسرّوا ذلك بينهم - على أن يكتبوا قتلاهم، ثم ينظروا في ذلك على ما
يتفق رئيس. قال: فاجتمعت ربيعة وأهل اليمن في دار مشورتهم، دار رفيدة في السوق. واجتمعت
مضر في دار شورهم، وهي الدار التي بنحر الطريق، إذا أقبلت من دار جبلة بن عبد الرحمن، وأنت
تريد السوق أو مسجد بني عدي، والأيسر يأخذ إلى صباغي قنطرة قُرة. قال: فكتبوا، وكتبت الأزد،
واليمن، وربيعة قتلاهم، فلما بلغوا دية مسعود، كتبوها عشر ديات.
[ ٣ / ٨٦١ ]
قال: وذلك للمُثل التي مُثّلت به، فقالوا: لا تزيدوا على دية رجل من المسلمين، فقالوا: إنكم مثّلتم به
مثُلات، فأبى الأحنف، وكان الأحنف إذا قال لا، لم يقل نعم، إذا ظن أنه قد أنصف، قال: فاضطربوا
بالنعال وبالأيدي، وإنما كانوا جاءوا للصلح، قال: ثم تعاودوا السلاح، فاقتتلوا زُمنيًا، ثم إن العُمرين
قالا: إن هؤلاء قد كانوا اصطلحوا فتشاجروا، فلو أتينا الأحنف فكلّمناه، وأتينا القوم أجمعين فعسى أن
يتراجعوا، فبدءا بالأحنف، فعظّما الإسلام، وحق الجيران، وقالا أخوالكم وأصهاركم ويدكم على العدو،
قال: فانطلقا فأعقدا على ما أحببتما، وأبعدا عني العار - قال وذلك بأعين الأزد وربيعة - فلما توجّها
قبل ربيعة واليمن، قال الأحنف لعبس: أما إنهم لن يسمعوا منهما، فاعل عليهم الريح، واستعن عليهم
بالتحكيم، فهو أسلس لهم عما وراء ظهورهم. قال: فلما دنوا، رماهما السفهاء فاتقيا بثيابهما وركضا،
حتى وقفا حيث لا ينالهما النشاب والنبل، قال: وصبّ عبس عليهم الخيل فأجلت عن قتل نفير، قال:
فقال ذوو الحِجَى للسفهاء: رميتم رجلين لم يزالا يمشيان في الصلح، قال: وقد أتيا الآخرين فسمعوا
كلامهما، ولم يفعلوا ما فعلتم، ثم ألووا إليهما - يعني أشاروا إليهما - فجاءا فعظما الإسلام، وقالا لهم
مثل ما قالا للأحنف، فقال: قد كنتم تراضيتم بالصلح، فقالوا: لن نقبل لمسعود دون عشر ديات -
وذلك للمثلة التي كانوا مثّلوا به، فقال عمر بن عبد الرحمن لعمر ابن عبيد الله: إن الأحنف قد أبى
هذا عليهم، هَلُمّ فلنحمل تسع دياب، فقال عمر بن عبيد الله: ولم نحملها كلانا؟ إما أن تحملها أنت وإما
أن أحملها أنا.
قال أبو عبيدة: فزعم محمد بن حفص أنه حملها - يعني عمر بن عبيد الله بن معمر - قال: وأما بنو
مخزوم، فزعمت أنهما احتملاها، قال: فرضي القوم، فأتيا الأحنف برضا القوم للحمالة، فرضي، ثم أتيا
[ ٣ / ٨٦٢ ]
الآخرين فأخبراهم برضا الأحنف، وقالا لهم: ارجعوا، فقالوا إنما يُربّثنا الأحنف، فلما رأى ذلك
عبد الله بن حكيم بن زياد بن حوي بن سفيان بن مجاشع بن دارم، وهو أحد القرينين، أتاهم فقال: أنا
في أيديكم رهينة بوفاء الأحنف لكم، فارتهنوه، ورضوا وتراجع الناس، ففي ذلك يقول الفرزدق يفخر
على جرير في كلمته التي قالها:
ومنا الذي أعطى يَدَيه رَهينةً لغارَيْ مَعَدّ يومَ ضربِ الجماجِم
رأتنا مَعَدٌ يومَ شالَتْ قُرومُها قيامًا على أقتارِ إحدى العَظائمِ
رأونا أحقّ ابني نزار وغيرها بِإصلاح صَدع بينهمْ مُتفاقِمِ
حقَنّا دماء المسلمينَ فأصبحتْ لنا نعمةُ يُثنَى بها في المواسِمِ
عشيّة أعطَتنا عُمانُ أمورَها وقُدْنَا مَعَدّا كُلّها بالخَزائِمِ
فقال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حدير عن مبارك بن سعيد بن مسروق، أخي سفيان الثوري، عن
إسحاق بن سويد، قال: فبدأ الأحنف فأتاهم، فحمد الله، ثم قال: وأما بعد يا معشر الأزد وربيعة، فإنكم
إخواننا وأخوالنا في الإسلام، وشركاؤنا في الصهر، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، ووالله لأزد
البصرة، أحب إليّ من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحبّ إليّ من تميم الشام، فإذا استشرت شأفتكم -
يعني هاجت كما يهيج الشرى - وحميت جمرتكم، وأبى حسك صدوركم، ففي أموالنا وأحلامنا سعة
لنا، ولكن قد رضيتم أن نحمل هذه الدماء في بيت المال من أعطياتنا، قالوا قد رضينا يا أبا بحر،
قال: قد رضيتم، قالوا نعم.
قال أبو عبيدة: ألا ترى أن ربيعة والأزد الطالبون، وأن القتلى منهم أكثر، وزعم أبو نعامة العدويّ،
أن مما حُمِل حُمِل، خمسون ألف
[ ٣ / ٨٦٣ ]
درهم لمُثلة مسعود. قال: فقالت الأزد وربيعة لا نرضى إلا أن يقوم
بها رجل، فقال الأحنف: دياتكم إلي، فقالوا: لا، لأنك رأس قومك، فإذا بدا لك ألا تفعل، لم تفعل، وإن
ارتددت بما قبلك أطاعوك، فانظر لنا رجلا غيرك ترضى دينه وشرفه.
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حدير عن إسحاق ابن سويد، قال: فرجع الأحنف
فمشى غير واحد من وجوه مقاعس - قال: ومقاعس اسم جمع جميع بني عمرو بن كعب بن سعد بن
زيد، وهم بنو عبيد بن الحارث: منقر ومُرة رهط الأحنف، وعامر وسائر بني عبيد، عبد عمرو
وغيرهم من بني عبيد بن الحارث بن كعب، وصريم رهط عبس، وربيع رهط مُرة بن محكان ابنا
الحارث. قال: فعرضها الأحنف عليهم، فهابوها فأبوا - فقلنا لإسحاق: ومن هم يا أبا محمد؟ فقال:
عبد الله بن زيد بن سريع بن مرثد بن عُبادة بن النزال بن مرة بن عبيد، وصعصعة بن معاوية بن
عبادة بن نزال بن مرة بن عبيد، وجزء بن معاوية بن الحصين بن عُبادة بن النزال بن مرة بن
عبيد، قال: وذكر رجالا منهم أيضا هابوها، فأبوا أن يقبلوا ذلك - فعرضها الأحنف على إياس بن
قتادة بن أوفى بن موألة بن عبد الله بن عتبة بن مُلادس بن عبشمس بن سعد بن زيد مناة - قال: وأم
إياس من بني نزال بن مرة بن عبيد رهط الأحنف - فأجابه إلى حملها - وأوفى بن موألة كان من
أشراف بني سعد في الجاهلية، وله يقول اليربوعي في يوم طخفة:
يَطُفْنَ بِأوفى أوْ بِعَمرو بنِ خالدِ عَباهِلُ لا يَعرِفْنَ أمّا ولا أبا
فعرض الأحنف إياسًا على الأزد وربيعة، فقالوا: شريف مسلم رضينا به، قال: فأتاهم فحمل لهم.
[ ٣ / ٨٦٤ ]
قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة عن أبي نعامة، قال: فلما رجع إياس إلى قومه، وقد حمل دماء أولئك
الازد وربيعة قالوا: لا مرحبًا، والله لتحملنّ لهم دماءهم ولتطلّن دماؤنا، فأين دماؤنا؟ قال: فأنا أحمل
دماءكم أيضا. فحملها فرضوا، وذلك في أوائل ذي القعدة سنة أربع وستين، وفي ذلك يقول القلاخ بن
حزن:
ثمّ بعثنا لهمْ إياسا حمّالَ أثقالٍ بِها قِنْعاسا
إذا أردنا أنْ يَريسَ راسا
يريس يتبختر في مشيته، ولو كان من الرئاسة لكان يرأس. وعمد عمر إلى ما حمل لهم الغد فبعث
به إلى الأزد ولم يُدرك ذلك الزمان، يذكر ما ضوعف من دية مسعود وتعجيلها، ويزعم إنما أدركوا
ذلك بمالك بن مسمع:
قَتلنا بقتلى الأزدْ قتلى وضُوعفَتْ دياتٌ وأهدَرنا دماء تميمِ
بعَشر ديات لابنِ عمرو فوُفيّتْ عِيانّا ولم تجعل ضمارَ نُجومِ
نَزَلْتُمْ على حُكمْ الأغَرّ بنِ مسمع على حُكمِ طلاّبِ التّراثِ غَشومِ
يعني بقوله أهدرنا دماء تميم. يقول: لم يحملها منا ولا من الأزد حامل في أعطياتنا، ولم نقم بها لهم
كما قام إياس لنا، ولم نرهنهم كما ارتهنا منهم. قال: ونُدّم الأحنف فندم وقال: كلمّوا إياس يردها علي
ويجعلها إلي، قال: فأتوا إياسًا فكلموه في ردها على الأحنف، فقال: دعوني حتى أرى في ذلك. قال:
فلما أمسى، كتب من تحت الليل إلى العرفاء، ومن كان له عنده اسم من أولياء القتلى برقعة: أن
اغدوا إلى حقّكم بالغداة. قال: فغدا الناس، فأتى بهم بيت المال، فأعطى كل ذي طائلة بطائلته من
الفريقين، قال: والناس مجتمعون بعد على عبد الله بن الحارث الهاشمي، قال: والدليل على ذلك، أن
أهل البصرة إنما كتبوا إلى عبد الله بن الزبير بطاعتهم له، حين سكنت الفتنة في ذي القعدة سنة أربع
وستين، قال: فكتب عبد الله بن الزبير - رضي الله
[ ٣ / ٨٦٥ ]
عنهما - إلى أنس ابن مالك - ﵁ -
أن صَلّ بأهل البصرة وكتب بعهد عمر بن عبيد الله بن معمر على أهل البصرة، في ذي القعدة سنة
أربع وستين، فلقيه رسول بن الزبير في طريق مكة يريد الحج، فرجع فكان على أهل البصرة، في
ذي القعدة سنة أربع وستين، قال: وكانت هذه الهزاهز ثمانية أشهر أو تسعة أشهر. قال: ففي ذلك
يقول إياس بن قتادة، وفي ندم الأحنف بن قيس:
إنّ مِنَ الساداتِ مَنْ لو أطعتَهُ دَعاكَ إلى مارٍ يَفورُ سَعيرُها
وقالوا أعرِها خالَكَ اليومَ ذكرها وهَلْ مثلَهُ في الناسِ مثلي يُعيرُها
فقلتُ لهمْ لا تَعجلوا إنّ حاجتي لأن تعلمَ الآفاقُ كيفَ مصيرُها
إذا ما مضى شهرٌ وعشرٌ فإنّهُ بعيدٌ معَ الركبِ العجالِ مسيرُها
فلما مضى غِبُ الحديثِ وبرّزتْ تنفُسَها ساداتُها وبُحورُها
وقال رجالُ ليتَها أنها لنا وأيُّ رجالٍ بالأمورِ بصيرُها
سأورثُ قيسًا بعدَ خندفَ مجدَها يكونُ لها بعدي سَناها وخيرُها
تدبّرتْ أذنابَ الحَمالاتِ بعدما مضى ذِكرُها لأهلِها وأجورُها
عَقدْتُ لها حبلَ الأمانة بيننا وشرُ الحبالِ رَثُها وقصيرُها
وكنتُ متى أحملْ لقومٍ أمانةً فإن الوفاء بِرُها وظُهورُها
فرد عليه صعصعة بن معاوية فقال:
لقدْ ضاعَ أمرٌ يا إياسُ وليتَهُ وخُطّةُ قومٍ كُنت أنتَ تُديرها
وحُقّ لها مِنْ خُطة إنْ تُدُبّرتْ تَضيعُ وإبهامُ الحُبارى سفيرُها
قال أبو عبيدة: إنما قال: وإبهام الحبارى، لأن إياس بن قتادة كان قصيرًا من الرجال، فنبزه بإبهام
الحبارى، يعني لقّبه بالقصر، قال: فما لزمه ذلك ولا ضره ما نبزه به.
