وذلك أنه لما مات يزيد بن معاوية، خرجت بنو تميم حين بلغهم أن عبيد الله بن زياد ترك دار
الإمارة، وبايعوا لعبد الله بن الحارث الهاشمي، حتى أدخلوه الدار فأمروه عن غير مشورة من اليمن
وربيعة، فقال شاعر منهم:
نَزَعنا وأمَّرنا وبكرُ بنُ وائِلٍ تجُرُّ خُصَاها تبتغي مَن تُحالِفُ
فما بات بكريٌّ منَ الدهرِ ليلةٌ فيُصبحَ إلا وهو للذلِّ عارِفُ
وقال الفرزدق:
وبايعتُ أقوامًا وفَيتُ بعَهدِهِمِ وبَبَّةُ قد بايَعتُهُ غيرَ نادِمِ
[ ١ / ٢٨١ ]
ببة هو عبد الله بن الحارث، وإنما سمي ببة لأن أمه كانت ترقّصه فتقول:
لأُنكِحَنَّ بَبَّه جارِيَةً كالقُبَّهْ
ويروى جارية في قبه، ويروى جارية حدلُكّهْ
مُكرَمَةً مُحَبَّهْ تَجُبُّ أهلَ الكَعبةْ
تجب تفضل. فلما بلغ ذلك اليمن قالوا: لا نرضى أن يؤمر علينا أمير من غير مشورة منا ولا
رضًا، فركب مسعود بن عمرو العتكي، وكان يقال له قمر العراق، في اليمن وربيعة قد رأسوه عليهم،
حتى دخل المسجد الجامع، وعبد الله بن الحارث في الدار، وغفل الناس عن الحرورية فأتوا بالسلاح،
فخرجوا من السجن، فدخلوا المسجد، لا يلقون أحدًا إلا قتلوه. فقتلوا مسعودًا في المسجد، وقتلو معه
اثني عشر رجلًا من قومه، ثم طمّوا - طموا ذهبوا - إلى الأهواز من وجههم، فأقبل ناس من بني
منقر، فاجترّوا مسعودًا إلى دورهم فمثّلوا به. فسارت اليمن وربيعة حتى ملأت سكة المربد، فذكر
إسحاق بن سويد العدوى قال: إني لواقف على باب دارنا، إذ مرت بنا كبكبة، فقلت من هذا؟ فقالوا:
مالك بن مسمع. ثم مكثت غير طويل فإذا كبكبة أخرى قد ملأت سكة المربد، فقلت من هذا: فقالوا:
القمر. قلت: ومن القمر؟ قالوا: مسعود. فأتت بنو سعد الأحنف فسألوه أن ينهض، فأبى. فقالوا: أنت
[ ١ / ٢٨٢ ]
سيدنا. فقال: لست بسيدكم، إنما سيدكم الشيطان. فقال سلمة بن ذؤيب الرياحي: يا معشر الفتيان، قد
سمعتم ما قال هذا المهتر. فانتدبوا مع رجل يقوم بهذا الأمر، فأنُتدب معه خمسمائة من بني تميم. فلما
كان في بعض الطريق، لقيه أربعمائة من الأساورة، عليهم ما فروردين، فساروا حتى انتهوا إلى أفواه
السكك، فوقفت الخيل، فقال لهم ما فروردين، بالفارسية (جوان مردان جبوذ كنشويذ) قالوا بالفارسية:
(نما هلند تاكارزار كنيم) قال: (دهادشان بنجكان - معناه ارموهم بخمس نشّابات كل رجل منكم -
فرموهم بألفي نُشّابة. قال: ودخلوا المسجد، ومسعود على المنبر يخطب. فانزلوه فضربوا عنقه، فأما
زهير بن هنيد فحدّث عن ناشب بن الحنشاش قال: أتينا الأحنف بن قيس فيمن ينظر في بني عامر
بن عبد الله، وقد اعتزل الفتنة، ونزل منزله، فأتته امرأة بمجمرة فقالت: مالك وللسؤدد، والرياسة،
