وكان لبني نمير فيه بلاء حسن. قال وكان من قصته، أن بني عامر كانت تطلب بأوتار كثيرة بني
الحارث بن كعب. قال فجمع لهم الحصين بن يزيد بن شداد بن قنان الحارثي ذو الغصة، وكان يغزو
بمن تبعه من قبائل مذحج. قال فأقبل في بني الحارث، وجعفى، وزبيد، وقبائل سعد العشيرة، ومراد
وصداء، ونهد، فاستعانوا بخثعم، فخرج شهران وناهش، وأكلب عليهم أنس بن مدرك الخثعمي، ثم
أقبلوا يريدون بني عامر وهم منتجعون مكانا يقال له فيف الريح، ومع مذحج النساء والذراري حتى
لا يفروا، إما ظفروا وإما ماتوا
[ ٢ / ٦٣٧ ]
جميعا، فاجتمعت بنو عامر كلها إلى عامر بن الطفيل. فقال لهم عامرابن الطفيل حين بلغه مجيء القوم،
أغيروا بنا عليهم فإني أرجو أن نأخذ غنائمهم ونسبي نساءهم،
ولا تدعوهم يدخلون عليكم داركم. قال فتابعوه على ذلك. وقد جعلت مذحج ولفها رقباء - قال ولف
القوم، من كان فيهم من غيرهم الحلفاء وغيرهم - قال فلما دنت بنو عامر من القوم صاح رقباؤهم
أتاكم الجيش، قال فلم يكن بأسرع من أن جاءتهم مسالحهم تركض إليهم، فخرجوا إليهم. فقال أنس بن
مدرك لقومه انصرفوا بنا ودعوا هؤلاء، فانهم إنما يطلب بعضهم بعضا. ولا أظن عامرا تريدنا. فقال
لهم الحصين افعلوا ما شئتم، فانا والله ما نراد دونكم، وما نحن بشر بلاء عند القوم منكم. فانصرفوا
إن شئتم فإنا نرجو أن لا نعجز عن بني عامر، فرب يوم لنا ولهم قد غابت سعوده وظهرت نحوسه.
فقالت خثعم لأنس إنا كنا وبنو الحارث على مياه واحدة، في مراع واحدة، وهم لنا سلم وهذا عدو لنا
ولهم، فنريد أن نتصرف عنهم، فوالله لئن سلموا وغنموا لنندمن أن لا نكون معهم، ولئن ظفر بهم
لتقولن العرب خذلتم جيرانكم. فأجمعوا على أن يقاتلوا معهم. قال وجعل حصين يومئذ لخثعم ثلث
المرباع ومناهم الزيادة. وقد كان عامر بن الطفيل بعث إلى بني هلال بن عامر، فاشترى منهم
أربعين رمحا بأربعين بكرة، فقسمها في أفناء بني عامر. قال فالتقى القوم فاقتتلوا قتالا شديدًا ثلاثة
أيام، يغادونهم القتال بفيف الريح. فالتقى الصميل بن الأعور بن عمرو بن معاوية بن كلاب، وعمرو
بن صبح بن عبد الله بن العمير بن سلامة بن دوي بن مالك بن نهد. قال فطعنه عمرو بن صبح. قال
فذهب الصميل بطعنته معانقا فرسه حتى ألقاه فرسه إلى جانب الوادي، فاعتنق صخرة وهو
[ ٢ / ٦٣٨ ]
يجود بنفسه. قال فمر به رجل من خثعم فأخذ درعه وفرسه وأجهز عليه. وشهدت بنو نمير يومئذ مع عامر
فسموا حريجة الطعان - أي اجتمعوا بقنيهم فصاروا بمنزلة الحرجة. قال وذلك أن بني عامر جالوا
جولة إلى موضع يقال له العرقوب. قال فالتفت عامر فسأل عن بني نمير فوجدهم قد تخلفوا في قتال
القوم. قال فرجع عامر يصيح يا صباحاه يا نميراه ولا نمير لي بعد اليوم، حتى أقحم فرسه وسط
القوم. قال فذكروا أن عامرا يومئذ طعن بين ثغرة نحره إلى سرته عشرين طعنه. وبرز يومئذ حسيل
بن عمرو بن معاوية، وهو الضباب ابن كلاب. فبرز له صخر بن أعيا بن عبد يغوث بن زمان بن
سعد بن حرام بن رفاعة بن مالك بن نهد. فقال له عامر بن الطفيل، ويلك يا حسيل لا تبرز له. فإن
صخرا صخرة. وإن أعيى يعيي عليك كأنه تطير من اسمه قال فغلبه حسيل فبارزه فقتله صخر.
وقتل كعب الفوارس بن معاوية بن عبادة بن البكاء. قتله خليف بن عبد العزى بن عائد الهندي. قال
فمر بعد ذلك خليف بن عبد العزى بن عائذ على بني جعدة فعرفوا بزة كعب وفرسه، قال فشد عليه
مالك بن عبد الله بن جعدة فقتله. وأخذ الفرس والبزة فردهما على بني البكاء. قال وقتلت بنو عامر
يومئذ من بني نهد، عتبة بن سلمى من عبد نهم بن مرة بن الحارث. وكان مسهر بن يزيد بن عبد
يغوث بن صلاءة الحارثي، فارسا شريفا. قال وكان قد جنى جناية في قومه، قال فلحق ببني عامر
فحالفهم فشهد معهم فيف الريح. قال وكان عامر يتعهد الناس فيقول، يا فلان ما رأيتك فعلت شيئا.
فيقول الرجل الذي قد أبلى انظر إلى سيفي وما فيه وإلى رمحي وسناني. قال: إن مسهرًا أقبل في
تلك الهيئة فقال يا أبا علي انظر ما صنعت بالقوم انظر إلى رمحي. حتى إذا أقبل عليه عامر، وجاءه
بالرمح في وجنته ففلق وجنته، وانشقت عين
[ ٢ / ٦٣٩ ]
عامر ففقأها. وخلى مسهر الرمح في عينه وضرب فرسه فلحق بقومه،
وإنما دعاه إلى ما صنع بعامر، لأنه رآه يصنع بقومه الأفاعيل. فقال هذا مبير
قومي. قال وأسرت بنو عامر سيد مراد جريحا. قال فلما تماثل من جراحته أطلقوه. قال أبو عبيدة
وكان ممن أبلى يومئذ من بني جعفر، عامر بن الطفيل، وأربد بت قيس بن جزء بن خالد بن جعفر،
وعبد عمرو بن شريح بن الأحوص. فقال في ذلك أبو دؤاد الرؤاسي:
ونحن أهل بضيع يوم واجهنا جيش الحصين طلاع الخائف الكزم
بضيع جبل معروف. والكزم يعني الضيق.
ساقوا شعوبا وعنسا في ديارهم ورجل خثعم من سهل ومن علم
ولت رجال بني شهران تتبعها خضراء يرمونها بالنبل عن شهم
والزاعبية تكفيهم وقد جعلت فيهم نوافذ لا يرقعن بالدسم
ظلت يحابر تدعى وسط أرحلنا والمستميتون من حاءو من حكم
حتى تولوا وقد كانت غنيمتهم طعنا وضربا عريضا غير مقتسم
وقال عامر بن الطفيل:
أتونا بشهران العريضة كلها وأكلبُها ميلادِ بكر بن وائل
فبتنا ومن ينزل به مثل ضيفنا يبت عن قرى أضيافه غير غافل
أعاذل لو كان البداد لقوتلوا ولكن أتانا كل جن وخابل
وخثعم حي يعدلون بمذحج وهل نحن إلا مثل إحدى القبائل
[ ٢ / ٦٤٠ ]
قال وأسرع القتل في الفريقين جميعا فاقترفوا، ولم يستقل بعضهم من بعض غنيمة. قال وكان
الصبر والشرف فيها لبني عامر.
رجع إلى شعر الفرزدق:
وإِنكَ قِدْ تركتَ بَني كُليبٍ لكُلِّ مُناضِلٍ غرضًا مُصابا
كُليبٌ دِمنةٌ خبُثتْ وقلَّتْ أبَى الآبِي لَها إلاَّ سِبابا
وتحسبُ مِنْ ملائِمها كُليبٌ عَليْها النَّاسَ كُلَّهمُ غِضابا
فأَغْلَقَ مِنْ وَراء بَنِي كُليبٍ عطيَّةُ مِنْ مخازِي اللُّؤُمِ بابا
بثَدْي اللُّؤم أُرْضِعَ للمخازِي وأورثَكَ الملائِمَ حِينَ شابا
ويروى بهم اللؤم أرضع للمخازي.
وهَلْ شَيءٌ يكونُ أذلُّ بيتًا مِنَ اليربُوع يحتفرُ التُّرابا
لقَدْ تَرَكَ الهذيلُ لكُمْ قدِيمًا مخازيَ لا يبتَنِ عَلَى إرابا
ويروى لا يبدن. ويروى لن يبدن. قوله لقد أرك الهذيل لكم قديما.
قال يعني يوم إراب، وهو يوم أغار الهذيل بن هبيرة التغلبي على بني رياح بن يربوع.
قال سعدان وكان من حديث إراب، حدثنا سعدان قال حدثنا أبو عبيدة قال: غزا الهذيل بن هبيرة
الأكبر التغلبي أبو حسان، فأغار على بني يربوع بأراب، فقتل منهم قتلا ذريعا وأصاب نعما كثيرا
وسبي سبيا كثيرا، فيهم زينب بنت حميري بن الحارث بن همام بن رياح بن
[ ٢ / ٦٤١ ]
يربوع. قال وهي يومئذ عقيلة نساء بني يربوع. قال أبو عبيدة فحدثني أبو خيرة أفار بن لقيط العدوي، قال وكان الهذيل
يسمى مجدعا، وكان بنو تميم يفزعون به أولادهم وولدانهم. قال وأسر قعنبا وسبى بنت جزء بن سعد
الرياحي، ففداها أبوها جزء وتمنع بمفاداة زينت. فركب عتيبة بن الحارث بن شهاب فيها وفي
أسراهم حتى فكهم، ثم بلغه أنهم يمرون نعمته - أي يجحدونها - قال أبو عبيدة فأنشدني ابن سليط
لعتيبة في ذلك:
أبلغ أبا قران حيث لقيته وبلغ خداما إن نأى وتجنبا
فلا تكفراني لا أبا لأبيكما فإن لكم عندي من الكفر مذهبا
لعمري لقد نالت رياحا سماحتي وأدركت إذ راث الترحل زينبا
جلبنا الجياد من وبال فأدركت أخاكم بنا في القد والمرء قعنبا
قال أبو قران، نعيم بن قعنب. وهو زوج زينب بنت حميري. ولدت له قران بن نعيم، وخدامًا أخا
نعيم بن قعنب بن أرنب. وهي بنت حرملة بن هرمي وهي أم قعنب.
فما ردنا حتى حللنا وثاقه حديدا وقدا فوق ساقيه مجلبا
فقلنا له افسح بعض خطوك طالما جلست وقد رمت الخطا يا ابن أرنبا
وما كانت العسراء ترجو إيابه ولا أمه من طول ما قد تعتبا
قوله تعتبا، يعني كما يعتب البعير، وذلك إذا مشى على ثلاث. قال والعسراء امرأة قعنب، وهي بنت
جزء بن سعد الرياحي. قال ثم قال أيضا مرة أخرى: تعتب البعير وذلك إذا عرج يعرج في مشيه
عروجا وعرجا وعرجانا.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
ويقال قد عرج البعير فهو يعرج، وذلك إذا صار أعرج. قال وأما اليربوعي فقال: أغار الهذيل بن
هبيرة على بني يربوع، ثم بني رياح وهم خلوف. وذلك أنهم كانوا غزوا ورئيسهم جزء بن سعد
الرياحي على بكر بن وائل، فملئوا أيديهم من الأموال والسبي ثم انصرفوا، فانتهوا إلى بعض مياه
بني تميم. قال فأتاهم الهذيل فمنعوه الماء. فقال يا بني يربوع، والله لا تمنعوني قعبا من الماء إلا
بعثت إليكم برأس رجل منكم، قال فما زال بهم الأمر حتى صالحهم الهذيل على أن يطلقوا أسارى
بكر بن وائل، ويردوا سبيهم. وعلى أن يرد الهذيل سبي بني رياح، ويطلق أسراهم، فأطلق جزء بن
سعد أسارى بكر بن وائل، وأطلق سبيهم. قال وفعل الهذيل مثل ذلك ببني رياح. وكان عتيبة بن
الحارث أشار على جزء بقتال بني تغلب. فقال لا أقاتل قوما معهم بنتي زينب في السبي. قال فلما
سار الهذيل طلبه غتيبة بن الحارث بن شهاب في بني يربوع، فقاتله فهزم جيشه، وأسر التغلبي الذي
كان أصاب ابنة جزء. فقال والله لتأتيني بزينب أو لينكحنك حباشة - يعني غلاما كان لعتيبة أسود -
فبعث التغلبي إلى الهذيل، فردها واستنقذ عتيبة قعنب بن عتاب الرياحي من بني تغلب. قال وكان قد
أسروه. فقال عتيبة يفخر على نعيم بن قعنب - وهو أبو قران - وخدام:
أبلغ أبا قران إما لقيته وبلغ خداما ان دنا أو تجنبا
لعمري لقد نالت رياحا سماحتي وأدركت اذ راث الترحل زينبا
رجع إلى شعر الفرزدق:
سَما بِرجَالِ تغلِبَ مِنْ بَعيدٍ يقُودُونَ المسوَّمةَ العِرَابا
المسومة المعلمة. سما علا من مكان بعيد.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
نزائِعَ بينَ حُلاَّبٍ وقيدٍ تُجاذِبهُمْ أعَّنتَها جذابا
قوله تجاذبهم، أي تجاذبهم خيلهم الأعنة من المرح والنشاط. قال أبو عبيدة النزيع من الخيل والناس
الذي أمه غريبة. قال وإذا كانت الأم غريبة لم تضو ولدها وأجادت به، يعني جاء ولدها جيادا في
حسن خلقهم وتمام أجسامهم.
قال وحلاب وقيد فحلان لبني تغلب من المجيدة التي ذكروا نجلها. وقال الأخطل لبكر بن وائل في
تصداق ذلك وتبيانه:
نكر بنات حلاب عليهم ونزجرهن بين هل وهاب
وقال أبو عبيدة يقال أن نسل خيل بني تغلب من حلاب وقيد. ويقال إن خيلهم من أجاود خيل العرب
معروف لهم ذلك.
وكَانَ إذا أَناخَ بدار قَومٍ أبو حسَّانَ أورثَها خَرابا
فَلمْ يبرحْ بِها حتَّى احتواهُمْ وحلَّ لهُ الشَّرابُ بِها وطَابا
ويروى فلما جزن عانة مردفات. وروى أبو عمرو، فلما جئن عانة مردفات وحل. عانة قرية على
شاطئ الفرات. قال وإنما قال وحل له الشراب بها وطابا. لأنه كان حلف أن لا يأكل ولا يشرب حتى
يدرك بطائلته وينال ترته. فبر قسمه بما أدرك منهم.
عَواني في بَني جُشَمَ بِن بَكرٍ فَقَسَّمَهُنَّ إذ بلغَ الأيابا
قوله عواني يريد النساء اللاتي سبين. قال والعاني من الرجال الأسير المكبل بالحديد.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
وقالَ لكلِّ عُضرُوطٍ تَبَوّأ رَديفَةَ رَحلِكَ الوَقبَ الرِّحابا
قال العضروط من الرحال التابع. والعضاريط من الرجال التُبّاع. قوله تبوأ أي اتخذها أهلا لك أي
امرأة تأوي اليها. قال والوقبى من النساء الواسعة الفرج يعيرهم بذلك.
نِساءكُنّ يومَ إرابَ خَلَّتْ بُعولَتَهُنَّ تَبُتِدِرُ الشِّعابا
ويروى أعراء سغابا. قال والشعب فرجة من الجبل يتسع أولها ويضيق آخرها. يعني يتخذونها
ملاجئ يلجأون اليها.
خُواقُ حِياضِهِنّ يسيلُ سَيلًا على الأعقابِ تحسِبُهُ خِضابا
خواق ما يخق يصوت. والحياض دم الحيض.
مَدَدنَ إليهم بِثُديِّ آمٍ وأيدٍ قد وَرِثنَ بِها حِلابا
آم جمع آمة. ويروى اجتلابا.
يُناطِحنَ الأواخِرَ مُردفاتٍ وتسمعُ مِن أسافِلها ضغابا
قال الأواخر يريد أواخر الرحال. وآخرة الرحل التي يستند إليها الراكب. وقوله ضغابا الضغاب
والضغيب صوت الأرنب. قال والمعنى في ذلك: يريد هؤلاء النسوة السبايا اللاتي سبين هذه حالهن.
لَبئسَ اللاحِقونَ غَداةَ تُدعى نساءُ الحَيِّ تَرتدِفُ الرِّكابا
وأنتم تنظرونَ إلى المُطايا تَشِلُّ بِهنْ أعراءً سِغابا
[ ٢ / ٦٤٥ ]
الشل: الطرد. يشل شلا. سغاب جياع.
فلو كانت رِماحُكُم طُوالا لِغرتُم حِينَ ألقينَ الثِّيابا
يئِسنَ مِنَ اللَّحاقِ بِهِنَّ منْكُمْ وقَدْ قَطعُوا بِهن لوىً حِدابا
وروى أبو عبيدة وقد قطعوا بهن معا جذابا. أي مجاذبة.
فَكمْ مِنْ خائفٍ لِي لَمْ أضرهُ وآخرَ قَدْ قَذفتُ لهُ شِهابا
ويروى وآخر قد قذفت له ذنابا. ويروى نفحت. قال والذناب أنصبة كل ذنوب نصيب. وهو من
قول الله ﷿ ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ أي نصيبا.
وغُرَّ قَدْ نسقْتُ مُشهراتٍ طوالِعَ لا تُطيقُ لَها جَوابا
قوله وغر، يريد ورب غر. قد نسقت قد هيأت من القصائد مشهورات بكل بلد. يتلو بعضها بعضا.
ويروى وغر قد وسقت مشهرات. وإنما قال وغر يريد به كالفرس الأغر الذي يعرف من بين الخيل
بغرته. قال ويروى وغرًا فنصب. يريد نسقت غرا فنصب بالفعل الواقع وهو نسقت، فكأنه أراد غرا
نسقت. وطوالع قال يردن كل بلد فتطلع هذه القصائد على أهله.
بلغنَ الشَّمسَ حيْث تكُونُ شرْقًا ومسقطَ قرنِها مِنْ حيثُ غَابا
بكُلِّ ثنيَّةٍ وبكُلِّ ثغرٍ غواربُهنَ تنسبُ انتسابا
قوله تنتسب انتسابا يقول هن معرفة مشهورة.
وَخالي بالنَّقا تركَ ابنَ ليلَى أبا الصَّهباءِ مُحتضِرًا لِهابا
قال وخاله عاصم بن خليفة الضبي، من بني ثعلب بن سعد بن
[ ٢ / ٦٤٦ ]
ضبة، قتل بسطام بن قيس بن مسعود يوم النقا.
وهو أبو الصهباء وأمه ليلى بنت الأحوص الكلبي، واللهب جماعة اللهاب. وهو شق في الجبل.
كفاهُ التَّبلَ تبلَ بَني تَميمٍ وأجزرهُ الثَّعالِبَ والذِّئابا
ويروى كفاه الغزو غزو بني تميم. ويروى كفاه الليل ليل بني تميم. التبل الحقد والعداوة، يقول كفاه
تبل بني تميم عنده، أي عند بسطام وأراحهم منه. قال وكانت نساء بني تميم تشد نطقها بالليل مخافة
غارته. وقوله وأجزره يريد جعله جزرا للسباع تأكله.
وقال جرير للفرزدق وعبيد بن غاضرة بن سمرة بن عمرو بن قرط العنبري:
غَدًا باجتماعِ الحيِّ تُقضى لُبانةً وأقسمُ لا تُقضى لُبانتنَا غَدا
قوله لا تقضى لبانتنا غدا يعني مخافة الرقباء كما قال الأعشى:
ودَّع هريرة إن الركب مرتحل بقُوٍّ شَماليلُ النَّوى أَنْ تبدَّدا
قوله شماليل النوى المتفرقة منه مثل شماليل النخلة. قال وهو شماريخ العذق - يقال عِذق وعَذق
وفتح العين أفصح. والعذق النخلة والعذق الكباسة.
وأصبحَت الأجزاعُ ممَّنْ يَحُلُّها قِفارًا فمَا شاءَ الحمامُ تَغَرَّدا
[ ٢ / ٦٤٧ ]
يقول فما شاء الحمام الذي يقه بها أي بالدار بعد القوم. تغرد: صاح. يقول قد خلت الدار من أهلها كما قيل:
خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري
هو مثله يقول قد خلت الديار.
أجالتْ عليهنَّ الرَّوامسُ بعدَنا دِقاقَ الحصَى مِنْ كُلَّ سَهْلٍ وأجلدا
لقَدْ قادِني مِنْ حُبَّ ماويَّةَ الهوى ومَا كَانَ يلقانِي الجنيبةَ أقْودا
ويروى وما كنت تلقاني الجنيبة أقودا، الجنيبة التي تجنب معه. أقود منقاد مطيع.
وأحسْدُ زُوَّارَ الأوانسِ كُلَّهم وقدْ كنتُ فيهنَّ الغيُور المُحسدا
أُعِدُّ لبيُّوتِ الأمورِ إذا سرتْ جُماليَّةٌ حُرْفًا وميسًا مُفردا
بيوت الهموم ما بات منها معه. والميس خشب تعمل منه الرحال. والجمالية ناقة تشبه الجمل في
قوتها.
لهَا مِخزمٌ يُطوى عَلى صُعدائِها كَطيِّ الدَّهاقِين البِنَاء المشيَّدا
قوله لها محزم يقول لها وسط قوي. وقوله على صعدائها يعني على ما علا من حلقها. قال ويقال
على زفرتها وتنفسها الصعداء. والمشيد المجصص والشيد الجص.
وقدْ أخلفتْ عهدَ السِّقاب بجاذب طوتْهُ حبالُ الرحل حتَّى تجدَدا
[ ٢ / ٦٤٨ ]
قوله وقد أخلفت يقول لم تحمل. قال والسقاب يعني الحيران الذكور، قال والإناث هي الحول وقوله
يجاذب يعني بضرع ليس فيه لبن، يقال من ذلك قد تجدد الضرع وذلك إذا ذهب لبنه وذلك أقوى
للناقة وأشد لها.
وزافتْ كما زافَ القرِيعُ مُخاطِرًا ولُفَّ القَرَى والحالِبانِ فألبَدا
قوله وزافت، يعني تبخترت الناقة في مشيتها كالمتبختر، ورفعت رأسها. قال والقريع فحل الشول
الذي يضرب في الإبل. وقوله مخاطرا يريد هذا الفحل مساميا لفحل آخر فهو يخطر بذنبه للايعاد
والغضب. وقوله ولف القرى، يعني دق وضمر والقرى الظهر، قال والحالبان عرقان يكتنفان السرة.