وللحَمد حَوْماتٌ ترى لكَ دونَها مَهابلَ مقطوعًا عليكَ جُسورُها
[ ٣ / ٨٦٦ ]
قال أبو عثمان: فقلت لأبي عبيدة: فهذا الأحنف قد ذكر أن مسعودًا قتله الخوارج، وأقرّ بذلك فقال:
إنما ذلك قول الأحنف: اعلوا عليهم الريح، واستعينوا عليهم بالتحكيم، قال: فقال عامر أو مسمع
أخوه: العجب للأحنف، وهو يُزن بحلم وعقل ساد بهما، يستعين على ربيعة بالتحكيم وهو فيهم. فقال
عامر: والله لوددت أنّا عرمنا عشرة آلاف ألف درهم، وأنّ هذا الرأي خرج منا، فإنه قد أفنى فرساننا
ووجوهنا، وأقل عددنا، وإنه لا يزال فارس منا لا يُسقط الروع رمحه، قد خرج فقتل ضياعا. قال:
وقال عامر في مجلس آخر: العجب لمالك والأحنف، والله ما كان مالك في أمر يبرأ منه هؤلاء التجار
والموالي، والأحنف بإزائه في ذلك الأمر، فلم يضره ذلك عند الناس، فقال له ابن نوح: إنّ الأحنف
كان يتأول الدين، وإنّ مالكًا كان يتغشمر، ألا ترى أنه يوم مسعود لم يستحل حرمه، حتى قامت
البينة، وأنهم قد سفكوا الدماء، وركبوا المحارم. قال أبو عثمان: هذا خبر مسعود قد تم، وإلى هاهنا
سمعناه من الأصمعي وأبي عبيدة لم يجاوزا ذلك.
رجع إلى شعر الفرزدق:
هُنالِكَ لو تَبغي كُلَيبًا وجَدتَها بَمنزِلَة القِردانِ تحتَ المَناسِم
قوله المناسم، قال: المنسمان ظُفرا خُفي البعير.
وما تجعلُ الظربَى القِصارَ أنوفُها إلى الطّمّ مِنْ مَوجِ البحارِ الخضارِمِ
الطم بفتح الطاء في نسخة أبي عثمان، قال أبو عثمان: سمعت الأصمعي وأبا عبيدة يقولان: الظربى
جمع، واحده ظربان، قال: وهو دابة فويق السنور، منتن الرائحة قال: والطم العدد الكثير. والخضارم
من الأبار الغزار الكثيرة الماء، ويقال من ذلك بئر خضرم، وذلك إذا كانت غزيرة، قال: ويقال رجل
خضرم. قال: وذلك إذا كان
[ ٣ / ٨٦٧ ]
جوادًا يعطي المال سحا، والخضرم البحر، قال: فكأنه مشتق من كثرة
الماء وغزارته، يقال رجل خضرم، إذا كان كثير الإعطاء، مأخوذ من كثرة ماء البئر وغزارتها، قال:
وذلك أن العرب تُشبّه الشيء، بالشيء وإن لم يكن من شكله ولا من طرازه.
لهاميمُ لا يسطيعُ أحمالَ مثلهِمْ أنوحٌ ولا جاذٍ قصيرُ القوائِمَ
قوله لهاميم، يقول هم واسعة أجوافهم سادة، يلتهمون كل شيء لا يهولهم أمر شديد وقوله أنوح، وهو
أن يسعل الرجل إذا ثقل حمله وفدحه، يقول: فهم يحملون أثقالهم مُستضعلون لها، ولا يكرثهم ذلك،
كما يكرث غيرهم، فيسعلون من ثقل ما عليهم، وإنما هذا مثل ضربه لهم، لأنهم مستضلعون بما
عليهم من حمل. وقوله ولا جاذ، قال: الجاذي من الخيل، الذي في رُسغه انتصاب، قال: وذلك عيب
في الخيل، وهو أضغف له إذا لم يكن مفروشًا، وفرش الرجل أن ترى فيها كالعوج، ترى ذلك في
الحافر إذا كان الفرس قائمًا، وإنما ضرب ذلك مثلا لهم لأنهم براء من كل عيب، الفرش تباعدُ ما بين
العُرقوبين من غير إفراط، فإن أفرطَ صار عقلا، وإذا انتصب رُسغُ الدابة كان أصلبَ له وأقوى،
وهو مدح، ألا ترى أنهم يُشبهونه برسغ الثور في انتصابه، فإذا لان ولم ينتصب كان عيبًا.
يقولُ كِرامُ الناسِ إذ جَدّ جدنا وبيّن عَنْ أحسابِنا كُلُ عالمِ
عَلامَ تَعَنّى يا جرير ولم تجدِ كُلَيبًا لها عادِيّةُ في المَكارِمِ
قوله عادية، يقول لم يكن لكليب قديم تُعرف به، فلا تعن في أمر لا تبلغه.
ولستَ وإنْ فَقّأتَ عينيكَ واجدًا أبًا لكَ إذْ عُدّ المَساعي كَدارِمِ
هوَ الشيخُ وابنُ الشيخِ لا شيخَ مثلَهُ أبو كُلّ ذي بيتِ رفيع الدّعائمِ
تعنّى مِنَ المَرّوت يرجو أرومتي جَريرٌ على أمّ الجَحاشِ التّوائمِ
[ ٣ / ٨٦٨ ]
قال: المروت واد في بلاد بني كليب. قال: والأرومة الأصل. وقوله أم الجحاش، يعني الأتان. وقوله
التوائم، هو أن تلد المرأة اثنين في بطن واحد، وامرأة متئم وهو أن تلد اثنين في بطن.
وِنْحياكَ بالمَرّوتِ أهونُ ضَيعَةً وجَحْشاكَ مِنْ ذي المأزِقِ المُتلاحِمِ
النحي الزق، يعيّره بأنه راع، فالزق معه فيه اللبن لا يفارقه، قال: والمأزق المتلاحم، يريد المتضايق
لشدته، يقول: فأنت بنحيك أعلم منك بالحروب في شدتها، ضيق موضعها في القتال. قال: ومنه يقال
ملحمة، يريدون بالملحمة القتال الشديد المسرف القتل. ملحمة فيها لحمى أي قتلى.
فلو كُنتَ ذا عقل تبيّنت إنّما تَضولُ بأيدي الأعجزينَ الألائمِ
وروى أبو عمرو بالملائم، ويروى تنوء أي تنهض.
نماني بنو سعد بن ضَبّةَ فانتسبْ إلى مثلهم أخوالِ هاج مُراحِمِ
وضَبّةُ أخوالي همُ الهامةُ التي بِها مُصرٌ دَمّاغَة للجَماجمِ
وهلْ مثلُنا يا ابنَ المَراغَة إذ دَعا إلى البأس داع أو عِظامِ المَلاحمِ
أي داعٍ يدعو إلى خلافة رجل يجعل خليفة. قال: والملاحم الفتن والقتال.
وما لكَ مِنْ دَلو تُواضِخُني بها ولا مًعْلم حام عَنْ الحَيّ صارِم
ويروى حامي الحقيقة. قال: المواضخة في السقي، أن تجذب كما يجذب صاحبك، وتنزع في الدلو
كما ينزع، وقوله ولا مُعلم، لأنه لا يعلم في الحرب إلا الأشداء. يقول: فليس لك فارس يُعرف بذلك.
[ ٣ / ٨٦٩ ]
قال الأصمعي: وإنما يُعلم الفارس، فيلبس ما يُشتهر به نفسه، ليراه الناس فيُعرف مكانه، لأنه لا يفر
عند اللقاء، وقال: إن حمزة - ﵁ - كان معلمًا يوم أُحد بريشة نعامة، كانت في صدره
ليُعرف مكانه، فكان أسد الله وأسد رسوله - ﷺ - وكان الفارس والراجل يتعجبان
من صنيع حمزة - ﵁ - وهو يفري الفري فمن ثم سمي أسد الله.
