على أن تبدل الأوضاع السياسية في البلاد العربية والإسلامية عقيب الحرب العالمية الأولى أثر في عقلية شوقي تأثيرًا كبيرًا، فقد عاد شوقي من منفاه في الأندلس بعد الحرب، فوجد كل شيء قد تغيّر، فقل اتصاله بالقصر، ويئس من موقف الأتراك بعد إلغائهم الخلافة، فأتيح له بذلك أن يلتفت إلى الشعب المصري وأن يتأثر بحوادث النضال الوطني في البلاد العربية. وهكذا بدأ مرحلته الجديدة كشاعر ١ للمجتمع، ومذ ذلك العهد أقبل شوقي على الاهتمام بقضايا الشعب المصري والأمة العربية، يسجل آلام العرب وآمالهم وكفاحهم في شعر وجداني رفيع.
وقد تفتقت بواكير حنينه إلى وطنه أثناء نفيه عنه، ففي المنفى نظم شوقي طائفة من أروع شعره الوطني الخافق بالعواطف:
وسلا مصر: هل سلا القلب عنها أو أسا جرحه الزمان المؤسى!
وطني لو شُغِلْتُ بالخلد عنه نازعني إليه في الخلد نفسي
وهكذا اتجه همّ شوقي إلى الدفاع عن مصر وحريتها، فيرسل أشعاره الثائرة هجومًا على الأجنبي وتنديدًا بأعماله، وإثارة للأحزاب المصرية إلى التعاون ونبذ التخاصم:
إلام الخلف بينكم إلام وهذي الضجة الكبرى علام؟
وفيم يكيد بعضكم لبعض وتبدون العداوة والخصاما؟
وفي هذا الجو الجديد من حياة شوقي ينسى حملته على الشريف حسين بالأمس، ويرثيه بقصيدة من خير شعره، حتى ليَشغَل بمأتمه السماء والأرض:
_________________
(١) ١ الكاف زائدة، والاسم المجرور بها محله الحال، وهو من فصيح الكلام.
[ ٧٩ ]
لك في الأرض والسماء مآتم قام فيها أبو الملائك هاشم
وبديل التهم الجارحة التي وجهها إليه في خروجه على الخلافة يعود الآن ليفرغ على عمله طابع القداسة، فيشبهه بالحق الذي يؤلف بين المؤمنين:
أنت كالحق ألف الناس يقظا ن وزاد ائتلافهم وهو نائم
ويعتبر ثورته إلى جانب الإنجليز موقفًا يستحق أحسن المديح:
حبذا موقف غلبت عليه لم يقفه للعرب قبلك خادم
ولذلك لا يرى كفؤًا لغسله إلا وضوء النبيين، ولا لتكفينه إلا رقعا من مواضع صلواتهم، ولا يصلح لضم جثمانه إلا نعش مؤلف من أعواد المنبر النبوي، ولا لحمله إلا ظهر البراق الذي كان مركب الرسل من قبل:
اغسلوه بطيب من وضوء الر سل كالورد في رباه البواسم
وخذوه من وسادهم في المصلى رقعة كفنوا بها فرع هاشم
واستعيروا لنعشه من ذرى المنبر عودًا ومن شريف القوائم
واحملوه على البراق إن اسطعتم فقد جل عن ظهور الرواسم
على أن أروع ما انطوت عليه تلك القصيدة حديثه عن واقع المسلمين تحت أوزار الاستعمار، وما خبره من مغامرة المرثي في نصرة هؤلاء الأراقم:
قم تحدث أبا علي إلينا كيف غامرت في جوار الأرقم
كلنا وارد السرّاب، وكل حمل في وليمة الذئب طاعم
قد رجونا من الغنائم حظًا ووردنا الوغى فكنا الغنائم
وأكثر ما يتجلى هذا التطور في قصائده التي يسجل بها كفاح دمشق وسورية في طلب الحرية، ومن أشهر شعره الجديد قصيدتاه عن دمشق (سلام من صبا بردى..) و(قم ناج جلق. .) وفي كليتيهما يقف شوقي موقف المؤرخ الواصف الناصح المحرض:
[ ٨٠ ]
ألست دمشق للإسلام ظئرا. ومرضعة الأبوة لا تعق.
بني سورية اطّرحوا الأماني. وألقوا عنكم الأحلام ألقوا.
فمن خدع السياسة أن تغروا. بألقاب الإمارة وهي رق.
وقفتم بين موت أو حياة. فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا.
وللحرية الحمراء باب. بكل يد مضرجة يدق.
وهكذا أصبح شعر شوقي وترًا حساسًا يسجل جميع الاهتزازات التي تعتري البلاد العربية فلا تجد حادثة من حوادثها السياسية إلا تركت آثارها في قلبه وشعره، فهو بذلك صاحب فكرة توجيهية تستهدف بعث الحمية بتذكير العرب ماضيهم المجيد، ودفعهم إلى بناء حاضرهم الجديد، وإلى هذا يشير بقوله:
كان شعري الغناء في فرح الشر ق وكان العزاء في أحزانه
وليس الشرق في نظر شوقي إلا وطن العرب والإسلام، تربطه به روابط اللغة والتاريخ ثم الآلام والآمال المشتركة:
نصحت ونحن مختلفون دارًا ولكن كلنا في الهم شرق
ويجمعنا - إذا اختلفت بلاد_ بيان غير مختلف ونطق
[ ٨١ ]