وقوله فألبدا، يقول صار على عجزه مثل اللبود من أثر سلحه وبوله، وذلك مما يصيبه إذا أكل الربيع
وخطرانه بذنبه.
وتُصبحُ يومَ الخمسِ وهيَ شملَّةٌ مرُوحًا تغَالى الصحصحانَ العمرَّدا
أقولُ لهُ يا عبد قيسٍ صبابةً بأيَّ ترى مُستوقدَ النَّارِ أوقدا
فقالَ أرَى نارًا يُشَبُّ وقُودُها بحيثُ استفاضَ الجزعُ شيحًا وغرقَدا
قوله يشب وقودها، يعني تلهبها وتحرقها. وقوله استفاض يعني اتسع وكثر كما كثر شجر هذا
الجزع. وهو حافة الوادي والنهر، كما تقول شط النهر وجزع النهر سواء بمعنى واحد. قال والغرقد
شجر تدوم خضرته الشتاء والصيف. ويروى بحيث استفاض القنع.
أُحِبُّ ثرَى نجدٍ وبالغورِ حاجةٌ فغارَ الهوىَ يا عبدَ قيسٍ وأنجَدا
وإني لَمِن قومٍ تكونُ خُيولُهمْ بثُغرٍ وتلقاهُمْ مقانبَ قُوَّدا
[ ٢ / ٦٤٩ ]
ويروى تحل بيوتهم. المقتب ما بين الخمسين إلى المائة. وقوله قودا يعني قادة. والثغر كل موضع
يخاف منه العدو.
يحُشُّون نِيرانَ الحرُوبِ بِعارِضِ علتهُ نُجومُ البِيضِ حتَّى توقَّدا
الحش إدخال الحطب تحت القدر، شبه إيقاد الحرب بذلك. وعارض سحاب قد أخذ الأفق شبه القوم
في الحرب به.
وكُنَّا إذا سِرْنا لحيٍّ بأرضِهمْ تركناهُمُ قتلَى وفلًاّ مُشرَّدا
ومُكتبلًا في القدِّ ليسَ بنازعِ لهُ منْ مراسِ القدِّ رِجلًا ولا يدا
قوله مكتبلا يعني مقيدا بالكبل. قال ومراس القد معالجته إياه ليفكه.
وإنِّي لتبتز الرئيس فوارِسي إذا كُلُّ عجعاجٍ منَ الخُورِ عرَّدا
قوله عرد يعني جبن وهاب. يقول قد عرد الرجل في الحرب، وذلك إذا جبن أن يتقدم وهاب القتال.
وقوله تبتز يعني تستلب بزته، وهو ما عليه من الحديد وغيره، ومنه قولهم: من عز بز. يقول من
غلب سلب بزة صاحبه. قال وعجعاج ضعيف يعج ويضج يصيح، ليس عنده إلا الجلبة والصياح لا
غير. قال والخور الضعاف من الرجال، ويقال إن كثرة الكلام في الحرب من الفشل والجبن.
رددْنا بِخبراءِ العُنابِ نِساءكُمْ وقدْ قُلنَ عِتقُ اليومِ أو رقُّنا غَدا
قال سعدان، وقال أبو عبيدة: أغار بحير بن عبد الله القشيري على رباع من بني يربوع - من بني
عمرو بن تميم بني العنبر - وأكثرهم بأقرية العناب، وهو قريب من المروت. قال فأتى الصريخ بني يربوع
[ ٢ / ٦٥٠ ]
فردوا لهم منه. أقرية مسايل تصب في الروض واحدها قرى. قال يوم العناب هو يوم
المروت، قتل فيه بحير بن عبد الله بن سلمة بن قشير، قتله قعنب بن عتاب بن الحارث بن عمرو
بن همام بن رياح. وفيه يقول جرير:
ونحن تداركنا بحيرا وقد حوى نهاب العنابين الخميس ليربعا
قال ومن روى ونحن تداركنا البحيرين إذ حوى، أراد بحيرا وأخاه فراسا، وقد مر حديثه فيما أمليناه
في موضعه. وقد حوى يريد وقد جمع الغنيمة.
فأصبحنَ يزجُرنَ الأيامنَ أسعُدا وقدْ كُنَّ لا يزجرنَ بالأمسِ أسعُدا
فَما عِبتَ مِنْ نارِ أضاءَ وقُودُها فِراسًا وبسطامَ بن قيس مُقيَّدا
يريد فراس بن عبد الله بن سلمة بن قشير، وكان أسيرا مع بسطام ابن قيس.
وأوقدتَ بالسِّيدانَ نارًا ذليلَةً وعرفْتَ مِنْ سواءاتِ جعثنَ مشهدا
قال أبو عبيدة السيدان موضع، كان له فيه بئر عند كاظمة به قبائل شتى من قيس وتميم، ولها
رجوان، رجا ضأن، ورجا ابل، فكان مجر جعثن ببطن السيدان، وكان تثفيل الفرزدق نفسه ظمياء
المنقرية عند الرجا.
أضاءَ وقُودُ النَّارِ منهِا بصيرةً وعبرةَ أعْمَى همُّهُ قدْ تردَّدا
قوله بصيرة يعني طريقة من الدم، وقوله أعمى يعني غالب بن صعصعة أبا الفرزدق.
[ ٢ / ٦٥١ ]
كأنَّ الَّتي يدعُونَ جعثنَ ورَّكتَ على فالجٍ مِنْ بُختِ كرْمان أحردَا
أصابُوا قُفيريًّا بِكُمْ ذَا قرابةٍ إذا اختلفتْ فيهِ الدِّلاتانِ أزبَدا
ويروى أضاءت. قفيري من ولد قفيرة. والدلاتان يعني الخصيتين.
هُمْ رَجعُوها بعدَ ما طَالت السُّرى عوانَا وردُّوا حُمرةَ الكيِن أسودا
الكين لحم الفرج من داخله. ولحمه من خارجه يقال له الزرنب.
وأورثَني الفرعانِ سعدٌ ومالكٌ سناءٌ وعِزًّا في الحياةِ مُخلَّدا
مَتى أُدع بينَ ابني مُغدَّاةَ تلقنِي إلى لَوْذِ عزٍّ طامِحِ الرأْسِ أصْيَدا
قال وابنا مغداة، يريد مالكا وسعدا ابني زيد مناة بن تميم، وأمهما المغداة بنت ثعلبة بن دودان بن أسد
بن خزيمة.
أَحُلُّ إذا شئتُ الأيادَ وحزنهُ وإنْ شِئتُ أجزاعَ العقيقِ فجلعدا
الاياد من حزن بني يربوع. والجزع منثى الوادي.
فَلو كانَ رأىٌ في عديِّ بِنْ جُندبٍ رأوا ظُلمنا لابنيْ سُميرةَ أنكدا
يعني عدي بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم بن مر.
أيشهدُ مثغُورٌ علينا وقدْ رأى سُميرةَ مِنَّا في ثَناياهُ مشهَدا
قوله مثغور، يعني عبيد بن غاضرة بن سمرة بن عمرو بن قرط العنبري، قال وكان عثمان بن
عفان، ﵁، استعمل سمرة بن
[ ٢ / ٦٥٢ ]
عمرو على هوافي النعم - قال والهوافي الضوال يريد ما
ضل منها - قال فبلغ سمرة أن ناقة ضالة في إبل سحيم بن وثيل. قال فأتى الإبل وسحيم غائب
عنها، وفيها غلمة له، قال وأمه ليلى بنت شداد من بني حميري بن رياح ن فقال لها سمرة مري
غلمانك فليعرضوا علي الإبل. فأبت عليه. قال فوقع بينه وبينها كلام، فأهوى اليها كأنه يريدها
بضرب. فقالت فمي فمي، قال وكانت ثنيتاها وقعتا قبل ذلك بحين. قال فلما انصرف سحيم من غيبته
إلى أمه، خبرته الخبر، فسكن من سمرة حتى لقي عبيد بن غاضرة بن سمرة، فأخذه سحيم فدق
ثنيتيه، فاستعدى عليه عثمان بن عفان، ﵁، فانطلق به إلى المدينة وحبست إبل سحيم
حتى ضاعت ضرا وجوعا. فشكي إلى عثمان، ﵁، ذلك. فقال له أبعدك الله عدوت على
ابن عمك فكسرت ثنيتيه. قال سحيم إنه كسر ثنيتي أمي. قال عثمان أفلا استعديت عليه. ثم ان بني
العنبر قالوا يا بني يربوع دو فم صاحبتكم، وندى فم صاحبنا، ففعل القوم ذلك واصطلحوا، ففي ذلك
يقول سحين بن وثيل:
ولن أقر على خسف ومنقصة وقد تلفع أصداغي من القدم
قد أترك القرن محطوما نواجذه إذا نسائي علا أفواهها بدم
النواجذ أقصى الأضراس، ومنه قولهم قد عض على ناجذه، فلذلك سمى عبيد بن غاضرة مثغورا
لأنه كسر ثغره.
مَتَى ألقَ مثغُورًا عَلى سُوءِ ثغرهِ أضعْ فوقَ ما أبقَى مِنَ الثَّغْرِ مبرَدا
منعناكُمُ حتَّى ابتنيتُمْ بُيُوتكُمْ وأصدرَ راعيكُمْ بِفلجٍ وأوردَا
بشُعثٍ على شُعثٍ مغاوِيرَ بالضُّحى إذا ثَوَّبَ الدَّاعِي لروعٍ وندَّدا
[ ٢ / ٦٥٣ ]
ثوب ردد صوته مرة بعد مرة. وندد مثله.
كَرادِيسَ أورادًا بكُلِّ مُناجِدٍ تعوَّدَ ضربَ البيضِ فِيما تعوَّدا
ويروى أوراد. قوله كراديس، يقول هم فرق جماعة بعد جماعة. والكردوس ما بين الأربعين إلى
الخمسين من الخيل. وكل مجتمع من الخيل فهو كردوس. وإذا عظم فهو كتيبة. وقوله بك مناجد، أي
ذي نجدة، يقول بكل فارس ذي نجدة في القتال يريد له إقدام وجرأة.
إذا كفَّ عنهُ مِنْ يديْ حُطميَّةٍ وأبدَى ذِراعي شيظمٍ قدْ تخدَّدا
قوله حطمية يعني درعا ثقيلة. وشيظم طويل خفيف من الرجال له رواء حسن. وقوله قد تخدد قد
تفرق لحمه وذلك لاضطراب جسمه. قال وانما تخدد لطول علاجه وممارسته الحروب. حطمية
منسوبة إلى حطمة بن محارب. يقول ذهب رهلة عنه كقول العجاج: وضمرت من كان حرا فضمر.
عَلى سابحٍ نهدٍ يُشبَّهُ بالضُّحى إذا عادَ فيهِ الرَّكضُ سيدًا عمرَّدا
السابح من الخيل الجواد السريع البعيد الشحوة، وهي فتح يديه. والنهد المشرف. والعمرد والنشيط
من كل شيء. والطويل الخفيف.
أرَى الطَّيرَ بالحجَّاجِ تجرِى أيامِنًا لكُمْ يا أميرَ المؤمنينَ وأسعُدا
رجعتَ لبيتِ الله عهدَ نبيِّه وأصلحْت ما كانَ الخُبيبانِ أفسَدا
فَما مُخدرٌ وردٌ بخفَّانَ زأرهُ إلى القرنِ زجرَ الزاجرينَ تورَّدا
بِأمضَى مِنَ الحجَّاجِ في الحرْب مُقدمًا إذا بعضُهُمْ هابَ الخياضَ فعرَّدا
قوله الخياض يعني المخاوضة. وعرد جبن وهاب.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
تصدَّى صنادِيدُ العِراقِ لوجههِ وتُضحِي لهُ غُرُّ الدهاقينِ سُجَّدا
وللقَين والخنزيرِ منِّي بديهةٌ وإنْ عاودُوني كنتُ للعودِ أحمدا
قال وكان سبب هجاء جرير لمثغور، فيما حدثنا به أبو عبيدة، عن المنتجع بن نبهان العدوي: أن
لقمان الخزاعي قدم على صدقات الرباب فكانت وجوه مصاد تحضر، وفيهم عمر بن لجأ بن جرير
أحد بني مصاد فأنشده:
تاوبني ذكر لزولة كالخبل وما حيث تلقى بالكثيب ولا السهل
تحل وركن من ظمية دونها وجو قسي مما يحل به أهلي
تريدين أن أرضى وأنت بخيلة ومن ذا الذي يرضي الاخلاء بالبخل
حتى فرغ منها، فقال له لقمان ما زلنا نسمع بالشام أنها كلمة جرير. فقال عمر إني لأكذب شيخ في
الأرض إن ادعيت شعر جرير. قال ثم أنشده على رءوس الناس جميعا والرباب حضور. قال فأبلغ
لقمان جرير قول عمر، قال وزعم أنك سرقتها منه. فقال له جرير وأنا أحتاج أن أسرق قول عمر
وهو الذي يقول وقد وصف إبله فجعلها كالجبال، وجعل فحلها كالظرب فقال:
كالظَّرِب الأسود من ورائها جرَّ العجوزِ الثِّنيَ من خفائها
والله ما شهره من نمط واحد، وانه لمختلف الفنون. قال فأبلغ لقمان عمر قول جرير وما عاب عليه
من قوله. فقال عمر يعيب علي قولي: جر العجوز الثني من خفائها. وإنما أردت لينه ولم أرد أثره.
فقد قال أقبح من ذلك وهو قوله:
[ ٢ / ٦٥٥ ]
وأوثق عند المردفات عشية لحاقا إذا ما جرد السيف لامع
فلحقهن بعد ما نكحن وأحبلن. قال فأبلغ لقمان جريرا قوله، وما عاب عليه من شعر، فأحفظه - أي
أغضبه - حتى هجاه. قال أبو جعفر محمد بن حبيب، قال عمارة قال جرير، والله لقد عاب علي
عمر بن لجأ بيتا أحب إلي من حرزة - يعني ابنه - فقال جرير:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكم لا يقذفنكم في سوءة عمر
أحين صرت سماما يا بني لجأ وخاطرت بي عن أحسابها مضر
خل الطريق لمن يبني المنار به وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر
فأجابه عمر بن لجأ فقال:
لقد كذبت وشر القوم أكذبه ما خاطرت بك عن أحسابها مضر
بل أنت نزوة خوار على أمة من يسبق الحلبات اللؤم والخور
قال فهذا بدء ما كان جرى بينهما. قال والتحم التهاجي بينهما. قال وأما أبو اليقظان سحيم، وهو
لقب، وهو عامر بن حفص، فزعم أن جريرا قال إن هذا ليس بعيب، فبيني وبينك رجل عالم بما
اختلفنا فيه. قال فجعلا بينهما عبد الله بن غاضرة بن سمرة بن عمرو العنبري، وكان حاضرا ذلك
اليوم يسمع كلاهما. قال فسألاه أن ينظر في شعرهما فتابع ابن لجأ وعاب على جرير ما قال.
فقال جرير:
[ ٢ / ٦٥٦ ]
أيشهد مثغور علينا وقد رأى سميرة منا في ثناياه مشهدا
وقال عمر بن لجأ يقضي للفرزدق على جرير، ولبني دارم على بني يربوع، ويفضل الفرزدق على
جرير:
لما رأيت ابن ليلى عند غايته في كفه قصبات السبق والخطر
هبتَ الفرزدقَ واستعفيتني جزعا للموت تعمد والموت الذي تذر
إن قال يوما جرير إن لي نفرا من صالحي الناس فاسأله من النفر
أمعرِضٌ أم مُعبد أم بنو الخطفى تلك الأخابث ما طابوا ولا كثروا
وقال أيضا يفضل دارما عليهم:
أيكون دِمنُ قرارةٍ موطوءةٍ نبتت بخبثٍ مثلَ آل محمد
ويروى نبت كنبت آل محمد.
أيهات حلت في السماء بيوتهم وأقام بيتك بالحضيض الأقعد
أو سرت بالخطفى لتدرك دارما أيهات جار بك الطريق المهتدي
وقال عمر أيضا:
ما كان ذنبي في الفرزدق أن هجا فهجوته فتخير الأمثالا
[ ٢ / ٦٥٧ ]
فغدوتما وكلاكما متبرع ندب الموالي إذ أراد نضالا
فدعا الفرزدق حاجبا وعُطاردا والأقرعين وحابسا وعقالا
ودعوت قنة والمعيد وقرهدا والمعرضين وخيطفا وثمالا
سبق الفرزدقبالمكارم والعلا وابن المراغة ينعت الاطلالا
قال ومعيد، يعني جد جرير أبا أمه. والمعرضان يريد معرضا وأخاه. قال وهما من أخوال جرير من
الحارثة - قال أبو عبد الله لا أعرفه إلا من بني الحرام - والخيطفي جده وهو حذيفة بن بدر بن
سلمة. وكان معرض يحمق، قال وكان مما ذكر من حماقته، أن اخوته غزوا في الجاهلية وخلفوه عند
أهلهم، وقالوا له تكون عند نسائنا أن يسبين. قال فلما ذهب اخوته، أتى النساء وأولادهن، فأتى بهن
ركية واسعة يقال لها الجوفاء، بشبكة من شباك بني كليب فألقاهم فيها أجمعين. قال وكان فم الركية
ضيقا وأسفلها واسعا. قال ثم أخذ صفيحة واسعة فأطبقها عليهم. ثم اتبع اخوته فلما لحق بهم، قالوا له
لم تركت نساءنا أولادهن. قال قد جلجلتهن في الجوفاء جلجالة. قال فرجعوا فأخرجوهم وقد مات
بعضهم. وكاد بعضهم يموت من الجوع والغم. قال وكان من حماقته أيضا أنه كان في قطعة لقاح
لأهله. قال فجعلت تنزع إلى الرمل وما أنبتت الرمال من الضعة. وهي النصي، والصليان،
والفرنوة، والحلمة، والحماط، وهو الحماض، وما أنبت الرمل من سائر نباته، وهم بالشباك. قال وهذه
كلها مما ترعاه الإبل، وتسمن عليه. قال فلما أصبح واصطبح من لقاحه وأراد أن ينام، خشي أن
تذهب الإبل. قال فأخذ حبالا له فربط بها أولادها في أعناقها إلى خشب الطلح. قال وكان شديدا قوي
الأصل ثابتا في الأرض. ثم نام فلم يستيقظ حتى كان عشية. قال فتخنقت الفصال وموتت. قال فأتى
أهله يمشي
[ ٢ / ٦٥٨ ]
وترك الإبل تدور بأولادها. قال فكان ذلك أيضا مما شهره بالموق. قال وخطب أيضا إلى
ابن عم له غلام اختاله. قال فأبى الغلام أن يملكه إياها. قال فأتاه في غنم له يرعاها فشدخه بصخرة،
قال ثم أتى به قارة بالشباك يقال لها الجبوة، قال فجعله في إرمي في رأسها - والارمى جماعة إرم
وعي الأعلام. ومن قال إرم قال آرام ومن قال إرمي قال إرميات - قال فأطبق عليه بالحجارة، قال
فجعل الحي يتبعون الفتى ولا يدرون أين هو ولا يخافونه عليه. فبينما هو كذلك إذ رأى رجلا من
قبل تلك القارة، فقال له يا فلان لعلك رأيت الدم بين الحجرين؟ فقال أي دم؟ فقال لا شيء. فعرفوا أنه
قد قتل الفتى. وخرجوا يتبعونه من حيث جاء الرجل فوجدوه مشدوخا قتيلا. فشدت عليه أم الغلام
بالسيف وهو موثق فضربته على عنقه فنبا عنه السيف وهو بيدها. فقال بعض بني كلاب:
وما جبنت ليلى ولكن سيفها نبا نبوة عن معرض وهو باتر
قال فصار مثلا في العرب بالحماقة والرعونة وذكرته في أشعارها. قال وهي أم التي كان يخطب
فقتل به فقطع الله عقبه ونسله، فهذا ما كان من حديثه وحمقه. وقال عمر بن لجأ أيضا:
أترجو أن تنال بني عقال رجاء منك تطلبه بعيد
فانك قد قرعت صفاة قوم تفلل عن مناكبها الحديد
رأيتك يا فرزدق عدت لما أتاك الوقع وانقشع الوعيد
فأجابه الفرزدق فقال:
رأى عبدُ قيسٍ خفقةً شوَّرتْ بِها يَدا قابسٍ ألْوَى بِها ثُمَّ أخْمَدا
[ ٢ / ٦٥٩ ]
قوله عبد قيس، يريد عدي بن جندب بن العنبر. وقوله شورت بها، يعني رفعتها يريد النار. وقال
قابس أي مقتبس نورا، وألوى: أشار. ويروى أهوى بها حين أهمدا. قال ومعنى أهمد وأخمد واحد
وهو إطفاؤها.
أَعِدْ نظرًا يا عبدَ قيسٍ فرُبَّما أضاءتْ لَكَ النَّارُ الحِمارِ المُقيَّدا
قال يعني حمارا من حمير بني كليب. قال وذلك أنهم أصحاب حمير يهجوهم بذلك ويؤنبه ويضع
من قدره نسبه إلى رعية الحمير.
حمارُ كُليبيين لمْ يشهِدُوا بِهِ رِهانًا ولمْ يُلفوْا على الخَيلِ روَّدا
أي لم يركبوا الخيل فيما يرتاد من الكلأ والنجعة.
عَسَى أنْ يُعيدَ المُوقِدُ النَّارَ فالتَمسْ بعينيكَ نارَ المُصطلى حيثُ أوقَدا
فما جهِدُوا يومَ النِّسارِ ولمْ تعُدْ نِساؤُهُمُ منهُمْ كميُّا مُوسَّدا
حِمارًا بمَرُّوتِ السِّخامة قاربَتْ كُليبيَّةُ قينيهِ حتَّى تردَّدا
كُليبيَّةً لمْ يجعلِ اللهُ وجهَها كريمًا ولمْ تزجُرْ لَها الطَّيرُ أسعَدَا
إذا عدلَتْ نِحيينِ فوقَ عجانها وحثَّت برجليْها الحِمارَ فقرْمَدا
روى عمارة، إذا عدلت نحيين منها بوطبها، قوله اذا عدلت نحيين، يقول اذا ركبت الحمار وصيرت
الزقين، وهما النحيان على الحمار وحثت يقول حركت الحمار ليسرع المشي. والقرمدة المشي القليل
المتقارب على تؤدة.
فَويلٌ لَها مِنْ مُبتغِي الزَّادِ عنِدْها وإنْ شاءَ أرخَتْ حولهُ الرَجلَ واليَدا
[ ٢ / ٦٦٠ ]
يقول هي بخيلة بالزاد جواد بالفاحشة. ويروى فويل بها للمبتغي الزاد. ويروى فويل لأم المبتغي
الزاد عندها. وإن شاء أرخت عنده الرجل.
فكيفَ وقَدْ فقَّأتُ عينيكَ تبتغِي عِنادًا لِنابيْ حيةٍ قَدْ تربَّدا
مِنَ الصُّمِّ تكفِي مرَّةً مِنْ لُعابهِ وَمَا عاد إلاَّ كانَ في العودِ أَحمدَا
تَرَى ما يمسُّ الأرضَ مِنهُ إذا سَرَى صُدوعًا تفأى بِالدَّكادِكِ صُلَّدا
ويروى تفئين الدكادك عندا. ويروى تفاءى، تفأى تفلق وتشقق. وصلدا: قد يبست وصلبت.
لَئنْ عِبتَ نارَ ابنِ المراغَة إنَّها لألأمُ نارٍ مُصطلينَ ومَوْقِدا
إذا أَثقبُوها بالكِدادَةِ لمْ تُضئ رَئيسًا ولا عِند المُنحنينَ مَرفَدا
ولكِنَّ ظَربى عِندَها يصطلُونَها يصُفُّونَ للزَّرْبِ الصَّفِيحَ المُسنَدَّا
ويروى ولكن ظرابى. قال وموضع الظرابى نصب يعني تضيء ظرابى. والزرب حظيرة للغنم
تحبس فيها. قال والجمع منه أزراب. قال والصفيح صخور رقاق عراض. والمسند المبني. يقول
سوند بعضه إلى بعض.
قنافِذُ درَّامُونَ خلفَ جِحاشهِمْ لِما كانَ إيَّاهمْ عطيَّةُ عوَّدا
ودارجون أي مشاؤون. قوله درامون يقول يمشون مشيا في سرعة وتقارب خطو.
إذا عسكرتْ أُمُّ الكُليبيِّ حولَهُ وطِيفًا لِظُنبُوبٍ النِّعامةِ أَسودا
عمدتَ إلى بدرِ السِّماءِ ودُونهُ نَفائفُ تثني الطَّرْفَ أَنْ يتصعَّدا
هجوتَ عُبيدًا أَنْ قَضى وهُو صادِقٌ وقبلَكَ ما غارَ القضاءُ وأنجدا
[ ٢ / ٦٦١ ]
يعني عبيدا الراعي. أن قضى أنس أشعر منك.
وقبلَكَ ما أَحمتْ عدِيٌّ دِيارَها وأَصْدَرَ راعِيهمِ بِفَلجٍ وأوردا
هُمُ منعُوا يومَ الصُّليعاء سربَهُمْ بطعنٍ ترى فِيهِ النَّوافِذَ عُندا
وهُمْ منعُوا منكُمْ إرابَ ظُلامةٍ فَلَمْ تبسُطُوا فيها لسانًا ولا يَدا
ومِنْ قبْلها عُذْتُم بأسِيافِ مازنٍ غَداةَ كسوا شَيبانَ عضْبًا مُهَنَّدا
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: حدثنا عامر بن عبد الملك، قال لما بلغ الأخطل تهاجي جرير
والفرزدق، قال لابنه مالك انحدر إلى العراق حتى تسمع منها فتأتيني بخبرهما، قال فانحدر مالك
حتى لقيهما، ثم استمع منهما، ثم لقى أباه، فقال وجدت جرير يغرف من بحر، ووجدت الفرزدق
ينحت من صخر. فقال الأخطل الذي يغرف من بحر أشعرهما. قال: ثم قال الأخطل يفضل جريرا
على الفرزدق:
إني قضيت قضاء غير ذي جنف لما سمعت ولما جاءني الخبر
أن الفرزدق قد شالت نعامته وعضه حية من قومه ذكر ..
قال أبو عبيدة، ثم إن بشر بن مروان ولي الكوفة، فقدم عليه الأخطل، فبعث اليه محمد بن عمير بن
عطارد بن حاجب بن زرارة بألف درهم، وبغلة، وكسوة، وبخمر، وقال له: لا تعن على شاعرنا
واهج هذا الكلب، الذي يهجو بني دارم، فانك قد كنت قضيت له على صاحبنا، فقل له أبياتا، فاقض
لصاحبنا عليه. فقال في ذلك الأخطل:
اخسأ كليب اليك إن مجاشعا وأبا الفوارس نهشلا أخوان
[ ٢ / ٦٦٢ ]
وإذا وضعت أباك في ميزانهم رجحوا وشال أبوك في الميزان
ولقد تجاريتم إلى أحسابكم وبعثتم حكمًا من السلطان
فإذا كليب ليس تعدل دارما حتى توازي حزرما بأبان
أجرير إنك والذي تسمو له كعسيفة فخرت بحدج حصان
وكسفيهة يعني هاهنا امرأة. حصان يريد عروسا حصنت بزوج - قال ومثله قول دختنوس بنت
لقيط:
فخر البغى بحدج رب تها إذا ما الناس شلوا
تاج الملوك وصهرهم في دارم أيام يربوع مع الرعيان
فإذا وردت الماء كان لدارم صفواته وسهوله الأعطان
قال أبو عبيدة فبلغ ذلك جريرا، فقال يرد حكمه، ويهجو محمد بن عمير بن عطارد، ويهجو بني
تغلب في كلمة له طويلة، والكلمة هذه القصيدة.
ولقد علمنا ما أبوك بدارم فالحق بأصلك من بني دهمان
ويروى ما أبوك بحاجب. قال وبنو دهمان من بني نصر بن معاوية. قال وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم استعمل عطارد بن حاجب على بعض ما استعمله عليه. قال وأغار عليه مالك بن عوف
النصري، صاحب يوم حنين، فسبى نساء وأخذ مالا، فرمى جرير عمير بن عطارد أبا محمد ابن
عمير أن أمه سبيت يومئذ، فحملت بعمير فجعله من بني دهمان، من بني نصر بن معاوية.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
هلا طعنت الخيل يوم لقيتها طعن الفوارس من بني عقفان
عقفان بن الحارث بن ييد، وهو الحرام بن يربوع. سمي يزيد الحرام بأمه الحرام بنت العنبر بن
عمرو بن تميم.
ألقوا السلاح إليّ آل عطارد وتعاظموا ضرطا على الدكان
يا ذا العباية إن بشرا قد قضى ألا تجور حكومة النشوان
فدع الحكومة لستم من أهلها إن الحكومة في بني شيبان
قال أبو عبيدة، سمعت أبا العباس ينشد هذا البيت بعقب فدع الحكومة:
قتلوا كليبكم بلقحة جارهم يا خزر تغلب لستم بهجان
كذب الأخيطل إن قومي فيهم تاج الملوك وراية النعمان
فاقبض يديك فإنني في مشرف صعب الذرى متمتع الأركان
قال فرد عليه الفرزدق كلمته التي قال:
إن الأراقم أن ينال قديمَها كلبٌ عَوَى متهتِّمُ الأسنان
ما ضر تغلبَ وائلٍ أهجوتَها أم بُلت حيث تناطَحَ البحران
قال أبو عبيدة: فلما هجا جرير الأخطل ندم الأخطل وقال، ما أدجلني بين رجلين من بني تميم. قال
فسقط المتعرضون بين جرير والفرزدق، وتكاوح الشر بين الأخطل وجرير والفرزدق - تكاوح أي
استقبل بعضهم بعضا - قال أبو عبيدة ولما بلغ الأخطل قول جرير: فاقبض يديك فإنني في مشرف.
قال الأخطل قبض يدي رماه الله بداء.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
وقال الأخطل يقضي عليه في كلمة له:
إن العَرارةَ والنُّبوح لدارم والمستخفُّ أخوهم الأثقالا
العرارة الرئاسة. والنبوح الجماعات.
المانِعوك الماء حتى يشربوا عفواته ويقسموه سجالا
وبنو المراغةِ حابِسوا أعيارهم قذف الغريبَةِ ما يذقن بِلالا
ومانعوا. ويروى وابن المراغة حابس أعياره.
فانعق بضأنك يا جرير فانما منَّتْكَ نفسك في الخلاء ضلالا
منتك نفسك أن تكون كدارم أو أن تُوازن حاجبًا وعقالا
وإذا وضعت أباك في ميزانِهم قفزت حديدته إليكَ فشالا
وقال الأخطل أيضًا:
فاعدل لسانك عن زُرارةَ إنهم كلأٌ لما منعوا عليك وخيم
قال أبو عبيدة، وسئل الأخطل عنهم بالكوفة، أيهم أشعر. فقال أما جرير فأغزرنا وأنسبنا، أما
الفرزدق فقال فأفقرنا، وأما أنا فأوصف للخمر وأمدح للملوك.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
قال أبو عبيدة فلما بلغ الأخطل قول جرير:
لاقيتَ مطلع الجراء بنابهِ روق شبيبته وعمرك فإني
قال الأخطل صدق إنه لشاب ولقد وليت، ولقد أديل نابغة بني جعدة مني حيث عيرته بالكبر. قال
وذلك قوله:
لقد جارى أبو ليلى بِقُحمٍ ومنتكث على التقريب واني
إذا ألقى الخبار كبا لفيه يخر على الجحافل والجِرانِ
قال أبو عبيدة حدثني أدهم العبدي، وهو ختن لابن الكلبي، وكان عالما بأيام الناس ذا سن وتجربة،
عن رجل أراه من بني سعد. قال كنت مع نوح بن جرير في أصل سدر - أو قال شجرة - فقلت
قبحك الله وقبح أباك، فانه أفنى عمره في مدح عبد ثقيف الحجاج، وأما أنت فانك مدحت قثم بن
العباس، فعجزت أن تمدحه بمآثره ومآثر آبائه، حتى مدحته بقصر بناه أو كلام يشبه هذا. فقال أما
والله لئن سؤتني في هذا الموضع لقد سؤت فيه أبي. إني قلت له يوما وأنا آكل معه، يا أبت أأنت
أشعر أم الأخطل؟ وفي فيه لقمة وفي يده أخرى، فجرض بالتي في فيه، ورمى بالتي في يده. ثم قال
يا بني لقد سررتني وسؤتني، فأما ما سررتني فيه فتعاهدك هذا وشبهه، وأما ما سؤتني فيه فذكرك
رجلا قد مات، يا بني لو أدركت الأخطل وله ناب آخر لأكلني، ولكن أعانني عليه خصلتان: كبر
سنه، وخبث دينه. وقال الأخطل:
لما جرى هو والفرزدق لم يكن نزقا ولا عند المَئينِ ضبورا
لاقى لآل مجاشع لما جرى ربذا يثير بشدة تغبيرا
[ ٢ / ٦٦٦ ]
يجري به عُدُسٌ وزيد للمدى وجرى بصعصعة الوئيد بشيرا
قوله الوئيد يريد الموؤدة وهو فعيل في موضع مفعول يريد قوله:
ومنا الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يُوْأَدِ
وقال الأخطل:
هجوت تميما أن هجوا آل دارم وأمسكت من يربوعها بالمخنق
فإن يك أقوام أضاعوا فإنني وصلت الذي بيني وبين الفرزدق
وقال الأخطل أيضا:
بني الخطفى عُدُّوا أبا مثل دارم وعميه أوعدوا أبا مثل مالك
وإلا فهروا دارما إن دارما أناخَ بعاديٍّ عريض المبارك
وقال الأخطل أيضا:
وإذا عددتَ بيوتَ قومك لم تجد بيتا كبيت عطارد ولبيدِ
وإذا تعاظمت الأمور بدارمٍ طأطأتَ رأسك عن قبائلِ صيدِ
وإذا عددتَ قديمهم وقديمكم أربَوا عليك بطارف وتليدِ
وقال جرير يهجو الفرزدق والأخطل:
أَجَدَ رَواحُ القوم أَمْ لا تَرَوُّحُ نَعَمْ كُلُّ مَنٍْ يُعْنَى بِجُمْلٍ مُتَرَّحُ
[ ٢ / ٦٦٧ ]
ويروى أجد رواح القوم أم لا تروح. يعني لا تروح أنت. ويروى أم لا تروح.
إذا ابتسمتَ أبْدتْ غُرُوبًا كأَنَّها عَوارِضُ مُزْنٍ تستهِلُّ وتَلمَحُ
قوله غروب، يعني تحزيزًا يكون في الأسنان وذلك لحداثتها، وهو مما يستحب للمرأة وقد ذكرته
الشعراء. وقوله كأنها عوارض مزن الواحد عارض، قال وهي السحابة تراها قد نشأت في الأفق.
وهو من قول الله ﷿ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ وقوله تستهل تتحلب بالمطر. يقول
لوقع مطرها صوت. ومنه قولهم قد استهل الصبي وذلك إذا صاح، يقول فلهذا المطر صوت أو وقع
شديد من كثرته وشدته. وقوله وتلمح يقول تلمح بالبرق شبه أسنانها لصفائها بالبرق.
لقَدْ هاجَ هَذا الشَّوْقُ عَيْنًا مَرِيضَةً أَجالَتْ قَذىً ظلَّتْ بِهِ العيْنُ تَمرَحُ
يقال مرحت العين بالدمع، وذلك إذا أدامته بالهملان، وتتابع سيلانها وكثر.
بِمُقْلَةِ أَقْنَى ينفِضٌ الطَّلَّ باكِرٍ تجلَّى الدُّجَى عَنْ طَرْفِهِ حينَ يُصْبِحُ
باكر نعت للاقنى، ويروى باكرًا. ويروي تجلي الدجى. وقوله أقنى وهو صقر في منقاره حدب
وارتفاع من وسطه. والدجى الظلم الواحدة دجية. ويروى حين يلمح.
وأَعطيتُ عمرًا مِنْ أُمامَةَ حُكمهُ وللمُشْترِي مِنْهُ أُمامَةَ أرْبحُ
صَحا القلبُ عَنْ سَلْمَى وقَدْ برَّحَتْ بِهِ ومَا كانَ يلقَى مِنْ تَماضُر أَبْرَحُ
[ ٢ / ٦٦٨ ]
قوله برحت به يريد شقت عليه. وقوله أبرح يعني أشق. كما تقول هو شديد بل هو أشد، كأنه أراد
بل هو أصعب. وتماضر امرأة شبب بها، وسلمى امرأة جرير.
رأَيْتُ سُلَيْمى لا تُبالي الَّذي بِنا وَلا عَرضًا مِنْ حاجَةٍ لا تُسَرَّحُ
إذا سايَرَتْ أسْماءُ سَوْمًا ظَعائِنًا فأَسْماءُ مِنْ تلكَ الظَّعائِن أَمْلَحُ
ظَلَلْنَ حَوالَيْ خِدْرِ أَسْماءَ وانْتَحَى بِأَسْماءَ موَّارُ المِلاطيْنِ أَرْوَحُ
قوله انتحى يريد نحا محوها فأرادها. قال والملاطان الجنبان. والموار الذي يكثر الحركة، يريد
بعيرا كثير السير يمور في سيره لا يقر ولا يسكن. قال والأرواح الواسع ما بين القوائم.
تقُولُ سُليمى لَيسَ في الصَّرْم راحَةٌ بَلَى إنَّ بعض الصَّرْمِ أَشْفَى وأَرْوحُ
أُحبُّك إنَّ الحبَّ داعيَةُ الهَوَى وقَدْ كادَ ما بَيْنِي وبَيْنَكِ يَنْزَحُ
قال الصرم القطيعة، فقال من ذلك صرم فلان فلانا وذلك إذا قطعه ثم قال إن بعض الصرم أشفى
وأروح.
وقوله يُنزح، يقول قد كاد ما بيني وبينك يذهب، وهو من قول الرجل قد نزحت البئر يريد ذهبت
بما فيها.
أَلا تزجُرِينَ القائِلينَ لِيَ الخَنا كَما أَنا مَعْنِىٌّ ورَاءِك منْفَحُ
يقول ألا تنهين من يقول مالا يبغي من القول القبيح، ولا يجمل ولا يحسن أن يتكلم به. وقوله منفح،
يقول أنفح عنك مالا ينبغي من القول القبيح، وهو من قولك نفخ فلان دابة فلان إذا ضربه برجله.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
أَلمَّا عَلَى سَلْمى فَلَمْ أَرَ مِثْلَها خَليلَ مُصافاةٍ يُزارُ ويُمدحُ
وقَدْ كانَ قَلبِي مِنْ هَواها وذَكْرَةٍ ذَكرْنا بِها سَلمى عَلى النَّأْيُ يَفْرَحُ
إذا جِئْتُها يَومًا مِنَ الدَّهْرِ زائرًا تغيَّرَ مِغْيارٌ مِنَ القَوْمِ أكلحُ
فَلِلَّهِ عينٌ لا تزالُ لِذِكرِها عَلى كُلِّ حالٍ تستهِلُّ وتسفَحُ
وَما زالَ عَنِّي قائدُ الشَّوْقِ والهَوَى إذا جِئُتُ حَتَّى كادَ يبدُو فيفضَحُ
أَصُونُ الهَوىَ مِنْ رَهبَةَ أَنْ تغُرَّها عُيُونٌ وأعداءٌ مِنَ القَوْمِ كٌشَّحُ
فَما بَرِحَ الوجدُ الَّذِي قَدْ تلبَّستْ بِهِ النَّفسُ حتَّى كادَ للِشَّوْقِ يذْبَحُ
يقول خنقته العبرة عند الشوق، فلم يفض عبرته حتى كان يذبحه الوجد فيختنق بالعبرة. قال ذو
الرمة:
أجل عبرةً كانت لعرفانِ منزلٍ لميةَ لو لم تُسْهِلِ الماءَ تَذْبَحُ
لشَتَّانَ يَوْمٌ بيْنَ سِجْفٍ وكلَّةٍ ومرُّ المطَايا تغتَدِي وتروَّحُ
أعائِفَنا ماذا تعيفُ وَقَد مَضَتْ بوارِحُ قُدَّامَ المطيِّ وسُنَّحُ
نقِيسُ بقيَّاتِ النِّطافِ على الحَصَى وهُنَّ عَلى طيِّ الحَيازِيمِ جُنَّحُ
ويومٍ مِنَ الجوزاءُ مُستوقِد الحَصَى تكادُ صَياصِي العِينِ مِنْهُ تصيَّحُ
الصياصي واحدتها صيصية وهي القرن. تصيح تشقق. ويروى فيه، أي في اليوم، والعين بقر
الوحش.
شَديدِ اللَّظَى حامِي الودِيقَةِ رِيحُهُ أشَدُّ أذىً مِنْ شمسِهِ حينَ تَصْمحُ
الوديقة حين تدق الشمس وهو أشد حر النهار، يقال من ذلك
[ ٢ / ٦٧٠ ]
الشمس تدق ودوقا، وذلك إذا دنت من الأرض. قال الأصمعي وهو مشتق من قول العرب قد ودقت الناقة وغيرها،
إذا دنت شهوتها وقربت من أن يضر بها الفحل. والوادق المشتهية للفحل. فهو مشتق من ذلك.
بِأغبرَ وهَّاجٍ السَّمُومِ تَرى بِهِ دفُوفَ المهارَى والذفَّارى تنُتَحُّ
أغبر طريق. ويروى والدفاري تنتح. وفي قوله بأغبر قال الأغبر البلد الذي لا نبات فيه فقد أغبر
من الجدوبة وقلة المطر، وقوله تنتح يقول تسيل عرقا والدفوف الجنوب يريد جنوب الإبل.
نصَبْتُ لَهُ وجْهِي وعنْسًا كأنَّها مِنْ الجهْدِ الاسآدِ قرُمٌ مُلوَّحُ
قال الأصمعي الاسآد سير الليل والنهار متصلا. قال والعنس الناقة القوية أي جهدها السير
والدؤوب، فهي كالطلح من شدة السير قال والاسآد سير الليل كله. والقرم الفحل. والملوح الكال
المعيى.
ألَمْ تعْلَمِي أَنَّ النَّدَى مِنْ خلِيقتي وكُلُّ أرِيبٍ تاجرٍ يتربَّحُ
يقول كل تاجر أريب يتربح أي يربح في بيعه وشراه، وكذا أنا أزداد في الندى والكرم بأربي
ومعرفتي. قال والخليقة والطبيعة والنحيزة والشيمة بمعنى واحد. وهو الأمر الذي جُبل عليه الرجل
فهو لا يقدر أن ينتقل عنه إلى غيره. قال والأريب من الرجال العاقل الداهي المنكر العارف بماله
وما عليه، يقال أنت أريب من الرجال إذا كان كذلك. ويتربح من الربح. قال والندى السخاء والفعال
الجميل.
فَلا تصْرِمِيني أَنْ تَريْ رَبَّ هجمةٍ يُريحُ بِذَمٍّ ما أَراحَ ويسرحُ
ويروى فلا تعذليني رب صاحب هجمة. ويروى فلا تعذليني إنه رب هجمة. ويروى فلا تصرميني
إنه رب هجمة. يقول فلا تقطعيني إذ
[ ٢ / ٦٧١ ]
رأيت رب هجمة. قال والهجمة من الابل ما بين الخمسين إلى الثمانين.
وقوله يريح بذم ما أراح ويسرح. فهو مذموم غير محمود عند الناس في تعبه وجهده.
يَراها قَليلًا لا تَسُدُّ فُقُورَهُ عَلى كُلِّ بَثٍّ حاضِرٍ يتترحُ
يقول يرى إبله قليلة وإن كانت كثيرة، وذلك من بخله وضيق صدره، يقول فهي حينئذ لا تسد فقره
والجمع فقور، يقال فقر وفقور مثل ضرب وضروب. يقول فهو أبدا مغموم ذو بث أي كئيب حزين.
قال أبو عبد الله، أخبرنا أبو العباس عن ابن الأعرابي، قال يتقرح يتشكى ثم يتترح وهو من الترح،
يقال للرجل إذا دعى عليه ماله ترحه الله، أي أصابه الله بترح، أي بحزن، ومعناه يتحرق، ويقال ما
من فرحة إلا تتبعها ترحة.
رأتْ صِرْمَةً للحنظليِّ كأَنَّها شَظِيُّ القَنا مِنْها مُناقٍ ورُزَّحُ
يقول رأت عاذلته صرمة من إبلي، قال أبو عبيدة والصرمة من الإبل ما بين العشرين إلى الثلاثين.
وقوله للحنظلي يعني نفسه. أي تغنينا عن مكسب النقافين. والنقاف الذي يتبع الأحياء فيسأل فتوهب
له الشاة والفصيل. ثم قال كأنها شظي القنا، يريد كأنها قنا قد تكسر هزالا وضرا، فمنها ما فيه بقية
وبه شيء من نقى وهو المخ. قال أبو عبد الله، سمعت أحمد بن يحيى يقول، تشظى القوم إذا تفرقوا.
قال والرزح الساقطة من الإعياء والجهد والضر.
سيكفِيك وَالأضيافَ إنْ نَزلُوا بِنا إذا لَمْ يَكُنْ رَسلٌ شِواءٌ مُلَوَّحُ
ثم قال لعاذلته وان كانت إبلي على هذه الحال، فانا ننحر للأضياف إذا نزلوا بنا، فنطعمهم شواء
ملوحا قد لوحته النار فأنضجته. إذا لم يكن رسل وهو اللبن ويروى شواء مملح.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
وجَامِعَةٌ لا يُجعلُ السِّتْرُ دُونَها لأَضيافِنا والفائِزُ المُتمنِّحُ
قوله وجامعة، يعني اجتماعهم على القدر. والفائز هو القدح. يقول لا يسترها من الناس أن
يحضروا، فينحر لهم ويطعمهم عند ضرب القداح، ونحر الجزر فأمرنا ظاهر مكشوف.
رَكودٌ تَسامَى بِالمحالِ كأَنَّها شَمُوسٌ تذُبُّ القائِدينَ وتضْرحُ
ركود يعني القدر. والمحال الفقر، كل فقرة محالة وطبقة. وشموس فرس تضرب برجليها ويروى
تبذ.