إنما أنت امرأة فتجمّر، فقال: استُ المرأة أحقُّ بالمجمر وقال: لا أجيبهم إلى إعانة حتى أُوتى، فقيل
له: إن عبلة بنت ناجية - وقال آخرون بل عزّة الخزّ - قد انتُهبت وسُلبت حتى انتزع خلخالها من
رجلها - ودارها حيال مطهرة رحبة بني تميم - وقيل له قُتل الصباغ الذي على طريقك، وقُتل المقعد
الذي على باب المسجد الجامع، فقال: أقيموا بيّنة فشهد عنده بشر. فقال: أجاء عبّاد بن حصين؟ فقيل:
لا. وسأل ثانية وثالثة فقيل لا. فقال: أهاهنا عبس أخو كهمس الصريمي؟ قالوا: نعم. فدعاه ثم انتزع
معجرًا في رأسه، فعقده في رمح، ثم دفعه إليه، وقال سر. فلما ولّى قال: اللهم لا تخزها، اللهم
انصرها، فإنك لم تخزها فيما مضى. فقصد نحو مسعود،
[ ١ / ٢٨٣ ]
وصاح الشباب: هاجت زبراء، أي غضب
الأحنف، وزبراء اسم وليدته، فكنوا بها عنه من إجلاله. قال: وسمعت أبا الخنساء العنبري، قال:
سمعت الحسن يقول في مجلسه في المسجد: أقبل مسعود من هاهنا في أمثال الطير - وأشار بيده إلى
منازل الأزد - معلمًا بقباء ديباج أصفر، معيّن بسواد، يأمر بالسنة وينهى عن الفتنة - فقال الحسن:
ألا إن من السُنّة أن يؤخذ ما فوق يديك - فأتوه وهو على المنبر فاستنزلوه علم الله فقتلوه. وذكروا أن
بنت مسعود لما بلغها مقتل أبيها يومئذ، ركبت دابة موكّفة وولّت وجهها نحو ذنبها، ونشرت شعرها،
وتجلببت مسحًا، منادية تقول: مسعود من نقتل بك! أحنف لا نعطى بك، قفيز لا نرضى بك - قفيز
كان قصيرًا فسمي قفيزا، وقفيز عبد الله بن عبد الله بن عامر بن كريز، وكان عرض عليهم نفسه في
الصلح - حتى وقفت على مالك بن مسمع وهو عند دار العقار في سكة المربد، فقال لها ارجعي،
فقالت: لا، حتى أوتى برأس الأحنف. فأمر برأس رجل جميل، فأُتيت به فقالت: هذا رأس علج. فأمر
برأس رجل ضخم، فأُتيت به، فأزمت عليه بأنفه، وغمست طرفي كمّيها في دماء لغاديده، ثم
انصرفت لا تشك أنه الأحنف. فقال عرهم بن عبد الله بن قيس بن بلعدوية:
ومسعودَ بنَ عَمرِو إذا أتانا صَبَحْنَا حَدَّ مَطرُورٍ سَنينا
رَجا التأميرَ مسعودٌ فأضحَى صَريعًا قد أذَقنَاهُ المَنُونَا
سيُجمَعُ جَمعُنا لبني أبينا كما لَزُّوا القَرينَةَ والقَرينا
وتُغني الزُّطُّ عبدَ القيسِ عنّا وتكفينا الأسَاوِرَةُ المَزونا
الزط السيابجة، قوم من السند بالبصرة لهم قدم، وكانوا يحفظون بيت المال في الدهر الأول.
والمزون مدينة عمان. وقال:
جاءَتْ عُمانُ دَغَرَى لا صَفَّا بَكرٌ وجمعُ الأزْدِ حين التَفَّا
[ ١ / ٢٨٤ ]
قوله دغرى لا صفّا أي يحملون أنفسهم لا يصطفون ولا يقفون.
كيف رأيتَ جيشَها اقلَعَفّا لما رأوا عِيصًا لنا ألَفّا
المقلعف المنقطع من أصله.
