هو خير نموذج لهؤلاء الشعراء الذين أنطقتهم الفتوح بالشعر، وإنه لمن النادر أن نصادف شاعرًا مثله، له نفس خصائصه أو خصائص قريبة منها.
كانت حياته كلها هجرة في سبيل الله ورسوله وفي طاعتهما، ويضعه بعض المصنفين في آخر طبقة المخضرمين من الفرسان الجشعان١، لكننا لا نعرف شيئًا واضحًا عن جاهليته يفيد معرفة بشأنه وبماضيه؛ إذ تخلو جميع المصادر من أية إشارة إلى شيء من هذا القبيل. فلا نعرف له من ثم أدنى اهتمام بشيء قبل الإسلام، وليس له ماضٍ ينميه ولا اسم يعتز به، ويعيش على الإخلاص له، ولا شيء ثمة إلا إسلامه وإيمانه القوي وعقيدته الراسخة، حتى ليخيل للدارس أن حياته لم تبدأ إلا بالإسلام.
وهكذا نجد جميع المصادر تخلو من الإشارة العابرة إلى مولده ونشأته، وإنما تبتدئ جميعها من نقطة واحدة، هي إسلامه، ذلك أنه الحقيقة الكبيرة البارزة والفاعلة في حياته كلها.
فقد أسلم القعقاع، وكانت له صحبة٢، وشهد وفاة النبي ﷺ، وكان الذي نقل إلى المسلمين آنذاك نبأ اجتماع الأنصار على استخلاف سعد بن عبادة٣. وظاهر من هذه الروايات أن القعقاع قد نشأ في حجر النبي ﷺ وكنف صحابته فتى من فتيان المسلمين، الذين آمنوا بربهم وزادهم ربهم هدى، فتأدبوا بآداب الإسلام، وتعلموا في مدرسة الرسول ﷺ، ورسخ اعتقادهم بما أعده الله للمؤمنين المجاهدين من عباده،
_________________
(١) ١ المستطرف ج١، ص١٧٩. ٢ الإصابة ج٥، ص٢٤٤. ٣ الإصابة ج٥، ص٢٤٤.
[ ٢٠١ ]
فازدادوا بأسًا، وامتلئوا شجاعة، فباعوا أنفسهم في سبيل الله وفي طاعته، هكذا تعلموا في مدرسة الوحي: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٤-٦] .
راح الفتى المؤمن في هذا الجو يكتسب صفات الفارس الإسلامي، ويسأله رسول الله ﷺ ذات يوم: "ماذا أعددت للجهاد يا قعقاع"؟ فيجيب: "طاعة الله ورسوله والخيل". فيقول الرسول ﷺ: "تلك الغاية" ١. فهذا جوابه للنبي لا يخرج عما تعلمه في مدرسة الوحي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٠-١٣] .
ولهذا حظي الفتى المؤمن بحب الصدر الأول من الصحابة، فكان لأبي بكر فيه ثقة بالغة ورأي حسن، حتى ليقول عنه: "لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل"٢. وقد أرسله أبو بكر على رأس حملة لتأديب علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص، الذي كان ارتد في حياة الرسول ﷺ وخرج على رأس كلاب وحلفائها، بعد فتح الطائف حتى لحق بالشام، فلما قبض الرسول ﷺ أقبل مسرعًا حتى عسكر في بني كعب مقدمًا رجلًا ومؤخرًا أخرى، وبلغ ذلك أبا بكر فبعث القعقاع وقال له: "سر حتى تغير على علقمة لعلك تأخذه لي أو تقتله، فاصنع ما عندك". وكان الفتى عند حسن ظن الخليفة. فإنه ما لبث حتى أغار على الماء الذي عليه علقمة، فاستبى نساءه وبناته وامرأته، وقدم بسبيه وبعلقمة أسيرًا على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
_________________
(١) ١ الإصابة ج٥، ص٢٤٤. ٢ الإصابة ج٥، ص٢٤٤، أسد الغابة ج٤، ص٢٠٧. ٣ الأغاني "الساسي" ج١٥، ص٥٥، ٥٦.
[ ٢٠٢ ]
وأخذت ثقة أبي بكر تزداد به وتعظم، وعندما استمده خالد بن الوليد عند منصرفه إلى العراق أمده به، فقيل له: أتمده رجلًا انفض عنه جنده برجل؟ فأجاب أبو بكر: "لا يهزم جيش فيه مثل القعقاع"١.
وقد أيدت الحوادث ثقة أبي بكر، فلم يهزم جيش كان فيه القعقاع خلال الفتوح في العراق والشام، فقد كان صمام أمن المسلمين في كل معركة اشترك فيها، وإن لم يكن قائدها؛ إذ يكون المسلمون أقرب ما يكونون إلى الهزيمة فإذا به يلوح في الأزمات فيبدل هزيمتهم نصرًا مؤزرًا، مثله مثل السهم الأخير في الْجَعْبَة، وقد صدق حين قال عن نفسه في هذا المعنى:
يدعون قعقاعًا لكل كريهة فيجيب قعقاع دعاء الهاتف٢
_________________
(١) ١ الإصابة ج٥/ ٢٤٤. ٢ الإصابة ج٥/ ٢٤٥.
[ ٢٠٣ ]