- ليؤمن فيما يكتبه ويمليه. ويوثق به فيما يذره ويأتيه إذ هو لسان المملكة، المرهب للعدوّ بوقع كلامه، والجاذب للقلوب بلطف خطابه فلا يجوز أن يولّى أحد من أهل الكفر؛ إذ يكون عينا للكفّار على المسلمين، ومطلعا لهم على خفاياهم فيصلون به إلى ما لا يمكن استدراكه، وقد قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
«١» والمراد بالبطانة في الآية من يطّلع على حال المسلمين كالاطّلاع على مقدار خزائنهم من المال، وأعداد جيشهم من الخيل والرجال.
قال أبو الفضل الصّوري «٢» في تذكرته «وإن من الفطرة التي جبل كل أحد عليها حنين كل شخص من الناس إلى من يرى رأيه ويدين دينه» قال:
«وهذا أمر يجده كل أحد في نفسه، ولذلك شرط بعضهم في الكاتب أن يكون
[ ١ / ٩٣ ]
على مذهب الملك الذي يتمذهب به من مذاهب المسلمين ليكون موافقا له من كل وجه» .
ولما فتحت الصحابة (رضوان الله عليهم) مصر، بعث عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمرو بن العاص يأمره أن لا يستعمل في عمل من أعمال المسلمين كافرا فأجابه عمرو: بأن المسلمين إلى الآن لم يعرفوا حقيقة البلاد، ولم يطّلعوا على مقادير خراجها؛ وقد اجتهدت في نصرانيّ عارف منسوب إلى أمانة إلى حين معرفتنا بها فنعزله، فغضب عمر ﵁ وقال: كيف تؤمّنهم وقد خوّنهم الله؟ وكيف تعزّهم وقد أذلّهم الله؟ وكيف تقرّبهم وقد أبعدهم الله؟ ثم تلا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ
«١» الآية، وقال في آخر كتابه «مات النصرانيّ والسلام» .
وقد روي أن أبا موسى الأشعري ﵁ قدم على عمر بن الخطاب ﵁، ومعه كاتب نصراني فأعجب عمر بخطه وحسابه، فقال عمر «أحضر كاتبك ليقرأ»، فقال أبو موسى «إنه نصرانيّ لا يدخل المسجد» فزبره «٢» عمر ﵁ وقال «لا تؤمّنوهم، وقد خوّنهم الله، ولا تدنوهم، وقد أبعدهم الله، ولا تعزّوهم وقد أذلهم الله» .
وقد قال الشافعي «٣» ﵁ في كتاب الأمّ: «ما ينبغي لقاض ولا وال أن يتخذ كاتبا ذمّيا ولا يضع الذّمي موضعا يفضل به مسلما» . ويعزّ على المسلمين أن يكون لهم حاجة إلى غير مسلم. وجزم الماورديّ والقاضي أبو الطيّب والبندنيجيّ وابن الصبّاغ «٤» وغيرهم من أصحابنا الشافعية ﵏
[ ١ / ٩٤ ]
أنه يشترط في كاتب القاضي أن يكون مسلما وهو الأصحّ الذي عليه الفتيا في المذهب.
وإذا اشترط الإسلام في كاتب القاضي والوالي ففي كاتب السلطان أولى لعموم النفع والضرّ به.
قال أبو الفضل الصّوري: «ولا شك أن كاتب الإنشاء من أحوج الناس إلى الاستشهاد بكلام الله تعالى في أثناء محاوراته وفصول مكاتباته، والتمثّل بنواهيه وأوامره، والتدبر لقوارعه وزواجره، وهو حلية الرسائل وزينة الإنشاءات؛ وهو الذي يشدّ قوى الكلام، ويثبت صحته في الأفهام؛ فمتى خلت منه كانت عاطلة من المحاسن، عارية من الفضائل: لأنه الحجة التي لا تدحض، والحقيقة التي لا ترفض؛ فإذا كان الكاتب غير مسلم لم يكن لديه من ذلك شيء، وكانت كتابته معسولة من أفضل الكالم، وخالية مما يتبرك به أهل الإيمان والإسلام، ومقصّرة عن رتبة الكمال، ومنسوبة إلى العجز والإخلال. فإن تعاطى الكاتب الذميّ حفظ شيء منه وكتبه فقد أبيحت حرمة كتاب الله تعالى وانتهكت، وأمكن منه من يتخذه هزوا ولعبا، والله سبحانه يقول في كتابه المكنون لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
«١» . فقد صح أنه لا يجوز أن يرقى إلى هذه الرتبة إلا مسلم» قال: «ولا يحتج بالصابيء وأنه كتب للمطيع والطائع من خلفاء بني العباس، ومعزّ الدولة، وعز الدولة من ملوك الديلم، وهما يومئذ عمدة الإسلام وعضد الخلافة، وهو على دين الصابئة. فإن الصابيء كان من أهل ملّة قليل أهلها، ليس لهم ذكر ولا مملكة، وليس منهم محارب لأهل الإسلام، ولا لهم دولة قائمة فتخشى غائلته وتخاف عاقبته.
[ ١ / ٩٥ ]