هو فارس زبيد، وشاعرها قبل الإسلام وبعده، ويُكنى: أبا ثور، واسمه: عمرو بن معديكرب الزبيدي، وينتهي نسبه إلى زبيد، فهو قحطاني الأصل، ويدعوه أبو عبيدة: فارس اليمن، ويقدمه على زيد الخيل في الشدة والبأس١. وهو ابن خالة الزبرقان بن بدر، وخال قيس بن مكشوح المرادي، الشاعر الفارس٢.
ويبدو أن أباه كان سيدًا وجيهًا في قومه، ومن ذوي الرياسة والزعامة فيهم، وكان معروفًا بالنجدة والفروسية، وأمه امرأة من جرم، من قضاعة، من بني الحارث بن كعب، وكانت قد ارتحلت مع قومها إلى بني زبيد، هربًا من ثأر لبني الحارث٣.
ونشأ عمرو في حجرها نشأة لاهية عابثة، واشتهر في صباه بالانصراف إلى الشراب والنهم، فلم يتوسم فيه أبوه خيرًا، وأطلق عليه لقب: المائق؛ أي: الأحمق الذي لا رجاء فيه، فكان أن عرف بمائق بني زبيد٤.
وتعرض عمرو في شبابه لتجربة صعبة، صقلته وعجمت عوده، وحققت أخيرًا ذاته، فرسخت مكانته في قومه، وهي تجربة شبيهة بالتجربة التي صهر خلالها أسود بني عبس وامرؤ القيس.
فقد حدث أن شنت قبيلة خثعم غارة على بني زبيد، فأخذ أبوه يجمع قومه استعدادًا لصدها، وجاء عمرو إلى أخته فقال: "أشبعيني فإن غدًا الكتيبة"، وجاء أبوه فأخبرته ابنته بما كان من عمرو، فكأنما استكثر عليه أبوه اهتمامه بالكتيبة في غده، واستعداده لها، فقال: هذا المائق يقول ذلك سليه ما يشبعه فقال: فرق من ذرة، وعنز رباعية، وكان الفرق يومئذ ثلاثة آصاع. فصنع له ذلك، فأتى عليه جميعه ثم نام.
_________________
(١) ١ الأغاني "الساسي" ج١٤، ص٢٤. ٢ المرجع السابق وابن قتيبة ج١، ص٢٣٢. ٣ الخزانة ج٣، ص٤٢٢. ٤ الأغاني ج١٤، ص٢٤.
[ ١٧٩ ]
وفي الصباح أتتهم خثعم مغيرة، واشتد القتال بين القبيلتين، واستيقظ عمرو من نومه فنظر فرأى لواء أبيه مرفوعًا، فركن إلى النوم، وبعد فترة رفع رأسه ثانية فإذا بلواء أبيه قد نزل، فهَمَّ مندفعًا يريد المعركة. وفي الطريق لقي أباه منهزمًا، فقال له: انزل عن فرسك فاليوم ظلم، فقال له أبوه: إليك يا مائق، ولكن جمعًا من العشيرة نصحوا معديكرب بأن يخلي بينه وبين طلبته، فإن قتل كفى مؤنته، وإن ظهر كان شرفًا له، فألقى أبوه إليه سلاحه، فركب وظل يرمي خثعمًا بنفسه حتى خرج من بين أظهرهم ثم كر عليهم، وفعل ذلك مرارًا، فحملت زبيد، وهُزمت خثعم، واستحق عمرو يومئذ أن يلقب بفارس زبيد١.ويصبح عمرو وكأنما اشترى نفسه وكرامته بهذه التجربة التي غيرت وضعه في قومه، وجعلته فارسهم بلا منازع.
وأخذت أخباره تذيع، ووقائعه ومغامراته تترى بعد ذلك، حتى أصبح معلومًا أنه لا يخشى أحدًا من أبطال العرب وفرسانهم، وكان يقول في ذلك: "لو سرت بظعينة وحدي على مياه معد كلها ما خفت أن أغلب عليها، ما لم يلقني حراها أو عبداها، فأما الحران: فعامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب، وأما العبدان: فأسود بني عبس -يعني عنترة- والسليك بن السلكة، وكلهم قد لقيت، فعامر سريع الطعن على الصوت، وعتيبة أول الخيل إذا غارت، وآخرها إذا آبت، وعنترة قليل الكبوة شديد الجلب، والسليك بعيد الغارة"٢.