وعندَ رسولِ اللهِ قامَ ابنُ حابسٍ بخُطّة سَوّار إلى المَجد حازم
لهُ أطلقَ الأسرىَ التي في حِبالهِ مَغَلّلَةً أعناقُها في الأداهِمِ
كفى أمهات الخائفينَ عليهم عَلاء المُفادي أو سهامَ المُساهمِ
قال أبو عثمان: قال الأصمعي، قال اليربوعي، حدثني الشرقيّ بن القُطامي عن الكْلبي، أنّ الأقرع
بن حابس كلّم رسول الله - ﷺ - في أصحاب الحجرات، وهم من بني عمرو بن
جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وقال: يا رسول الله، ارْدُدْ سبايا قومي، وأنا أحمل الدماء، قال:
فرد النبي - ﷺ - السبي وحمل الأقرع الدماء عن قومه. قال: ففي ذلك يقول
الفرزدق وهو يفخر على بني نهشل، وبني فُقيم بن دارم، وجرير - وهو فُقيم وقيس ابن مالك
ومعاوية بن مالك، قال: وهما الكُردوسان -:
وعندَ رسولِ الله إذْ شَدّ قَبضَهُ ومُلئ مِنْ أسرىَ تميم أداهمُهْ
فككنا عَنِ الأسرىَ الأداهمَ بعدَ ما تخَمّطَ واشتَدّتْ عليهمْ شكائمُهْ
مَكارمُ لمْ تُدركْ فُقيمٌ قَديمَها ولا نهشَلٌ أحجارُهُ وتَوائِمُهُ
ألمْ تعلما يا ابني رَقاشِ بأنني إذا اختارَ حَربي مثلُكُمْ لا أسالمُهْ
قال: وفي ذلك يقول الفرزدق أيضًا:
ومِنّا الذي أعطى الرسولُ عَطِيّة أسارَى تمَيم والعُيونُ دَوامِعُ
[ ٣ / ٨٧٠ ]
فإنّكَ والقومَ الذينَ ذَكرْتهُمْ رَبيعَةَ أهلَ المُقرَبات الصّلادِم
الصلادم الصلاب الشداد.
بناتُ ابنِ حلابٍ يرُحنَ عَليهِمِ إلى أجَمِ الغابِ الطِوالِ الغواشِمِ
قوله بنات ابن حلاّب، قال: حلاب اسم فرس فحل كان لبني تغلب. قال: والغواشم التي تغشم
وتغصب، وأنشد:
وما طَلَبَ الأوتار مثلُ ابنِ حُرّة طَلوب لأوتار الرجالِ غَشومِ
أي يتعدى الحق ولا يرضى به حتى يجاوزه. قال: والغاب الرماح، وإنما شبّه كثرة الرماح بكثرة
القصب الذي يكون في الغاب، وهي الأجمة أيضًا.
فلا وأبيكَ الكَلب ما مِنْ مخَافَة إلى الشّأم أدّوا خالدًا لمْ يُسالمِ
ولكنْ ثَوى فيهمْ عَزيزًا مَكانُهُ على أنفِ راض مِنْ مَعَدّ وراغِمِ
قوله أدّوا خالدًا لم يُسالمِ، يعني خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية.
قال أبو عثمان: فحدثني أبو الحسن المدائني، قال: سار مُصعب بن الزبير من البصرة يريد قتال
عبد الملك بن مروان سنة سبعين، قال: وخلّف عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي على الصلاة،
وعبّاد بن حصين بن يزيد بن عمرو بن غنم بن سيف بن حلزة بن أوس بن نزار ابن سعد بن
الحارث - والحارث هو الحبط بن عمرو بن تميم - على شرطته، فمضى فنزل باجمُيرا، وقد أقبل
عبد الملك يريد زُفر بن الحارث بقرقيسيا بالجزيرة، فقال خالد بن عبد الله لعبد الملك: إن مصعبًا لم
يدع بالبصرة أحدًا من أهل الشرف والنجدة إلا وقد أشخصه
[ ٣ / ٨٧١ ]
معه، فإن وجهتني إلى البصرة رجوت أن أغلب عليها. فوجهه عبد الملك. قال: فأقبل خالد إلى البصرة،
فنزل على عمرو بن أصمع، ثم تحول عنه فنزل على مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب بن عبّاد بن قلع بن جحدر - ولشيبان بن شهاب يقول الأعشى:
مَنْ مُبْلِغُ شَيبانَ أنّ المْ نَكُنْ أهلَ الحَقارَةْ
يدعو إلى عبد الملك بن مروان، وتميم تقاتل عن ابن الزبير، وتدعو إليه ما خلا عبد العزيز بن
بشر، جَدّ نُميلة بن مُرة، وأبا حاضر الأسيدي صبرة بن شريس، قال فاجتمعت ربيعة مع مالك بن
مسمع، والأزد مع خالد بن مالك، قال: فاجتمعوا على جُفرة خالد، فسار إليهم عبّاد بن الحُصين ومن
معه من تميم، فاقتتلوا في جفرة خالد.
قال أبو عثمان: وسمعت أبا الحسن المدائني يقول: اقتتلوا في جُفرة خالد أربعة وعشرين يومًا، قال
ففُقئت عين مالك في بعض الأيام، يقال فقأها عبد بن حُصين، وقال بعضهم: بل فقأهل بعض
الأساورة، وهم الرماة الذين لا يكاد يسقط لهم سهم. فقال في ذلك عرهم بن قيس أحد بني العدوية:
تَقاضَوْكَ عَينًا مَضّةً فقَضَيْتَها وفي عَيْنِكَ الأخرى عليكَ خُصومُ
قوله عينًا مضّة يريد شدة الوجع، يقال قد مضّه الجرح إذا أوجعه، وقال أبو عبد الله: أنشدنا محمد
بن يزيد:
تَعَلّمْ أبا غَسّان أنّكَ إنْ تَعُدْ تَعُدْ لكَ بالبِيضِ الرّقاقِ تمَيمُ
أجَهْلا إذا ما الأمرُ غَشّاكَ ثَوْبَهُ وحِلْمًا إذا ما كَدّحَتْكَ كُلومُ
قوله كدّحتك، يريد أثّرت فيك، ومنه يقال لرجل مكدّح، وذلك إذا جرّب الأمور وعرفها، وكلوم
جراح.
[ ٣ / ٨٧٢ ]
فَولّيْتَ رَكْضًا نَحو ثَأج مُواليًا وجارُكَ يا بنَ الجَحْدَرِيّ مُقيمُ
قوله وجارك، يعني خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد.
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: فلما بلغ مصعبًا خبر خالد، نكص راجعًا إلى البصرة، فلما سمع القوم
ذلك، رَسِّوا بينهم صُلحًا أربعين يومًا، على أنه من شاء من الفريقين منهم أن يرتحل إلى حيث شاء
ارتحل، ومن أقام أقام آمنًا. وقال مالك: أدخلوا في كتابكم عبّاد بن الحصين، فإنا وجدناه أشدّكم حربًا،
وأوفاكم سلمًا. قال: ففعلوا. ومضى مالك نحو ثأج هاربًا. ومضى خالد بن عبد الله إلى الشام. وقدم
مصعب البصرة. فأرسل خداش بن زياد الكوفي، وكان من بني أسد، في أثر مالك فلم يلحقه. وبعث
إلى الرهط الذين حالفوه، فقال عمر بن عبيد الله: إني قد آمنتهم على دمائهم وأموالهم. فقال مصعب:
يا هذا، قد آمنتهم على دمائهم وأموالهم، أفامنتهم أن أشتمهم؟ قال: لا. قال: فبعث إليهم، فقال مصعب
لعبد الله بن عامر النّعّار، أحد بني مجاشع بن دارم: إنك إنما تبعث أعرابي قيس - يعني مالك بن
مسمع - لبول أخيه في فرج أختك - قال: وكانت أخت النعار عن أخي مالك بن مسمع - وقال لابن
أبي بكرة: يا ابن الفاعلة، إنما مثل أمك، مثلُ كُليبة وثبت عليها ثلاثة أكلب: كلب أسود، وكلب أحمر،
وكلب أبيض، فجاءت لكل كلب بنجله. وقال لحمران بن أبان: يا ابن الفاعلة، إنما أنت نبطي من
عين التمر، وزعمت أنّ أباك أبان، وإنما هو أبي. وقال لزياد ابن عمرو: يا ابن الكرماني أزعمت
أنك من الأزد، وأنت دهقان ابن علج، قطع أبوك على خشبة من كرمان إلى عمان، وشتم القوم، وعم
الأحنف بن قيس، وصعصعة بن معاوية، وأبا حاضر الأسيدي، وصفوان بن الأهتم، وعمرو بن
اصمع، وعبد العزيز بن بشر، جدّ نميلة بن مرة. فقال الفرزدق فيمن لحق بخالد من بني تميم، وخلع
بن
[ ٣ / ٨٧٣ ]
الزبير:
عَجِبْتُ لاقوامٍ تمَيمٌ أبوهُمُ وهمْ في بني سعدٍ عِظامُ المَباركِ
وكانوا رُؤوسَ الناس قبلَ مَسيرِهمْ معَ الأزْد مُصفرًا لحاها ومالِكَ
ونحنُ نفينا مالكًا عن بلادنا ونحنُ فقأنا عينهُ بالنيازكِ
أبا حاضرِ إنْ تَلْقَهُ الخيلُ تَلْقَهُ على لاحِق إبزيمُهُ بالسّنابِكِ
الإبزيم حلقة الحزام، أي من شدة جريه تضرب حوافره بطنه.
فما ظَنّكمْ بابن الحَواريّ مُصعَب إذا افْترّ عن أنيابهِ غير ضاحِكِ
رجع إلى شعر الفرزدق:
وما سَيرّتْ جارًا لها مِنْ مخَافَة إذا حَلّ مِنْ بَكر رُءوسَ الغَلاصمِ
بِأيّ رشاء يا جريرُ وماتِح تَدَلّيْتُ في حَوماتِ تلكَ القَماقمِ
قال: الحومة مجمع الماء وكثرته، وكذلك حومة القتال أشد موضع فيه وأكثرع قتلا. قال: والقماقم
البحور شبّه السادة بالبحور، قال: والرشاء حبل البئر.
ومالَكَ بيتُ الزّبرقان وظلّهُ ومالَكَ بيتٌ عندَ قيسِ بن عاصمِ
قال: يريد قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد. قال: والزبرقان لقب لقب به، واسمه
حصين بن بدر بن امرئ القيس بن خالد بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم،
قال: ولقيس بن عاصم يقول زيد الخيل:
[ ٣ / ٨٧٤ ]
ألا هَلْ أتى غَوثًا ومازنَ أنني حَللتُ إلى البيضِ الطوالِ السواعدِ
إلى الواخِدِ الوهّابِ قيسِ بنَ عاصِم لهُ قادحا زَندي سنانِ بن خالدِ
ولكن بَدا للذْلّ رأسُكَ قاعدًا بِقَرقرة بينْ الجداء التّوائم
قوله بقرقرة، هي القاع المستوي من الأرض. وقوله بين الجداء التوائم، يريد التل تلد اثنين في
بطن.
