وهو من أعظم مهمات السلطنة وآكدها. وقد ذكر ابن الأثير في تاريخه:
أن أوّل من اتخذ السّعاة من الملوك معزّ الدولة بن بويه أوّل ملوك الديلم بعد الثلاثين والثلاثمائة:
وكان سبب ذلك أنه كان ببغداد، وأخوه ركن الدولة ابن بويه بأصبهان وما معها فأراد معز الدولة سرعة إعلام أخيه ركن الدولة بتجدّدات الاخبار فأحدث السّعاة وانتشى في أيامه ساعيان اسم أحدهما فضل والآخر مرعوش، وكان أحدهما ساعي السّنّة والآخر ساعي الشّيعة، وتعصّب لكل منهما فرقة، وبلغ من شأنهما أن كل واحد منهما كان يسير في كل يوم نيّفا وأربعين فرسخا، واستمرّ حكم السّعاة ببغداد إلى زماننا حتّى إنّ منهم ساعيين لركاب السلطان يمشيان أمامه في المواكب وغيرها على قرب.
قلت: «وقد رأيتهما في خدمة السلطان أحمد بن أويس صاحب بغداد
[ ١ / ١٦٢ ]
حين قدم مصر في دولة الظاهر برقوق فارّا من تمر» «١» أمّا الديار المصرية فإنه لا يتعانى ذلك عندهم إلا خفاف الشباب من مكارية الدواب ونحوهم ممن يعتاد شدّة العدو إلا أنه إذا طرأ مهمّ سلطانيّ يقتضي إيصال ملطّف مكاتبة عن الأبواب السلطانية إلى بعض النواحي وتعذر إيصاله على البريد لحيلولة عدوّ في الطريق أو انقطاع خيل البريد من المراكز السلطانية لعارض، انتدب كاتب السرّ بأمر السلطان من يعرف بسرعة المشي وشدّة العدو للسفر ليوصل ذلك الملطّف إلى المكتوب إليه والإتيان بجوابه. وربما كتب الكتابان فأكثر إلى الشخص الواحد في المعنى الواحد ويجهز كل منهما صحبة قاصد مفرد خوف أن يعترض واحد فيمضي الآخر إلى مقصده كما تقدّم في بطائق الحمام الرسائليّ. وقد أخبرني بعض من سافر في المهمات السلطانية من هؤلاء أنهم في الغالب عند خوف العدوّ يمشون ليلا ويكمنون نهارا وإذا مشوا في الليل يأخذون جانبا عن الطريق الجادّة، يكون بين كل اثنين منهم مقدار رمية سهم حتّى لا يسمع لهم حس فإذا طلع عليهم النهار كمنوا متفرّقين مع مواعدتهم على مكان يتلاقون فيه في وقت المسير.