إذا ما تَرامَى الغَليُ في حَجراتِها تَرى الزَّورَ في أَرجائِها يتطوَّحُ
أَلَمْ ينْهِ عنِّي النَّاسُ أَنْ لستُ ظالمًا بريًاّ وأنِّي للمُتاحِينَ مِتْيَحُ
المتاحون المتعرضون. متيح عريض.
فمِنْهُمُ رمِيٌّ قَدْ أُصيبَ فُؤادُهُ وآخرُ لاقَى صكَّةً فمُرَنَّحُ
بَنِي مالِكٍ أَمسى الفرزدقُ جاحِرًا سُكيتًا وبذَّتْهُ خناذِيذٌ قُرَّحُ
الخناذيذ الكرام من الفحول، الواحد خنذيذ.
لَقَدْ أَحرزَ الغاياتِ قبلَ مُجاشعٍ فَوارِسُ غُرٌّ وابنُ شعرةَ يكدحُ
وَما زالَ فِينا سابِقٌ قَدْ عَلِمْتُمُ يُقَلَّدُ قبلَ السَّابقينَ ويمدَحُ
عَلَتْكَ أَواذِيٌّ مِنَ البحرِ فاقتبِضْ بِكفَّيْكَ فانْظُرْ أيَّ لُجيَّهْ تقْدَحُ
لقَوْمِي أَوَفى ذِمَّةً مِنْ مُجاشِعٍ وخيرٌ إذا شَلَّ السَّوامَ المُصَبِّحُ
تَخِفُّ مَوازِينُ الخناثَى مُجاشِعٍ ويثقُلُ مِيزانِي عليْهِم فيَرْجحُ
فخرتُ بِقيسٍ وافتخرتَ بِتغلبٍ فسوفَ تَرى أيَّ الفَريقيْن أربحُ
[ ٢ / ٦٧٣ ]
فَأَمَّا النِّصارَى العابِدُونَ صَليبهُمْ فخابُوا وأمَّا المُسلُمِونَ فَّافْلحُوا
ألَمْ يأتِهمْ أَنَّ الأخيطَلِ قَدْ هَوَى وطُوَّحَ في مَهواةِ قَوْم تطوَّحُوا
تَداركَ مسعاةَ الأخيطِلِ لُؤَمهُ وظهرٌ كظَهْر القاسِطيَّة أفطحُ
قال عزاه إلى قاسط بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة. وقوله أفطح يعني عريضا.
لَنا كُلَّ عامٍ جِزْيَةٌ تتَّقِى بِها عليكَ ومَا تلقَى مِنَ الذُّلِّ أبرحُ
ومَا زالَ ممنُوعًا لِقَيْسٍ وخِنْدفٍ حِمىً تتخَطَّاهُ الخَنازِيرُ أَفيحُ
ويروى لا تخطاه. ويروى لم تخطاه. ويروى لم توطأه.
إذا أخذتْ قيسٌ عليكَ وخِندفٌ بِأَقطارِها لَمْ ثَدْر مِنْ أَينَ تسرَحُ
قوله تسرح يعني تغدو بماشيتك إلى الرعي. قال والمسرح بالغداة، والرواح بالعشي. وهو من قوله
تعالى ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ قال والأقطار النواحي. يقول إذا أخذت قيس عليك الطرق، لك
يكن لك رواح ولا مسرح، يعني انجحرت من خوفها فلم تظهر.
لَقَدْ سُلَّ أَسيافُ الهُذيل عليكُمُ رِقاقَ النَّواحِي ليسَ فيهنَّ مِصْفَحُ
يعني الهذيل بن زفر بن الحارث، وهو من بني نفيل بن عمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن
صعصعة. ووقائعه ببني تغلب في الإسلام. قال أبو جعفر، مصفح يضرب بعرضه، أي هم يجاذبونكم
القتال ليس عندهم رفق بكم فيضربوكم بعروض السيوف.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
وَخاضَتْ حُجُولُ الوردِ بالمرجِ منكُمُ دِماءٌ وأفواهُ الخنازِيرِ كُلَّحُ
قوله بالمرج، يعني مرج الكحيل، وهو يوم لقيس على بني تغلب. وقوله وأفواه الخنازير، يعني بني
تغلب وذلك أنهم - يعني قيسا - كانوا يقاتلون ابن مروان مع ابن الزبير.
لقيتُمْ بأْيدِي عامرٍ مَشْرفيَّةً تعضُّ بِهامِ الدَّار عِينِ وتجرَحُ
بمُعترِكٍ تَهْوَى لِوَقْعِ ظُباتِها خَذارِيفُ هامٍ أَوْ مَعاصِمُ تُطرَحُ
قوله خذاريف قطع مما يقطعها السيوف. قال والمعصم موضع السوار من السواعد. قال فهذه
السيوف. تقطع كل شيء وتقطع الأيدي أيضا.
سَمالَكُمُ الجحَّافُ بِالخَيْلِ عنوَة وأَنْتَ بِشَطِّ الزَّابِيين تنوَّحُ
عليْهِمْ مُفاضاةُ الحَدِيدِ كأَنَّها أضًا يومَ دجنٍ في أجالِيدَ ضَحْضَحُ
قال يعني الجحاف بن حكيم السلمي. وقوله مفاضاة، يعني دروعا واسعة. وقوله أضا قال والواحدة
أضاة. وجمعها أضا كما تقول حصاة وحصى. قال والضحضح من الأرض، يكون فيه ماء رقيق
يجتمع من أمطار وعيون وغير ذلك، فسمي ضحضحا. قال وجمع أضا إضاء كثيرة ممدود وهو
مكسور الأول. وقال النابغة الذبياني في ذلك تصديقا له:)
طلين بكديون وأشعرن كرة فهن إضاء صافيات الغلائل
[ ٢ / ٦٧٥ ]
وقوله أجاليد واحدها جلد، وهو الأرض الصلبة المستوية. يقال أجلاد وأجاليد وجلد للواحد.
وظَلَّ لَكُمْ يوْمٌ بِسنْجارَ فَاضِحٌ ويومٌ بأَعطانِ الرَّحُو بَيْن أفضَحُ
قوله يوم بسنجار، كان يوما لقيس على بني تغلب، وذلك في الحرب التي كانت بينهم في الإسلام.
وقوله ويوم بأعطان الرحو بين، يعني يوم البشر، وذلك حين أوقع الجحاف ببني تغلب. قال وأنشد
مؤرج للأخطل بيته في الجحاف وهو قوله:
لقد كان في يوم الرحوب وقيعة إلى الله منها المشتكى والمعول
قال أبو عبد الله، الذي أحفظ وقيعة. قال فكأنه يهون هذه الوقعة حتى صغرها. قال والناس يروون:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة إلى الله منها المشتكى والمعول
قوله صغرها أي لم يرو البيت الرواية الأخرى.
وضيَّعْتُمُ بالبِشْرِ عَوْراتِ نِسوةٍ تكشَّفَ عنهُنَّ العباءُ المُسَيَّحُ
قال العباء المسيح، يريد الكساء المخطط، وهي الأكسية التي فيها سواد وبياض. قال وإنما أخبر أن
لباس نسائهم الأكسية، شبههن بالإماء يهجوهن بذلك ويخبر أن ذلك اللباس لهن.
بِذَلَكِ أَحْمَيْنا البِلادَ عليكُمُ فماَلَكَ فِي ساحاتِها مُتَزَحْزَحُ
قوله أحمينا البلاد عليكم، يقول جعلناها حمى فلا تقربونها ولا
[ ٢ / ٦٧٦ ]
تطمعون في ناحية نحميها. ولا يقدرون أن يقربوا ما حمينا، وذلك لعزنا وقوتنا ومنعتنا.
ثم قال فمالك في ساحاتها متزحزح، أي لا تروم ما حفظناه. وقوله أحميناه أي جعلناه حمى. قال وإذا جالد عنها قيل حماها.
أَبا مالكٍ مالَتْ بِرأْسكَ نَشْوَةٌ وعرَّدْتَ إذْ كبشُ الكَتيبة أَمْلَحُ
قوله أبا مالك، تريد يا أبا مالك فنصب على الدعاء المضاف. قال أبو مالك هو الأخطل ويكنى أبا
مالك. وقوله وعردت يقول جبنت فلم تقدم، ومنه يقال حمل فلان فأحسن وحمل فلان فعرد، وذلك إذا
جبن فلم يقدم وكَعَّ عن الأقدام. قال والأملح من الكباش الأسود يعلوه بياض فيصير كأنه لون الرماد،
وإنما يريد بذلك أن رئيس القوم في الحديد وهكذا لونه يريد أن رئيسهم مما لا يفارقه الحديد لونه لون
الحديد، وقد تغيرت ريحه من ريح الحديد.
إذا ما رَأَيْتَ اللِّيتَ مِنْ تَغلِبيَّة فقُبِّحَ ذاكَ اللِّيتُ والمُتوشَّحُ
كسر اللام، الليت مجرى القرط من العنق.
تَرَى مَحجِرًا مِنْها إذا ما تنقَّبَتْ قبيحًا ومَا تَحتَ النِّقابينِ أَقبحُ
إذا جُرِّدَتْ لاحَ الصَّلِيبُ عَلَى اسْتِها ومِنْ جِلْدِها زَهْمُ الخنازِيرِ ينْفحُ
ويروى ينضح، ويروى ومن عرضها، ويرزى زهم الخنانيص، ويروى ومن عرفها. قوله زهم هو
الشحم والودك، يقول فثيابهن قد تغير ريحها من الودك.
وَلَمْ تَمْسَحِ البَيْتَ العَتِيقَ أَكُفُّها ولَكِنْ بِقُرْبانِ الصَّليبِ تَمسَّحُ
[ ٢ / ٦٧٧ ]
ويروى وما تمسح البيت العتيق أكفهم.
يقِئْنَ صُباباتٍ مِنَ الخَمْرِ فوْقَها صَهِيرُ خَنازِيرِ السَّوادِ المُمَلَّحُ
ويروى تقيء. وقوله يقئن صبابات يريد صبابات الخمر. والصبابة بقية الشيء. يقول تقيء هؤلاء
النساء من النصارى ما شربن من بقيات الخمر. ويقئن من القيء. وقوله صهير أي مصهور. يقول
هو مذاب يقال قد صهرته الشمس وذلك إذا أحرقته وهو من قوله تعالى ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾
أي ينضج ما في بطونهم.
زاد أبو جعفر:
فَما لَكَ فِي نجدٍ حَصاةٌ تعُدُّها وَلا لَكَ فِي غَورَيْ تِهامَةَ أَبْطَحُ
قال فلما سمعه الأخطل قال ما أبالي والمسيح.
فأجابه الفرزدق فقال:
تَكاثَرُ يَرْبُوعٌ عليكَ ومالِكٌ عَلى آلِ يربُوعٍ فمَالَكَ مسرَحُ
ويروى تكثر. قوله فما لك مسرح، يقول أنت ذليل لا تقدر على أن يكون لك مسرح تسرح فيه إبلك
فترعى، وذلك أنك تخاف أن تنتهب.
إذا اقتسَمَ النَّاسُ الفَعالَ وجدْتَنا لَنا مِقْدَحا مَجْدٍ وللِنَّاسِ مِقْدَحُ
[ ٢ / ٦٧٨ ]
المقدح المغرفة. وهذا مثل، أي نغرف به المجد، أي نحن أوفرهم نصيبا.
فأَغْضِ بشُفريْكِ الذَّلِيلَيْنِ واجْتَدِحْ شَرابَكَ ذا الغَيْلِ الَّذِي كُنْتَ تجدَحُ
قال الشفر منبت شعر العين. قال والشعر هو الهدب والهلب سواء بمعنى واحد. وقوله الذي كنت
تجدح، يريد خض شرابك فاشربه، يقال من ذلك يا غلام اجدح لنا شرابنا، وهو سويق أو غيره،
يجعل في القدح ثم يحرك بخشبة في القدح ليختلط بالماء فذلك الجدح. وقوله فأغض، يريد فغمض
واصبر على الذل والمهانة، والغيل لبن الحبلى.
ورَدَّ عليكُمْ مُردفاتٍ نِساءَكُمْ بِنا يَومَ ذِي بَيْضٍ صَلادِمُ قُرَّحُ
قال أبو عبيدة، أخبرنا أبو العباس الأحول، أن عمارة بن عقيل كان يرويها بيض بكسر الباء.
وكُلُّ طَويلِ السَّاعِدَينِ كأنَّهُ قرِيعُ هِجانٍ يخبِطُ النَّاسَ شَرْمَحُ
فَأَنزلهُنَّ الضَّرْبُ والطَّعْنُ بالقَنا وبَيضٌ بأيمان المُغيرةِ تجرحُ
رَددْنَ عَلى سُودِ الوُجُوه كأنَّهُمْ ظَرابِيُّ أَوْهُمْ في القرامِيصِ أَقْبَحُ
إذا سألوهُنَّ العِناقَ منعنهُمْ وفدَّيْنَ حَّيي مالِكٍ حينَ أَصْبَحُوا
يقول وجدن بني مالك آثر عندهن من رجالهن.
جَرِيرٌ وقيسٌ مِثلُ كَلبٍ وثُلَّةٍ يَبيتُ حواليْها يَطُوفُ وينبحُ
وما هُوَ مِنْها غيرَ أَنَّ نِباحَهُ لِيُولِغَ فِي البانِها حِينَ يُصْبِحُ
وَعانَقَ مِنَّا الحوفزانَ فردَّهُ إلى الحيِّ ذُو درءٍ عَنِ الأصلِ مُرْزِحُ
[ ٢ / ٦٧٩ ]
يعني الحوفزان بن شريك، أغار على بني يربوع بذي بيض، فسبى وأخذ المال وظفر بهم وملأ
يديه. ذو درء ذو دفع. مرزح ثابت لا يزول.
وقال الفرزدق في هجائه بني جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قال وذلك أن ذا
الأهدام متوكل بن عياض بن حكم بن طفيل ابن مالك بن جعفر بن كلاب هجاه بقوله:
إن الخيانة والفواحش والخنا تحقق فيها نهشل ومجاشع
واللؤم عند بني فقيم شاهد لا لؤمهم خاف ولا هو نازع
وتقول ضبة يوم جاء نفيرها منا اللئيم وكان منا الراضع
قوله خاف، أي مستخف مستتر، والمختفي المظهر للشيء. وأهل الحجاز يسمون النباش المختفي
لإخراجه ثياب الموتى. فقال الفرزدق يهجو بني جعفر:
عَرفتَ بأَعْلاَ رَائِسِ الفأوِ بَعْدَما مَضَتْ سَنةٌ أَيامُها وشُهورُها
قال أبو عمرو، الفأو متسع الوادي، والرائس فم الوادي حين تلقاه داخلا أو تتركه خارجا. وقوله
بأعلا رائس، قال رائس الوادي أعلاه. قال والفأو مطمئن من الوادي يضيق ثم يخرج إلى سعة.
قال أحمد بن عبيد: هذه القصيدة يقال لها ذات الأكارع، وهي من جيد شعره ودمغ بها قيسا.
مَنازِلُ أَعْرتْها جُبيرةُ والتقتْ بِها الريح شَرْقيَّاتُها ودَبورهُا
[ ٢ / ٦٨٠ ]
ويروى حلتها جبيرة، ويروى أعرتها جبيرة تلتقي. ويروى مصرياتها ودبورها. قال قوله جبيرة هي
جبيرة بنت أبي بذال، وهو رجل من بني قطن بن نهشل، واسمه بشر بن صبيح بن أربد بن حمزة
ابن قطن بن نهشل. وقوله شرقياتها، يريد مر الصبا والجنوب، وهي التي تهب من ناحية المشرق
وتهب من الدبور. والدبور بين الشمال والجنوب.
كأَنْ لَمْ تُحوِّضْ أَهلُها الثَّورَ يجتني بِحافاتِها الخَطمِيَّ غضًّا نَضِيرُها
الثور مجتمع الماء والثور قطعة من الأقط العظيمة، وقوله كأن لم تحوض، يقول يجعلونه حياضا
ويروى كأن لم تخوض بالخاء والأول بالحاء. وأنشد لسلمة بن الخرشب الأنماري يصف مكانا كثير
العشب.
ومختاض تبيض الربد فيه تُحُومي نبته فهو العميم
قال وقوله ومختاض، هو بلد هاهنا، يقول يخاض خوضا من كثرة مائه ونباته، فهو ملتف لا يسلك
فيه إلا خوضا، كما يقال يخوض العيش خوضا.
أَناةٌ كَرِئمِ الرَّملِ نوَّامةُ الضُّحَى بطِيءٌ عَلَى لَوثِ النِّطاقِ بكُوُرهُا
قوله أناة، يقول هذه المرأة حكيمة رزينة لها ركانة ووقار، ليست بخفيفة ولا نزقة ولا فرفارة وشبهها
برئم الرمل، قال والرئم الذي يسكن الرمل، وهو أحسن لونا من غيره، فشبه تلك المرأة بهذه الرئم
[ ٢ / ٦٨١ ]
وجعلها نوامة الضحى. يقول لها من يكفيها، يريد كأن الدهن جرى فوقها من صفائه وحسنه وكثرة
مائه، ولونه كلون الرمل. وقال نوامة الضحى لأنها من بنات الملوك. لوث طى لاثه لوثا ولثاه. ومن
لثاه قول العجاج: لاث به الآشاء والعبرى، يريد لائث كما قالوا هار وهائر:
إذا حَسَرتْ عَنْها الجَلابِيب وارتدتْ إلى الزَّوجِ ميَّالًا يكادُ يصُورُها
ويروى إذا وضعت من الفرع ميالا، يعني شعرها، يعني يعطفها شعرها من كثرته وكثافته فقال، يكاد
يعطفها إلى الشق الذي تميل إليه من كثرة شعرها، وقوله يصور يقول يكاد يجمعها ويعطفها شعرها
من كثرته، وهو من قول الله تعالى ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ كذا فسره ابن عباس ﵄.
ومُرتجَّةِ الأَرْدافِ مِنْ آلِ جَعْفَرٍ مُخَضَّبةِ الأطرافِ بِيضٌ نُحُورُها
قولح مرتجة الأرداف، يقول عجيزتها إذا مشت، يقول اضطربت عجيزتها فذهبت وجاءت من
ضخمها وعظمها، وهو مما تنعته الشعراء. ويحب من المرأة أن تكون ضخمة العجيزة، ومما حُكي
في الحديث، أن عظم عجيزة المرأة نصف الحسن، وبياض المرأة نصف الحسن. قال أبو عبد الله،
أخبرنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي، قال: قالت عائشة ﵂ لقوم من تيم، إنكم
تعاونوا الرقيق، فعليكم بالبياض والطول فانهما يعتفران نصف الحسن. قال ابن الأعرابي الاعتفار
أخذ الشيء على قهر.
كَأَنَّ نَقًا مِنْ عالجٍ أزرَتْ بِهِ بِحيثُ التقتْ أَوْراكُها وخُصُورُها
[ ٢ / ٦٨٢ ]
ويروى أردافها. يقول كأن عجيزتها نقل من الرمل في ضخمه وعظمه.
فَقَدْ خِفُتُ مِنْ تَذْرافِ عينيَّ إثرَها عَلَى بصرى والعينُ يعمى بصِيرُها
تفجَّرَ ماءُ العينِ كُلَّ عشِيَّةٍ وللِشَّوْقِ ساعاتٌ تهيجُ ذُكُورُها
وما زِلْتُ أُزجِي الطَّرفَ مِنْ حيثُ يمَّمَتْ مِنَ الأَرْضِ حتَّى رَدَّ عَينِي حَسِيرها
يعني حسرت. قال ومعنى حسير أي محسور، قال وهو من قوله تعالى ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا
وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي كال معي كالمنقطع.
فَردَّ عليَّ العينَ وهْيَ مريضَةٌ هذَالِيلُ بَطْنِ الرَّاحتينِ وَقُورُها
قال والهذاليل رمال مستدقة من الرمل، الواحد هذلول. ويروى أهاضيم بطن الراحتين. وقورها
واحدة القور قارة وهي جبال صغار.
تحيَّرَ ذَاوِيهَا إذَا اضَّطرَد السَّفا وهاجَتْ لأيَّامِ الثُّرَيَّا حَرُورُها
قال أبو عبد الله، ذاريها بالراء. والسفا شوك البهمى وهو مثل شوك السنبل. وقوله لأيام الثريا يعني
رياح الثريا.
أَتَصْرِفُ أَجْمالَ النَّوَى شاجنيَّةٌ أمِ الحفرُ الأعْلَى بِفَلْجٍ مصيرُها
[ ٢ / ٦٨٣ ]
يعني المرأة. وقوله شاجنية، قال وهو ماء يقال له شاجن. قال والمعنى في ذلك يقول انصرفت
فيقول، أتصرف أجمالها إذا ذهب الربيع فتريد شاجن أم تقيم، ومصيرها محضرها أي حيث تصير
إليه.
وَما مِنْهُما إلاَّ بِهِ مِنْ دِيارِها مَنازِلُ أَمْسَتْ ما تبِيدُ سُطُورُها
قوله ما تبيد سطورها يريد آثارها ومعالمها.
وَكائِنْ بِها مِنْ عَيْنِ باكٍ وعبَرةٍ إذَا امتُرِيَتْ كانتْ سَريعًا دَرُورُها
ويروى إذا استذرفت. ويروى بعبرة. يقول كل من رأى تلك الآثار التي كانت من نعيمهم
واجتماعهم، ذكر ما كانوا فيه من الخير وحزن عليهم وجزع فبكى.
تُرَى قطنٌ أَهلَ الأصارِيمِ إنَّهُ غَنِيٌّ إذَا ما كلَّمَتْهُ فَقِيرُها
يعني قطن بن نهشل بن دارم، يريد القبيلة وهم أهل الأصاريم. أنه غنى بكلامها إياه.
تَهادَى إلى بيتِ الصَّلاةِ كأَنَّها عَلى الوعثِ ذُو ساقٍ مَهِيضٍ كَسِيرُها
يقول كأنها من ثقلها كجمل مكسور الساق بعد الجبر، فهو يمشي على رمل وعث فهو أثقل له.
كَدُرَّةِ غَوَّاصٍ رَمى في مَهِيبةٍ بأَجرامِهِ والنَّفْسُ يخشَى ضَميرُها
في مهيبة، يعني لجة في بحر يهابها من رآها من هولها. وقوله بأجرامه قال الأجرام بدنه كله.
مُوَكَّلةً بالدُّرِّ خَرْساءَ قَدْ بَكَى إليْهِ مِنَ الغوَّاصِ مِنْهَا نَذيرُها
[ ٢ / ٦٨٤ ]
قال يريد يخشى ضميرها. موكلة بالدر يعني حية تحفظ الدر في البحر، أي هو في طلب الدرة وقلبه
يخاف الموكلة الخرساء في البحر. نذيرها يريد إنذارها إياه.