تَلوذُ بأحقِي نهشل مِنْ مجُاشِع عياذَ ذَليل عارفًا للمظالمِ
ويروى عارف. وقوله عارفا نصب عارفا على الحال، ويكون على الاستغناء، ويكون على أنه
خارج من الحال. قال: والعارف المقر. يقول أنت مظلوم لا تقدر على أن تنتضر.
قال أبو عثمان: وخبرّنا أبو عبيدة، قال: وزعم خالد بن جبلة وسعيد ابن خالد أن فيها قوله:
ولا نقتُلُ الأسرى ولكنْ نفُكُهمْ إذا أثقلَ الأعناقَ حملُ المغارِم
فهل ضربَةُ الرُوميّ جاعلةٌ لكمْ أبًا عن كليب أو أبًا مثلَ دارم
فإنكَ كَلْبٌ من كُليب لكَلبَة غَذَتْكَ كليب في خَبيثِ المَطاعِم
وليسَ كليبيّ إذا جَنّ لَيلهُ إذا لم يجد ريحَ الأتانَ بِنائِم
يقولُ إذا أقلو لى عليها وأقردَتْ ألا هل أخو عيشِ لذيذ بدائم
يُعَلقُ لمّا أعجبتهُ أتانُهُ بأرآد لحييها حِيادَ الكَمائِم
فأجابه جرير فقال:
لا خيرْ في مُستعجلاتِ المَلاومِ ولا في خليل وصلُه غير دائم
[ ٣ / ٨٧٥ ]
قوله الملاوم واحدها ملامة. قال: والمعنى في ذلك، يقول لا خير في العجلة باللوم حتى تتثبت فتعلم
على ما تلوم صاحبك، فلعلك تلومه وأنت له ظالم.
ولا خيرَ في مالٍ عليهِ أليّةٌ ولا في يمينٍ غيرَ ذاتِ مخَارِم
قوله ألية يعني يمينًا. وقوله مخارم، يعني جمع مخرم وهو طريق يمضي فيه التحليل والاستثناء.
قال: والمعنى في ذلك يقول لا تحلف يمينًا ليس لك فيها مخرج ولا خير.
تَركتُ الصّبا مِنْ خَشيَة أنْ يهيجَي بِتُوضِحَ رَسمُ المَنزلِ المُتقادِمِ
وقالَ صِحابِي ما لَهُ قُلتُ حاجَة تهَيجُ صُدوعَ القَلبِ بينَ الحَيازِمِ
قوله الحيازم، قال: الحيزوم الصدر وما حوله.
تقولُ لنا سَلمَى مَنِ القَوم إذْ رأتْ وُجوهًا كِرامًا لُوّحَتْ بالسِمائِم
قوله لوّحت، يعني تغيّرا واسودّت من الرحلة في طلب المعالي، والوفادة إلى الملوك فقد غيّرها ذلك.
وقوله وجوهًا عِتاقًا يعني حسانًا رقاقًا.
لقدْ لُمتنا يا أمّ غَيْلانَ في السرى ونِمْتِ وما ليلُ المَطيّ بنائِم
يريد ما المطي بنائم ليله كلّه في طلب العلى. أم غيلان يعني ابنته. يقول لابنته لا تلومينا في السرى
في ليلتنا ونهارنا.
وأرفَعُ صَدرَ العَنْسِ وهي شِمِلّةٌ إذا ما السرى مالَتْ بَلوثِ العَمائم
قوله أرفع صدر العنس يريد في السير، وهي شملة، يقول وهي خفيفة، يريد هذه الناقة التي نسير
عليها، يقول وإن كانت خفيفة فأنا
[ ٣ / ٨٧٦ ]
أرفع في السير صدرها، وإن كانت خفيفة في سيرها. وقوله مالت
بلوث العمائم، يقول: إذا نعس أصحابي وهم يسيرون، ففسد لوث عائمهم، قال: واللوث لف العمامة
على رءوسهم، يقول فإذا كان ذلك رفعت أنا في السير لجلدي، ودلالتي، وطول مقاساتي لذلك. قال
أبو عبد الله: يقال لاث العمامة يلوثها إذا لفها غير متعمل لإصلاحها، فإذا تعمّل لإصلاحها، قيل
رصفها، قال ابن الأعرابي: فإذا تغصّب بها، قيل اقتعطها، فإذا جعلها تحت حلقه قيل التحاها. قال أبو
عبد الله: حكي عن خالد بن عبد الله الصريفيني: ما استوت عمامة عاقل قط.
بأغْبرَ خَفّاقٍ كأنّ قَتامَهُ دُخانُ الغَضا يَعلُو فُروجَ المَخارِم
قوله بأغبر خفّاق، يقول: نحن نسير ببلد خفّاق بالسراب. وقتامه غبرته. قال: والمخارم منقطع
الطريق في الجبال، واحدها مخرم، يقول فسيرنا في مثل هذه الأرض.
إذا العُفرُ لاذتْ بالكِناسِ وهَجّجَتْ عُيونُ المُهارى مِنْ أجيج السّمائِم
العفر الظباء تعلوها حمرة. وقوله لاذت يقول دخلت العُفر تحت ظل شجرة، وإنما تفعل ذلك من شدة
الحر، قال: ولوذ كل شيء ناحيته، وقوله وهجّجت، يريد غارت عيون هذه المهارى، وهي إبل كرام
نسبها إلى مهرة، وهم قوم من العرب معروفون بنتاج كريم، يقول: فغارت عيون هذه الإبل، ورجعت
إلى الرءوس من الجهد والعطش والتعب.
وإنّ سَوادَ الليلِ لا يستَفزُني ولا الجاعلاتُ العاجَ فوقَ المَعاصِم
قوله لا يستفزني، يقول: لا يستخفني سواد الليل ولا يهولني. قال: والعاج الذبل، قال: والمعنى في
ذلك، يقول: إذا رأيت سواد الليل لم أهبه، ثم قال: ومع هذا لا يستخفني الغزل أيضًا ولا الصبا،
[ ٣ / ٨٧٧ ]
فأتحبّس عليه ولا يحبسني ذلك من تزيّن النساء.
ظَلِلْنا بِمُسْتَنّ الحَرورِ كأننا لدى فَرسٍ مُستقبلِ الريحِ صائِم
قوله ظَللنا بمُستن الحرور، قال: مُستن الحرور كجرى الريح الحارة. وقوله صائم، يهني قائمًا لدى
فرس، يريد عند فرس، يعني بيتًا بناه من برود وغيرها من الثياب يُستظل به.
أغرّ مِنَ البُلقِ العِتاقِ يَشُفُهُ أذى البَقّ إلا ما احتمى بالقوائِم
قواله أغرّ، يقول: هذا الفرس في وجهه غرة، وهي البياض.
وظَلّتْ قَراقيرُ الفَلاةِ مُناخَةً بأكوارِها مَعكوسةً بالخَزائِم
قوله وظلّت قراقير الفلاة مناخة، يعني الأبل، وشبهها بالقراقير، وهي السفن الكبار، فهي تسير في
البر بما عليها كما تسير السفن الموقرة في الماء. وقوله بأكوارها، يريد أداتها أي وعليها أكوارها لم
تخط عنها. وقوله معكوسة بالخزائم، والعكاس أن يُعلّق الحبل في عنق البعير، ثم على أنفه ثم يشد
إلى فوق ركبتيه من ذراعه فيصار - يعني يمال - البعير، فلا يقدر أن يتحرك.
أنخنَ لتَغْويرٍ وقدْ وقَدَ الحَصَى وذابَ لُعابُ الشمسِ فوقَ الجَماجِمِ
قال: التغوير الاستراحة نصف النهار، وهو مثل التعريس في آخر الليل. قال: ولعاب الشمس شدة
حرها، وتوقدها، والتهابها، وهو أشد وقت الحر.
ومنقوشَة نقشَ الدنانيرِ عُوليَتْ على عَجل فوقَ العِتاقِ العَياهِم
قوله ومنقوشة، يعني رحالًا تعمل باليمن ينقشونها ويحسنون عملها. وقوله فوق العتاق العياهم، هي
ضخام الإبل.
[ ٣ / ٨٧٨ ]
بَنَتْ ليَ يَربوعُ على الشّرفِ العُلى دَعائِم فوقَ ذَرعِ الدّعائمِ
قال الدعائم، دعائم البيت، وإنما ضربه مثلا للشرف. ويروى فوق كل الدعائم، يقول فشرفي يعلو
كل شرف.
فمنْ يستجرنا لا يخَفْ بعدَ عَقدنا ومَنْ لا يُصالحْنا يَبِتْ غير نائِمِ
بَني القَين إنّا لن يفوتَ عَدونَا بِوترٍ ولا نُعطيهِم بالخَزائِم
ويروى ولا نعطي حذار الجرائم.
وأنيَ مِنَ القومِ الذينَ تَعُدُهُمْ تميمٌ حمُاةَ المأزِق المُتلاحِمِ
المأزق معترك الخيل. والمتلاحم المتضايق. التحم بعضهم ببعض.
ترى الصيدَ حولي مِنْ عُبيد وجَعفر بُناةً لِعادِيّ رفيع الدعائِم
ويروى دوني. وقوله ترى الصيد هم الأشراف الكرام. وقوله من عبيد وجعفر، يعني عبيد بن ثعلبة
بن يربوع. وعادي قديم.
تَشَمّسُ يربوعٌ ورائيَ بالقَنا وتُلقَى حِبالي عُرضَةً للمُراجِم
قوله تشمّس يربوع، يريد تمتنع وتمنعني من ورائي بالقنا. وقوله عرضة، يقول هي قوية على
فعلها. وقوله للمراجم، يريد للمتقاذف، يقال من ذلك راجم فلان فلانًا إذا قاذفه. فقال له ورد عليه.
إذا خَطر حولي رياحُ تَضَمَّنَتْ بفوزِ المعالي والثّأى المُتَفاقِم
خطرت ترفع الرماح وتخفضها للطعن، كما يخطر الفحل بذنبه، وهو أن يتبختر في مشيته، وقوله
رياح يريد رياح بن يربوع، المعالي من
[ ٣ / ٨٧٩ ]
الأمور واحدتها معلاة. والباء في قوله بفوز المعالي مقحمة، وأنشد في المعلاة للعجاج:
سامٍ إلى المَعلاة غير حَنبَل
قال: والمعالي جمع المُعلى من السهام، وهو أعلاها كلها، وأوّلها خُروجًا إذا ضرُب بها. قال والثأي
الفتق، والمتفاقم يريد الشديد.