في حارةِ الموتِ يَدِفُّ دَفّا ضَربًا بِكُلِّ صارمٍ مُصَفّى
إنْ أخطَأ الرأسَ أصابَ الكَفّا ولّواخزايا قد أُقِصّوا الحَتفَا
وأُمُّ مسعودٍ تُنادي لَهفَا قد ذَأفَ الموتُ عليه ذَأفا
وسالَ شَحمُ البَطنِ منه هِفّا
والهِف الرقيق. قال: وكان الأحنف بعد الحرب أقام إياس بن قتادة ابن موألة العبشمي يوم المربد،
فحمل دماء الحيين. فجاءت بنو مقاعس فقالوا للأحنف: يكون الأمر لبني مقاعس، ويحمل الحمالة
رجل من عبشمس لا نرضى، فدعاه الأحنف فقال: تجاف لأخوالك عنها. فقال: سمع وطاعة، فجاءت
الأبناء وهم عبشمس، وعوف، وجشم، وعوافة، ومالك بنو سعد، فقالوا: لا نرضى أن تخرج حمالتنا
من أيدينا، وحددوا لبني مقاعس، وحددت لهم فخلاّها الأحنف. فقال إياس: فجهدت أن يقوم لي بها
أهل الحضر، فلم يفعلوا، ولم يُغنوا فيها شيئًا. فخرجت إلى البادية، فجعلوا يرمونني بالبكر وبالاثنين،
حتى اجتمع لي من حمالتي سواد صالح، وصرت بالرمل إلى رجل ذُكر لي، فلما دُفعت إليه، إذا
رجل أسيود، أفيحج، أعيسر، أكيشف، فلما انتسبت له، وذكرت له حمالتي، قال: قد بلغني شأنك،
فانزل فوالله ما قراني ولا بنى عليّ فلما كان من الغد، أقبلتْ إبله لوردها، فإذا الأرض مسودة، وإذا
هي لا ترد في يوم لكثرتها، وقد ملأ غلمانه حياضه، فجعل كلما ورد رسل من إبله، جاء يعدو حتى
ينظر في وجهي فيقول: أنت حويمل
[ ١ / ٢٨٥ ]
بني سعد، ثم يخرج يرقص، فأقول: أخزى هذا وأخزى من دلني
عليه، حتى إذا رويت وضربت بعطن - يعني برك بأعطانها - قال أين حويمل بني سعد؟ قلت:
قريب منك. قال: هات حبالك، فما ترك لي حبلًا إلا ملأه بقرينين، ثم قال: حبالك؟ فجئنا بمرائر
محالبنا، وأرشية دلائنا، وأروية زواملنا، ثم قال حبالك؟ فحللنا عُصم قربنا وعُقل إبلنا وخُطمها فملأها
لنا ثم قال: حبالك؟ قلت: لا حبال فقال: قد عرفت في دقّة ساقيك أنه لا خير عندك. فقال سوّار بن
حيان المنقري:
ألمْ تكُن في قَتلِ مَسعودٍ عِبَرْ جاءَ يريدُ إمرَةً فما أمَرْ
حتى ضَربنَا رأسَ مَسعودٍ فَخرْ ولم يُوَسَّدْ خَدُّهُ حيثُ انعَفَرْ
فأصبحَ العبدُ المَزونيُّ عَثرْ حتى رأى الموتَ قريبًا قد حَضرْ
يَطمُّهُم بحرُ تميمٍ إذْ زَخرْ وقيسُ عيلانَ ببَحرٍ فانفَجرْ
مِن حولِهِم فادَرَوا أينَ المَفرْ حتى عَلا السَّيلُ عليهم فغَمرْ
وودوا مسعود بن عمرو بعشر ديات، لأنهم مثّلوا به، وباؤوا بين القتلى - باؤوا سووا بين القتلى -
وتم الصلح، وأخرجوا عبيد الله بن زياد إلى الشام.
رجع إلى قصيدة جرير:
لنا ذَادَةٌ عندَ الحِفاظِ وقَادَةٌ مَقادِيمُ لم يذهبُ شَعاعًا عَزِيمُهَا
الشعاع المتفرق، يقال شعّ الشيء تفرّق، وواحد المقاديم مقدام. وعزيمها رأيها وعزمها على الأمر.
ويقال أشع الرجل ببوله إشعاعا إذا فرّقه.
[ ١ / ٢٨٦ ]
إذا رَكِبوا لم تَرهَبِ الرَّوعَ خَيلُهُم ولكن تُلاقي البَأسَ أنّى نُسيمُهَا
ويروى: إذا فزعوا لم تُعلف القتّ خيلنا يقول: لم ترهب الروع لكثرة غشيانها الحرب وعادتها،
نُسيمها نعلمها من السيماء.
إذا فَزِعوا لم تعَلِف القَتَّ خَيلُهُم ولكنْ صُدورَ الأزأنِيِّ نَسُومُهَا
ويروى وإن فزعوا، ويروى صدور الثائرين. نسومها نحملها على صدور القنا.
ويقال الأزاني واليزأني أيضًا، لم تُعلف القتّ يعني أنهم أهل بدو ويعلفون خيلهم الحشيش، لا أهل
قرى يعلفونها القت.
عَنِ المِنبَر الشرقيِ ذَادَتْ رِمَاحُنا وعنَ حُرمَةِ الأركَانِ يُرمَى حَطيمُهَا
المنبر الشرقي بالبصرة، وكان ابن الأعرابي يقول: هو منبر خراسان، وذلك أن البصرة غلب عليها
أيام الفتنة سلمة بن ذؤيب الرياحي، يوم قُتل مسعود بن عمرو العتكي. وغلب على الكوفة مطر بن
ناجية اليربوعي لابن الأشعث. وأُخرج منها عامل الحجاج. وغلب على المدينة لابن الزبير،
الأسودبن نعيم بن قعنب اليربوعي. وغلب على خراسان وكيع بن حسّان بن أبي سود الغداني ثم
اليربوعي. وقُتل قتيبة بن مسلم الباهلي بها. وأما منع الحطيم وذكره، فإن عبد الله بن الزبير -
﵄ - لمّا حصره أهل الشام نادى من ينصر الله؟ من ينصر الكعبة، فأتاه الخوارج
والمرجئة والشيعة، وكل ذي رأي ينصرون
[ ١ / ٢٨٧ ]
الكعبة، وكان عُظم الخوارج من تميم إذ ذاك، وكان بنو
الماحوز التميميون، الزبير وإخوته، رؤساء الخوارج، وكان معهم نجدة بن عامر الحنفي، فقاتلوا مع
ابن الزبير حتى مات يزيد بن معاوية وانصرف أهل الشام من مكة، ثم أتوا عبد الله بن الزبير
ليمتحنوه، فعرضوا عليه المحنة، فقال: تغدون عليّ، فجمع أصحابه وألبسهم السلاح، فلما أتوه سألوه
عن أبي بكر وعمر - ﵄ - فذكر ما هما أهله وتولاّهما، ثم سألوه عن عثمان - رضي
الله عنه - فقال كذلك، فتبرؤوا منه، ولعنوه، وجانبوه، وانصرفوا إلى مواطنهم.
رأى الموتَ مَّنا مَن يَرومُ قَنَاتَنا فغيرُ ابنِ حَمرَاءِ العِجَانِ يَرُومُهَا
يرى رواية
أراد فليرمها كما قال عدي بن زيد:
وما قَصَّرتُ عن طَلبِ المَعالي فتَقصُرُ بي المِنيَّةُ أو تَطُولُ
معناه فلتقصر بي المنية أو فلتطل، فلما نقله عن الجزم رفعه. ويروى فعلّ ابن حمراء.
سَعَرنَا عليكَ الحربَ تَغلي قُدورُهَا فهلاَّ غَداةَ الصِّمَّتَينِ تُدِيمُها
سعرنا أوقدنا، وتُديمها تسكنها، ومنه الماء الدائم يعني الساكن.
[ ١ / ٢٨٨ ]
الصمتان معاوية بن مالك بن علقة بن غزية وأخوه
وكان الصمّة الجشمي أغار على بني حنظلة يوم عاقل، فأسره الجعد بن الشماخ أحد بني
صُدي بن مالك بن حنظلة يوم عاقل، فأسره الجعد بن الشماخ أحد بني صدي بن مالك بن حنظلة،
وهُزم جيشه، وأصيب فيهم، ثم إن الجعد منّ عليه، وجزّ ناصية بعد سنة، وكان الصمة قد أبطأ فداؤه،
وكان الجعد يأتيه كلّ هلال شهر بأفعى، فيحلف بما يُحلف به لئن هو لم يفد نفسه، ليُعضّنها إياه، فلما
طال ذلك جزّ ناصيته على الثواب. ثم أتاه مستثيبًا، فقال له الصمة: مالك عندي ثواب، فقدمه فضرب
عنقه، فضرب عليه الدهر، ثم إن الصمة أتى عكاظ فلقي ثعلبة ابن الحارث بن حصبة بن أزنم بن
عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وهو أبو مرحب، وكان حرب بن أمية يدعو الناس، رجلين رجلين،
فيكرمهما، ويخص بذلك أهل الفضل. فجاءت دعوة الصمة وأبي مرحب، فكره الصمة ذلك لحداثة
أبي مرحب، فقرّب إليهما حرب تمرًا، فجعل الصمة يأكل التمر، ويُلقي النوى بين يدي ثعلبة، فقال
