وأما يوم جدود، فإن الحوفزان، وهو الحارث بن شريك الشيباني، أغار على بني تميم، هو وأبجر
بن جابر العجلي، خرجا متساندين يريدان الغارة على بني تميم فمروا ببني يربوع وهم بجدود، فلما
رأوهما نهدوا إليهما، وحالوا بينهما وبين الماء وأردوا قتالهما، فقال لهم الحوفزان: والله ما إياكم
أردت، ولا لكم سموت، وإنما أردت بني
[ ١ / ٣١٤ ]
سعد بن زيد مناة، فهل لكم في خمسمائة جلة وفضل ما معنا من ثوب.
ولكم الله أنّا لا نروّع حنظليًا ولا نقاتله، وخلّوا بيننا وبين بني سعد. فخلّوا له وجهه،
وصالحوه ثلاث سنين، وأخذوا منه جلال التمر. فمضى الى بني سعد، فأغار على بني ربيع بن
الحارث، فأصاب نسوة وهم خلوف، وأصاب إبلًا فأتى الصريخ بني سعد، فركب قيس بن عاصم في
بني سعد، فأدركوه وهو قائل برغام والمقاد، وقد أمن من الطلب في نفسه، وذلك في يوم شديد الحر.
فزعموا أن سنان بن سمي المنقري أتاهم من أمامهم، فقالوا من الرجل؟ قال: من القوم؟ فلم يزالوا
حتى عاقدهم ألا يكتم بعضهم بعضًا شيئًا. فقال: من أنتم؟ قال الحوفزان، وهذه بنو ربيع معي، قد
احتويتها، فمن أنت؟ قال: أنا سنان بن سمي المنقري في الجيش وفي الحي، فأتى أصحابه فأخبرهم
الخبر، فأكبّوا عليهم الخيل كبًا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا.
ثم إن بكر بن وائل انهزمت، وأوجعوهم قتلًا وأسرًا، واستنقذوا النسوة والنعم، وقُتلت قتلى كثيرة،
واتبع قيس بن عاصم الحوفزان على فرس له يدعى الزبد، وقيس بن عاصم على الزعفران بن الزبد
فرس الحوفزان، فإذا استوت بهما الأرض لحقه قيس، وإذا وقعا في هبوط وصعود سبقه الحوفزان
بقوة فرسه وسنه، فلما خشي أن يفوته، قال استأسر يا حارث، قال: الحوفزان: ما شاء الزبد! ثم زجر
فرسه وجعل يقول:
اليوم أبلو فرسي وجِدِّي
ويروى اليوم أبلو حلبي وحشدي - قال: استأسر يا حارث خير أسير. فيقول الحوفزان: شر أسير
فلما خشي قيس أن يفوته، زرقه
[ ١ / ٣١٥ ]
بالرمح زرقة هجمت على جوفه وأفلت بها، وزعموا أن الحوفزان
انتقضت به طعنته من العام المقبل فمات منها. والتقى مالك بن مسروق الربيعي يومئذ، وشهاب بن
جحدر أحد بني قيس ابن ثعلبة، وجد المسامعة، وهو أحد بني قيس بن ثعلبة. فقال مالك لشهاب: من
أنت؟ قال:
أنا شِهابُ بنُ جَحدَر أطعُنُهُم عندَ الكَرْ=تحتَ العَجاجِ الأكدَرْ
ومعه العدل، رجل من قومه فقال مالك:
أنا مالك بن مسروق بن غيلان ومعي سنان حران وإنما جئت الآن أقسم لا تؤوبان.
ثم حمل على شهاب فقتله، ثم أعاد على العدل فقتله، وقال قيس بن عاصم في ذلك:
جزى الله يربوعًا بأسوَإ سَعيِها إذا ذُكِرَتْ في النائبَاتِ أُمورُها
ويومَ جَدُودٍ قد فَضحتُم أبَاكُمُ وسالمتُمُ والخيلُ تَدمَى نُحورُها
فأصبحتمُ والله يفعلُ ذاكُمُ كمَهنوُءةٍ جَرباءَ أُبرِزَ كورُها
أفَخرًا على المولى إذا ما بَطِنتُمُ ولُؤمًا إذا ما الحربُ شَبَّ سَعِيرُها
ويروى إذا ما الحرب تغلي قدورها.
ستَخطِمُ سَعدٌ والرِّبابُ أُنُوفَكُم كما غاطَ في أنَفِ الظَّؤُورِ جَرِيرُها
أتاني وعيدُ الحوفزانِ ودُونَهُ من الأرضِ صَحرَاواتُ فَلج وَقُورُها
أقِمْ بسبيلِ الحيِّ إن كنتَ صادِقًا إذا حَشَدَتْ سَعدٌ وجاشَ نَصِيرُها
[ ١ / ٣١٦ ]
عَصَمنا تميمًا في الحُروبِ فأصبحتْ يَلُوذُ بنا ذو مالِها وفقيرُها
وأصبحتَ وَغلًا في تميمٍ وأصبحتْ مَعَادِنُها تُجبَى سِواكَ وخِيرُها
وقال سوار بن حيان المنقري:
ونحنُ حَفزنَا الحوفزانَ بطَعنَةٍ تَمُجُّ نَجيعًا من دَمِ الجَوفِ أشكَلا
وحُمرَانُ أدَّتهُ إلينا رِمَاحُنا يُنازِعُ غُلًاّ في ذِراعيهِ مُقفَلا
حمران بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد.
أبَى الله أنَّا يومَ تُقتسَمُ العُلا أحَقُّ بها منكم وأعطى وأجزَلا
فلستَ بمُسطِيعِ السماءِ ولم تجدْ لِعَزٍّ بَنَاه الله فوقَكَ مَنقَلا
ومالكَ مِنْ أيّامِ صِدقٍ تَعُدُّها كيومِ جُوَاثَا والنِّباجِ وثَيتلا
وقال سلامة بن جندل السعدي:
ومَنْ كان لا تعتَدُّ أيامُهُ له فأيّامُنا عنّا تُجلِّي وتُعرِبُ
ألاَ هَلْ أتى أفناءَ خِندِفَ كلّها وعَيلانَ إذ ضمَّ الخمسينِ يترَبُ
جَعلنا لهم ما بين كُثلَةَ رَوحَةً إلى حيثُ أوفى صُوّتَيهِ مُثقَّبُ
غداةَ تَركنا في الغُبارِ ابنَ جَحدَرٍ صَريعًا وأطرافُ العوالي تَصبّبُ
[ ١ / ٣١٧ ]
وأفلتَ منا الحوفزانُ كأنهُ برَهوَةَ قَرنٌ أفلتَ الخيلَ أعضَبُ
غَداةَ رَغامِ حينَ ينجُو بطَعنَةٍ سَؤُوقِ المنايا قد تُزِلُّ وتُعطِبُ
لَقُوا مِثلَ ما لاقي اللُّجَيمي قَبلَهُ قَتادَةُ لمّا جاءَنا وهو يَطلُبُ
اللجيمي قتادة بن مسلمة الحنفي، وكان أحد جراري ربيعة.
فآبَ الى حَجرٍ وقد فُضَّ جمعُهُ بأخبَثِ ما يأتي به مُتَأوِّبُ
وقد نالَ حَدُّ السيفِ مِنْ حُرِّ وجهِهِ إلى حيثُ ساوىَ أنفَهُ المُتَنقَّبُ
وجَثَّامَةُ الذُّهِليُّ قد وسَجَتْ بهِ إلى أهِلنا مَخزُومَةٌ وهو مُحقَبُ
تعرَّفُهُ وسطَ البُيوتِ مُكَبَّلًا رَبَائِبُ من أحسَابِ شَيبانَ تثقُبُ
وهَوذَةَ نجَّى بعدَ ما مالَ رأسُهُ يمانٍ إذا ما خالَطَ العَظمَ مِخدَبُ
المخدب الجارح، خدبه جرحه، وهوذة بن علي الحنفي.
فأمسكهُ من بعدِ ما مالَ رأسُه حِزامٌ على ظهرِ الأغَرِّ وقَيقَبُ
غداةَ كأنَّ ابني لُجيمٍ ويَشكُرًا نَعَامٌ بصَحراءَ الكَديدَينِ هُرَّبُ
وقال سلامة أيضًا:
فسائِلْ بسَعدَيَّ في خِندِفٍ وقيسٍ وعندَكَ تِبيَانُها
[ ١ / ٣١٨ ]
وإنْ تسألِ الحَيَّ من وائِلٍ تُنَبِّئكَ عِجلٌ وشيبَانُها
بوادي جَدُودَ وقد غُودِرَتْ بضَيقِ السَّنَابِكِ أعطَانُها
بأرعَنَ كالطَّودِ من وائِلٍ يَؤُمُّ الثغورَ ويَعتَانُها
يعتانها من الربيئة وهو عين القوم.
تكادُ له الأرض من رِزَّهِ إذا سارَ تَرجُفُ أركانُها
قَداميسُ يقدُمُها الحوفزانُ وأبجَرُ تَخفِقُ عِقَبانُها
وجَثَّامُ إذ سارَ في قومِهِ سَفاهًا إلينا وحُمرانُها
وتغلِبُ إذ حَربُها لاقِحٌ تُشَبُّ وتُسعَرُ نِيرانُها
غَداةَ أتانَا صَريخُ الرِّبابِ ولم يكُ يَصلُحُ خِذلانُها
صَريخٌ لضَبِّةَ يوم الهُذَيلِ وضَبَّةُ تُردَف نِسوانُها
تَدَارَكَهُم والضُّحَى غُدوَةٌ خَنَاذِيدُ تُشعَلُ أعطانُها
بأُسدٍ من الفِزرِ غُلبِ الرِّقَابِ مَصَالِيتَ لم تُخشَ إدهانُها
الفزر سعد بن زيد مناة.
فحَطَّ الربيعَ فتىً شَرمَحٌ أخُوذُ الرَّغائِبِ مَنَّانُها
فقَاظَ وفي الجِيدِ مَشهُورَةٌ يُغنَيِّهِ في الغُلِّ إرنانُها
رجع إلى القصيدة:
[ ١ / ٣١٩ ]
ونحنُ ردَدنا سَبي عَمرو بنِ عامرٍ مِنَ الجَيشِ إذ سعدُ بنُ ضَبَّةَ في شُغلِ
عمرو بن عامر بن ربيعة بن كعب بن ثعلبة بن سعد بن ضبة.
ونحنُ مَنَعنا بالكُلاَبِ نِسَاءَنا بِضَربٍ كأفواه المُقَرَّحَةِ الهُدلِ