وإنْ حَلّ بيتي في رَقاشِ وَجَدْتني إلى تُدْرَء مِنْ حَومِ عِزّ قُماقِم
قوله في رقاش، هي رقاش بنت شهبرة بن قيس بن مالك بن زيد مناة ابن تميم، قال وهي أم كليب
وغدانة ابني يربوع، قال: وقد ولدت لدارم بن مالك نهشلًا وجريرًا، وجرير هو فقيم بن دارم -
وقوله إلى تُدرء، يعني إلى دافع يدفع عني. قال: وإنما هو تُفعلُ من درأت، يعني دفعت والتاء زائدة
فيه. قال الراجز في مثل ذلك:
كَمْ ليَ مِنْ ذي تُدْرَء مِذبّ يَغْرفُ مِنْ ذي حَدَبٍ لا يُؤبيِ
قوله لا يؤبي، يقول لا ينفد.
وقوله من حوم، حوم الماء كثرته ومعظمه، وإنما يريد به العز والشرف. وقوله قماقم، يعني بحرًا
عظيمًا كثير الماء. قال: وإنما يريد كثرة العدد، فضربه مثلا للشرف.
رأيتُ قُرومي مِنْ قُرَيبةَ أو طأوا حمِاكَ وخيلي تَدعِي يالَ عاصِم
قوله قرومي، قال: القرم فحل الإبل، ثم نُقل فصار في الرجال، فقالو قرم القوم، أي سيدهم المعتمد
عليه، وأصل القرم في الإبل. وقوله من قريبة، قال: قريبة من بني طُهية، وهي أم أزنم بن عبيد،
وأما عاصم
[ ٣ / ٨٨٠ ]
بن عبيد، فأمه الضعيفة بنت ثوب بن عبد الله، من بني عبد الله بن غطفان.
وإنّ لِيربوعِ مِنَ العِزّ باذِخًا بعيدَ السّواقي خِندِفّي المَخارِمِ
قوله بعيد السواقي، يعني أن له عروقًا تسقيه من هاهنا وهاهنا. قال: والعرب تقول فلان كريم تسقيه
عروق كرام، وقال: رجل من بني سعد يقال له مزرّد بن عوف:
فلما التقيتا بالرماح عَلمْتُمُ بِأنّ لَنا مِنَ الطّعان سَواقيا
أخذْنا يزيدًا وأبنَ كَبشَةَ عَنْوَةً وما لم تَنالوا مِنْ لهُانا العَظائِم
قوله من لهانا، قال اللهوة القُبضة من الطعام تُلقى في الرحا وغيرها. وإنما ضربه مثلًا للعز
والمنعة.
ونحنُ اغْتَصبنا الحَضرميّ بنَ عامِر ومَروانُ مِن أنفالنا في المقاسِمِ
قال: والحضرمي ابن عامر الأسدي، أسره أسيد بن حنّاءة السليطي، ومروان بن زنباع العبسي،
أسرته بنو حميري بن رياح يوم الصرائم. قال: وقد كتبنا حديثه.
ونحنُ تداركْنا بَحيرًا ورَهْطَهُ ونحنُ مَنَعنا السّبيَ يومَ الأراقِمِ
يعني بحير بن عبد الله القشيري، وقد كتبنا حديثه ومقتله. قال: ومن روى ونحن تداركنا ابن حصن
ورهطه، فإنما يعني عيينة بن حصن ابن حذيفة بن بدر، وبني مرة بن عؤف بن سعد بن ذبيان،
أغاروا على التيم، فأصابوا سبيهم، فطلبتهم بنو يربوع، فأدركوهم على حقيل - وحقيل جبل -
فقاتلوهم قتلًا شديدًا، واستنفذوا منهم سبي التيم،
[ ٣ / ٨٨١ ]
وهزموهم، ففي ذلك يقول جرير:
تَدارَكنا عُيَيْنَةَ وابنَ شَمخِ وقَدْ مروا بِهنّ علىَ حَقيل
فردّ المُرْدَفاتِ بناتِ تَيمٍ ليربوع فَوارِسُ غير ميلِ
قوله ابن شمخ، هو مالك بن حمار بن حزن بن خشين بن لأي بن شمخ، ويقال إنهم من بني جشم
بن معاوية بن بكر. قال مالك بن حمار يوم بُسيان:
ويلُ أمّ قومٍ صَبَحناهُمْ مُسَوّمَةً بَينْ الأبارِقِ مِنْ بُسيانَ فالأكَمِ
بسيان والأكم موضعان.
الأقرَبينَ فلمْ تنفَعْ قَرابَتُهُمْ والمُوجَعينَ فلمْ يُشفَوا مِنَ الألمِ
طَعَنْتُ بالرمحِ جَسّاسًا وقلتُ لهْ إني أمرؤ كانَ أصلي مِنْ بني جُشَم
قوله جساسًا، يعني جساسا بن مُدلج أخا شيطان بن مُدلج. قال: وكان من فرسانهم. قال: وفرس
شيطان خميرة، وفيها يقول:
جاءتْ بما تَزْبي الدّهَيمُ لأهلها خمُيرةُ أو مسرى خمُيرةَ أشأمُ
وبَينا أرَجّي أنْ تَؤوبَ بَمَغْنَم أتتني بألفي فارسٍ مُتَلَئّمِ
قال: وذلك أن خميرة كانت وديقًا، ومر جيش لبني أسد، فاستروحت ريح الحصن، فأقبلت نحوها،
فطردها الجيش، فأقبلت إلى أهلها، قال: فأوقعوا بهم. وقوله تزبي، يعني تجلب، يقال من ذلك زبى
الأمر إذا جلبه. قال جرير للتيم:
أتهجُونَ يَربوعًا وقدْ رَدّ سَبْيَكمْ فَوارِسُنا والبِيضُ يُلوينَ بالخُمر
[ ٣ / ٨٨٢ ]
خَدَمْنَ بَني غَيظ بنِ مُرّةَ بعدَ ما سقَين النّدامَى مِنْ سرَاةِ بني بَدر
إذا ما أستبَوا خمرًا نَقَلْتُمْ زِقاقَها إليهمْ ولا يَسقُونَ تَيمًا مِنَ الخَمرِ
ويروى إذا استبأوا خمرا. ويروى زقاقهم. وأما قوله: ونحن منعنا السبي يوم الأراقم، يعني به يوم
إراب، وقد مر حديثه فيما أمليناه.
ونَحْن صَدَعنا هامةَ ابن خويلد على حيثُ تَسْتَسقيهِ أم الجَواثِمِ
قوله ابن خويلد، هو يزيد بن عمرو بن الصعق، وهو خويلد بن نُفيل ابن عمرو بن كلاب. قال:
وذلك أنه أسره أنيف بن الحارث بن حصبة ابن أزنم بن عبيد بن ثعلية بن يربوع، بعد ضربة
بالسيف على رأسه أمّتهُ في يوم ذي نجب، وقد مر حديثه فيما أمليناه. وقوله أم الجواثم يعني الهامة.
قال: والجواثم الدماغ، وإنما يريد قول ذي الإصبع العدواني:
إنّكَ إلا تَدَعْ شَتْمي ومَنْقَصَتي أضرْبكَ حيثُ تقولُ الهامةُ أسقوني
قال: وجثوم الفرخ وقوعه وتَمكّنه على الأرض.
ونحنُ تَداركْنا المَجَبّةَ بعدَما تجاهَدَ جَريُ المُبقياتِ الصّلادِمِ
قال: يريد المجبّة بن الحارث من بني أبي ربيعة، قتله المنهال بن عصمة، أخو بني حميري بن
رياح في يوم عين التمر. قال: والمنهال ابن عصمة، هو الذي يقول فيه متمم بن نويرة:
لقدْ كفّنَ المِنهالُ تحتَ رِدائِه فتىً غير مِبطانِ العَشيَاتِ أروَعا
[ ٣ / ٨٨٣ ]
وقوله جريُ المبقيات، يريد التي فيها بقية جري. قال: والصلادم من الخيل الشداد.
ونحنُ ضربنا هامَةَ ابنِ محُرّقٍ كذلكَ نَعصَى بالسيوفِ الصّوارِمِ
قوله هامة ابن محرق، قال: هو قابوس بن المنذر بن النعمان الأكبر، أسره طارق بن حصبة بن
أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، ثم مَنّوا عليه وجزّوا ناصيته، وأطلقوه، وقد مرّ حديث فيما أمليناه.
وقوله نعصى بالسيوف، يقول نضرب بها كما نضرب بالعصي، نتخذ السيوف عصيا لا نضرب إلا
بها.
ونحنُ ضربنا جارَ بَيْبَةَ فانتهى إلى خَسْفِ محكوم لهُ الضّيْمُ راغِمِ
قوله جار بيبة، يعني الصمة بن الحارث أبا دريد الجشمي، قتله ثعلبة بن حصبة بن أزنم، وهو أسير
الحارث بن بيبة المجاشعي، وفي جواره وقد مر حديثه.
فوارِسُ أبلَوا في جُعادَةَ مَصدَقا وأبكَوا عُيونًا بالدموع السّواحِم
قوله أبلوا في جعادة، قال: هو الجعد بن الشماخ بن شوذب بن عامر ابن صُدي بن مالك بن حنظلة
بن مالك بن زيد مناة.
عَلَوتُ عليكُمْ بالفُروع وتَستَقِي دِلائيَ مِنْ حَومِ البِحارِ الخَضارمِ
قال: فرع كل شيء أعلاه، يقول: فأنا أعلو عليكم في شرفي وعزّ قومي. ثم قال: وتستقي دلائي،
قال: والحوم كثرة الماء ومعظمه. قال: والخضارم السادة والخضرم البحر. قال الأصمعي: وإنما
شبّهوا الرجال من السادة بالبحور.
مَدَدنا رِشاء لا يُمَدُ لرِيبَة ولا غَدْوَة في السالفِ المتُقادِمِ
الرشاء الحبل، وإنما ضربه مثلا للشرف والعز. يقول: ليس لأحد من
[ ٣ / ٨٨٤ ]
الشرف والعز مالي.
تَعالَوا نُحاكمْكُمْ وفي الحقّ مَقْنَعٌ إلى الغُرّ مِنْ آلِ البِطاح الأكارِمِ
تقول هم آل فلان، وأهل بلد كذا. ويدخل أهل على آل، ولا يدخل آل في موضع أهل.
فإن قُريشَ الحَقّ لَنْ تَتبعَ الهوى ولنْ يقبَلوا في الله لَومَةَ لائمِ
فإنيّ لَراضٍ عبدَ شَمسٍ وما قَضتْ وراضٍ بَحُكم الصيدِ مِنْ آلِ هاشِم
وراضٍ بَني تَيم بن مُرّة إنهمْ قُرومُ تَسامى للعُلى والمَكارمِ
وأرضَى المُغيريّينَ في الحُكم إنهمْ بُحورٌ وأخوال البُحورِ القَماقِم
وراضٍ بحُكم الحَيّ بَكر بن وائِل إذا كانَ في الذُهلَين أو في الهّازمِ
قال: الذهلان شيبان بن ثعلبة، وذهل بن ثعلبة. قال وإليهم تحلّفت الذهلان. قال: وبهم سموا: وهم
شيبان وذهل، ويشكر، وضبيعة ابن ربيعة. هذه الأربع القبائل الذهلان. واللهازم: بنو قيس، وتيم
اللات بن ثعلبة، وعجل بن لجيم، وعنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وبيت شيبان في بني مرة بن
ذهل.
فإن شئتَ كانَ اليَشكُريَونَ بَيننا بحُكم كَريمٍ بالفَريضَة عالمِ
نُذَكّرُهُمْ بالله مَنْ يُنهلُ القَنا ويَفرجُ ضيقَ المَأزق المُتلاحم
ويروى نذكركم. كأنهم قد اجتمعوا فهو يخاطبهم.
ومَنْ يضربُ الجبارَ والخيلُ ترتقي أعنّتُها في ساطع النّقْع قاتمِ
ومَنْ يُدرِكُ المُستردَفات عَشيّة إذا ولهَتْ عُوذُ النساء الروائِم
أرَدْنا غَداةَ الغبّ ألا تَلومَنا تميمٌ وحاذَرْنا حديثَ المواسِم
وكُنتمْ لنَا الأتباعَ في كلّ مُعظَم وريشُ الذُنابي تابعٌ للقوادِمِ
وما زادني بُعدُ المدى نَقضَ مرّة وما رَقّ عظمى للضرّوسِ العَواجِم
[ ٣ / ٨٨٥ ]
قوله للضروس العواجم، يريد العواض.
تَراني إذا ما الناسُ عَدّوا قديمَهُمْ وفَضلَ المَساعِي مُسْفرًا غيرَ واجِم
قوله غير واجم غير ساكت. يقول: أبسط لساني في ذكر مساعي قومي، وأفخر بأيامهم.
وإنْ عُدّت الأيامُ أخزيتَ دارمًا وتخزيك يا ابنَ القَين أيامُ دارمِ
فخَرْتُ بأيام الفوارس فافْخَروا بأيامِ قَينَيكُمْ جُبيرٍ وداسم
بأيام قَوم ما لقومكَ مثلُها بِها سَهّوا عني خَبارَ الجَراثمِ
قال: الحبار، حجرة الفأر وما أشبهها. قال: والجرائم، ما يجتمع في أصول الشجر من التراب، ومنه
يقال: إن فلانًا في جرثومة من قومه، وذلك إذا كان في عز ومنعة.
أقينْ بنَ قَين لا يَسرُ نساءنا بذي نَجَب أنّا أدّعَينا لدارمِ
قال: وقد مرّ حديث ذي نجب، وقد أمليناه.
وَفينا كما أدّتْ ربيعةُ خالدًا إلى قومهِ حربًا وإنْ لم يُسالِ
يعني خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وقد مر حديثه فيما أمليناه فيما
مضى من الكتاب. ويروى ولما يُسالم.
هو القين وابن القين لاقين مثله لفطح المساحي أو لجدل الأداهم
وفَي مالكُ للجارِ لمّا تحَدّبَتْ عليهِ الذُرى من وائل والغَلاصِم
قوله وفي مالك، يعني مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب بن عباد بن قلع بن جحدر، وقد مر حديثه
فيما أمليناه.
ألا إنما كانَ الفرزدقُ ثعلبًا ضَغا وهوَ في أشداقِ ليثٍ ضُبارمِ
قوله ليث ضبارم، وهو الأسد الشديد الغليظ، يشبه الرجل به، وذلك إذا كان ذا بأس ونجدة.
[ ٣ / ٨٨٦ ]
لقدْ ولَدَتْ أمُ الفرزدقُ فاسقًا وجاءتْ بِوَزْواز قصير القوائمِ
الوزواز الكثير النزوان والتحرك، نسبه إلى الطيش والخفة.
جَريتَ بعِرْقٍ مِن قُفَيرةَ مُقرفٍ وكَبوةِ عرق في شَظى غير سالمِ
قوله بعرق من قفيرة، قال قفيرة جدّة الفرزدق.
إذا قيلَ مَنْ أمُ الفرزدقِ بَيّنَتْ قُفيرةُ منهُ في القفا واللهازِم
قال الأصمعي: قفيرة جدة الفرزدق، وهي أم صعصعة بن ناجية بن عقال. قال: وكانت سبية من
قُضاعة، سباها سلمى بن جندل يوم الحرجات، فلذلك قال من قِنّ لسلمى بن جندل.
قُفيرةُ مِنْ قِنّ لسلمى بنِ جَندَل أبوكَ ابْنُها وابنُ الإماء الخَوادِمِ
وأورثكَ القَينُ العَلاةَ ومرجَلًا وإصلاحَ أخرْاتِ الفؤوسِ الكَرازمِ
قوله الكرازم واحدها كرزم، وهي الكرزان أيضًا، وقال قيس بن زهير:
فقلت جعلتْ أكبادُنا تجتويكُمُ كما تجتوي سوقُ العضاه الكرازنا
والكرزم والكرزن واحد، وهي الفأس لها رأسان.
وأورثنا آباؤنا مَشرفيّة تمُيتُ بأيدينا فُروخَ الجَماجمِ
أتحلُم بالقتلى هُبير بنَ ضَمْضَم إذا نمتَ أير في أست أمّ الضّماضِم
لقدْ جنَحَتْ بالسلمِ خرِبانُ مالكٍ وتَعلَمُ يا ابنَ القَينِ أن لمْ أسالمِ
قال: وذلك أن هبيرة بن ضمضم المجاشعي، بات ليلة، ثم أصبح فقال: إني رأيتني الليلة قتلت عوف
بن القعقاع بن معبد بن زرارة،
[ ٣ / ٨٨٧ ]
قال: وكان عوف قتل ابن أخيه مزاد بن الأقعس بن ضمضم. وقد مر
حديثه وأمليناه فيما مضى من الكتاب، من قتل عوف مزادًا، وقصة هبيرة. قال: فقعد الأقعس بن
ضمضم لعوف بسهم، فخرج عوف من الليل يبول، فرماه الأقعس بسهم، فأصاب رجله فأسواه -
يقول لم يصب المقتل، يقال من ذلك قد رُمىَ فأشوى، وذلك إذا رُمي فمر السهم بين شواه. والشوى
القوائم - ففي ذلك يقول الفرزدق:
حَسبْتَ أبا قيس حمارَ شريعَة قَعَدْتَ لهُ والصبحُ قدْ لاحَ حاجِبُه
فلو كنتَ بالمَعلوبِ سيف ابنِ ظالمِ ضرَبتَ لزارَتْ قبرَ عَوف قَرائِبُهْ
ولكنْ رأيتَ النبلَ أهونَ فُوقَةٌ عليكَ فقدْ أودى دمٌ أنتَ طالبُهْ
قال: والمضماضم، هبيرة بن ضمضم، وأهل بيته.
وقال الفرزدق:
حَلفْتُ بِرَبّ مَكةَ والمُصَلىّ وأعناقِ الهَدِيّ مُقَلّدات
قوله المصلى، يريد المسجد. وقوله مقلدات، يريد الهدي مقلدة بالنعال. قال الأصمعي وذلك لأن البدنة
تُقلد، ليعلم أنها هدية إلى بيت الله الحرام.
لقدْ قلّدْتُ جِلْفَ بَني كُلَيب قلائدَ في السّوالفِ باقِياتِ
ويروى خلف. قال: والجلف الجبان، النخب، الجوف، الجافي، الذي لا فؤاد له. قال الأصمعي:
الجلف الدن الفارغ، قال: والمسلوخ أيضًا إذا أخرج بطنه، يقال له جلف أيضًا.
[ ٣ / ٨٨٨ ]
قال: والسوالف صفاح الأعناق، الواحدة سالفة، والسالفة عرض العنق من جانبيه.
قلائدَ ليسَ منْ ذهب ولكنْ مَواسمَ منْ جَهنم مُنْضِجاتِ
فكيفَ ترى عَطيّة حينَ يَلقَى عِظامًا هامُهُنّ قُراسِياتِ
يريد حين يلقى فحولًا عظامًا هاماتهن. قال: والقراسيات الضخام من الإبل التامات الأسنان.
قُرومًا مِنْ بَني سفيان صِيدًا طوالاتِ الشّقاشِقِ مُصْعَباتِ
قال: القروم المصعبات، والمصاعب، والمقرمات، كلها بمعنى واحد، قال: وهي الفحول التي لم
يصبها حبل، قال: وقوله صيدًا، يريد متكبرين، رجع إلى المعنى في الرجال، يريد يميلون رءوسهم
للكبر.
قال الأصمعي. وأصل الصيد، عيب في الإبل، وذلك أنه يأخذ الإبل في رءوسها، فيرم ما حول
أنوفها، وتسيل أنوفها، فتميل لذلك في رءوسها، فيقال حينئذ للبعير قد صيد، فهو يصيد صيدا شديدًا
وصادًا. قال: وكذلك كل ما كان خلقة، خرج على الأصل، وذلك مثل قولهم: حول الرجل يحول،
وعور الرجل يعور عورًا، وجيد يجيد جيدًا، وذلك إذا طالت عنقه فاستدقت من أعلاها. قال: وقال
بعضهم عارت العين فهي تعار. وقال ابن أحمر:
وسائِلَةٍ بظهرِ الغيبِ عني أعارت عَينهُ أمْ لمْ تَعارا
قال: ومثل للعرب في الرجل الذي يُذنب ثم يرجع عليه عيبه. كالكلب عاره ظفره. قال: والمعنى في
ذلك، يقول فقأ الكلب عين نفسه بظفره، كالذي يجني على نفسه، قال: يضرب ذلك مثلًا للرجل، يُذنب
[ ٣ / ٨٨٩ ]
الذنب فترجع عليه بليته. قال: فشُبّه المتكبرون من الرجال بالصيد من الإبل، وذلك أن البعير إذا
أصابه ذلك، رفع رأسه للداء الذي أصابه. فشُبه المتكبر من الرجال بذلك، لأنه يرفع رأسه كأنه شمخ
بأنفه، وسفيان الذي ذكره جد الفرزدق سفيان بن مجاشع.
ترى أعناقَهُنّ وهُنّ صَيدُ على أعناقِ قَومكَ سامياتِ
ساميات يعني مُشرفات. قال: وإنما يريد بني سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك.