فقَالَ أُلاقِي الموتَ أَو أُدْرِكُ الغِنَى لِنَفسِيَ والآجالُ جاءَ دهُورُها
وروى أبو عمرو، ألاقي الموت أو أطلب الغنى. يقول: قال الغواص يلقاني الموت في طلب هذه
الدرة أو أدرك الغنى. ثم قال والآجال لابد من لقائها ومجيئها يصبر نفسه.
ولمَّا رأَى ما دُونَها خاطَرَتْ بِهِ عَلَى الموتِ نفسٌ لا ينَام فَقِيرُها
يقول النفس وإن استغنت فهي فقيرة أبدا، لا تشبه لحرصها وشرهها.
فَأَهْوَى وَناباهَا حواليْ يَتيمَة هيَ الموتُ أَوْ دُنيا يُنادِي بَشِيرُها
قوله وناباها يعني نابي الحية. واليتيمة الدرة، قال وإنما قالوا للدرة يتيمة يريدون ليس لها ثان.
فأَلقَتْ بِكفَّيْهِ المنيَّةُ إذْ دَنا بِعضَّةِ أَنْيابٍ سَرِيعُ سُؤورُها
ويروى لوت بذراعيه. وروى أبو عبيدة فلاثت بكفيه. قوله سؤورها، يعني فساورته هذه الحية إذا
دنا الغواص من تلك اللؤلؤة، فهي تسور سؤورا ومساورة. وهي المواثبة: قال ومن همز فقال
سؤورها، همز لتحرك الضمة والواو وشبهها بواوين مثل أقتت. قال
[ ٢ / ٦٨٥ ]
أبو عبد الله، قال الفراء: الواو إذا انضمت همزت وإن كان الأصل غير مهموز.
فَحرَّكَ أَعْلاَ حَبْلِهِ بِحُشاشَةٍ ومِنْ فوقِهِ حضراءُ طامٍ بُحورُها
قوله بحشاشة، يقول حرك حبله حين نزل به الموت، ثم قال: ومن فوقه خضراء يعني اللجة.
والطامي الماء الكثير الذي قد طغى، وذلك إذا كثر وجاء بما لا طاقة به من قول الله عز وجب ﴿إِنَّا
لَمَّا طَغَى الْمَاء﴾.
فَما جاءَ حتَّى مَجَّ والماءُ دُونَهُ مِنَ النَّفْسِ ألْوانًا عبِيطًا نحيرُها
يقول فما جاء من قعر البحر حتى مج، أي قذف بنفسه فمات، كما يقال للرجل مج ريقه وبصق ريقه
سواء بمعنى واحد. وإنما أراد أنه مات فذهب من لسع الحية إياه.
إذا ما أرادُوا أنْ يُحِير مَدُوفةً أبَى مَنْ تقضَّى نفسُهُ لا يحيرُها
ويروى من ترقى نفسه، أي تصعد نفسه، أي تخرج من لهاته. يحيرها يسبغها. وقوله مدوفة يريد
ترياقة تداف. وقوله لا يحيرها يقول يردها إلى جوفه ولا يسيغها من عظم ما به من الوجع. قال ومن
أمثال العرب "أراك بشر ما أجار مشفر". يريد ما رد في الجوف. وقيل لأعرابي كيف أكلك؟ قال إني
لضعيف الأكل، غير أني أكبر القوم لقمة وأصغرهم إحارة أي سرعة ابتلاع.
فلمَّا أَرَوْها أُمَّهُ هانَ وجدُها رَجاءَ الغِنَى لمَّا أضاءَ مُنيرُها
يقول فلما أروها أمه، أي لما رأت أم الغواص الدرة، وأخبروها بموته هان وجدها على ابنها، لما
أملت من الغني، لما رأتها قد أضاء البيت
[ ٢ / ٦٨٦ ]
لحسنها وكثرة مائها. وقوله رجاة الغنى، قال إذا قالوا رجاة
بالهاء فهو مقصور، وإذا نزعت الهاء فهو ممدود. كذا قاله الأصمعي وأبو عبيدة جميعا، تقول أتيتك
رجاة خيرك ورجاء خيرك. عن أبي عبيدة عن يونس.
وَظَلَّتْ تغالاهَا التِّجارُ ولا تُرَى لهَا سيمَةٌ إلاَّ قَلِيلًا كَثِيرُها
ويروى تغاليها، ويروى ولا ترى لها سيمة، السيمة التي يستام بها.
أَلَمْ تعلمِي أنِّي إذا القِدْرُ حُجِّلَتْ وأُلقيَ عَنْ وجهِ الفَتاةِ ستورها
قوله حجلت، يقول سترت كما تحجل المرأة في الحجلة إذا سترت، فهو مشتق من ذلك. يقول سترت
بحجلة كما تستر العروس بحجلتها. قال وألقي عن وجه الفتاة ستورها يريد لاعتمالها وامتهانها نفسها
في الجدب. كما قال:
إذا الحسناء لم ترحض يديها ولم يقصر لها بصر بستر
يقول إنما طعامها البقل، وما لا تحتاج أن تغسل يديها منه، يصف شدة الجدب - وقوله البقل خطأ
لأنهم في جهد فأي بقل لهم، والبقل نفس الخصب فهذا التفسير خطأ -
ورَاحتْ تشِلُّ الشَّوْلُ والفحلُ خلفَها زَفيفًا إلى نِيرانِها زَمهرِيرُها
[ ٢ / ٦٨٧ ]
أي راحت زمهريرها فيه، رفع الزمهرير، يقول من شدة البرد لا ينحى خطمه عن أسته إنما يهر
حسب.
شآميَةٌ تُغشِي الخفَائِرُ نارُها ونَبحُ كِلابِ الحَيِّ فِيها هَرِيرها
قال أبو عبد الله، قال أبو العباس، قولهم يماني القياس فيه يمني، فلما أدخلوا الألف قالوا يمان،
وجعلوه مثل قاض ورام، وتقول في النسبة إلى الشأم شأمى وأنشد:
أو ذي هبات كقرقور البريد غدا طابت بمجراته الشامية السهك
إذَا الأُفُقُ الغربيُّ أمسى كأَنهُ سَدى أَرجُوانٍ واستقلَّتْ عُبُورُها
قوله واستقلت عبورها يريد عند المغرب، وكذلك العبور تطلع عند المغرب أشد ما يكون من البرد.
تَرَى النِّيبَ مِنْ ضَيفِي إذا ما رأينهُ ضُمورًا على جرَّاتها ما تُحيرُها
يُحاذِرْنَ مِنْ سَيْفِي إذا ما رأينهُ معِي قائِمًا حتَّى يكُوسَ عقيُرها
قال أبو عبد الله:
يحاذرن من سيفي إذا ما رأينه بوادره حتى يكوس عقيرها
الرواية الجيدة. قوله يكوس يريد يمشي على ثلاث، يقول قد عقره لينحره للضيف. يقال من ذلك
كاس البعير فهو يكوس إذا عقرته فمشى على ثلاث.
وقدْ علمتْ أنَّ القرَى لابنِ غالبٍ دُراها إذا لَمْ يُقرِ ضيفًا درُورُها
قوله درورها يعني من الدر وهو اللبن. يقول إذا لم يدر لبنها
[ ٢ / ٦٨٨ ]
للضيف أطعمناه سنامها فقد عودناها ذلك.
شققنَ عنِ الأولادِ بالسَّيفْ بطنها ولمَّا تُجلَّدْ وهيَ يحبُو بقيرُها
ويروى عن الأفلاذ وهي الأكباد. يقول نحرنا إبلنا التي قد كثر ولدها في جوقها، حتى شققنا عنه
فخرج ثم أطعمناه الأضياف. وقوله ولما تجلد، يقول لم نذبح ولدها، ولم نحش جلده تبنا، ولم نتركه
لأمه فيكون بوًا لها لينتفع بلبنها. وتجلد أيضًا ينزع جلدها عنها. ولم تجلد لم تخلق لها جلود، يريد
شققنا بطونها عنه. وقوله ولما تجلد يقول تسلخ يقول لم ينزع جلدها بعد.
ونُبّئتُ ذا الأهدامِ يَعوِي ودُونَهُ مِنَ الشَّأمِ زَرَّاعاتُها وقثصورُها
الأهدام الخلقان. وذو الاهدام لقب متوكل بن عياض بن حكم بن طفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب
بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. يقول هو يهذي وبيني وبينه ما ذكر. ويقال ذو الاهدام نافع بن
سوادة الضبابي.
إليَّ ولم أترُكَ على الأرضَ حَيّةً ولا نابِحًا إلا استَسَرَّ عَقُورُها
يقول لم أترك أحدا يتكلم إلا استسر عقورها. يقول إلا استخفى عني كل من يتقى شره من مخافتي
ووثوبي عليه.
كِلابًا نَبَحنَ اللّيثَ مِن كلِّ جانب فعادَ عُواءً بعدَ نَبحٍ هَرِيرُها
عَوى بِشَقًا لا بنَي بُحيرٍ ودوننا نِضادٌ فأعلامُ السِّتارِ فَنيرُها
[ ٢ / ٦٨٩ ]
ويروى ودونه. ويروى فا جبال الستار. قال بحير بن عامر بن مالك ابن جعفر بن كلاب، وأعلام
جبال، والنير أيضًا اسم جبل، ومن قال نضاد ذهب به مذهب قطام وجذام.
ونبِّئتَ كلبَ ابنَي حُميضَةَ قد عوى إليَّ ونارُ الحربِ تغلي قُدورهُا
ابنا حميضة، عامر ومنذر ابنا بحير بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب. ويقال حاجب وحبيب
ابنا حميضة.
فَوَدَّتْ بأُذنَي رأسِه أُمُّ نافِعٍ بجاريَةس عَفلاءَ كانَ زَجيرُها
يريد نافع بن الخنجر بن الحكم بن عقيل بن طفيل بن مالك بن جعفر. يقول ودت أمه أنها ولدت
بدله جارية عفلاء. ويقال نافع بن سوادة.
ووَدَّتْ مكانَ الأنفْ لوَ كانَ نافِعٌ لها حَيضَةٌ أو أجهضَتها شُورُها
ويروى:
وودت بجدع الأنف لو أن نافعا لها حيضة أو أعجلتها شهورها
مكانَ ابنها إذ هاجَني بِعُوائِهِ عليها وكانتْ مُطمئِنًا ضَميرُها
لكانَ ابنُها خيرًا وأهونَ رَوعَةً عليها منَ الجُربِ البَطِيءُ طُرورُها
طرورها خروج وبرها الجديد تحت الوبر القديم، ويروى البيطاء طرورها.
دَوامِغَ قد يُعدِي الصِّحاحَ قِرافُها إذا هُنِئَتْ يزدادُ عَرًّا نشورُها
[ ٢ / ٦٩٠ ]
ويروى زحامها. قال العر مفتوح العين هو الجرب. قال والعر مضمون العين قرح سوى الجرب.
يقال نشر الجرب نشرًا ونشورا. وقرافها مداناتها إذا قربت منه أعداها. والغرة العذرة.
وكانَ نُفيعٌ إذ هَجاني لأُمِهِ كباحِثَةٍ عن مُديَةٍ تَستَثِيرُها
يقول تستشئمه أمه إذ تعرض لي، وصار كهذه العنز التي بحثت عن السكين حتى ذبحت بها.
لئنْ نافِعٌ لم يَرعَ أرحامَ أُمِّهِ وكانتْ كدَلوٍ لا يزالُ يُعيرُها
لَبِئسَ دمُ المولودِ مَسَّ ثيابَها عَشيَّةَ نادَى بالغُلامِ بَشيرُها
عجوزٌ تُصَلِّي الخمسَ عاذَتْ بغالِبٍ فلا والذي عاذَت بهِ لا أضيرُها
ويروى فلا والذي شق استهالا أضيرها. وروى أبو عمرو فلا والذي صلت له لا أضيرها.
فإني على إشفاقِها مِن مخافتي وإن عَقَّهابي نافعٌ لمَجيرُها
ولم تأتِ عَيرٌ أهلَها بالذي أتتْ بهِ جَعفَرًا يومَ الهُضَيباتِ عِيرُها
قال ويوم الهضيبات، يعني يوم طخفة، ويوم عرجة، قال وكانت وقعة بين الضباب وبين بني جعفر،
فكانت للضباب على بني جعفر. فقتلوا من بني جعفر سبعة وعشرين رجلا، فجاءت نساء بني جعفر
فحملن قتلاهن على الإبل فدفنوهن، ففي ذلك يقول الفرزدق:
لولا ارتدافكما الخصي عشية يا ابني حميضة جئتما في العير
أتَتهُم بِعيرٍ لم تكن هَجَرِيَّةً ولا حِنظَةَ الشأمِ المَزِيتَ خَميرُها
[ ٢ / ٦٩١ ]
قوله المزيت خميرها، أي جاءت بالزيت مع الحنطة والدقيق. يقول لم تكن العير التي حملت القتلى
هجرية، يريد تحمل التمر من هجر البحرين، ولا عيرا تحمل حنطة الشام، وقوله المزيت خميرها
يعني التي تخبز بالزيت. يقول إنما كانت حمولتهن قتلى حملوهم عليها.
أتَتهُمْ بِعَمرو والدُّهَيمِ وسِتَّةٍ وعشرينَ أعدالًا تميلُ أُيورُها
إذا ذَكَرتْ زَوجًا لها جَعفريّةٌ ومَصرعَ قتلى لم تُقَتَّلْ ثُؤورُها
تَبيَّنُ أن لم يَبقَ مِن آلِ جعفَرٍ مُحامٍ ولا دُونَ النِّساءِ غَيورُها
وقد أنكرتْ أزواجَها إذ رَأتهُمُ عُراةً نِساءٌ قد أُحِزَّتْ صُدورُها
رَأتْ كَمَرًا مِثلَ الجَلامِيدِ فُتِّحَتْ أحالِيلُها لمّا اتمأرَّتْ جُذورُها
اتمأرت امتدت. ويروى اسمأرت واسمعذت وهو مثله. ويقال اتمأرت انتفخت وعظمت. والجذور
الأصول الواحد جذر.
فقُلنَ عَهدناهُم رِجالًا وهذهِ أَيُورُ بِغالٍ خالَطتها حَميرُها
وليستْ لِزوجٍ منهُمُ جعفريّةٌ مُعادًا بِكفَّيها إليها طُهورُها
أي لا تطهر لزوج بعدها لان أزواجهن قتلوا. وقال غيره لا تزوج جعفرية رجلا، بعدما كان من
أزواجهن من الجبن والفشل.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
ولم تَكُ تخشى جعفرًا أنْ يُصيبَها بأعظَمَ منّي مِن شَقاهَا فُجورُها
ولا يومَ بِريَانٌ تُكسعُ بالقَنا ولا النارَ لو يُلقى عليهِم سَعيرُها
أراد ولا يوم تكسع بالقنا بريان، وهو جبل. ويروى إذ يلقى عليهم. أراد أن يحرق قتلاهم حتى لا
تشمت بهم الضباب.
وقد عَلِمَتْ أعداؤُها أنَّ جعفرًا يَقي جَعفرًا حدَّ السيوفِ ظُهورُها
أتَصبِرُ للعادِي ضَغابيسُ جعفَرٍ وثورَةِ ذي الأشبالِ حينَ يَسُورُها
الضغبون نبت ضعيف يشبه به الضباب.
سيبلُغُ ما لاقَتْ منَ الشرِّ جعفرٌ تِهامَةَ مِنْ رُكبانِها مَنْ يَغُورُها
أراد من يغور بها.
إذا جعفرٌ مرَّتْ على هضبةِ الحَمِى تَقنَّعُ إذ صاحتْ إليها قُبورُها
ويروى فقد أخزت الأحياء منها قبورها. يقول تقنع من الحياء مما نزل بهم من الخزي والعار.
لنا مسجد الله الحَرامانِ والهُدى وأصبَحتِ الأسماءُ مِنَّا كَبيرُها
يريد مسجد الكعبة ومسجد الرسول ﷺ بالمدينة. وقوله وأصبحت الأسماء منا
كبيرها يريد محمد النبي ﷺ فلا اسم أكرم على الله جل وعز منه.
سِوَى الله إنّ الله لا شيءَ مِثلَهُ لهُ الأُممُ الأولى يقومُ نُشورُها
[ ٢ / ٦٩٣ ]
إمامُ الهُدى كم مِن أبٍ أو أخٍ لهُ وقدْ كانَ للأرضِ العريضَة نُورُها
إذا اجتمعَ الآفاقُ مِن كلِّ جانبٍ إلى مَنسِكٍ كانتْ إلينا أُمُورُها
ويروى إذا اجتمع الأقوام من كل موطن على مشهد كانت. قوله إذا اجتمع الآفاق، يعني أهل الآفاق
في الموقف.
بَنَى بيتنا بابي السَّماءِ فنالَها وفي الأرضِ مِن بَحري تَفيضُ بُحورُها
ونُبِّئتُ أشقَى جعفرٍ هاجَ شِقوَةً عليها كما أشقَى ثَمودَ مُبيرُها
أي مهلكها، يريد قدار بن سالف الذي عقر الناقة.
يصِيحُون يستَسقُونَهُ حينَ أنضَجَتْ عليهِمِ مِنَ الشِّعرَى الترابَ حَرُورُها
تَصُدُّ عَنِ الأزواجِ إذ عَدَلتهُمُ عُيونٌ حَزيناتٌ سريعٌ دُرورهُا
أي عدلن القتلى على الإبل فحملنها. ويروى تصيف عن الأزواج إذ أبصرتهم عيون حريرات.
ولكنَّ خِربانًا تَنُوسُ لِحاهُمُ على قُصُبٍ جُوفٍ تنَاوَحَ خُورُها
يقول من بقي منهم خربان في الجبن والضعف. وقوله على قصب جوف، يريد على أجواف هواء
ليس لها قلوب. وقوله تناوح خورها، يقول يبكي بعضهم إلى بعض. قال وخورها ضعافها، وهو مشتق من
[ ٢ / ٦٩٤ ]
قولهم فلان خوار وذلك إذا كان ضعيفا قليل الغناء. وقوله تنوس لحاهم، يقول تدلى لحاهم
فتضرب، يعيرهم بذلك يشبههم بالتيوس.
مَنِعنَ ويَستَحِيينَ بعدَ فرارِهم إلى حيثُ للأولاد يُطوى صغيرُها
قوله منعن، يعني النساء منعن أزواجهن أنفسهن - قال وأرحامهن الذي يطوي الصغير أولادهن أي
يضم - استحياء من فرارهن، واستهانة منهن بهم. يقول منعن إلى حيث يُطوى الأولاد.
لعَمرِي لقد لاقتْ مِنَ الشرِّ جعفرٌ بطِخفَةَ أيامًا طويلًا قصِيرُها
طخفة موضع، كانت لهم فيه وقعة منكرة. ويروى آجالا أتاهم قصيرها. ويروى أنا هم.
بطخفَةَ والرَّيان حيثُ تصَوَّبَتْ على جعفرٍ عِقبانُها ونُشُورُها
وقد عَلِمَت أفناءُ جعفرَ أنهُ يَقي جعفرًا وَقْعَ العَوالي ظُهورُها
قوله يقي جعفرًا وقع العوالي ظهورها، يقول إنهم هراب فالطعن يقع في ظهورهم، يعيرهم بذلك.
تَضاغَى وقد ضَمَّتْ ضَغابِيسُ جعفرٍ شَبًا بينَ أشداقٍ رِحابٍ شُجورُها
ويروى جعاسيس جعفر. شجر الفم مشقه. وقوله ضغابيس وهم الضعفاء من الناس.
شَقا شِقَّتيه جعفرٌ بي وقد أتَتْ عليَ لهم سَبعونَ تَمَّتْ شُهورُها
[ ٢ / ٦٩٥ ]
إذا هَدرَ الهَدَّارُ خلفَ أستِ أُمِّهِ تلقَّاهُ بالماءِ الحميمِ حَضِيرُها
الحضير الماء الذي يخرج بعد الولادة شبه الدم.
كما نَضَحتْ غَرفيَّةٌ أعصَمَتْ لها بِأُخرى إلى نابٍ يَخُبُّ بَعيِرهُا
غرفية مزادة لم تدبغ بالقرظ. أعصمت شدت بعصام وهو ما يربط به من خيط أو سير.
بَنِي جعفرٍ هل تذكرونَ وأنتُم تُساقونَ إذ يَعلُو القليلَ كثيرِهُا
وإذ لا طعامٌ غيرَ ما أطعمتكُمُ بُطونَ جَوارِي جعفرٍ وظَهورُها
يقول إنما طعامكم من كسب نسائكم أي ما يكسبن عليكم.
وقد عَلِمتَ مَيسونُ أنّ رِماحَكُم تَهابُ أبا بَكرٍ جهارًا صُدورُها
ميسون أم حناءة أخي أبي بكر بن كلاب.
عَشيّةَ أعطيتم سَوادَةَ جَحوَشًا ولمّا يُفَرَّقُ بالعَوالي نَصيرُها
أقامتْ على الأجبابِ حاضِرَةً بِها ضَبِيِنَةُ لم تُهتَكْ لِظَعنٍ كُسورُها
قوله ضبينه هم حي من غنى لهم عدد وقوة. وأنشد: وبنو ضبينة حاضرو الأجباب.
تُريح المَخازي جعفرٌ كُلّ ليلةٍ عليها وتغدو حينَ يغدو بُكُورُها
وما ماتَ زوجُ الجعفريةِ ما غَدا عليها ابنُها عندَ احتلامٍ يَزورُها
أي يقوم ابنها مقام زوجها ويروى بعد احتلام.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
وقد عَلِمَتْ أجسادُها أنّ جعفرًا مَجُوسِيَّةٌ أجسادُها وأيُورُها
ويروى أحراحها وأيورها، يريد الرجال والنساء.
وما مَنعتْ فَرجًا لها جعفريةٌ وما أحسنتْ عنها البنين حُجورُها
ويروى وما منعت زوجا لها جعفرية ولا أحصنت.
فإن تُكَ قيسٌ قد قَدَّمتكَ لِنَصرِهَا فقد خَزِيَتْ قيسٌ وذَلَّ نصيرُها
فأجابه جرير يمدح بني جعفر بن كلاب:
أزرْتَ دِيارَ الحَيِّ أم لا تزُورُها وأنّى مِنَ الحَيِّ الجِمادُ فَدُورُها
الجماد واحدها جمد، وهو الغلظ في الرمل. والدور دارات في الرمل الواحدة دارة.
وما تنفعُ الدارُ المُحيلَةُ ذا الهَوى إذا استَنَّ أعرافا على الدارِ مُورُها
العرف أعلا الرياح. أي أعلا ما يرتفع من الغبار. وقوله إذا استن يعني جرى. وقوله أعرافا
والأعراف يريد أوائل الرياح الواحد عرف. قال والمور من التراب يريد ما رفعت الريح من
التراب. قال أبو عبد الله ذيول الريح أسافلها، وأعرافها أعاليها.
كأنَ دِيارَ الحَيِّ مِنْ قَدَمِ البِلَى قَراطيسُ رُهبانٍ أحالَتْ سُطورُها
ويروى أباتت. قوله أحالت سطورها، يعني أتى على هذه
[ ٢ / ٦٩٧ ]
السطور وهي آثار الديار ومعالمها حول.