الصمة لثعلبة: أبصر ما عندك من النوى، فقال له أبو مرحب: إنك أكلت ما أكلت بنواه، فذاك الذي
أعظم بطنك. فقال الصمة: لا، ولكن أعظم بطني دماء قومك، أين الجعد بن الشماخ؟ فقال أبو
مرحب: ما ذِكرك رجلًا أسرك ومنّ عليك، ثم جاء يستثيبك فغدرت به وقتلته، أما والله لا ألقاك بعد
يومي هذا إلا قتلتك، أو مُتّ دونك. فمكث الصمة زمانا، ثم غزا بني حنظلة، فأسره الحارث بن بيبة
المجاشعي، وهزم جيشه - ويقال بل هُزم جيشه - فأجاره الحارث بن بيبة من إساره ذلك، وكان
رجل من بني أسد يقال له ابن الذهوب مع ابن أخت له يقال له مرارة بن شداد، من بني عمرو ابن
يربوع فأسر ابن الذهوب معيّة بن الصمة، فأما الحارث بن بيبة فباع الصمة نفسه، وقال الصمة: سِر
بي في قومك حتى اشتري أُسراء
[ ١ / ٢٨٩ ]
قومي، فسار به حتى أناخ به في بني يربوع، والحجرة يومئذ لبني
عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، فأناخا إلى الحجرة، فدخلاها، فأقبل إليهما الناس، وأقبل إليه أبو
مرحب، فلما رأى الصمة عرفه، فخنس عنه، وأخذ سيفه ثم جاء، فضرب به بطن الصمة فأثقله. فلما
رأى ذلك الحارث خرج فدعا: يال مالك، فأقبل بنو مالك إلى بني يربوع. فلما خافوا القتال، قام رجل
من بني عرين بن ثعلبة، يقال له مصعب بن أبي الخير، فقال: يابني مالك، هذه يدي بجاركم، فهي
لكم وفاء. فقال راجز بني مالك:
نحن أبأنا مُصعبًا بالصِّمَّهْ كِلاهُما شيخٌ قليلُ اللِّمَّهْ
فقالت بنو يربوع: خذوا مُعية فأدّوه مكان أبيه. فكلّموا ابن الذهوب في معية فأبى عليهم. فأتوا ابن
أخته فكلّموه فأبى عليه. فقال: أغيروا عليّ وعليه، وخذوا معية ومالي، وعليّ رضاه. ففعلوا فأخذوا
معية، فأعطوه الحارث بن بيبة، وأعطى مرارة خاله سبعين بكرة وجارية بيضاء مولّدة، فذلك قول
جرير:
ومِنّا الذي أبلَى صُدَيَّ بنَ مالِكٍ ونَفَّرَ طيرًا عن جُعَادَةَ وقُعَّاضا
رجع إلى الشعر:
تركناكَ لا تُوفي بِزندٍ أجَرتَهُ كأنّكَ ذاتُ الوَدعِ أوفَى بَرِيمُها
الزند الذي تُقدح به النار. يقول: لا تمنع زندا فما فوقه كأنك امرأة
[ ١ / ٢٩٠ ]
ضاع بريمها فليس عندها إلا البكاء، وبريمها حقابها.
وإنما قال ذات الودع لأن الودع من لباس الإماء، وإنما يريد أن أمك أمَة.
يُعَدُّ ابنُ حَمراءِ العِجَانِ لزِنيَةٍ إذا عُدَّ مَولَى مَالِكِ وصَمِيمُها
لهُ أمُّ سَوء ساءَ ما قَدَّمتْ لهُ إذا فارِطُ الأحسابِ عُدَّ قديمُها
ويروى إذا فرط الأحساب، وهو ما مضى منها وسبق، يعني أوائلها.
فقد أخذَتْ عيناكَ مِن حُمرَةِ استَها وجَنباكَ جَنبَاها وخِيمُكَ خيمُها
ولمَّا تغشّى اللُّؤمُ ما حَولَ أنفهِ تَبَوَّأ في الدارِ التي لا يريمُها
ألم تر أنّي قد رميتُ ابنَ فَرتَنا بصَّمَّاءَ لا يرجو الحياةَ أميمُها
ويروى سليمها.
إذا ما هوى من صَكَّةٍ وقعتْ بهِ أظَلَّتْ حَوامِي صَكَّةٍ يستديمُها
يستديمها يتوقعها أو ينتظرها. وحوامي صكة أي موجعات صكة، أي صكة حامية حارة.
فلم تَدريَا هُلْبَ اُستها كيفَ تتقي شَمُوسًا أبتْ إلا لقَاحًا عقيمُها
الشموس المنوع في الخيل. وهذا مثل يقول: أبت عقيمها إلا أن تلقح، وإذا لقحت الحرب كان أشد
لأمرها وأعظم.
رجا العبدُ صُلحِي بعدما وقعتْ بهِ صَواعِقُها ثمّ استَهلَّتْ غُيُومُها
استهلت مطرت، والاستهلال صوت وقع المطر.
[ ١ / ٢٩١ ]
لقد سرَّني لَحبُ القوافي بأنفهِ وعَلَّبَ جِلدا الحاجبينِ وسُومُها
اللحب والعلب واحد وهو الأثر البين ويروى وعلب بجلد الحاجبين.
لقد لاحَ وسمٌ مِن غَواشٍ كأنّها الثُّرَيَّا تَجلَّتْ مِن غُيومٍ نُجُومُها
غواش ما غشيه من الشدائد ويروى في غواش.
أتارِكَةٌ أكلَ الخزيرِ مجاشِعٌ وقد خُسَّ إلا في الخزيرِ قَسيمُها
قسيمها حظها. والخزير أن يُطبخ الدقيق بودك أو قديد أو لحم، وقد يكون إنما يُطبخ الشختيت، وهو
دقاق سويق الشعير ثم يُطرح فيه الدقيق والودك.
سيَخزى ويرضى باللّفَاءِ ابنُ فَرْتَنا وكانتْ غَداةَ الغْبِّ يُودَى غَريمُها
ويوفى. اللفاء ما دون الحق، وهو الشيء القليل.
إذا هَبطتْ جَوَّ المراغِ فعَرَّستْ طُروقًا وأطرافُ التَّوادي كُرُومُها
الطروق النزول بعد هدأة من الليل قريب من الفجر، والتوادي العيدان التي تُصر بها أخلاف الإبل،
واحدتها تودية. والكروم الحلي يريد أنها راعية، فإن التوادي معلّقة في عنقها مكان الحلي، ويروى
تكرّست عروشا. تكرست جُمعّت شجرا فعرّشته فسكنت فيه، وذلك فعل الرعيان.
فكيف تُرى ظنَّ البَعيثُ بأُمِّه إذا باتَ علجُ الأقعسَينِ يَكُومُها
[ ١ / ٢٩٢ ]
الأقعسان هبيرة والأقعس ابنا ضمضم.
إذا استَنَّ أعلاجُ المصيفِ وجَدتَها سريعًا إلى جَنبِ المرَاغِ جُثُومُها
المراغ موضع من الأرض تمرّغ فيه الإبل، جثوم لزوم للأرض وانكباب.
ضَرُوطٌ إذا لاقتُ عُلوجَ ابنِ عامرٍ وأينَعَ كُرَّاثُ النِّبَاجِ وثُومُها
أراد عبد الله بن عامر بن كريز بن عامر بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وهم أصحاب النباج.
بني مالِكٍ إنّ البِغالَ مجاشعًا مُبَاحٌ بحمراءِ العِجانِ حَريمُها
بني مالك يعني مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. قوله مباح حريمها أي لا تُرعى
حرمتهم ولا ذمتهم. بحمراء العجان يعني أم البعيث، والعجان ما بين الفرجين، وقال حمراء لأنها من
العجم.
لئن راهَنت عَدوًا عليكً مُجاشِعٌ لقد لقيتْ نقصًا وطاشتْ حُلُومُها
فأبقُوا عليكُم واتَّقُوا نابَ حيَّةٍ أصابَ ابنَ حمراءِ العِجانِ شَكيمُها
شكيمتها شدة نفسها وسوء سمّها، يقال: هو شديد الشكيمة إذا كان جلدًا
إذا خِفتُ من عَرٍّ قِرافًا شفَيتُهُ بصادقَةِ الإشعال باقٍ عصيمُها
العر الجرب. والقراف الدنو. وعصيمها أثرها، العر مفتوح الأول
[ ١ / ٢٩٣ ]
الجرب، والعر مضموم الأول: قرح سوى الجرب. قرافًا مخالطة، والإشعال الإحراق والعصيم أثر الهناء.
وبقية أثر الخضاب في اليد والرجل أيضًا عصيم.
لهُ فَرَسٌ شَقراءُ لم تَلقَ فارِسًا كريمًا ولم تَعلَقْ عَنانًا يُقيمُها
له فرس شقراء يعني أم البعيث.