فرُمْ بِيَدَيكَ هَلْ تَسطيعُ نقلا جِبالًا مِنْ تهِامَةَ راسِياتِ
قوله راسيات، يريد ثابتات، يقال من ذلك رسا يرسو رُسُوا ورَسْوا، وذلك إذا ثبت.
أبْصرْ كيفَ تَنبُو بالأعادِي مَناكِبُها إذا قُرِعَتْ صَفاتي
يريد وأبصر كيف تنبو بالأعادي صفاتي، إذا قُرعت مناكبها، فقدّم وأخّر. مناكبها نواحيها، تنبو عنها
المعاول فلا تؤثر فيها، وذلك لصلابتها، وإنما هذا مثلٌ ضربة لأصلهم وعزّهم.
وإنكَ واجِدٌ دوني صَعودًا جَراثيمَ الأقارِع والحُتاتِ
ويروى فإنك. يريد فرُمهم بيدك، فإنك واجد. والأقارع يريد الأقرع وفراسًا ابني حابس. والحتات بن
يزيد بن عامر بن علقمة بن حوي ابن سفيان بن مجاشع. قال أبو عبيدة: واسم الحتات بشر. قال
والحتات نبز - وهو اللقب.
ولستَ بِنائِل بِبَني كُلَيب أرومَتَنا إلى يومِ المَماتِ
[ ٣ / ٨٩٠ ]
الأرومة بضم الهمزة لبني تميم، وسائر الناس يفتحها. والأرومة الأصل.
وجدتُ لدارِمِ قومي بُيوتًا على بُنيان قَومكَ قاهراتِ
دُعِمْنَ بِحاجَب وابني عِقال وبالقَعقاعِ تَيّارِ الفُراتِ
يعني حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، قال: والقعقاع بن معبد بن زرارة،
كان يقال له تيار الفرات من سخائه، والتيار الموج. وابنا عقال، هما ناجية وحابس ابن عقال بن
محمد بن سفيان.
وصَعْصعةَ المُجيرِ على المَنايا بِذِمّتهِ وفَكّاكِ العُناة
يريد صعصعة بن ناجية بن عقال.
وصاحِبِ صَوأر وأبي شُريَح وسلمى مِنْ دَعائمَ ثابتاتِ
قوله وصاحب صوأر، يعني غالب بن صعصعة أبا الفرزدق. وقد مر حديث صوأر فيما أمليناه.
قال: وأبو شريح عمرو بن عمرو بن عدس ابن زيد بن عبد الله دارم. قال: وسلمى بن جندل بن
نهشل. قال: والدعائم، دعائم البيت، وإنما أراد الشرف، والقديم من عز آبائه، فضربه مثلا للدعائم.
بَناها الأقرعُ الباني المعالي وهَوْذَةُ في شوامخَ باذِخاتِ
يريد الأقرع بن حابس، ومرّة بن سفيان بن مجاشع. وقوله بواذخ، البواذخ الجبال العالية المتحلقه
في السماء. وإنما أراد الشرف والمجد. وهوذة من بني نهشل بن دارم.
[ ٣ / ٨٩١ ]
والشامخات المشرفات. قال: وهو من قول العرب: لقد شمخ فلان بأنفه، وذلك إذا تعظم وتكبر.
لَقيطٌ مِنْ دَعائمِها ومنْهُمْ زُرارَةُ ذو النّدَى والمَكْرُمات
قال: يريد لقيط بن زرارة، وزرارة بن عدس.
وبالعَمْرَين والضّمْرَين نَبني دَعائمَ مجدُهُنّ مُشَيّداتِ
ويروى دعائم مجدهن مشيدات، وهي الرواية الصحيحة بنصب المجد، وبكسر ياء مشيدات. قال:
وقوله وبالعمرين، وهما عمرو وعامر ابنا قطن بن نهشل. قال والضمران ضمرة بن ضمرة من بني
نهشل. يقول نبني دعائم مشيدات مجدهن.
دَعائِمُها أولاكَ وهُمْ بَنوْها فمَنْ مِثلُ الدعائِم والبناة
قوله أولاك، يقول أوّلونا من آبائنا بنوا لنا هذا المجد.
أولاكَ، لِدارِم وبَنات عَوْفٍ لِخَيراتٍ وأكرَمِ أمّهاتِ
قال الأصمعي: وبنات عوف، يعني تماضر بنت عوف أم الأحجار، وهم: جندل، وجرول، وصخر،
بنو نهشل. قال: وشراف بنت عوف أم سفيان بن مجاشع، وعمرو وهو القداح، ومرثد وهو الأبيض،
والنعمان بن مجاشع. وتماضر بنت علباء بن عوف بن كعب ولدت لسفيان بن مجاشع، محمدًا،
ومرة، وحوبًا وأنسًا. وليلى بنت زنباع بن أحيمر بن بهدلة بن عوف، ولدت لعدس بن زيد بن عبد
الله بن دارم عمرًا، وبشرًا، وشراحيل.
جَزِعتَ إلى هِجاء بني نُميرْ وخَلّيتَ أستَ أمّكَ للرُماةِ
فأبصرِني وأمكَ حينَ أرمي مَشّقَ عِجانِها بالنّاقِراتِ
[ ٣ / ٨٩٢ ]
قال: الناقرات يريد الصائبات، يعني المقرطسات.
وتمسي نِسوَةٌ لبَني كُلَيب بأفواهِ الأزقّوِ مُقْعياتِ
ويروى تبيتُ نسيّة لبني كليب. قال: والمقعي القاعد على أسته كما يقعي الكلب.
زَوايا سِكّة نَنَتَتْ حَديثًا بأخْبَثِ نَبْتَة شرّ النباتِ
ويروى زواني سكة. ويروى بأخبث منبت. ويروى منزل.
بأحراج خَبيثات المَلاقِي شَمطْنَ وهُنّ غيرُ مخُتّنانِ
يَبعْنَ فُروجَهُنّ بكُلّ فَلْسٍ كَبيعِ السوقِ خُذ مني وهاتِ
تخالُ بُظورَهُنّ إذا أنيختْ على رُكَباتهِنّ مخُوّباتِ
أيورَ الخيلِ قَدْ سَقطتْ خُصاها بأطرافِ المَفاوزِ لاغباتِ
قوله لاعبات يعني معيبات، وهو من قوله الله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾.
كَبرْنَ وهُنّ أزنَى مِنْ قُرودٍ وأنجَسُ مِنْ نِساء مُشرِكاتِ
ويروى وأرجس، ويروى وأمجن.
ألا قَبَحَ الإلهُ بني كُليبٍ أكَيلبَ ثَلّةٍ مُتعاظِلاتِ
قال الثلة يعني الغنم. وقوله متعاظلات أي متسافدات.
ترى أرباقَهُمْ مُتَقَلّديها إذا صدئ الحديد على الكُماة
قوله على الكماة، هم الأشداء الأبطال من الرجال. وقوله أرباقهم الربقة الحبل، وجماعه أرباق، وهو
الحبل الذي تُشد به الجداء.
[ ٣ / ٨٩٣ ]
فما لكَ لا تَعُدُّ بني كُليب وتَنْدُبَ غيرهُمْ بالمَأثُراتِ
وفَخْرُكَ يا جريرُ وأنتَ عبدٌ لِغير أبيكَ إحدى المُنكراتِ
تعنّي يا جريرُ لغيرِ شيء وقدْ ذهبَ القصائدُ للرواةِ
فكيفَ تَرُدُّ ما بعُمانَ منها وما بجبالِ مصر مُشَهّراتِ
غَلَبتُكَ بالمُفَقَئ والمُعَنّى وبيتِ المُحتَبِي والخافِقاتِ
قوله بالمفقئ، يريد قوله:
ولستَ وإنْ فَقّأتَ عَينَكَ واجدًا أبًا عنْ كُلَيبٍ أو أبًا مثلَ دارِم
ويروى أبًا لك إذ عُد المساعى كدارم. وقوله والمعنّى يريد قوله:
وإنكَ إذْ تسعى لِتُدرِكَ دارِمًا لأنتَ المُعَنّى يا جريرُ المُكلّف
وقوله وبيت المحتبي يريد قوله:
بَيتًا زُرارَةُ محتَبٍ بِفِنائِهِ ومجاشِعٌ وأبو الفوارِسِ نهشَلُ
وقوله والخافقات، يريد قوله:
وأينَ تُقَضيّ المالِكانِ أمورَها بِحَقّ وأينَ الخافِقاتُ اللوامِعُ
قال: يعني بقوله المالكان، مالك بن زيد مناة، ومالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة.
[ ٣ / ٨٩٤ ]
فأجابه جرير، وهو يهجو الزبرقان وبني طهية، فقال:
تُعَلّلُنا أمامَةُ بالعِداتِ وما تَشفي القُلوبَ الصّادياتِ
فلولا حُبُّها وإله موسِى لَوَدّعْتُ الصبا والغانياتِ
وما صبري عن الذّلْفاء إلا كصبرِ الحوتِ عن ماء الفراتِ
ويروى وما صبري أمامة عنك إلا كصبر النون. ويروى عن الهيفاء.
إذا رضيتْ رضيتُ وتعتريني إذا غضبتْ كَهَيضاتِ السّباتِ
أنا البازي المُطلُّ على نُميَرْ على رغْمِ الأنوفِ الرّاغِماتِ
إذا سَمعتْ نُميرٌ مَدّ صوتٍ جَسِبْتَهُمُ نِساءَ مُنْصِتاتِ
رَجَوتْمْ يا بَني وَقْبانَ مَوتي وأرجو أنْ تطولَ لكمْ حياتي
بنو وقبان هم بنو مجاشع.
إذا اجتمعوا عليّ فخَلّ عنهُمْ وعَنْ بازٍ يَصُكُ حُبارَيات
قال أبو عثمان: حدثني الأصمعي، قال: حدثني جعفر بن سليمان بن علي، قال: وقف أعرابي علي.
فقلت: ما بال الأرنب أحبّ إلى الصقر من الحبارى؟ قال: لأنها والله، تكبح سبلته، وتسلح على
وجهه، وهو آمن من الأرنب أن تفعل به ذلك.
إذا طَربَ الحَمامُ حمَامُ نَجْدٍ نَعَى جارَ الأقارِعِ والحُتاتِ
قال جار الأقارع يعني الزبير، وقوله نعى، قال: وذلك أنه إذا ذكر شيئًا كان منه فقد نعاه.
إذا ما الليلُ هاجَ صَدىً حزينًا بَكَى جَزَعًا عليهِ إلى المَماتِ
[ ٣ / ٨٩٥ ]
ويروى نثا خزيًا عليكَ.