وقد تحدث عنه فرسان العرب حديثًا شبيهًا بحديثه عنهم، فعندما سئل: ماذا نقول في العباس بن مرداس؟ قال: أقول فيه ما قال في:
إذا مات عمرو قلت للخيل أوطئوا زبيدًا فقد أودى بنجديها عمرو٣
وقد هيأت له خلائقه الجسمانية إلى جانب ما يتمتع به من شجاعة وجرأة وحب للمغامرة أن يكون الفارس الذي لا يفضل عليه فارس من العرب٤، ذلك أنه كان ذا
_________________
(١) ١ الأغاني ج١٤، ص٢٤، ٢٥. ٢ الأغاني ج١٤، ص٢٧. ٣ المرجع السابق. ٤ الإصابة ج٥، ص٢.
[ ١٨٠ ]
قوة خارقة وضعته بين الأبطال الأسطوريين، فرويت عنه في ذلك روايات طريفة، تدل على شدته وضخامته ونهمه، من مثل ما يروى من أن رجلًا جاءه وهو واقف على فرس له بالكناسة بعد أن جاوز المائة، فقال الرجل في نفسه: لأنظرن ما بقي من قوة أبي ثور، وأدخل يده بين ساقيه وبين السرج، وفطن عمرو فضمهما عليه وحرك فرسه، فجعل الرجل يعدو مع الفرس، وهو لا يقدر أن ينتزع يده، حتى إذا بلغ منه، قال عمرو: يابن أخي، ما لك؟ قال: يدي تحت ساقك، فخلى عنه وقال له: يابن أخي، إن في عمرك لبقية١.
وكان عمر بن الخطاب إذا رآه يقول: الحمد لله الذي خلقنا وخلق عمرًا، تعجبًا من عظم خلقه٢. وتروى له حادثة مع عمر تدل على أن نهمه لم يفارقه في شيخوخته، إذا انطلق مرة إلى المدينة وجاء عمر في مسألة، فإذا به يغدي الناس، وقد جفن لعشرة عشرة، فأقعده عمر مع عشرة فأكلوا ونهضوا ولم يقم عمرو، فأقعده مع تكملة عشرة، حتى تم له الأكل مع ثلاثين، ثم قام فقام: "يا أمير المؤمنين، إنه كانت لي مآكل في الجاهلية منعني منها الإسلام، وقد صررت في بطني صرتين وتركت بينهما هواء فسده"، قال عمر: "يا عمرو، عليك حجارة من حجارة الحرة فسده به"٣.
وكانت له أخلاق البدوي في شجاعته ونجدته، مع غير قليل من الإسراف في تصوير بطولته إلى درجة الكذب، وتروى في ذلك قصة طريفة وهي: أنه كان يذهب مع الأشراف إلى الكوفة يتناشدون الأشعار، ويتذاكرون أيام الناس كعادتهم، وقف مرة إلى جانب خالد بن الصقعب النهدي، وأقبل عليه يحدثه ويقول: أغرت على بني نهد، فخرجوا إلى مسترعفين بخالد بن الصقعب وهو يتقدمهم، فطعنته طعنة فوقع، وضربته بالصمصامة حتى فاضت روحه، فقال له الرجل: "يا أبا ثور، أنا مقتولك الذي تحدث"، فقال عمرو: "اللهم غفرا، إنما أنت بمحدث فاستمع إنما نتحدث بمثل هذا وأشباهه لنرهب هذه المعدية! "٤.
_________________
(١) ١ الأغاني ج١٤، ص٢٠. ٢ الأغاني ج١٤، ص٢٧. ٣ الأغاني ج١٤، ص٣١. ٤ نفس المرجع.
[ ١٨١ ]
وهكذا تحاول الروايات دائمًا أن تصور عمرًا كاذبًا، والحقيقة أنه ليس كذلك على طول الخط، وإنما كان يكذب فقط حينما يتفاخر، فيغالي في وصف شجاعته وجرأته. وقد سئل في ذلك خلف الأحمر فقال: كان عمرو يكذب باللسان ويصدق بالفعال١.
ويبدو أنه بعدما تخلص من لقب المائق تخلص من بعض غروره وتهوره أيضًا، فقد بدأ بذلك حياة جديدة. ويروى أن الصمة بن بكر أغار على قومه فاستاق إبلهم، وسبى -فيمن سبى- أخت عمرو، وكانت تُدعى ريحانة، فتبعه عمرو، ومعه أخوه عبد الله، وفي الطريق رجع عبد الله وتبعه عمرو وحده يناشده أن يخلي عن أخته فلم يستجب له، ولما يئس رجع وهي تناديه بأعلى صوتها: يا عمرو، وهو يقول وصوتها يرن في أذنه:
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحاب هجوع
سباها الصمة الجشمي غصبا كأن بياض غرتها صديع
وحالت دونها فرسان قيس تكشف عن سواعدها الدروع
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع٢
ويذكر أن ربيعة بن مكدوم، أحد فرسان العرب المشهورين طعن عمرًا ذات مرة فألقاه عن فرسه وأخذه، ثم لقيه مرة أخرى فضربه، فوقعت الضربة في قربوس فرسه فقطعته، حتى عض السيف بجسد الفرس، فلم يكن من عمرو إلا أن سالمه وتركه وانصرف٣. فلا عجب إذا رأينا هذا الفارس المقدام يتحدث عن فراره ونجاته، حذر الموت تعقلًا منه، وإيثارًا للسلام، فيقول:
ولقد أجمع رجلي بها حذر الموت وإني لفرور
ولقد أعطفها كارهة حين للنفس عن الموت هرير
كل ذلك مني خلق ولكل أنا في الروع جدير٤
_________________
(١) ١ نفس المرجع. ٢ الأغاني ١٤، ص٣١. ٣ نفس المرجع. ٤ ابن قتيبة ج١، ص٣٣٤.
[ ١٨٢ ]
ويفسر هذا التعقل الذي صار لعمرو تسامحه وميله للمسالمة، وإيثاره للخير، فقد قتل أخوه عبد الله فآثر أن تدفع إليه ديته، ولكن أخته اعترضت وقالت في ذلك شعرًا تعيره فيه، وتعرض به:
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم فمشوا بآذان النعام المصلم
ودع عنك عمرًا إن عمرًا مسالم وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم١
وهذه المسألة ليست من قبيل الجبن في طبيعة عمرو بالذات، وإنما هي نتيجة لرزانة حكيمة وتعقل، وبسبب من هذا التعقل وذلك الذكاء حث عمرو ابن أخته قيس بن مكشوح المرادي على أن ينطلق معه ليريا أمر محمد، حينما انتهى إليهما، ولما عصاه قيس ركب هو في وفد من زبيد، وانطلقوا إلى المدينة بعد أن قال في مخالفة قيس شعرًا يلومه فيه.
وكان لقاؤه للنبي ﷺ سنة تسع للهجرة على أرجح الأقوال٢، ثم ما نلبث حتى نسمع بارتداده ومتابعته للأسود العنسي، ويقول في هجاء فروة بن مسيك المرادي، الذي كان على صدقات مراد:
وجدنا ملك فروة شر ملك حمار ساف منخره بقذر
وإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر٣
ونسمع بعد ذلك بأن أبا بكر ﵁ عقد لواء للمهاجر بن أمية المخزومي، لقتال جنود العنسي، ولقتال عمرو بن معديكرب، وقيس بن مكشوح المرادي، ورجالهما. وبدافع من الطمع انضم للأسود العنسي، فلما قتل لم تهدأ ثورة أنصاره، بل جعل فرسانهم يجوبون البلاد فيما بين نجران وصنعاء، لا يأوون إلى أحد، ولا يأوي إليهم أحد. وانتهز عمرو الفرصة، فحاول اقتناص السلطان من طريق الثورة، ما دام قد فشل في ذلك بالانضمام إلى العنسي.
_________________
(١) ١ نفس المرجع. ٢ الاستيعاب ص٣٥١. ٣ الأغاني "الساسي" ج١٤، ص٢٦.
[ ١٨٣ ]
وعندما استعان فيروز بأبي بكر على قيس بن يغوث وعزز أبو بكر مكانته راح قيس وعمرو يعيثان في البلاد فسادًا. ولكنهما لم يلبثا أن تخاصما وتهاجيا. وأدركهما مجيء المهاجر، وأيقن أهل اليمن جميعًا أن ثورتهم مقضي عليها لا محالة، فانتهز عمرو الفرصة كدأبه، وأراد أن ينجو بنفسه فهاجم حليفه، الذي كان متفقًا معه على لقاء المهاجر، وأخذه إليه أسيرًا، وعند ذلك قبض المهاجر عليهما معًا، وبعث بهما إلى أبي بكر ليرى فيهما رأيه، بعد أن أخذ سيفه المسمى بالصمصامة وأوثقه.