ويقال أحالت تغيرت، كما يقال حال الرجل عن العهد إذا تغير، وحالت إذا تغيرت عن حالها التي
كانت عليه من الاستواء. أحال أتى عليه حول. وحال تغير.
كما ضَربتْ في مِعصَمٍ حارثيةٌ يمانيةٌ بِالوشمْ باقٍ نؤورُها
ويروى كما ضربت في معصمي حارثية يمانية. النؤور دخان الشحم، يقول آثار الديار كالوشم في
معصم المرأة من عمل حارثية، يعني من بني الحارث بن كعب، ولهم لباقة في العمل ولطافة.
تفُوتُ الرُّماةَ الوحشِ وهيَ غرِيرةٌ وتَخشى نوارُ مالاَ يضيرُها
لَئنْ زَلَّ يومًا بالفرزدقِ حلمُهُ وكانَ لِقيسٍ حاسدًا لا يَضيرُها
مِنَ الحَين سُقَتَ الخُورَ خُورَ مُجاشِعٍ إلى حَربِ قيسٍ وهيَ حامٍ سعيرُها
كأنكَ يا ابنَ القَينِ واهِبُ سَيفه لأعدائِهِ والحربُ تغلى قُدورُها
فلا تأمَننَّ الحيَّ قيسًا فانّهُم بَنو مُحصَناتٍ لم تُدنّسْ جُحورُها
ميامينُ خطَّارونَ يحمُونَ نسوةً مناجِيبَ تغْلو في قُريشٍ مُهورُها
ميامين يقول يتيمن بهم ويتبرك بهم.
أَلا إنَّما قيسٌ نُجومٌ مُضيئةٌ يشُقُّ دُجَى الظَّلماءِ باللَّيلِ نُورُها
تعُدُّ لقيسٍ منْ قديمٍ فعالهُمْ بُيوتٌ أَواسِيها طِوالٌ وسُورُها
قوله أواسيها قال الأواسي الاساطين، واحدها آسى مشدد، وأنشد للاحوص في ذلك:
إن تريني أقصرت عن تبع الغ ي ولاحت شيبا مفارق راسي
فبما قد سموتُ مستبطنَ السي ف هدوءا في مشرف ذي أواسي
[ ٢ / ٦٩٨ ]
واحد أواسي آسية وهي الأساطين - ولم يرد الأساطين - يريد الأساس هاهنا يعني سورا، ليس
للأساطين هاهنا معنى.
فَوارِسُ قيسٍ يمنعُونَ حِماهُمُ وفيهِمْ جبالُ العَز صعبٌ وعُورُها
قوله وعورها، واحدها وعر ساكنة العين. قال وهو الغلظ من الأرض والخشونة، يقال من ذلك
طريق وعر، وذلك إذا كان خشنا كثير الحصى، قال أبو عبد الله حكي بن الأعرابي وعَر المكان
ووعُر.
وقيسٌ هُمُ قيسُ الأعنَّةِ والقَنا وقيسٌ حماةُ الخيلِ تدمى نُحورُها
سُليمٌ وذُبيانٌ وعبسٌ وعامِرٌ حُصُونٌ إلى عِزٍّ طوالٌ عُمورُها
ألمْ ترَ قيسًا لا يُرامُ لَها حِمىً ويقضِي بِسُلطانٍ عليكَ أميرُها
ملوكٌ وأخوالُ المُلوكِ وفيهمُ غُيوثُ الحَيا يُحيى البِلادَ مطيرُها
يعني الحجاج بن يوسف كان يتولى العراق، والمهاجر بن عبد الله الكلابي، كان يتولى اليمامة
والبحرين لهشام بن عبد الملك وكان جميلا.
فإن جبالَ العزِّ من آل خندفٍ لقيسٍ فقدْ عزَّتْ وعزَّ نصيرُها
ألمْ ترَ قيسًا حِينَ خارَتْ مُجاشِعٌ تجير ولا تلقَى قبيلًا يُجيرُها
ويروى وما إن تبتغي من يجيرها.
بَنِي دارِمٍ مَنْ رَدَّ خيلًا مُغيرةً غَداة الصَّفا لم ينجُ إلاَّ عشورُها
قال أبو عبد الله، تقول العرب ما بلغ معشار ذلك، يراد به العشر ويراد به أيضا القليل.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
وردتُمْ عَلَى قيسٍ بخُورِ مُجاشعٍ فبُؤتُمْ عَلَى ساقٍ بطئٍ جُبورُها
كأنَّهمُ بالشَّعبِ مالتْ عليهِمُ نِضادٌ فأجيالُ السُّتُورِ فغيرُها
لقدْ نظرتْ جدعَ الفرزدقِ جعفرٌ إذا حُزَّ أنفُ القينْ حلَّتْ نُذورُها
ذَوُو الحجَراتِ الشُّمُّ مِنْ آل جعفرٍ يُسلَّمُ جانِيها ويُعطِى فقيرُها
حياتُهُمْ عِزٌّ وتُبنى لجعفرٍ إذا ذَكرتْ مجدَ الحياةِ قُبورُها
ويروى إذا ذكرت بعد البلاء قبورها.
أتنسوْنَ يومَيْ رحرحانَ وأُمُّكُمْ جنيبةُ أفراسٍ يخُبُّ بعيرُها
ويروى وأمكم سبية. ويشل يطرد وهو أجود.
وتذكُرُ ما بينَ الضِّبابِ وجعفرٍ وتنسونَ قتلَى لم تُقتَّلُ ثُؤُورُها
لقد أكرهتْ زُرقَ الأسنَّة فيكُمُ ضُحَى سمهريات قليلٌ فُطورُها
فقلَّ غناءً عنكَ في حربِ جعفرٍ تغنيِّكَ زرَّاعاتُها وقُصورُها
قال أبو عبد الله، كان الحكم في زراعاتها وقصورها النصب، ولكنه حكى قول الفرزدق.
إذا لَمْ يكُنْ إلاّ قُيونُ مُجاشِعٍ حُماةً عَن الأحسابِ ضاعَتْ ثُغورُها
ألمْ ترَ أن الله أخزَى مُجاشِعًا إذا ذُكرتْ بعدَ البلاءِ أمُورُها
بأنَّهُمُ لا محرمٌ يتقَّوُنهُ وأنْ لا يفِي يومًا لِجارٍ مُجيرُها
لقدْ بُينتْ يومًا بُيوتُ مُجاشِعِ على الخُبثِ حتَى قدْ أُصلَّتْ قُعورُها
[ ٢ / ٧٠٠ ]
أصلت أي أنتنت من النئي.
فكمْ فِيهمُ مِنْ سوءةٍ ذاتِ أفرُخٍ تُعدُّ وأخرى قدْ أُتمتْ شُهورُها
إذا طُرِقتْ ينخوبةٌ مِنْ مُجاشِعٍ أتى دُونَ رأسِ السَّابِياءِ خَزيرُها
المرأة ينخوبة، وقوله ينخوبة يعني السبة. وقوله إذا طرقت، يعني طرقت بالولد. قال والتطريق أن
يخرج الولد ميسر الولادة مستقيما. والمعضل التي يعترض ولدها في الرحم. وقال الكميت في مثل
ذلك:
وإذا الأمور أهم غب نتاجها يسرت كل معضل ومطرق
بَنُو نخباتٍ لا يفُونَ بِذِمةٍ ولا جارَةٌ فيهُمْ تُهابُ ستُورُها
ولا تتَّقي غِبَّ الحديثِ مُجاشعٌ إذا هِيَ جاعَتْ أوْ أُمدتْ أيورُها
وخبَّث حوضَ الخُورِخُورِ مُجاشعٍ رواحُ المخازِى نحوَها وبكُورُها
أفخرًا إذا رابتْ وطابُ مُجاشعٍ وجاءتْ بتمرٍ مَنْ حوارِينَ عيرُها
بَنو عُشرٍ لا نبعَ فيهِ وخروعٍ وزنداهُمُ أثلٌ تناوَحَ خُورُها
قوله تناوح يعني تقابل.، قال والأثل إذا أصابته الريح سمعت له صوتا شديدًا فلذلك اختاره على
غيره.
ويكفِى خزيرُ المُرحلينَ مُجاشِعًا إذا ما السَّرايا حُثَّ ركضًا مُغيرُها
لقدْ عَلِمَ الأقوامُ أنَّ مُجاشِعًا إذا عُرفتْ بالخزي قلَّ نكيرُها
ولا يعصِمُ الجِيرانَ عقدُ مُجاشعٍ إذا الحربُ لمْ يرجِعِ بصُلحٍ سفيرُها
قال السفير المصلح بين القوم، يقول لم يقدر السفير أن يصلح بينهم لأن الحرب قد اشتدت وذهب
الصلح بينهم. قال أبو عبد الله إنما سمي السفير سفيرا، لأنه يسفر ما في أنفس القوم بينهم. وسفرت المكان
[ ٢ / ٧٠١ ]
كنسته. والمكنسة يقال لها المسفرة.
أفيِ كُلِّ يومٍ تستجيرُ مُجاشِعٌ تفرَّقَ نبْلُ العبدِ أودَى جفيرُها
قال الجفير الكنانة التي يجعل فيها النبل، مثل الجعبة التي يجعل فيها النشاب. أودى جفيرها هلك.
يقال أودى القوم وباد القوم إذا ذهبوا وهي بمعنى واحد.
تفلَّقَ عَنْ أَنِفْ الفرزدقِ عارِدٌ لَهُ فضلاتٌ لَمْ يجدْ منْ يقُورُها
عارد غليظ يعني بظرا. وقوله يقورها يعني من يختنها. وقال له فضلات يريد البظر له فضلات.
يقول لم ينقض ختانها يعيرها بذلك ويهجوها.
وأبرأتُ مِنْ أُمَّ الفرزدقِ ناخِسًا وقردُ أسْتِها بعدَ المنامِ تثيرها
قال الناخس يعني الجرب في أصل الذنب. وقوله وقرد أستها يريد قردان أستها. يقول من قذرها
ووسخها القراد متعلق بها.
وفقَّا عينيْ غالِبٍ عندَ كيرهِ نَوازِي شَرارِ القينِ حينَ يُطيرُها
قوله نوازي وهو ما نزا فشد على الكير من الشرار.
وداويتُ مِنْ عرِّ الفرزدقِ نقبةً بنفطٍ فأمستْ لا يُخافُ نُشورُها
النقبة لا تكون إلا على المشفر والأنف. قال والعر مفتوح العين الجرب. والنقبة بقعة من الجرب في
الجلد. والنشور يعني انتشار الجرب في الجسد كله، فضربه مثلا للجرب. يقول كويته فقطعت عنه
الجرب، وقطعت عني كلامه أن يهجوني.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
وأنهلتُهُ بالسَّمِّ ثُمَّ عللتُهُ بكأسَ مِنَ الذَّيفانِ مُرَّ عصيرُها
وآبَ إلى الأقيانِ آلأمُ وافِدِ إذا حُلَّ عَنْ ظهرِ النَّجيبةِ كُورُها
أيومًا لماخُورِ الفرزدقِ خِزيَةً ويومًا زَواني بابلٍ وخُمورُها
إذا ما شربتُ البابليَّةَ لَمْ تُبَلْ حياءً ولا يُسقَى عَفيفًا عَصِيرُها
تشبَّهُ مِنْ عاداتِ أُمِّكَ سيرةً بحبليك والمرقاةُ صعبُ حدورُها
وما زلتَ يا عُقدانُ باني سوءةٍ تُناجِي بِها نفسًا لئيمًا ضميرهُا
رأيتكَ لَمْ تعقِدَ حِفاظًا ولاَ حجَى ولكنْ مَواخيرًا تُؤدَّى أجُورُها
أثرْتُ عليكَ المخزياتِ ولمْ يكُنْ ليعدَم جاني سوءَةٍ منْ يثيرها
وتمدحُ سعدًا لا عليتَ ومنقرٌ لَدَى حرملِ السِّيدانِ يحبُو عقيرُها
ودرَّتَ عَلَى العُروق ولمْ يكُنْ ليسقِي أفواهَ العُروقِ درُورُها
دعتْ أمُّكَ العمياءُ ليلةَ منقرٍ ثُبورًا لقدْ ذلَّتْ وطالَ ثُبورُها
أشاعَتْ بنجدٍ للفرزدقِ خزيةٌ وغارتْ جِبالُ الغورِ فيمنْ يغُورُها
لعمركَ ما تُنْسَى فتاةُ مُجاشِعٍ ولا ذِمَّةٌ غَرَّ الزُّبيرَ غرورُها
يُلجِّجُ أصحابُ السَّفين بغدرِكُمْ وخُوضٌ على مرَّانَ تجْري ضُفورها
الضفور النسوع التي تضفر أي تنسج من أدم.
تراغيتُمْ يومَ الزُّبيرِ كأنَّكُمْ ضِباعٌ أُصِلَّتْ في مغَارِ جعُورُها
ولَوْ كُنْتَ مِنَّا ما تقسَّمَ جاركُمْ سِباعٌ وطيرٌ لَمْ تجدْ مَنْ يُطيرُها
ولوْ نحنُ عاقدْنا الزُّبيرَ لقيتهُ مكانَ أنُوقِ ما تُنالُ وُكورُها
تُدافِعُ قِدمًا عَنْ تميمٍ فوارِسِي إذا الحربُ أبدَى حدَّ نابٍ هريرُها
[ ٢ / ٧٠٣ ]
فَمنْ مُبلغٌ عنِّي تَميمًا رِسالةً علانيةً والنَّفسُ نُصحٌ ضَميرُها
عطفتُ عليكُمْ وُدّ قيسٍ فَلَمْ يكُنْ لهُمْ بدلًا أقيانُ ليلَى وكيرُها
قال اليربوعي: قال إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، قدم الفرزدق المدينة في إمرة أبان بن
عثمان بن عفان، ﵁، قال فإني والفرزدق وكثير عزة، لجلوس في المسجد تتناشد
الأشعار، إذ طلع علينا غلام شخت - أي دقيق - آدم في ثوبين ممصرين. يعني مصبوغين بحمرة
غير شديدة. ثم قصد نحونا حتى انتهى إلينا فلم يسلم. وقال أيكم الفرزدق؟ قال إبراهيم بن محمد،
فقلت له مخافة أن يكون من قريش، أهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها؟ قال لو كان كذلك لم أقل له
هذا. فقال له الفرزدق من أنت يا غلام لا أم لك؟ قال رجل من الأنصار، ثم من بنى النجار، ثم أنا
ابن أبي بكر بن حزم، بلغني أنك تقول إنك أشعر العرب، قال وتزعمه مضر، وقد قال حسان بن
ثابت شعرا، فأردت أن أعرضه عليك، وأؤجلك فيه سنة، فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب، وإلا
فأنت كذاب منتحل. ثم أنشد:
لنا الجفنات الغرُّ يلمعن بالضحى وأسيافُنا يقطرن من نجدة دما
متى ما تزنَّا من معد بعصبة وغسانَ نمنع حوضنا أن يهدما
أبى فعلنا المعروف أن ننطلق الخنا وقائلنا بالعرف إلا تكلما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
قال فأنشده القصيدة إلى آخرها، وقال إني قد أجلتك فيه سنة. ثم انصرف. وقام الفرزدق مغضبا،
يسحب رداءه ما يدري أين طرفه،
[ ٢ / ٧٠٤ ]
حتى خرج من المسجد. وأقبل على كُثيِّر، فقال قاتل الله
الانصاري، ما أفصح لهجته، وأوضح حجته. وأجود شعره. فلم نزل في حديث الفرزدق والأنصاري
بقية يومنا، حتى إذا كان من الغد، خرجت من منزلي إلى مجلسي الذي كنت فيه بالأمس، وأتاني
كُثيِّر فجلس معي. فأنا لنتذاكر الفرزدق، ونقول ليت شعري ما فعل؟ إذ طلع علينا في حلة أفواف
مخططة، له غديرتان، حتى جلس في مجلسه بالأمس، ثم قال ما فعل الأنصاري، فنلنا منه وشتمناه
ووقعنا فيه. نريد بذلك أن نطيب نفس الفرزدق. قال قاتله الله، ما رميت بمثله، ولا سمعت بمثل
شعره. ثم قال لهما الفرزدق أني فارقتكما بالأمس، فأتيت منزلي، فأقبلت أصعد وأصوب في كل فن
من الشعر، فكأني مفحم لم أقل شعرا قط، حتى إذا نادى المنادي بالفجر، رحلت ناقتي، ثم أخذت
بزمامها فقدت بها حتى أتيت ذُبابا - وهو جبل بالمدينة - ثم ناديت بأعلى صوتي: أجيبوا أخاكم أبا
لبيني!. فجاش صدري كما يجيش المرجل، فعقلت ناقتي، وتوسدت ذراعها، فما قمت حتى قلت مائة
وثلاثة عشر بيتا. فبينما هو ينشدنا، إذ طلع الأنصاري حتى انتهى إلينا فسلم. ثم قال أما إني لم آتك
لأعجلك عن الوقت الذي وقته لك، ولكني أحببت ألا أراك إلا سألتك ما صنعت. فقال أجلس ثم
أنشده:
عزفت بأعشاش وما كنت تعزف وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف
قال فلما فرغ الفرزدق من إنشاده، قام الأنصاري كئيبا. فلما توارى، طلع أبو الأنصاري، وهو أبو
بكر بن حزم، في مشيخة من الأنصار فسلموا علينا، وقالوا يا أبا فراس، إنك قد عرفت حالنا ومكاننا
من رسول الله، ﷺ، ووصيته بنا، وقد بلغنا أن سفيها من سفهائنا تعرض لك،
فنسألك بالله وبحق المصطفى محمد، ﷺ، لما حفظت
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وصية رسول الله ﷺ، ووهبتنا له ولم تفضحنا. قال اليربوعي، قال إبراهيم بن محمد بن سعد،
فأقبلت أكلمه أنا وكُثير، فلما أكثرنا عليه قال، اذهبوا فقد وهبتكم لهذا القرشي، يعني إبراهيم بن محمد بن سعد.
فقال الفرزدق
عزفتَ بأعشاشٍ ومَا كِدتَ تعزِفُ وأنكرتَ منْ حدْراء ما كُنتَ تعرِفُ
يقول عزفت نفسك عما كنت فيه من باطلك.
ولجَّ بِكَ الهِجرانُ حتَّى كأنَّما تَرَى الموتَ في البيتِ الَّذي كُنتَ تالَف
تيلف وهي لغة تميم.
لجاجةَ صُرمٍ ليسَ بالوصلِ إنَّما أخو الوصلِ منْ يدنُو ومنْ يتلطَف
إذا انتبهَتْ حدْراء مِنْ نومةِ الضُّحَى دعتْ وعليْها دِرْعُ خزٍّ ومطرفٌ
بأخضرَ مِنْ نُعمانَ ثُمَّ جلتْ بِهِ عِذابَ الثَّنايا طيِّبًا حينَ يُرشَفُ
ويروى طيب المترشف، يريد طيبا مترشفة. بأخضر يعني مسواكا. ونعمان ناحية عرفات فيه أراك
كثير، فيقال له نعمان الأراك. يرشف يقبل ويمص.
ومُستنفزاتٍ للقلُوبِ كأنَّها مَها حولَ منتُوجاتِهِ يتصرَّفُ
ومستنفزات أي محركات للقلوب كما ينفز السهم إذا حرك،
[ ٢ / ٧٠٦ ]
ومستنفزات للقلوب، يعني يستنفزن القلوب أي يدعونها فتجيب. وقوله مهى،
المها البقر الوحشية، شبه النساء بهن. وقوله يتصرف يعني يذهب ويجيء.
يُشبَّهنَ مِنْ فَرط الحياءِ كأنَّها مِراضُ سُلالٍ أو هوالِكُ نُزَّفُ
ويروى تراهن من فرط الحياء. نزف قد ذهب الدم منهن.
إذا هُنَّ ساقَطنَ الحديثَ كأنّهُ جَنَى النَّخْلِ أو أبكارُ كرمٍ يُقطَّفُ
موانِعُ للأسرارِ إلاَّ لأهلها ويخلفْنَ ما ظنَّ الغُيورُ المشفشفُ
قال الأسرار واحدها سر، وهو النكاح من قوله تعالى ﴿وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ يعني نكاحا والله
أعلم. والمشفشف الذي كأن به رعدة واختلاطا، وذلك من شدة الغيرة والإشفاق على حرمه، قال أبو
عثمان، وقال الأصمعي هو الذي تشف فؤاده الغيرة، وهو السيئ الظن وذلك من إشفاقه على أهله.
قال وإنما أراد المشفف فكرر الشين. كما قالوا دمع مكفكف، وقد تجفجف الشيء من الجفوف، وأصله
تجفف. وهذه ثلاثة أحرف من جنس واحد يكره جمعها، ففرقوا بينهما بحرف من الكلمة وهو فاء
الفعل.
يُحدثْنَ بعدَ اليأسِ مِنْ غيرِ ريبةٍ أحادِيثَ تشفَى المُدنفينَ وتشغفُ
ويروى ويبذلن بعد اليأس. قوله تشغف يقول تذهب المرأة
[ ٢ / ٧٠٧ ]
بالقلوب، وتغلب على العقل، وهو من قوله تعالى ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ جميعا يقرأ بهما، وهما في المعنى سواء بالعين والغين،
وهو ذهاب القلب وميله إلى من يحبه ويهواه.
إذا القُنبُضاتُ السُّودُ طوَّفنَ بالضُّحى رقدنَ عليهِنَّ الحِجالُ المُسَجَّفُ
قال الحجال المسجف، فذكر كأنه نعت. والقنبضات من النساء القصار القليلات الأجسام.
وإنْ نبَّهتهُّنَ الولائِدُ بعدَما تصعد يومُ الصَّيفِ أَوْ كاد ينصُفُ
دعونَ بِقضبانِ الأراكِ التَّي جَنَى لهَا الركبُ مِنْ نُعمانَ أيَّامَ عرفَّوا
فمِحنَ بِهِ عذبًا رُضابًا غُروبُهُ رِقاقٌ وأعْلَى حيثُ رُكِّبنَ أعجفُ
ويروى عذب الرضاب. وقوله فمحن يريد سقين به. قال والرضاب يعني تقطع الريق. وقوله
أعجف يريد اللثة. يقول هذه المرأة قليلة لحم اللثة، وهو ما تنعت به المرأة أن تكون كذلك، وغروبه
تقطع أسنانه وذلك للحداثة.
لبِسْنَ الفرندِ الخُسروانَّي دُونهُ مشاعرَ منْ خزِّ العراقِ المُفوَّفُ
ويروى تحته مشاعر، يرددونه من خز العراق، فقدم الهاء قبل مذكورها، مثل قول الشاعر. جزى
ربه عني عدي بن حاتم. وهي مسألة في النحو تلقى على الأدباء، وليس يقوله كثير من النحويين.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
ويقولون ليس الشعر حجة في النحو، لأن الشاعر يضبط فيلجئه الاضطرار إلى أن يقول ذلك، يريد
المفوف من خز العراق. مشاعر نصب على الحال. قال والمفوف يريد على صنعة الوشي يعمل
باليمن.
فكيفَ بمحبوسٍ دَعاني ودُونهُ دُروبٌ وأبوابٌ وقصرٌ مُشرفٌ
وصُهبٌ لحاهُمْ راكِزونَ رِماحَهِمْ لهُمْ درقٌ تحتَ العَواليِ مُصَفَّفُ
قوله لهم درق، يريد جمع الدرقة وهي التي يستتر بها، كما يستتر بالترس في القتال، يقول هم
أصحاب عدة يمنعونني منها.
وضارِيَةٌ ما مَرَّ اقتسمنهُ عليهنَّ خوَّاضٌ إلى الطِّنئِ مِخشفُ
قوله وضارية، يعني كلابا ضارية تمنعها من الصهب. وقوله مخشف يقول هو سريع مروره. وقوله
اقتسمنه يعني بالنهس والخدش. وقوله خواض يقول هو جريء. قال الطنئ الريبة والتهمة. قال أبو
عبد الله، يقال للحية نهشت بالشين، وللسبع والكلاب نهست بالسين غير معجمة، ومن ذلك قيل نهس
للنصارى.
يُبلَّغُنا عنْها بغَيْر كلامِها الينا مِنَ القصرِ البنَانُ المطرَّفُ
يعني كلابا حول دراها. المطرف المخضوب الأطراف يريد تطاريفها تجزينا من كلامها.
دعوتُ الَّذي سوَّى السَّمواتِ أيدُهُ ولله أدنى مِنْ وريدِي وألطف
قوله أيده، يعني قوته وهو من قوله تعالى ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي بقوة، ومنه قولهم للرجل إنه لأيد
من الرجال، وذلك إذا كان
[ ٢ / ٧٠٩ ]
شديدًا قويًا.
ليشغَلَ عنِّي بعلَها بزمانَةٍ تُدلَّهُهُ عنِّي وعنْها فنُسعفُ
قوله تدلهه، يقول يتحير فيبقى دهشا قد تغير عقله، فلا يتفقدها حتى نصل إلى ما نريده.
بِما في فُؤَداينا مِنَ الهمِّ والهَوَى فيبرأُ مٌنهاضُ الفُؤادِ المُسقَّفُ
ويروى من الشوق والهوى ويجبر. قوله المسقف هو الذي عليه خشب الجبائر. والجبائر هي
السقائف تشد على الكسر.
فأرسلَ في عينيهِ ماءٌ عَلاهُما وقدْ علمُوا أنِّي أطبُّ وأعرِفُ
من روي أطب وأعرف، أراد أطب الناس وأعرفهم بالطب. وأعرف من العرافة، أي أكون عرافا.
وقوله علاهما يريد علا الناظرين الماء فغمرهما. وقوله اعرف يقول أنا عراف، وهو الذي يعرف
الشيء قبل وقوعه.
فداويتُهُ عامينِ وهيَ قريبةٌ أراها وتدْنُولي مِرارًا فارشُفُ
سُلافَةَ جفنٍ خالطتْها ترِيكةٌ على شفتيها والذَّكيُّ المُسوَّفُ
قوله سلافة جفن، قال السلافة أول ما يسيل من العصير، وهو أجوده. وجفن يريد الكرم، وأهل الشام
إنما يسمون ما غادر السيل فتركه باقيا في الصفا تريكة. قال والذكي يريد به المسك. والمسوف
المشمم، ماء السيل عندهم الجفار، والتريكة ما غادر السيل.
[ ٢ / ٧١٠ ]
فيا ليتنا كُنَّا بعيرينِ لا نرِدْ عَلى منهلٍ إلاَّ نُشَلُّ ونقذَفُ
ويروى لا نرى لدى حاضر إلا نشل. قال المنهل ماء في آبار. قال أبو عثمان، قال أبو عمرو،
المنهل ما كان من ماء إلى ماء منهل. ونشل أي نطرد ونقذف بالحجارة. يقول لا ندنو من أحد إلا
فعل بنا ذلك. وهو من قولهم شلوا القوم أي ارموهم بالحجارة.
كِلانا بِهِ عزٌ يخافُ قِرافُهُ على النَّاسِ مطليُّ المساعِرِ أخشفُ
العر بفتح العين الجرب. والعر بضم العين قريح ليس بالجرب. وقوله يخاف يعني يتقى لئلا يعرها
بجربه. قال والمساعر أصول الفخذين والابطين، وهي أيضا تسمى المغابن. والمساعر أيضا مساعر
الابل وأرفاغها، لأنها أول ما يستعر فيها الجرب. وقوله أخشف يعني يابس الجلد من الجرب. وقرافة
يعني مقارفته وهو مخالطته، ومنه قولهم قد اقترف فلان ذنبا أي خالطه وفعله.
بأرضٍ خلاءٍ وحدَنا وثِيابُنا منَ الرَّبط والدِّيباجِ درعٌ وملحفُ
الريط ثياب تعمل جيدة حسنة. قوله درع وملحف، يقول درع لها تلبسه، وملحف له يعني نفسه.
وَلا زادَ إلاَّ فضلَتان سُلافَةٌ وأبيضُ مِنْ ماءِ الغمامةِ قرقفُ
ويروى وأدكن من ماء. وهو أحسن لان ماء السماء فيه كدرة. يقول ليس معنا من الزاد إلا فضلة
من سلافة وهي الخمر. وقوله وابيض من ماء الغمامة هي السحابة. وقوله قرقف والقرقف يعني
السلافة، وهي الخمرة. قال الأصمعي وإنما سميت الخمر قرقفا، لأن من شربها
[ ٢ / ٧١١ ]
قرقفته فأدارته وأسكرته فهو مدوخ من السكر. والقرقفة الرعدة، قرقف لأنه يرعد عنها صاحبها من إدمانه إياها.
وأشْلاءُ لحمٍ مِنْ حُبارَى يصِيدُها إذا نحنُ شِئْنا صاحِبٌ مُتألفُ
متألف يعني صقرا أو بازيا حسن التأني لصيدها. وأنشد في الشلو للحارث بن حلزة:
وفديناهم بسبعة أملا ك ندامى أشلاؤهم أغلاء
قوله متألف، يريد ربيناه وتألفناه وعلمناه الصيد ودربناه عليه. ومنه قوله تعالى ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ
اللهُ﴾ والفرزدق أراد بمتألف صاحبه أو بازيه. وأشلاء لحم هي بقايا واحدها شلو.
لنَا ما تَمنينا مِنَ العَيش ما دَعا هَدِيلاَ حَماماتٌ بِنُعمانَ هُتَّفُ
يقول نحن فيما تمنينا من لذيذ العيش وسلوته. ثم قال ما دعا هديلا، يقول العيش لنا دائم ما دام هديل
الحمام بنعمان. وهتف كما يهتف الرجل بصاحبه ويصيح به. وقوله هديل يعني صوتا وهديرا.
وهتف صوائح. قال أبو عبيدة الهديل الفرخ.
إليكَ أميرَ المُؤمنينَ رمَتْ بِنَا هُمُومُ المُنَى والهوجلُ المتعسف
قال الهوجل البطن من الأرض الواسع. والمتعسف يعني الطريق المسلوك بلا علم ولا دليل، فالذي
يسير في هذه الأرض كأنه إنما يسير
[ ٢ / ٧١٢ ]
بالتعسف وهو الظلم ومنه قولهم تعسف فلان الناس، وذلك إذا
ظلمهم وجار عليهم. فهو مشتق من ذلك يقول: فالذي يسلك هذه الأرض هو متعسف لها لا يدري أين
يتوجه. أي أتيناك مؤملين لخيرك على هذه الحال، وأفضالك على هذا الجهد والمشقة، يقول فسلكنا
الأرض بلا علم نراه ولا دليل بالبرية.
وعضُّ زمانٍ يا ابنَ مروانَ لمْ يدعْ مِنَ المالِ إلاَّ مُسحتًا أو مُجرَّفُ
قال سعدان، أخبرنا أبو عبيدة قال: سمعت راوية الفرزدق يروى هذا البيت، لم يدع من المال إلا
مسحت أو مجرف بالرفع. يقول لم يدع من الدعة أي لم يتدع. قال والمسحت الذي لا يدع شيئا إلا
أخذه. قال والمجرف الذي أخذ ما دون الجميع. قال ومن قال إلا مسحتا أو مجرف أراد وهو مجرف.
قال أبو عبيدة قوله لم يدع أي لم يثبت ويستقر من الدعة، إلا مسحت من المال ومجرف. قال فارتفع
مسحت ومجرف بفعلهما. قال وأنشدنا لسويد بن أبي كاهل: أرق العين خيال لم يدع. يقول لم يستقر
وهو من الدعة. قال أبو عبد الله، سمعت أحمد بن يحيى يتكلم في هذا البيت فقال: نصب مسحتا
بوقوع الفعل عليه، وقد وليه الفعل، ولم يل الفعل مجرف فاستؤنف به فرفع.
ومُنجردُ السُّهبانِ أيسرُ ما بِهِ سَليبُ صُهار أوْ قُصاعٌ مؤلَّفُ
قال هو بيت مجهول، أنشدنيه المازني، وانشدنيه الأعاريب الذين حملهم بغا إلى الري.
ومائرَةِ الأعضادِ صُهبٍ كأنَّما عليْها مِنَ الأينِ الجِسادُ المُدوَّفُ
قوله ومائرة الأعضاد، هي التي تمور بيديها دون رجليها، فتحركها
[ ٢ / ٧١٣ ]
تحريكا لينا. قال وذلك مما يستحب في الابل، وذلك من سعة آباطها ولين عريكتها. وإنما يريد أن هذه الإبل تمور.
يقول تذهب أعضادها وتجيء، وذلك من سعة آباطها. قال والأين الإعياء والفتور، والجساد العرق، وهو ما اصفر
يضرب إلى الحمرة. قال والمدوف يعني المدوف، يقول إذا دأبت في سيرها عرقت، فصار العرق
على جلودها أحمر.
بدأنَا بِها مِنْ سِيفِ رملِ كُهيلةٍ وفِيها نشاطٌ مِنْ مراحٍ وعجرفُ
ويروى نهضن بنا. ويروى ذرعن بنا. ويروى وفيها بقايا من مراح. قوله وعجرف يعني عجرفية
في مشيها تخليط، وذلك من المرح. ومنه قولهم للرجل الذي يخلط في أمره إن فيه عجرفية. يقول
بدأنا بها من موضعنا وهي نشيطة مرحة، فما بلغت إليك حتى تقارب خطوها وبلدت وضعفت، وذلك
من بعد المكان. وكان ذلك عندنا هينا يسيرا في جنب ما أملناه من سيبك. والمناسم: أظفار الإبل،
الواحد منسم، وما تحته الأظل.
فَما برحتْ حتَّى تقارَبَ خطوُها وبادَتْ ذُراها والمناسِمُ رُعَّفُ
وروى أبو عمرو، حتى تواكل نهزها. يعني هز رءوسها في السير نشاطا. قال المناسم مثل
الاظلاف. ورعف دامية من الحفا. يقول قد كلت وضعفت وتقارب خطوها، من شدة تعبها، وبعد
مداها، وما ينكبها من الحجارة. وذراها أعالي اسنمتها.
وحتَّى قتلنَا الجهلَ عنْها وغُودِرَتْ إذا ما أُنيخَتْ والمدامِعُ ذُرَّفُ
ويروى وغورت. قوله قتلنا الجهل عنها، يقول قتلنا جهلها وهو
[ ٢ / ٧١٤ ]
مرحها ونشاطها بالكلال. والتغوير نصف النهار. والتعريس آخر الليل.
قال والمدامع ذرف، قال وذلك من الجهد تسيل دموعها.
وحَتَى مَشَى الحادِي البطِيء يُسَوقُها لَها بَخَصٌ دامٍ ودأيٌ مجلَّفُ
ويروى حداءها. قال والبخص لحم الخف الذي تطأ عليه. وقوله ودأي يعني فقار الظهر. قال وكل
فقارة دأية. وقوله مجلف يعني مقشورا بالدير. يقول قد كلت وضعفت حتى يسوقها الحادي البطيء،
يقول تقارب خطوها وساقها الحادي من كلالها.
وحتَّ ى بعثناها وما في يدٍ لَها إذا حَلَّ عنْها رُمَّةً وهيَ رُسَّفُ
قوله وهي رسف، يعني كما يرسف المقيد في قيده من الجهد والإعياء، كأنها ترسف في قيد.
كذا ما نزلنا قاتَلتْ عنْ ظُهورِنا حراجِيجُ أمثالُ الأهلَّةِ شُسَّفُ
قوله حراجيج هي الطول من الابل. قوله شسف، قال هي اليابسة من الجهد والكلال. يقول تقاتل
الغربان عن ظهورها. قال وذلك أنها إذا عريت ظهر دبرها، فتقع الغربان عليها لتأكل دبرها، فالإبل
تقاتل الغربان يريد تدفعها عن دبرها، فهي تدفعها بأفواهها لتطير عنها فذلك قتالها.
إذا ما أريناها الأُزمَّةَ أقبلتْ إلينا بحُرَّاتِ الوُجُوهِ تصدَّفُ
قوله تصدف يريد تلاحظها وهي في جانب معرضة.
ذرعنَ بِنا ما بينَ يبريَن عرضَهُ إلى الشَّامِ تلْقاها رِعانٌ وصفصفُ
قوله ذرعن بنا يريد في المشي. يقال من ذلك مر فلان يذرع الطريق،
[ ٢ / ٧١٥ ]
وذلك إذا سار فيه منكمشا.
قال والرعن أنف الجبل والجمع رعان، قال وهي أنوف الجبال. والصفصف المستوى من الأرض.
قال أبو عبيدة الرعن حرفه.
فأفنى مِراحَ الدَّاعرِيَّةِ خوضُها بِنا اللَّيلَ إذ نامَ الدَّثُورُ المُلفَّفُ
قال الداعرية، إبل منسوبة إلى فحل يقال له داعر، معروف بالنجابة والكرم. قال والدثور الرجل
المثقل البدن والفؤاد وهو الكسلان.
إذا أغبرَّ آفاقُ السماءِ وكشَّفَتْ كُسُورُ بُيوتِ الحيِّ حمراءُ حرجفُ
ويروى وهتكت ستور بيوت. وروى أبو عمرو إذا أحمر آفاق السماء وكشفت. ويروى نكباء. قوله
إذا أغبر آفاق السماء، يعني من المحل وقلة المطر. قال وآفاق السماء جوانبها. قال والكسور واحدها
كسر وهو ما وقع على الأرض من البيت. وبيوت الأعراب إنما هي من الاكسية يتخذونها كالبيوت
يكونون فيها. قال الحرجف الريح الشديدة الهبوب.
وهتَّكتِ الأطنابَ كُلُّ عظيمةٍ لهَا تامكٌ مِنْ صادقِ النَّيِّ أعرفُ
ويروى من عاتق الني. ويروى كل ذفرة. قوله لها تامك يعني سناما عظيما. وأعرف طويل العرف.
وذفرة يعني عظيمة الذفرى. إذا أصابها البرد دخلت في الخباء فقطعت الأطناب. قال وإنما تفعل ذلك
من شدة البرد.
وجاءَ قريعُ الشَّولِ قبلَ إفالِها يزِفٌ وراحتْ خلفهُ وهيَ زُفَّفُ
ويروى زفيفا وجاءت خلفه. قال الشول الإبل التي قد نقصت ألبانها
[ ٢ / ٧١٦ ]
وشولت فارتفعت ألبانها. وذلك
كما يشول الميزان شولانا، الواحدة شائلة، فإذا شالت بذنبها للحمل فهي شائل وهن شول. قال وإفالها
صغارها. والقريع الفحل. قال وقوله يزف يعدو. قال والمعنى في ذلك، يقول فراحت إفالها جزعا من
البرد، يقال زفت تزف زفيفا، يريد أن القريع يفر من شدة البرد.
وباشَرَ راعِيها الصَّلَى بلبانِهِ وكفَّيه حرَّ النَّارِ ما يتحرَّفُ
الصلى يريد صلى النار، كما يقال اصطلينا إذا اتسخنا. قال إذا فتحت أول الصلى فهو مقصور، وإذا
كسرت أوله فهو ممدود. قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: اللبان موضع اللبب من الفرس. وقوله ما
يتحرف يريد ما ينحرف عن النار، وذلك من شدة البرد لا يفارق النار.
وأوقدتِ الشِّعرَى مَعَ الليلِ نارَها وأمست مُحولًا جِلدُها يتَوسَّفُ
جلدها يعني جلد الأرض يتقشر من الجدب وقلة الانداء. وقوله وأوقدت الشعري مع الليل نارها، قال
وذلك لأن الشعرى تطلع في أول الشتاء أول الليل. ونارها يريد شدة ضوئها، يريد وأمست السماء
جلدها. يتوسف يعني يتقشر وإنما يعني قلة السحاب. يريد أن السماء مثل الجلد لها. قال وأنشدنا
للحطيئة:
مساعير حرب لا تخم لحامهم إذا أمست الشعري العبور استقلت
وأصبحَ موضُوعُ الصَّقيعِ كأنَّهُ على سرواتِ النِّيبِ قُطنٌ مندَّفُ
وروى أبو سعيد بيوت الصقيع. ويروى مبيض الصقيع. وقوله
[ ٢ / ٧١٧ ]
على سروات النيب، يريد على مسان الإبل وهي النيب، قال وسرواتها اسنمتها.
يقول وقع الثلج على اسنمتها كأنه قطن مندف.
وموضوعه ما تساقط منه. والصقيع الجليد.
وقاتلَ كلبُ الحيِّ عنْ نارِ أهله ليربضَ فِيها والصِّلا متكنَّفُ
وجدتَ الثَّرى فينا إذا يبِسَ الثَّرى ومنْ هُوَ يرجُو فضلهُ المُتضيفُ
وروى أبو عمر وجدت القرى. قال والثرى يريد الندى، وهذا مثل. يقول يجد عندنا من نزل بنا
خصبا في هذا الوقت، من شدة البرد، وهو أشد الأوقات للضيافة، لذهاب الألبان وذهاب العشب،
فالناس مجهودون. يقول فنحن في هذا الوقت غياث لمن نزل بنا.
ترَى جارَنا فِينا يُجيرُ وإنْ جَنَى فَلا هُوَ مِمَّا يُنطِفُ الجارَ ينطُفُ
يقول جارنا يجير لعزنا ومنعتنا. يقول ومع هذا فهو سليم أن يصيبه إلا خير. قال والنطف الدبرة
تدخل في جوفه. قال أبو عمرو الشيباني: النطف أن تصل الدبرة إلى جوف البعير، فيقال قد نطف
البعير. قال وإنما يعني هاهنا الهلاك والأمر الشديد، يقع فيه جارهم. يقول ينطف الجار أي يهلكه.
يقول فهو آمن من أن يبدأه سوء.
ويمنعُ مولانَا وإنْ كانَ نائِيًا بِنا جارَهُ ممَّا يخافُ ويأنفُ
يقول يمنع مولانا وهو ابن عمنا، ويكون مولانا الذي نعتقه، فهو يمنع من يجيء إليه وصار في
ناحيته، بمنعتنا وإن نأى عنا، أي بعد، من قوله تعالى ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي يبعدون عنه -
[ ٢ / ٧١٨ ]
يقول فهو يمنع جاره من الضيم مما يخاف من العار، وأن يسب به عقبه من بعده ويأنف من ذلك.
وقَدْ علمَ الجِيرانُ أنَّ قُدُورنا ضَوامِنُ للأرزاقِ والريحُ زفزفُ
نُعجِّلُ للضَّيفانِ في المحلِ بالقرَى قدُورًا بمعبُوطٍ تُمدُّ وتُغرفُ
قوله المحل، هي السنة الجدبة التي لا مطر فيها. وقوله بمعبوط، يقول ننحر للاضياف من إبلنا
الصحيحات، التي لا عيب بها من مرض ولا غيره. وقوله تمد هذه القدور كلما نفد ما فيها ملئت.
وهو من قول الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا
نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ يقول فكلما فني ما في قدورنا ممدناها وغرفنا لضيفنا.
تُفرَّغُ في شِيزي كأنَّ جِفانَها حِياضُ جِبىَ مِنْها مِلاءٌ ونُصَّفُ
ويروى حياض الجبى. الشيزي من خشب الشيز. قوله حياض جبى قد جبى فيها الماء فهي ملأى
أبدا.
تَرَى حولهنَّ المُعتفينَ كأنهُمْ عَلَى صنمٍ في الجاهليَّةِ عُكَّفُ
قُعُودًا وخلفَ القاعِدينَ سُطورُهمْ جُنُوحٌ وأيديِهْمِ جُمُوسٌ ونُطَّفُ
ويروى جنوحًا وفوق الجانحين شطورهم قيام. شطورهم نصفهم.
قوله سطورهم، يقول خلف السطر سطر مثله، جموس يعني جمس عليها من سمنه. وقوله ونطف
يقول يسيل منها الودك، ينطُف نطفًا ونطفانًا. ويروى شطورهم أي مثلهم. يقول من الناس من أكل
[ ٢ / ٧١٩ ]
فقد جمس الودك على يده، ومن كان يأكل فهو يقطر من يده.
وَما حُلَّ منْ جهْلِ حُبَى حُلَمائِنا وَلا قائِلٌ بالعُرفِ فِينا يُعنَّفُ
ومَا قامَ منَّا قائِمٌ في نَديِّنا فينطقَ إلاَّ بالتيِ هِيَ أعرفُ
وإنِّى لَمِنْ قومٍ بِهِمْ تُتَّقى العِدَى ورأبُ الثَّأي والجانبُ المُتخوفُ
وأضيافِ ليلٍ قدْ نقلنا قِراهُمُ إليهِمْ فأتلفنا المَنايا وأتلفُوا
قوله قد نقلنا قراهم، قراهم هاهنا القتل. يقول: إنا أوقعنا بهم وقتلناهم، وذلك قول عمرو بن كلثوم:
قريناكم فعجلنا قراكم قبيل الصبح مرداةً طحونا
المنايا هاهنا الرجال الأشداء. وقوله فأتلفنا المنايا وأتلفوا، يقول صادفنا المنايا متلفة وصادفوها
كذلك، كما تقول أتينا فلانا فأبخلناه، وكذلك فأحمدناه، وذلك إذا صادفناه بخيلا وحميدا.
قريناهُمُ المأثورةَ البِيضَ قبلَها يُثجُّ العُروُقَ الأزنيُّ المُثقَّفُ
قوله يثج أي يسيل. والازأني الرماح، نسب إلى سيف بن ذي يزن. قال والمثقف المقوم بالثقاف،
وهو خشبة تسوى بها الرماح، حتى يستوي عوجها ويستقيم. قال أبو عبد الله الأيزني. قال والمأثورة
يريد السيوف التي صقلت، حتى ظهر أثرها أي فرندها وحسنها الذي تراه في السيف، كأنه أرجل
نمل، كذلك فسره الأصمعي وأبو عبيدة.
قال أبو عثمان: سألت الأصمعي عن ذلك وأبا عبيدة مرة أخرى فقال لي هو كما أعلمناك.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
ومسرُوحةً مِثلَ الجرادِ يسُوقُها مُمرٌّ قُواهُ والسَّراءُ المُعطَّفُ
يعني النبل، شبهها بالجراد. ممر يعني وتر القوس. قواه طاقاته، كل طاقة قوة، والسراء شجر تتخذ
منه القسي.
فأصبحَ في حيثُ التقينَا شريدُهُمْ طِليقٌ ومكتُوفُ اليدينْ ومزعفُ
قوله ومزعف، قال هو أن ينزع للموت مما به من الجراحات، ويكيد بنفسه.
وكُنَّا إذا ما استكرَهَ الضَّيفُ بالقرَى أتتْهُ العوالي وهيَ بالسَّمِّ ترعفُ
يقول إذا أراد أن نقريه كرها، لقيناه بالرماح تقطر دما. والسَّم والسُّم واحد.
ولا نستجُّم الخيلَ حتَّى نُعيدها غوانِمَ مِنْ أعدائِنا وهيَ زُحَّفُ
يقول لا نتركها جامة إذا رجعت من غزو، حتى نعيدها لغزو آخر. ويروى فيعرفها أعداؤنا. وهي
عطف رواجع قد عطفت عليهم وكرت.
كذلكَ كانتْ خيلُنا مرَّةً تُرَى سمانًا وأحيانًا تُقادُ فتعجفُ
عليهنَّ منَّا الناقِضونَ ذُحولهُمْ فهُنَّ بأعباءِ المنيَّةِ كُتَّفُ
أعباء المنية أحمال المنية، يعني فرسان الخيل. كتف تكتف المشي، إذا مشت رفعت كتفا ووضعت
كتفا.
مداليقُ حتَّى تأتِيَ الصَّارخَ الَّذي دَعَا وهوَ بالثَّغرِ الَّذِي هُو أخوفُ
قوله مداليق، يقول تسرع إلى الغارات وطلب الذحول، وهو مثل
[ ٢ / ٧٢١ ]
قولك قد اندلق السيف من غمده،
وذلك إذا خرج خروجا سريعا. قال والصارخ المستغيث. يقول فنحن إذا سمعنا الصوت أسرعنا إليه
مجيبين، لا يثنينا عن ذلك شيء. قال والسيف الدلوق السلس الدخول والخروج من الغمد، يقول فهذه
الخيل سراع إلى المستغيث على كل حال.
وكُنَّا إذا نامتْ كُليبٌ عنِ القرَى إلى الضَّيفِ نمشِي بالعَبيطِ ونلحَفُ
قوله بالعبيط اللحم الطري. قوله ونلحف يريد نلبسه اللحف فندفئه من البرد. قال وإنما هذا مثل
ضربه. يقول نحن نكفيه كل ما نابه، حتى يذهب من عندنا الضيف وهو لنا حامد.
وقِدرٍ فثأنا غليْها بعدَ ما غلتْ وأُخرَى حششْنَا بالعَواليِ تؤثَّفُ
قوله وقدر فثأنا غليها، يقول سكنا غليها. قال والمعنى في ذلك، رب حرب قاتلنا فيها حتى ظفرنا
بعدونا فسكنت وانقضت. ثم قال: وأخرى حششنا، قال الحش إدخال الحطي تحت القدر، فضربه مثلا
للحرب وإنما يريد أنا نستقبل حربا أخرى. وقوله تؤثف يقول تجعل لها أثافي. قال وإنما هذا كله مثل
ضربه للحرب.
وكُلُّ قِرَى الأضيافِ نقرِى مِنَ القَنا ومُعتبطٍ فِيهِ السنَّامُ المُسَدَّفُ
ويروى ومعتبطا. قال المسدف المقطع سدائف أي شققا. قال والسديف قطعة من سنام.
ولوْ تشربُ الكلبَة المراضُ دِماءنا شَفتها وذُو الدَّاءِ الذي هو أدنف
[ ٢ / ٧٢٢ ]
قوله الكلبى هم الذين بهم الكلب، وهو عض الكلب. الكلب يقال إذا شرب الذي يعضه دم ملك برئ.
يقول نحن ملوك. في دمائنا شفاء للكلبى وذلك كما قال البعيث:
من الدارميين الذين دماؤهم شفاء من الداء المجنَّة والخبل
مِنَ الفائقِ المحبُوسِ عنهُ لسانُهُ يفوقُ وفيهِ الميِّتُ المُتكنَّفُ
ويروى من الفائق المحجوب. الفائق المحبوس الذي عند الموت يأخذه الفواق.
وجدنا أعزَّ النَّاسِ أكثرهُمْ حصَىً وأكرمهُمْ مَنْ بالمكارِمِ يُعرَفُ
وكلتاهُما فِينا إلى حيثُ تلتقِي عصائِبُ لاقَى بينهُنَّ المُعرّفُ
ويروى فينا لنا. ويروى حين تلتقي. يقول هاتان الخصلتان فينا: كثرة العدد وبذل المعروف. وقد
شرطهما في البيت الأول. لاقى بينهن جمع بينهن يعرفون ذاك لنا.
منازِيل عنْ ظهرِ القليلِ كثيرُنا إذا ما دَعا في المجلسِ المُتردَّفُ
ويروى ذو الثورة المتردف. يقول نحن كثير ننزل عن منزلة القليل، لانا لسنا بقليل. فنحن نغيث
من استغاث بنا أغثناه بكثرة. قال الأصمعي قوله منازيل عن ظهر القليل كثيرنا، يقول لنا نزل وإن
كان قليلًا فهو خير من كثير غيرنا. قال أبو عبيدة: يقول نحن وإن كنا كثيرًا، لنا عز ومنعة ننزل
لذي القلة عن حقه، يحفظنا إياه، إن قل وذل، لا تمنعنا كثرتنا وعزنا من إنصافه والرفق به كراهة
البغي، إذ كنا كذلك. قال أبو عبد الله كان أبو العباس يقول مثل ذلك. هذا يعني قول أبي عبيدة. قال
والمتردف الذي يردفه من الشر شيء بعد شيء. يقال ردفه خير، وردفه شر.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
قلفْنَا الحصَى عَنهُ الَّذي فوقَ ظهرِهِ بأحلامِ جُهَّالٍ إذا ما تغضَّفُوا
قلفنا القاف مقدمة، قوله قلفنا يريد ألقينا. وقوله بأحلام جهال يريد بحلم حلماء وبهم جهل عليهم.
وقوله تغضفوا يقول ما لوا عليه بالتعطف والنظر.
عَلى سورةٍ حتَّى كأنَّ عزيزَها تَرامَى بِهِ مِنْ بين نيقينِ نفنفُ
ويروى على ثورة. قال نيقان جبلان. قال الأصمعي النفنف ما بين أعلى الجبلين إلى أسفلهما.
ويروى ما بين نيقين.
وجهلٍ بحلمٍ قدْ دَفعنا جُنونهُ ومَا كانَ لَوْلا حِلمُنا يتزحلَفُ
قوله يتزحلف يعني يتنحى ويتباعد. قال أبو عبد الله يقال تزحلف وتزلحف.
رجحْنا بِهمْ حتَّى استثابُوا حُلُومهُم بِنا بعدَ ما كادَ القنا يتقصَّفُ
ويروى بعد ما كان. يقول كانت حلومهم عازبة عليهم فاستثابوها، يعني ردوها فثابت إليهم يعني
رجعت إليهم.
ومدَّتْ بأيديها النِّساءُ ولَمْ يكُنْ لذي حسبٍ عنْ قومِهِ مُتخلِّفُ
يقول مدت بأيديها النساء إلى الرجال، ليستغثن بهم ويناشدنهم ألا يهربوا ويدعوهن. يقول ولا يحسن
بالرجل الحسيب، أن يتخلف عن نصر أهله، وذلك إذا بلغ الأمر أشده واستغاث بالرجال النساء.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
كفيناهُمُ ما نابهُمْ بحُلُومِنا وأموالِنا والقومُ بالنَّبلِ دُلَّفُ
قوله دلف جمع دالف، قال الدالف الرجل يمشي مشيا فيه إبطاء، يقال من ذلك قد دلف القوم بعضهم
إلى بعض، وذلك إذا مشوا مشيًا على تؤدة وتمكن ورفق.
وقدْ أرشدُوا الأوتارَ أفُواقَ نبلِهِمْ وأنْيابُ نوكاهُمْ مِنَ الحردِ تصرِفُ
ويروى وقد سدد الأوتار أفواق، قوله قد أرشدوا الأوتار، يقول شدوا الأوتار. والأفواق على الأوتار.
قال وفوق السهم ما بين شرخيه، وهو موضع الوتر إذا فوقه. قال والحرد الغيظ وشدة الغضب. وقوله
تصرف يقول تحرق كما يصرف البعير، وذلك إذا حرك نابيه فسمعت لهما صوتا.
فَما أحدُ في النَّاسِ يعدلُ درأنا بعزٍّ ولا عزٌّ لهُ حينَ نجنفُ
ويروى يعدل درأنا بدرء ولا عز له. درؤنا دفعنا ومنه ﴿فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾
تثاقلُ أركانٌ عليهِ ثقيلةٌ كأركانِ سلمَى أو أعزُّ وأكثفُ
ويروى تثقل. قوله أكثف يعني أغلظ وأشد وأكثر جمعًا. أركان جوانب. سلمى أحد جبلي طييء.
سيعلمُ منْ سَلمى تميمًا إذا هوتْ قوائمُهُ في البحرِ منْ يتخلَّفُ
[ ٢ / ٧٢٥ ]
فَسعدٌ جِبالُ العِزِّ والبحرُ مالكٌ فلاَ حضَنٌ يُبلى ولا البحرُ يُنزفُ
لَنَا العِزَّةُ الغلباءُ والعددُ الَّذي عليهِ إذا عُدَّ الحَصَى يتحلف
ويروى لنا العزة القعساء، يريد الممنعة، والغلباء الغليظة العنق وهذا مثل وقوله يتحلف يريد من
الحلف واليمين. يقول يحلف على أنه ليس لأحد مثل عددنا وعزنا، أي يتحالف الناس علينا
ويجتمعون.
ولا عِزَّ إلاَّ عزُّنا قاهرٌ لَهُ ويسئلُنا النِّصفَ الذَّليلُ فيُنصفُ
ومِنَّ الَّذي لا ينطِقُ النَّاسُ عندهُ ولكِنْ هُوَ المُستأذنُ المُتنصَفُ
قوله المتنصف يعني المخدوم - قال والمنصف الخادم - يعني بذلك أمير المؤمنين. يقول هو منا
فلنا عزه وسلطانه دون الناس، فلا يقدر أحد أن يفاخرنا.
تراهُمُ قُعُودًا حولهُ وعيونهم مُكسَّرةٌ أبصارُها مَا تصرَّفُ
قوله ما تصرف، يقول ما تنظر يمنة ولا يسرة من مهابته وجلالته، فذلك الفخر لنا دون غيرنا.
وبيتانِ: بيتُ الله نحنُ وُلاتُهُ وبيتٌ بأعلا إيلياءَ مُشرَّفُ
قوله بأعلا إيلياء، يريد بيت المقدس وهو مشرف معظم. يقول فلنا الكعبة وبيت المقدس.
لَنا حيثُ آفاقُ البريَّةِ تلتقي عميدُ الحَصَى والقسوريُّ المُخندفُ
[ ٢ / ٧٢٦ ]
ويروى عديد الحصى. وقوله عميد الحصى يريد بالحصى العدد الكثير. والقسورى: الكبير الرئيس.
قال والمخندف يقول ينتمي في نسبه إلى خندف. قال وعميد القوم سيدهم.
إذا هبطَ النَّاسُ المُحصَّبَ مِنْ مِنىً عشيَّةَ يومِ النَّحرِ مِنْ حيثُ عرَّفُوا
ترَى النَّاسَ ما سِرنَا يسيرُونَ خلفنَا وإنْ نحنُ أومأنَا إلى الناسِ وقَّفُوا
أُلوفُ أُلوُفٍ مِنْ دُروعٍ ومنْ قَنًا وخيلٌ كريعانِ الجرادِ وحرشفُ
ريعان كل شيء أوله ومقدمه خيل يريد الفرسان، والحرشف الرجالة.
وإن نكثُوا يومًا ضربْنا رِقابهُمْ عَلى الدِّينِ حتَّى يُقبِلَ المُتألَّفُ
ويروى وإن فتنوا يوما ضربنا رءوسهم. ويروى حتى يرجع.
فإنَّكَ إنْ تسعَى لِتُدرِكَ دارِمًا لأَنتَ المُعنَّى يا جرِيرُ المُكلَّفُ
أتطلُبُ مِنْ عِندَ النُّجومِ وفوقَها بربقٍ وعيرٍ ظهرُهُ متقرفُ
ويروى عند المساء مكانه. ويروى يتقرف. الربق حبل تشد به الجداء. والعنوق متقرف من آثار
الدبر.
وشيخين قَدْ ناكا ثَمانِينَ حِجَّةً أتانِيهما هَذا كبيرٌ وأعجفُ
ويروى قد كاما. ويروى هذا ملح ومجرف. شيخين يعني عطية والخطفي.
أبَى لجريرٍ رهطُ سُوءٍ أذلَّةٌ وعرضٌ لئيمٌ للمخازِي مُوقَّفُ
[ ٢ / ٧٢٧ ]
وأُمٌّ أقرَّتْ مِنْ عطيَّةَ رحْمُها بأخبَث ما كانتْ لهُ الرحمُ تنشفُ
إذا سلخَتْ عنْها أُمامةُ درعَها وأعجبَها رابٍ إلى البطنِ مُهدِفُ
قال أمامة امرأة جرير. وقوله مهدف أي مستند. قال والهدف السند من الأرض مثل الحائط، يواري
ما وراءه. وجاء في الحديث، أحب شيء كان إلى رسول الله، ﷺ، أن يتغوط فيه
هدف أو حائش نخل.
قصيرٌ كأنَّ التُّركَ منهُ جباهُها حنُوقٌ لأعناقِ الجرادينِ أكشفُ
ويروى كأن الترك فيه وجوههم. قصير يعني فرج المرأة أكشف لا شعر فيه، كجبهة الترك.
الجرادين جمع جردان وهو الاير.
تقُولَ وصكَّتْ حُرَّ خدَّي مغيظةٍ على البعلِ غيري ما تزالُ تلهَّفُ
ويروى حري. ويروى على الزوج. ويروى عبري.
أمَا مِنْ كُليبي إذا لمْ تكُنْ لهُ أتانانِ يستغني ولا يتعففُ
إذا ذهبتَ مِنِّي بزوجي حِمارةٌ فليسَ على ريحِ الكُليبيِّ مأسفُ
قال لما بلغ عمارة إلى هاهنا قال يا ابن الفاعلة!
عَلى ريحِ عبدٍ ما أتَى مثلَ ما أتى مُصلِّ ولا مِنْ أهلِ ميسانَ أقلفُ
تقول لا آسف على ريح عبد، لم يأت أحد مثل الذي أتى به، لا مؤمن ولا كافر.
إذا ما احتبتْ لِي دارمٌ عندَ غايةٍ جريتُ إليها جريَ منْ يتغطرَفُ
[ ٢ / ٧٢٨ ]
قوله يتغطرف يعني يسود ويطلب السؤود، والغطريف السيد.
كِلانَا لهُ قومٌ هِمُ يُحلبُونهُ بأحسابِهِمْ حتَّى يُرى منْ يُخلَّفُ
ويروى من تخلفوا. يحلبونه يعينونه وينصرونه. يقال جاءهم مدد من الرجال، وجاءهم حلب من
الرجال أي من يعينهم. ومن ثم يقال قد أحلب عليه جموعا بعد جموع، يريد من يعين عليه.
إلى أمدٍ حتَّى يُزايلَ بينهُمْ ويُوجِعَ مِنَّا النَّخسُ منْ هُوَ مُقرفُ
ويروى يزيل وبيننا. ويروى ويوجع بالنخس الذي هو أقرف. قوله أقرف يريد الهجين المقرف ليس
بعربي، وهو الذي أحد أبويه برذون كما قالت هند:
فإن نتجت مهرا كريما فبالحرى وإن يك إقراف فمن قبل الفحل
عطفتُ عليكَ الحربَ إنِّ إذا ونَى أخُو الحربِ كرَّارُ على القرنِ معطفُ
تُبكي على سعدٍ وسعدٌ مُقيمةٌ بيبرينِ منهُمْ مَنْ يزيدُ ويُضعفُ
ويروى قد كادت على الناس تضعف.
عَلى مَنْ وراءَ الرَّدمِ لَوْ دُكَّ عنهُمْ لماجُوا كَما ماجَ الجرادُ وطوَّفُوا
ويروى وسعد كأهل الردم لوفض عنهم. ويروى لو دك دكة. قوله لو دك عنهم، يعني لو دق الردم
الذي بيننا وبينهم، يريد السد الذي سده ذو القرنين. يقول ماجوا في الأرض أي ملؤوها. وقوله
وطوفوا يقول خرجوا مثل الطوفان فملؤوها كما ملأ الطوفان الأرض.
فهُمْ يعدلُونَ الأرضَ لوْلاهُمْ استوتْ على النَّاسِ أوْ كادتْ تسيرُ فتُنسفُ
ولوْ أنَّ سعدا أقبلتْ مِنْ بلادِها لجاءتْ بيبرينَ اللَّيالي تزحَّفُ
[ ٢ / ٧٢٩ ]
هذا مقلوب، أراد لجاءت يبرين بالليالي، أي بجيش مثل الليالي تزجف. وقوله فتنسف يريد فتقلع
شبههم بالجبال.
يقول لجاءت يبرين بعدد من سعد، مثل عدد رمل يبرين. وقوله الليالي تزحف يريد جاء السيل
والليل في كثرتهم وجمعهم، كالليل يملأ كل شيء سواده، يقول فكذلك تملأ كل شيء عددا.
فأجابه جرير فقال
ألا أيُّها القلبُ الطَّروبُ المُكلَّفُ أفِقْ رُبَّما ينأى هُواكَ ويُسعفُ
قوله ينأى أي يبعد ويسعف يقرب. يقال قد أسعفه بحاجته أي قارب أن يقضيها له. ويروى ربما
ينأى هواك وتسعف.
ظلِلْتَ وقدْ خبَّرتَ أنْ لستَ جازِعًا لربعٍ بِسلمانينِ عينُكَ تذرِفُ
وتزعُمُ أنَّ البينَ لا يشعفُ الفَتى بلىَ مِثلُ بيني يوم لُبنانَ يشعفُ
قوله يشعف يعني يغلب على الغلب، وهو من قوله تعالى ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ وقد شغفها حبا بالعين
والغين، قد قرأ القراء بهما جميعا ومعناهما واحد، وهو أن يغلب على القلب الحب ولا يعقل غيره.
وطالَ حِذاري غُربةَ البينْ والنوَّى وأحدوثةً مِنْ كاشحٍ يتقوَّفُ
قوله من كاشح يعني عدوا مطالبا، وقوله يتقوف. يقول يعني بأمري ويقفو أثري ويكذب علي.
ولوْ علمتْ علمي أُمامةُ كذَّبتْ مقالةَ منْ يَنعى عليَّ ويعنُفُ
[ ٢ / ٧٣٠ ]
ويروى من يبغي عليَّ ويعنف. ينعي علي أو يخبر الناس أخباري وقوله من يبغي علي ويعنف من
يتقول علي ويعنف في القول ويتجنى عليَّ الباطل.
بأهلِي أهلُ الدَّارِ إذْ يسكُنُونها وجادكِ مِنْ دارٍ ربيعٌ وصيِّفُ
قولج وجادك، يقول مطرت مطر الجود هو كثرته. وقوله ربيع وصيف يريد مطر الربيع، ومطر
الصيف قبل القيظ، وفيه المنفعة. ومطر القيظ لا منفعة له، فلذلك قال ربيع وصيف.
سمعتُ الحمامَ الورقَ في رونقِ الضُّحَى بذي السِّدرِ مِنْ وادِي المراضَين تهتفُ #نظرتُ ورائِي#
نظرةُ قادَها الهَوى=وألحَى المهارَى يومَ عُسفانَ ترجُفُ
ويروى نظرت أمامي نظرة. ترجف أي تضطرب في الأرض.
تَرَى العرمسَ الوجناءَ يدمَى أظلُّها وتُحذى نِعالًا والمناسِمُ رُعَّفُ
الأظل ما تحت المنسم من الخف، الوجناء العظيمة الوجنات، قال والعرمس من الإبل الصلبة
الشديدة. وقال الأصمعي العرمس الصخرة، وإنما شبهت الناقة بها إذا كانت صلبة قوية على السفر.
مَددْنا لِذاتِ البغِي حتَّى تقطَّعتْ أزابيُّها والشَّدقميُّ المُعلَّفُ
قوله أزابيها يعني جنوبها ونشاطها، الواحدة أزبية. يقول سرنا عليها حتى ذهب مرحها ونشاطها
بعدما كانت ذات بغي أي نشاط.
صرحنَ حَصَى المعزاءِ حتَّى عُيونُها مُهجِّجَةٌ أبصارُهُنَّ وذُرَّف
[ ٢ / ٧٣١ ]
قوله صرحن يعني ضربن بأرجلهن الحصى لصلابة أخفافها، وقوله مهججة يقول عيونها غائرة، أي
داخلة في الرأس، وذلك للجهد والضمر.
كأنَّ دِيارًا بينَ أسنُمةِ النَّقا وبينَ هذالِيلِ النَّحيزَةِ مُصحفُ
فلستُ بِناسٍ ما تغنَّتْ حمامةٌ وَلا ما ثَوَى بينَ الجناحينِ رفرفُ
ويروى بين الخبيبين. ويروى بين الجنابين رفرف. قال وهو موضع.
دِيارًا مِنَ الحَيِّ الَّذِينَ نُحبُّهُمْ زَمان القِرَى والصَّارِخُ المُتلهِّفُ
هُمُ الحيُّ يربُوعٌ تعادَى جيادُهُمْ عَلى الثَّغْر والكافُونَ ما يُتخَوَّفُ
عليهِم مِنَ الماذيِّ كُلُّ مُفاضَةٍ دِلاصٍ لَها ذَيلٌ حصِينٌ ورفرفُ
ولا يستوِي عقرُ الكرُومِ بِصوأرٍ وذُو التَّاجِ تحتَ الرايةٍ المُتسيَّفُ
المتسيف الذي معه سيفه، والكزوم الناقة المسنة الضعيفة. والمتسيف الذي يقتل تحت الراية بالسيف.
ومولَى تميمٍ حينَ يأوي اليهِم وإنْ كانَ فيهِمْ ثروةُ العزِّ مُنصَفُ
قوله مولي تميم، يريد ابن عمهم. وهو من قوله تعالى ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي﴾ وهم بنو
العم. وقوله منصف غير مظلوم، وهذا مثل قول الفرزدق: منازيل عن ظهر القليل كثيرنا.
بَنِي مالِكٍ جاءَ القُيونُ بمُقرِفٍ إلى سابِقٍ يجرى ولاَ يتكلَّف
المقرف الهجين يعني الفرزدق. والسابق يعني نفسه.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
ومَا شَهِدَتْ يومَ الأيادِ مُجاشِعٌ وذَا نجبٍ يومَ الأسِنَّةِ ترعفُ
ويروى يوم العبيط. قال وكان من حديث الاياد، حدثنا أبو عثمان قال، قال أبو عبيدة: