قد تقدّم في مقدّمة الكتاب عن ابن حاجب النّعمان في «ذخيرة
[ ١١ / ١١٣ ]
الكتّاب» «١»: أنّ التوقيع معناه في اللغة التأثير الخفيف، ومنه قولهم: ناقة موقّعة الجنبة «٢» إذا أثّر فيها الرّحل تأثيرا خفيفا، وأنه يحتمل غير ذلك. وفي اصطلاح الأقدمين من الكتّاب أنه اسم لما يكتب في حواشي القصص كخطّ الخليفة أو الوزير في الزمن المتقدّم، وخط كاتب السّرّ الآن؛ ثم غلب حتّى صار علما على نوع خاصّ مما يكتب في الولايات وغيرها. قال في «التعريف»: وهي على أنموذج التفاويض. قال: وقد يقال: أن يرتّب، وأن يقدّم، ثم قال: وعنوانها «توقيع شريف لفلان بكذا» ولا يقال فيها على اختلافها: «وسبيل كلّ واقف عليه» كما في التقاليد، بل يقال: «فليعتمد ما رسم به فيه بعد الخطّ الشريف أعلاه» . وقد ذكر في «التعريف» أنها تكون لعامّة أرباب الوظائف جليلها وحقيرها، وكبيرها وصغيرها، حتّى الطبلخانات اللاحقين بشأو الكبار فمن دونهم. وقال في «التثقيف»: إنها مختصّة بالمتعمّمين من أرباب الوظائف الدينيّة والدّيوانية، ولا يكتب لأرباب السيوف منها إلا القليل: مثل نظر البيمارستان «٣»، ونظر الجامع الجديد «٤»، ونظر الحرمين الشريفين، يعني حرم القدس وحرم الخليل ﵇.
قلت: والجامع بين كلاميهما أنه في زمن صاحب «التعريف» كانت
[ ١١ / ١١٤ ]
التواقيع تكتب بالوظائف لأرباب السّيوف من النّيابات وغيرها قبل أن تحدث المراسيم المكبّرة المقدّمة الذكر؛ ثم خصّت التواقيع بعد ذلك بالمتعمّمين دون أرباب السيوف. ومضى الأمر على ذلك في زمن صاحب «التثقيف» فجرى على حكمه ولم يبق ممن يكتب له توقيع من أرباب السيوف سوى نظّار الجهات الثلاث المتقدّمة الذّكر: من البيمارستان المنصوري، والجامع الجديد الناصريّ بمصر، ونظر الحرمين: حرم القدس الشريف، وحرم الخليل ﵇.
والحكم باق على ذلك إلى الآن.
ثم التواقيع على اختلافها لا تخرج عن أربع طبقات: