ليس ثمة شك يقتضي التدليل والبرهان على أن الإسلام قد خلق قيمًا جديدة في حياة العرب، وأن هذه القيم قد امتد أثرها إلى كافة مجالات الحياة العربية ومظاهرها، بما في ذلك الشعر الذي طبع بطوابع إسلامية جلة في شكله ومضمونه.
فقد أدت ظروف الفتح المادية والنفسية إلى إحداث تغيير في شكل الشعر الذي صدر في الفتوح. فاختفت المقدمات الغزلية والطللية، وانكمشت القصائد فصارت مقطعات قصيرة، فضاقت من ثم عن استيعاب أكثر من غرض واحد من أغراض الشعر؛ لتكون متفقة مع قصر النفس الشعري؛ بسبب اهتمامات القتال، ولتطير على ألسنة الشعراء العاديين الذين راحوا يودعون الأبيات القصيرة من القصيد والرجز مشاعرهم، ويتخذونها أداة سريعة للتعبير عن ذوات أنفسهم، وحمل ما بنفوسهم من أحاسيس.
ولعل الطوابع الإسلامية التي طبعت المضمون في هذا الشعر أوضح الطوابع التي تعرض للتأثر بها وأعمقها على الإطلاق. فلو تصفح الدارس شعر الجهاد وهو يمثل كثرة شعر الفتوح لوجده في مجموعه يذهب في الفخر، والإشادة ببلاء المسلمين، وتصوير نكايتهم بالعدو كمجموع متحد الوجدان؛ ولذا يسم الشعر في كثرته استخدام ضمير الجماعة بشكل ملحوظ.
وهذه الجماعة بطبيعة الحال ليست القبيلة أو العشيرة، وإنما هي جماعة المسلمين الكبيرة، التي استوعبت كل العلاقات العصبية والقبلية، القائمة على وشائج القربى والدم والنسب، فنسختها في إطار وجداني قومي وفكري، يقوم على أواصر الإنسانية والأخوة والعقيدة والمساواة، وراح الشعراء يصدرون عنه.
[ ٢٤٩ ]
ونحن بطبيعة الحال لا نعدم أن نجد شعراء يتغنون بقبائلهم، غير أن ذلك لم يحدث إلا نادرًا، عندما يتصادف أن يجتمع نفر كبير من قبيلة بعينها في ميدان معركة واحدة، كما حدث لجمع بني أسد، الذين استشهد منهم عدد كبير في مقتلة الفيل يوم القادسية، وأخذ بعض شعرائهم يصورون ما قاموا به من الفداء، ويشيدون بما أبدوا من ضروب البسالة والتضحية، ويفخرون بقومهم، ولكنهم يفخرون بإسلامهم، وبطاعتهم لربهم وبذلهم في سبيله، كما في مقطوعة نافع بن الأسود التميمي، التي يقول فيها عن قومه:
هم أهل عز ثابت وأرومة وهم من معد في الذرا والغلاصم
وهم يضمنون المال للجار ما ثوى وهم يطعمون الدهر ضربة لازم
ثم يقول:
ولما أتى الإسلام كانوا أئمة وبادوا معدا كلها بالجرائم
إلى هجرة كانت سناء ورفعة لباقيهم فيهم وخير مراغم
فجاءت ببهم في الكتائب نصرة فكانوا حماة الناس عند العظائم
فصفوا لأهل الشرك ثم تكبكبوا وطاروا عليهم بالسيوف الصوارم١
ويظهر ذلك بوضوح في قول الأسود بن سريع التميمي في الفخر بيني أبيه؛ إذ يقول يوم الأهواز:
لعمرك ما أضاع بنو أبينا ولكن حافظوا فيمن يطيع
أطاعوا ربهم وعصاه قوم أضاعوا أمره فيمن يضيع٢
وليس يعني وجود ضمير الجماعة في قصائد الجهاد اختفاء ملامح الفرد الشخصية في هذا الشعر، وإنما الحقيقة أن الفرد كان يصدر في بعض هذا الشعر عن ذات نفسه مع اعتبار هذا الذات جزءًا من الجماعة التي تمثل ضميرها فصدر عنها في صدوره عن
_________________
(١) ١ الإصابة ج٦، ص٢٦٢. ٢ الطبري ج٥، ص٢٥٤١.
[ ٢٥٠ ]
ذاته، واشتق معانيه من وحيها، وهو حينئذ إنما يفخر بنفسه من حيث هو فرد منها؛ ليعود عليها كل ما يذكر عن نفسه. فهو لا يذكر شيئًا ليبين تفرده به دون الجماعة، وإنما يعلن أنه صورة ومثل على جميع أفرادها.
فهذا عبد الله بن عتبان الذي افتتح جي من أعمال أصبهان يفتخر بنفسه في بيت واحد، ثم إذا به يرتد إلى الوجدان الجماعي؛ ليفخر بجماعة المسلمين وبلائهم فيقول:
من مبلغ الأحياء عني فإنني نزلت على جي وفيها تفاقم
حجزناهم حتى سروا ثم انتزوا فصدهم عنا القنا والصوارم
وجاد لها القاذوسقان بنفسه وقد دهدهت بين الصفوف الجماجم
ثم لا يلبث أن ينزع إلى تصوير ما أذاقه بيده لكبير القوم فيقول:
فثاورته حتى إذا ما علوته تفادى وقد صارت إليه الخزائم
ويعود إلى الوجدان الكبير فيقول:
وعادت لقوحا أصبهان بأسرها يدر لنا منها القرى والدراهم
ثم ينزع إلى الحديث عن نفسه كمسئول عن هذه الجماعة في تقبل جزية المهزومين فيقول:
وإني على عمد قبلت جزاءهم غداة تفادوا والعجاج فواقم
ويرجع إلى الحديث عن جماعة المسلمين التي استحقت النصر كلها وزكا جهادها، فيقول:
ليزكو لنا عند الحروب جهادنا إذا انتطحت في المازمين الهماهم١
وهذا سراقة بن عمرو الذي أرسله أبو موسى الأشعري لفتح باب الأبواب يفخر بنفسه، ثم لا يلبث أن يطلق الفخر في مجموع المسلمين، فيقول:
_________________
(١) ١ الإصابة ج٦، ص٢٦٢.
[ ٢٥١ ]
ومن يك سائلًا عني فإني بأرض لا يواتيها القرار
بباب الترك ذي الأبواب دار لها في كل ناحية مغار
نذود جموعهم عما حوينا ونقتلهم إذا باح السرار
سددنا كل فرج كان فيها مكاثرة إذا سطع الغبار
وألحمنا الجبال جبال قبج وجاوز دورهم منا ديار
وبادرنا العدو بكل فج نناهبهم وقد طار الشرار
على خيل تعادى كل يوم عتادًا ليس يتبعها المهار١
وليس أدل على ما نحن بصدده من قول المثنى بن حارثة، وهو يرى أفناء العروب وأحياءها جميعًا جنودًا غير متمايزين في جنده، وكأنهم أبناء أم واحدة، هي الوغى:
صبحنا بالخنافس جمع بكر وحيا من قصاعة غير ميل
بفتيان الوغى من كل حي تبارى في الحوادث كل جيل٢
وهكذا يخفت صوت القبليات، فلا نعود نسمع بتميم أو مذحج إلا لماما. وأخذت تعبيرات جديدة تظهر في الدلالة على الفاتحين، فهم فتيان الوغى، في قول المثنى، وهو جند السلم، في قول القعقاع:
فما فتئت جنود السلم حتى رأينا القوم كالغنم السوام٣
وهم الفتيان الكماة في قول عاصم بن عمرو:
صبحناهم بكل فتى كمى وأجرد سابح من خيل عاد٤
وهم رجال هاجروا نحو ربهم، في قول عاصم أيضًا:
_________________
(١) ١ ياقوت ج١، ص٤٣٧. ٢ ياقوت ج٢، ص٤٧٣. ٣ ياقوت ج٣، ص٨٩٤. ٤ الطبري ج٤، ص٢١٧٤.
[ ٢٥٢ ]
لعمري وما عمري على بهين لقد صبحت بالخزي أهل النمارق
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم يجوسونهم ما بين درتا وبارق١
وهم الأنصار فيقول أبي محجن الثقفي يوم الجسر وهم الفتية أيضًا:
مررت على الأنصار وسط رحالهم فقلت ألا هل منكم اليوم قافل
إلى فتية بالطف نيلت سراتهم وغودر أفراس لهم ورواحل٢
وهم جموع المسلمين في قول عياض بن غنم:
من مبلغ الأقوام أن جموعنا حوت الجزيرة يوم ذات زحام٣
وهم جند الله، كما يقول زياد بن حنظلة:
وإذ أرطبون الروم يحمي بلاده يحاوره قرم هناك يساجله
فلما رأى الفاروق إزمان فتحها سما بجنود الله كيما يصاوله٤
وصدر الشعر فضلًا عن روح الجماعة بوحي من المثل الإسلامية التي طبقت في الفتوح والأمصار المفتوحة، وترى في هذا الصدد أمثلة كثيرة.
فنتيجة لتطبيق المساواة التي دعا إليها الإسلام لم يعد فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى. فنجد المسلمين في فتح جند يسابور يهبون أحد العبيد بها -وكان قد أسلم من قبل- شرفًا لم يمنحوه لغيره من عظماء المدينة، فأجار مكنف هذا مواطنيه من سفك دمائهم، وكتب اسمه أمانًا لهم قبله المسلمون. فقال عاصم بن عمرو يذكر هذه الشفاعة وما تدل عليه من معانٍ:
لعمري لقد كانت قرابة مكنف قرابة صدق ليس فيها تقاطع
أجارهم من بعد ذل وقلة وخوف شديد والبلاد بلاقع
_________________
(١) ١ ياقوت ج٤، ص٥٣٢. ٢ أغاني الساسي ج٢١/ ١٤١. ٣ البلاذري ص٢٥١، ياقوت ج٢/ ٧٤. ٤ الطبري ١/ ٥/ ٢٤١١.
[ ٢٥٣ ]
فجاز جوار العبد بعد اختلافنا ورد أمورا كان فيها تنازع
إلى الركن والوالي المصيب حكومة فقال بحق ليس فيه تخالع١
وكذلك أخذت آثار الديمقراطية الإسلامية تظهر في الشعر، عندما يناقش عبد الرحمن بن حنبل الخليفة حساب فيء المسلمين، ويتهمه بتبديده، وتوزيعه بين أهله وخاصته، فيقول:
وأحلف بالله جهد اليمين ما ترك الله أمرا سدى
ولكن خلقت لنا فتنة لكي نبتلى بك أو نبتلى
دعوت الطريد فأدنيته خلافًا لما سنه المصطفى
ووليت قرباك أمر العباد خلافًا لسنة من قد مضى
وأعطيت مروان خمس الغنيـ ـمة آثرته وحميته الحمى
ومالا أتاك به الأشعري من الفيء أعطيته من دنا
فإن الأمينين قد بينا منار الطريق عليه الهدى
فما أخذا درهما غيلة ولا قسمًا درهمًا في هوى٢
وكذلك أخذت شكوى المسلمين من العمال والأمراء تنظم شعرًا إلى الخليفة، كأبيات يزيد بن الصعق إلى عمر بن الخطاب، يغريه فيها ببعض الولاة، الذين استغلوا مناصبهم ونهبوا أموال المسلمين، ويطلب منه أن يجردهم منها، أو يشاطرهم فيها، فيقول:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة فأنت أمين الله في النهي والأمر
وأنت أمين الله فينا ومن يكن أمينًا لرب العرش يسلم له صدري
فلا تدعن أهل الرساتيق والقرى يسيغون مال الله في الأدم والوفر
_________________
(١) ١ ياقوت ج٢، ص١٣٠. ٢ الاستيعاب ٤١٠، الأغاني ج٦/ ٢٦٨.
[ ٢٥٤ ]
فأرسل إلى الحجاج فاعرف حسابه
وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر
ولا تنسين النافعين كلاهما ولا ابن غلاب من سراة بني نصر
وما عاصم منها بصغر عناية وذاك الذي في السوق مولى بني بدر
وأرسل إلى النعمان فاعرف حسابه وصهر بني غزوان إني لذو خبر
وشبلا فسله المال وابن محرش فقد كان في أهل الرساتيق ذا ذكر
فقاسمهم -نفسي فداؤك- إنهم سيرضون إن قاسمتهم عنك بالشطر
ولا تدعوني للشهادة إنني أغيب ولكني أرى عجب الدهر
نئوب إذا آبوا ونغزو إذا غزوا فأنَّى لهم وفر ولسنا ذوي وفر١
وراح بعض الشعراء يقارنون بين الأمراء فيهم والصحابة الراشدين، ويوازنون بين عدلهم وحسن سياستهم للأمة وما يجدون من أمرائهم في الأمصار من مخالفة عن سننهم كما يظهر في قول النابغة الجعدي لأبي موسى الأشعري والي البصرة:
فإن يكن ابن عفان أمينا فلم يبعث بك البر الأمينا
فيا قبر النبي وصاحبيه ألا يا غوثنا لو تسمعونا
ألا صلى إلهكم عليكم ولا صلى على الأمراء فينا٢
وظهر في شعر الفتوح أيضًا بعض الآثار الناتجة عن تطبيق الحدود الإسلامية على المنحرفين في الأمصار، ومن أمثلة ذلك: أن نقب بعض شباب الكوفة جدار ابن الحيثمان الخزاعي وقتلوه، فكتب عثمان بقتلهم، وفي هذا يقول عاصم بن عمرو مشيدًا باتباعه محكم الفرقان في عقابهم:
إن ابن عفان الذي جربتم فطم اللصوص بمحكم الفرقان
ما زال يعمل بالكتاب مهيمنا في كل عنق منهم وبنان٣
_________________
(١) ١ البلاذري ص٣٨٤، الإصابة ج٢، ص٩٦، ج٦، ص٣٦١. ٢ الأغاني "ساسي" ج٤، ص١٣٧. ٣ الطبري ج٥، ص٢٨٤١.
[ ٢٥٥ ]
ومن هذه الآثار أيضًا: ما قاله ضابئ بن الحارث البرجمي، الذي سجن بالكوفة بأمر من عثمان بن عفان، فقد استعار من قوم من الأنصار كلبًا من كلاب الصيد يُدعى "فرحان" وحبس الكلب عن أصحابه ورفض إعادته إليهم، فكاثروه وانتزعوه منه، فهجاهم بقوله:
تجشم دوني وفد فرحان خطة تضل لها الوجناء وهي حسير
فباتوا سباعًا ناعمين كأنما حباهم ببيت المرزبان أمير
فكلبكم لا تتركوا فهو أمكم فإن عقوق الأمهات كبير١
وأثر فيهم هذا الهجاء المقذع، فاستعدوا عليه عثمان، الذي كتب إلى الوليد بن عقبة بحبسه واستثقل ضابئ الحبس وتنبأ بموته في السجن وتحقق ظنه؛ حيث قال:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني فعلت ووليت البكاء حلائله
وقائلة قد مات في السجن ضابئ ألا من لخصم لم يجد من يجادله
وقائلة لا يبعد الله ضابئا فنعم الفتى تخلو به وتحاوله٢
وكان كعب بن ذي الحبكة النهدي في الكوفة يعالج بالسحر والشعوذة وبلغ عثمان ذلك، فأرسل إلى الوليد أن يتبين أمره، فإن كان حقيقة ضربه موجعًا، ثم غربه إلى دنباوند من أعمال الري، ففعل الوليد، فقال في تغريبه:
لعمري لئن أطردتني ما إلى الذي طمعت به من سقطتي لسبيل
روت رجوعي يابن أروى ورجعتي إلى الحق دهرًا غال حلمك غول
وإن اغترابي في البلاد وجفوتي وشتمي في ذات الإله قليل
وإن دعائي كل يوم وليلة على بدنبا وندكم لطويل٣
وكان هذا الشاعر من رءوس الفتنة في قتل عثمان.
_________________
(١) ١ الطبري ج٥، ص٣٠٣٣. ٢ الطبري ج٥، ص٣٠٣٤. ٣ ياقوت ج٢/ ٦٠٩، الطبري ج٥/ ٣٠٣٣.
[ ٢٥٦ ]