ونظر الصديق إلى عمرو وقال له: "أما تخزى أنك كل يوم مهزوم أو مأسور، ولو نصرت هذا الدين لرفعك الله؟ " فقال عمرو: "لا جرم لأفعلن، ولن أعود". فأخلى أبو بكر سبيله وردَّه إلى عشيرته؛ ليعود بعد ذلك إلى المدينة حيث يسيره الخليفة إلى الشام١.
وقد ميزت هذه الخلة الانتهازية في طباع عمرو أخلاقه جميعها، فإذا هو نفعي ونهاز، وترتيب على ذلك رقة دينه التي لازمته طول حياته، فلم يكن له من دينه ما ينهاه عن المحرمات في الإسلام. ويروى عنه في هذا الصدد أن صديقه عيينة بن حصن نزل عليه زائرًا في محلة زبيد، بعد بناء الكوفة، وكان عيينة نديم شرابه في الجاهلية، فوقف ينادي ببابه: "أي أبا ثور، اخرج إلينا"، فخرج إليه مؤتزرًا مرحبًا بقوله: "أنعم صباحًا أبا مالك"، فقال عيينة: "أوليس قد أبدلنا الله تعالى بهذا السلام عليكم؟ " فقال عمرو: "دعنا مما لا نعرف، انزل فإن عندي كبشًا سياحًا" فنزل، وعمد عمرو إلى الكبش فذبحه، وألقاه في قدر وطبخه، حتى إذا نضج جاء بجفنة عظيمة، فثرد فيها، وأكفأ القدر عليها، فقعدا فأكلاه. ثم قال لضيفه: "أتشرب اللبن، أم ما كنا نتنادم عليه في الجاهلية؟ " قال عيينة: "أوليس قد حرمها الله ﷿ علينا في الإسلام؟ " قال عمرو: "أنت أكبر سنًّا أم أنا؟ " قال: "أنت"، قال: "فأنت أقدم إسلامًا أم أنا؟ " قال: "أنت"، قال: "فإني قد قرأت ما بين دفتي المصحف فما وجدت لها تحريمًا، إلا أنه قال: فهل أنتم منتهون؟ فقلنا: لا، فسكت وسكتنا". فقال عيينة: "أنت أكبر سنًّا وأقدم إسلامًا"، فجلسا يتناشدان ويشربان، ويتذاكران أيام الجاهلية حتى أمسيا، فلما أراد عيينة الانصراف قال
_________________
(١) ١ أسد الغابة ج٤، ص١٣٣.
[ ١٨٤ ]
عمرو: "لئن انصرف أبو مالك بغير عطاء إنها لوصمة عار"، فأمر بناقة عظيمة له، وبأربعة آلاف درهم، ورفض عيينة المال، وأخذ الناقة وانصرف عليها ينشد:
جزيت أبا ثور جزاء كرامة فنعم الفتى المزدار والمتضيف
قريت فأكرمت القرى وأفدتنا تحية علم لم تكن قط تعرف
وقلت: حلال أن ندير مدامة كلون انعقاق البرق والليل مسدف
وقدمت فيها حجة عربية ترد إلى الإنصاف من ليس ينصف
وأنت لنا -والله ذي العرش- قدوة إذا صدنا عن شربها المتكلف
يقول أبو ثور: أحل حرامها وقول أبي ثور أسد وأعرف١
وهكذا يؤكد أن الإسلام لم يتعمق روحه، كما لم يعن هو بتعمقه، فظل على الخمر والتنادم عليها بذكر أيام الجاهلية وما يعرف ويألف من كلماتها، في الوقت الذي يرفض فيه تحية الإسلام التي لا يألفها. ثم هو ينتحل على الدين فتوى يحلل بها حرامًا بغير تحرج متظرفًا، وكأنما يخدع نفسه.
