قد تقدّم في أوّل هذا الفصل في الكلام على بيان رتبة صاحب ديوان الإنشاء من كلام صاحب موادّ البيان أنه ليس في منزلة خدم السلطان والمتصرفين في مهماته أخصّ منه، من حيث إنه أوّل داخل على الملك وآخر خارج عنه وأنه لا غنى به عن مفاوضته في آرائه والإفضاء إليه بمهماته، وتقريبه في نفسه في آناء ليله وساعات نهاره، وأوقات ظهوره للعامة وخلواته، وإطلاعه على حوادث دولته ومهمات مملكته، وأنه لا يثق بأحد من خاصته ثقته به، ولا يركن إلى قريب ولا نسيب ركونه إليه؛ ومن كان بهذه الرتبة من السلطان والقرب منه، وجب عليه أن لا يألوه نصحا فيما يعلم أنه أصلح لمملكته وأعمر لبلاده وأرغم لأعاديه وحسّاده وأثبت لدولته وأقوى لأسباب مملكته.
[ ١ / ١٦٤ ]
فقد حكي عن عليّ بن زيد الكاتب: أنه صحب بعض الملوك فقال للملك: «أصحبك على ثلاث خلال- قال وما هي؟ - قال لا تهتك لي سترا، ولا تشتم لي عرضا، ولا تقبل فيّ قول قائل حتّى تستبرىء. فقال له الملك:
هذه لك عندي فمالي عندك؟ قال: لا أفشي لك سرّا، ولا أؤخّر عنك نصيحة، ولا أوثر عليك أحدا- قال: نعم الصاحب المستصحب أنت!.
فإذا انتهى إلى صاحب الديوان خبر يتعلق بجلب منفعة إلى المملكة أو دفع مضرة عنها، أطلع السلطان عليه في أسرع وقت وأعجله قبل فوات النظر فيه ونحله فيه صائب رأيه، ثم ردّ النظر فيه إلى رأي السلطان ليخرج عن عهدته. وإن ارتاب في خبر المخبر أحضره معه إلى السلطان ليشافهه فيه حتّى يكون بريئا عن تبعته، ولا يهمل تبليغ خبره بمجرّد الريبة لاحتمال صحته في نفس الأمر فيلحق بواسطة إهماله ضرر لا يمكن تداركه. وكذلك الحال في سائر ما يرجع إلى صلاح المملكة وحسن تدبيرها.