أيَفَخَرُ بالمُحمّم قَين ليلى وبالكِيرِ المُرَقّعِ والعَلاتِ
وأمكُمُ قُقَيرةُ رَبّبَتْكُمْ بِدارِ اللُّؤم في دِمنِ النّباتِ
قال الأصمعي: نبات الدمن لا يرعى، وذلك لأنه نشر خبيث، وداء، حتى تصيبه الأمطار مرات
فتغسله، ويذهب داؤه، فيصير مرعى، كما قال زفر الكلابي:
وقدْ يَنبُتُ المَرعَى على دِمَنِ الثّرى وتَبقَى حَزازاتُ النُفوسِ كما هِيا
قال الأصمعي: والمعنى في هذا البيت، يقول: قد يصلح نبات الدمن بعد فساده وخبثه، إذا غسلته
الأمطار، وذهب ما فيه من الوباء. وما في النفس من الحزازات لا يُذهبها شيء. قال أبو العميثل في
النشر:
كَا نَشَأتْ في الحَرّ مُزْنَةُ صَيفٍ وضُمّنَتِ الأكوارُ عاقِبَةَ النّشر
غَدَرْتُمْ بالزُبيرِ وخُنْتُموهُ فما تَرجو طُهَيّةُ مِنْ ثَباتِ
ولمْ يَكُ ذو الشّذاةِ يخافُ مني فما تَرجو طُهَيّةُ مِنْ شَذاتي
قال: الشذاة الحدّة وسوء الخلق.
كِرامُ الحَيّ إنْ شَهِدوا كَفَوني وإنْ وَصّيْتُهُمْ حَفِظوا وَصاتي
وحانَ بَنو قُفَيرةَ إذْ أتوني بِقَينٍ مُدْمِنٍ قَرْعَ العَلاتِ
قال: العلاة سندان الحداد. والقين الحداد.
تركتُ القَينَ أطوعَ مِنْ خَصيِّ ذَلولٍ في خِزامَتِهِ مُواتِ
أبالقَيْنَينْ والنّخَباتِ تَرجو لَيربوع شَقاشِقَ باذِخاتِ
هُمُ حَبَسوا بِذي نَجَبٍ حِفاظًا وهُمْ ذادوا الخَميسَ بِوارِداتِ
[ ٣ / ٨٩٦ ]
قد مر حديث يوم ذي نجب فيما أمليناه من الكتاب مفسرًا تامًا. وقوله بواردات، قال أبو عبيدة:
واردات على يسار الطريق، وأنت ذاهب إلى مكة، من دون الذنائب عن يسار طخفقة وأنت مُصعد
إلى مكة، وهو لبني عامر بن ربيعة بن عامر.
قال أبو عبيدة: وهو يوم اللوى، أغارت فيه بنو يربوع على بني ثعلبة ابن سعد بن ذبيان، فقتلوا
عارضًا. وقال آخرون: ليس يوم واردات يوم اللوى، وإنما لقوا بواردات أهل اليمن.
وتَرْفَعُنا عليكَ إذا افْتَخَرنا لِيربوعٍ بَواذخُ شامخِاتِ
قوله بواذخ شامخات، أي عاليات وإنما ضربه مثلًا للشرف. يقول: شرفي ومنصب قومي قد علا
وشمخ في السماء، لا يناله من فاخرني وأراد أن يباذخني.
هُمُ سَلبوا الجَبابِرَ تاجَ مُلْكٍ بِطِخْفَةَ عندَ مُعْتَركِ الكُماةِ
قد مر حديث يوم طخفة في أول الكتاب، وأمليناه تامًا. ومعترك الكماة، هو الموضع الذي تقتتل فيه
الكماة، وهم الأشداء. ومن إذا لاقى لم يفر، والمعترك موضع القتال، وهو موضع الاعتراك، وهو
الاجتلاد. ويقال قد اعترك القوم إذا تجالدوا بالسيوف وغيرها.
فقدْ غَرقَ الفرزدقُ إذْ عَلَتْهُ غَوارِبُ يَلْتَطمْنَ مِنَ الفُراتِ
رَأيتُكَ يا فرزدقُ وسطَ سَعدٍ إذا بُيّتّ بِئسَ أخو البَياتِ
ويروى إذا ما نمت بئس أخو الفتات.
وما لاقيتَ ويلكَ منْ كريمٍ ينامُ كما تنامُ عن التراتِ
نسيتُمْ عُقرَ جِعْثِنَ واحتَبَيْتُمْ ألا تبًا لفخركَ بالحُباتِ
وقدْ دَمِيَتْ مواقعُ رُكْبَتَيها منَ التّبراكِ ليسَ منَ الصّلاتِ
[ ٣ / ٨٩٧ ]
تَبيتُ الليلَ تُسلَقُ إسكَتاها كَدَأبِ الترك تلعبُ بالكُراتِ
وحَطّ المِنْقَرِي بها فقَرّتْ على أمّ القَفا والليلُ عاتِ
قوله والليل عات، يريد والليل عاتم، يريد اشتدت ظلمته.
تُنادي غالِبًا وبَني عِقالٍ لقدْ أخْزَيْتِ قَومَك في النّداتِ
أخزيت قومك الرواية. وقوله في الندات، يريد المجالس، الواحد ناد، مثل قاض وقضاة، وساع
وسُعاة، وهو حيث يجتمع القوم فيتحدثون في مجالسهم. وهي أنديتهم.
وَجَدْنا نِسوَةً لبَني عِقالٍ بِدارِ الذُلّ أغراضَ الرماةِ
أغراض الرماة جمع غرض، وهو حيث يُرمى به في الأهداف.
غَوانٍ هُنّ أخبَثُ مِنْ حمير وأمجنُ مِنْ نساء مُشرِكاتِ
وسَوداء المُجَرّد مِنْ عِقالٍ تُبايعُ مَنْ دَنا خُذْها وهاتِ
وأنتُمْ تَنْقُرونَ بِظُفْرِ سَوْء وتأبى أنْ تلينَ لكم صَفاتي
يريد وأنتم تنقرون صفاتي بظفر سوء، ثم قال: وتأبى أن تلين لكم صفاتي. والصفاة الصخرة، وإنما
ضربه مثلًا للشرف.
أليسَ الزّبرِقانُ أحَقّ عَيرٍ بِرَمي إذْ تَعَرّضَ للرُماةِ
ويروى:
أرى ابنَ الزبرقانِ أحَقّ عَبْد بأن يُرمَى تَعَرّض للرماة
تضَمّنَ ما أضَعتَ بَنو قُرَيع لجِاركَ أنْ يموتَ مِنَ الخُفاةِ
ويروى إذ يموت، ويروى تضمّن بعد ما علمت قريع بجارك أن. قوله
[ ٣ / ٨٩٨ ]
منَ الخفاة، يريد من الجوع.
يقول لا يجوع من لجأ إليهم، فهو عندهم في رفاهية وكفاية، لا يلقاه جوع ولا شدة. يقول: فقد تضمّن
بنو قريع ما أضعت من جارك فأشبعوه وكفوه وأغنوه.
تَدَلّى بِابْن مُرّةَ قدْ علمتُمْ تَدَلّى ثمّ تَنْهَزُ بِالدّلاةِ
قوله بالدلاة يريد الدلو. قا بعضهم: يجعل الدلاة هي الدلو وأداتها كلها. قال: والنهز أن يُجذب الدلو
جذبة بعد جذبة حتى تمتلئ. وقوله بابن مرة، يعني عمران بن مرة المنقري، صاحب جعثن، وهو
الذي يقول فيه جرير:
غمزَ ابنُ مُرّة يا فرزدَقُ كَينَها غَمزَ الطبيبِ نَغانِغَ المَعْذورِ
الكين لحم الفرج الخارج منه، والباطن يسمى الزرنب.
وقال جرير:
ألا حَيّ أهلَ الجَوفِ قَبلَ العَوائِق ومِنْ قَبل رَوعاتِ الحبيبِ المُفارقِ
قوله العوائق، قبل ما يعوق الناس من مُلمات الأمور. قال: والروعات ما يروعه أي يُفزعه.
سَقَى الحاجِزَ المِحْلالَ والباطنَ الذي يَشُنّ على القَبرينِ صوتَ الغوادِقِ
وقوله يشن، يريد يصب على القبرين. صوب الغوادق، يعني السحائب الكثيرات الماء.
ولمّا لقينا خيلَ أبجرَ أعلنوا بِدعوَي لجُيمٍ غير ميلِ العواتِق
قوله خيل أبجر، يريد أبجر بن جابر العجلي. قال: ولجيم بن صعب
[ ٣ / ٨٩٩ ]
ابن علي بن بكر بن وائل.
صَبرنا لهُمْ والصبرْ مِنا سَجِيّةٌ بِأسيافِنا تحتَ الظلالِ الخَوافِقِ
قوله سجية. أي طبيعة. يقال سجية وخليقة وطبيعة بمعنى واحد. يقول: فالصبر منا عند القتال سجية
لا نعرف غيره. وقوله تحت الظلال يعني السيوف.
فلما رأوا ألا هَوادَةَ بيننا دَعَوا بعدَ كَرْب يا عَميرَ بنَ طارِقِ
قوله عمير بن طارق، يعني عميرة بن طارق بن حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وأمه
طيبة بنت بجير العجلي، وهو الذي يقوله فيه جرير للبعيث:
ومِنّا الذي ناجَى فلمْ يخز رَهطَهُ بأمر قَويّ محرِزًا والمُثَلّما
ومُبْد لَنا ضِغْنًا ولولا رِماحُنا بأرضِ العدَى لم يرعَ صوبَ البَوارِقِ
عَرَفْتُمْ لِعَتّاب عليكم ورَهْطِهِ نِدامَ المُلوِك وافتراشَ النّمارِق
يعني عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع. قال: وهو أحد أرداف الملوك، قال: والردف الذي يقوم
بعد الملك، المربض للملك.
همُ الداخلونَ البابَ لا تَدخُلونَهُ على المَلك والحامونَ عندَ الحَقائِق
وأنتم كِلابُ النارِ تُرمَى وجوهُكُم عَنِ الخير لا تغشونَ بابَ السرادِق
مَنَعنا بِجَنْبي ذي طُلوحِ نساءَكُمْ ولمْ تمنَعوا يا ثَلْطَ زَبّاءَ فارِق
وإنّا لَنَحميكم إذا ما تَشَنّعتْ بنا الخيلُ تردي مِنْ شَنونٍ وزاهقِ
[ ٣ / ٩٠٠ ]
تشنعت أسرعت في العدو. والشنون الذي قد أخذ في السمن. والزاهق السمين. قال: والزباء الناقة
الكثيرة شعر الأذنين. والفارق الناقة التي إذا أرادت النتاج فارقت الإبل، فأخذت في وجه حتى يُدركها
النتاج.
[ ٣ / ٩٠١ ]