وربما نتساءل عن السبب الذي من أجله أبقى عليه المهاجر فلم يقتله، وهو أحد رءوس الفتنة في ثورة اليمن وارتداد أهله، وعن السبب الذي من أجله أبقى عليه الصديق كذلك. فلا ريب في أن المهاجر خشي ما قد يترتب عليه قتله لعمرو، وهو يعرف مكانته في قومه. ولا ريب أيضًا في أن أبا بكر رأى بثاقب رأيه ما يمكن أن يحققه عمرو إذا ما كان سيفًا من سيوف الإسلام، وتجلى ذلك في معاتبته، ودعوته الصريحة إلى نصرة دين الله.
وبرغم أن عمرًا أبلى في نصرة هذا الدين بلاء رائعًا، فقد ظل رقيق الدين طوال حياته، لا يرجع عن اتباع هواه، ولا يرتدع، فظل يعاقر الخمر، ولكن ذلك لم يكن ليسلبه قدره في الانتصار للدين، حتى ليقول عنه سعد بن أبي وقاص حينما وقع في حد الخمر ذات مرة: "لقد كان له يوم القادسية موطن صيم الفناء شديد النكاية للعدو" فقيل لسعد: فقيس بن مكشوح، فقال: "هذا أبذل لنفسه من قيس"٢.
_________________
(١) ١ الأغاني ج١٤، ص٢٩. ٢ الأغاني ج١٤، ص٣١.
[ ١٨٥ ]
ولم يكن عمرو شديد النكاية بالعدو لقوة إيمانه بالإسلام، ولا لاعتقاده بوجوب الذب عنه، واكتساب أرض جديدة له، ولدعوة العالمين إليه. وإنما كان قوي الإيمان بنفسه فحسب، مخلصًا لماضيه وحده، ولبطولاته السابقة، فهو حينما يبذل نفسه لا يبذلها من أجل العقيدة أو الفكرة، وإنما من أجل مجده الشخصي، ومن أجل اسمه الذي لا يزال يتضوأ بمغامراته في الجاهلية، فإذا به يعتز بهذا الماضي اعتزازًا بعيدًا، يصور ذلك قوله:
وليس يعاب المرء من جبن يومه إذا عرفت عنه الشجاعة بالأمس
ولا ريب في أن ولاة أمور المسلمين قد عرفوا عنه هذا، فظلوا على تألفه واصطناعه، وإن كانت ثقتهم به غير متينة؛ لأنهم أيقنوا فيه أنه ربما لا يخلص في نصرة الدين، ولكنه لا يفرط في الإخلاص لنفسه ولاسمه، مهما كان ضعف إيمانه.
ولهذا نرى ابن الخطاب ﵁ يكتب إلى النعمان بن مقرن في نهاوند بأن يستشيره في كل أمور الحرب على ألا يوليه عملًا١. ونراه في القادسية وسعد يقسم الفيء فيصل عطاء الفارس ستة آلاف يقبضها عمرو، ثم يزيده سعد في أهل البلاء خمسمائة، ولكنه لا يقنع؛ إذ تبقى بعد ذلك شيء كثير، رأى سعد أن يرسل به إلى المدينة ليسأل الخليفة عما يفعل به، فيرد عمر: "بأن رد على المسلمين الخمس، وأعط من لحق بك ولم يشهد الواقعة"، ونفذ سعد أمر عمر، فبقي لديه ما اضطره أن يبعث إلى عمر يسأله عما يفعل به، فأمر عمر بأن يوزع في حملة القرآن. كل هذا وعمرو يتململ. وبينما سعد ينفذ أمر الخليفة إذ أتاه عمرو طامعًا في أن يكون له حظ مع حملة القرآن. وسأله سعد: ما معك من كتاب الله تعالى؟ فحك عمرو رأسه ثم أجاب بعد لحظات: إني أسلمت باليمن ثم غزوت، فشغلت عن حفظ القرآن، عند ذلك أبَى سعد أن يجعل له من مال الحفاظ نصيبًا، فإذا عمرو يقول:
إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد قالت قريش: ألا تلك المقادير
نعطى السوية من طعن له نفذ ولا سوية إذا تعطى الدنانير٢
_________________
(١) ١ ذيل الأغاني ج١، ص١٤٤. ٢ الأغاني ج١٤، ص٣٩.
[ ١٨٦ ]
وكتب سعد بهذا إلى عمر، فكتب عمر إليه بأن يعطيه على بلائه، فأعطاه ألفي درهم.
وكان عمر بن الخطاب يثق بقدرته الحربية ثقة كبيرة، ويتجلى ذلك في المقابلة التي تمت بينهما، حين أرسله إليه سعد بن أبي وقاص عقب القادسية وراح عمر يسأله عن أحوال المجاهدين، وعن سعد في جنده فقال عمرو: هو لهم كالأب.. أعرابي في نمرته، أسد في تامورته، نبطي في حبوته، يقسم بالسوية، ويعدل في القضية، وينفر من السرية، وينقل إلينا حقنا كما تنقل الذرة، وكان سعد قد كتب إلى الخليفة يثني على عمرو ويذكر بلاءه فقال عمر: "لشد ما تقرضتما الثناء"، ثم أخذ يسأله عن الحرب، فقال عمرو: مرة المذاق إذا قلصت عن ساق، من صبر فيها عرف، ومن ضعف فيها تلف، وهي كما يقول الشاعر:
الحرب أول ما تكون فتية تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا استعرت وشب ضرامها عادت عجوزًا غير ذات خليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرت مكروهة للشم والتقبيل
فعاد عمر يسأله عن السلاح فقال عمرو: "الرمح أخوك، وربما خانك، والنبل منايا تخطئ وتصيب، والترس هو المجن، وعليه تدور الدوائر، والدرع مشغلة للفارس، متعبة للراجل، وإنها لحصن حصين". ثم سأله عن السيف فقال: "ثم قارعتك أمك عن الثكل". فقال عمر: "بل أمك قارعتك" فقال عمرو: "الحمى أضرعتني"١. وخرج عمرو والخليفة يعلوه بالدرة، ثم ما لبث أن قال عند منصرفه في الطريق:
أتوعدني كأنك ذو رعين بأنعم عيشة أو ذو نواس
فكم قد كان قبلك من مليك عظيم ظاهر الجبروت قاس
فأصبح أهله بادوا وأمسى ينقل من أناس في أناس
فلا يغررك ملكك كل ملك يصبر مذلة بعد الشماس٢
_________________
(١) ١ ابن قتيبة ج١، ص٣٣٣، ٣٣٤، البلاذري ص٢٨٧، ٢٨٨. ٢ مروج الذهب ج٢، ص٢١٧.
[ ١٨٧ ]
وتكشف الأبيات عن جاهلية في نفسه. وتفيض الروايات بذكر بلاء عمرو وتفانيه في الفتوح، مما يثبت بعد نظر أبي بكر يوم وهبه حياته، فكان عند حسن ظنه، فأبلى في كل وقعة شهدها بلاء حسنًا، شهد اليرموك، وقيل عنه يومها: إنه كان أشرف رجل برز؛ ذلك أنه خرج إليه علج فقتله، ثم آخر فقتله، وهكذا.. وانهزم الروم ولم يتوقف، وتبعهم حتى أفنى جمعًا عظيمًا منهم. ولكن الرواسب الجاهلية تبرز في سلوكه عندما ينصرف إلى خباء له فينزل ثم يدعو بالجفان، ويدعو من حوله، والناس يتساءلون عنه فيقال لهم: إنه عمرو بن معديكرب فارس اليمن١، وبرغم أن عينه أصيبت يوم اليرموك فإن ذلك لم يثنه عن مواصلة الجهاد٢.
وتحول عمرو إلى العراق، فشهد مع أبي عبيد بن مسعود الثقفي وقعة الجسر٣، ثم شهد مع سعد بن أبي وقاص القادسية. وبالطبع لا بد أن يكون قد شهد مع المثنى المعارك التي كانت بين الجسر والقادسية، وإن كنا لا نجد له أخبارًا فيها ولا شعرًا. وكتب عمر إلى سعد بالقادسية بأن يصدر عن مشورة عمرو في الحرب٤، وعده عمر بمقام ألف رجل٥، وأخذ عمرو يباشر المعركة، ويمر بين صفوف المسلمين، يحمسهم ويدفعهم بنداءاته: "كونوا أسودًا أشداء، فإن الفارس إذا ألقى رمحه تيس".. "ألزموا خراطيم الفيلة السيوف، فإنها ليس لها مقتل إلا خراطيمها" وكاد أن يقتل أكثر من مرة؛ إذ أصابته فجأة في سية قوسه نشابة، فحمل على من رماه فطعنه ودق صلبه، ونزل إليه فأخذ سلبه٦.
ويروى أنه حمل في هذا اليوم وحده، وجعل يضرب الفرس حتى لحق به المسلمون، وقد أحدق به الأعداء وهو يضرب فيهم بسيفه، فنحوهم عنه٧. كما يذكر
_________________
(١) ١ الإصابة ج٥، ص١٩. ٢ نفس المرجع. ٣ الاستيعاب ص٣٥٢. ٤ أسد الغابة ج٤، ص١٣٤. ٥ الإصابة ج٥، ص١٩. ٦ نفس المرجع. ٧ نفس المرجع.
[ ١٨٨ ]
أنه كانت له طريقة بارعة وعجيبة في قتال الفرس؛ إذ يقاتل فارسًا ثم يقتحم عن فرسه فيربط مقوده في حقوه، فيقاتل آخر، وهكذا كان يفعل بالعدو الأفاعيل١. وأنه شد في نفر من المسلمين يضربون خراطيم الفيلة حتى بلغوا رستم فضرب فيله فجذم عرقوبيه فسقط، وسقط رستم، وحمل على فرس، لو قتل بين نفر من الفرسان تنازعوا دمه، وقال عمرو في ذلك ينسب هذا العمل إلى نفسه:
ألمم بسلمى قبل أن تظعنا إن لنا من حبها ديدنا
قد علمت سلمى وجاراتها ما قطر الفارس إلا أنا
شككت بالرمح حيازيمه والخيل تعدو زيما بيننا٢
وعجيب أن يفعل عمرو هذه الأفاعيل، وهو طاعن في السن، حتى إنه يروي تجاوزه المائة في القادسية، وما كان من ضخامة جثته، فكان آخر قومه في عبور نهر القادسية، وفرسه تئن من ثقله٣.
وتروي بعض الروايات أنه قد استشهد بالقادسية، أو مات عطشًا بها، ولكن هذه الرواية لا تتفق وما يذكر متواترًا عن بلائه في نهاوند، وما كان من استشارته في المؤتمر الذي عقده النعمان بن مقرن للتدبر في إخراج الفرس من حصونهم، بناء على أمر الخليفة، الذي أرسل إلى النعمان: "بأن في جندك عمرو بن معديكرب، وطليحة بن خويلد، فأحضرهما، وشاورهما في أمر الحرب".
ويذكر أنه كان له رأي صائب في الخطة التي قررت، وعندما قتل النعمان، وتولى حذيفة تراجع المسلمون، ولكن عمرًا ظل يقاتل في أهل النجدات من المسلمين، إلى أن جاءه كمي القوم فاعتنقه عمرو وقتله، وأصيب بجراحة أثبتته، وفتح الله على المسلمين، فأخذ عمرو ينشد شعرا، يفخر فيه ببلائه وهو يحتضر، ودهمه الفالج أثناء ذلك فمات به، عند قرية تُدعى "روذة" من قرى نهاوند، فرثاه أحد المسلمين بقوله:
_________________
(١) ١ الأغاني ج١٤، ص٢٨. ٢ الأغاني ج١٤، ص٢٩. ٣ الأغاني ج١٤، ص٢٨.
[ ١٨٩ ]
لقد غادر الركبان حين تحملوا "بروذة" شخصًا لا جبانا ولا عمرا
فقل لزبيد بل لمذجح كلها رزئتم أبا ثور قريع الوغى عمرا
فإن تجزعوا لا يغن ذلك عنكموا ولكن سلوا الرحمن يعقبكم صبرا١
وتذكر بعض الروايات: أن شاعرنا عمَّر بعد نهاوند حتى شهد صفين، ومات في عهد معاوية. ولكن هذه الرواية تبدو مدفوعة إلى المغالاة في امتداد عمره، ولو صح أنه شهد القادسية وهو ابن مائة وعشر -كما يروي أبو عبيدة- فإنه يكون قد مات وعمره قرن ونصف، والصحيح الذي يمكن أن يتفق وكثرة الروايات الموثوق بها أنه مات مفلوجًا بروذة كما تقدم٢.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ج٤، ص١٣٤، الاستيعاب ص٣٥٢. ٢ أسد الغابة ج٤/ ١٣٤، الإصابة ج٥/ ٢٠، ابن قتيبة ج١، ص٢٣٤، الأغاني ج١٤/ ٣١، ذيل الأمالي ج١/ ١٤٤.
[ ١٩٠ ]