العاقل من يؤدي واجبه ويتقن عمله ويحسن صنعته حتى يكسب الناس ثقته، فمن أخلص في عمله نجح، وأحبه الله والناس، فما يكاد الناس يرون
صنعة متقنة حتى يقبلون عليها ويثقون فيها، فمن غش في عمله ظلم نفسه، وأهدر ثقته، وكسدت بضاعته، وتجنب الناس التعامل معه، ومن أخلص في عمله ووظيفته أدى أمانته، وارتفعت مكانته، وأقبلت عليه الدنيا، وأمن من العذاب والإهانة، وساعده زمانه، وظفر بحب المجتمع واحترامه، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ (١)، فإتقان العمل يدل على كمال العامل.
قال الشاعر:
في ازديادِ العلمِ إرغامُ العِدى وجمالُ العلمِ يا صاحِ العملْ
قيمةُ الإنسانِ ما يحسِنُهُ أكثرَ الإنسانُ منهُ أوْ أقلْ
واكتمِ الأمرينِ فقرًا وغنىً واكسبِ الفلسَ وحاسبْ مَنْ بَطَلْ
وادّرعْ جدًا وكدًا واجتنبْ صحبةَ الحمقى وأربابِ البخلْ (٢)
أما سليمان بن أبي الحفاظ الحجوري اليمني فإنه يقول:
ألا إنما الإنسان أهل لفعله وكل لما يأتي من فعله أهل
والإنسان مجزي بعمله إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا، ويرى الإمام علي بن أبي طالب ﵁ أن الإنسان يلقى عمله في قبره فيقول:
يا مَن بِدُنياهُ اِشتَغَل وَغَرَّهُ طولُ الأَمَل
المَوتُ يَأتي بَغتَةً والقبرُ صندوقُ العَمَل
أما أبو العتاهية فهو يقول:
_________________
(١) - رواه مسلم في صحيحه باب جامع صلاة الليل حديث (٧٤٦) .
(٢) - هذه الأبيات لابن الوردي.
[ ١٩١ ]
وَاِعلَم بِأَنَّكَ مَسؤولٌ وَمُفتَحَصٌ عَمّا عَمِلتَ وَمَعروضٌ عَلى العَمَلِ
ولله در شوقي حيث يقول:
كُن نَشيطًا عامِلًا جَمَّ الأَمَل إِنَّما الصِحَّةُ وَالرِزقُ العَمَل
كُلُّ ما أَتقَنتَ مَحبوبٌ وَجيه مُتقَنُ الأَعمالِ سِرُّ اللَهِ فيه
يُقبِلُ الناسُ عَلى الشَيءِ الحَسَن كُلُّ شَيءٍ بِجَزاءٍ وَثَمَن
اِنظُرِ الآثارَ ما أَزيَنَها قَد حَباها الخُلدَ مَن أَتقَنَها
تِلكَ آثارُ بَني مِصرَ الأُوَل أَتقَنوا الصَنعَةَ حَتّى في الجُعَل
أَيُّها التاجِرُ بُلِّغتَ الأَرَب طالِعُ التاجِرِ في حُسنِ الأَدَب
بابُ حانوتِكَ بابُ الرازِقِ لا تُفارِق بابَهُ أَو فارِقِ
وَاِحتَرِم في بابِهِ مَن دَخَلا كُلُّهُم مِنهُ رَسولٌ وَصَلا
تاجِرُ القَومِ صَدوقٌ وَأَمين لَفظَةٌ مِن فيهِ لِلقَومِ يَمين
ويقول أيضًا:
العِلمُ لا يُعلي المَراتِبَ وَحدَهُ كَم قَدَّمَ العَمَلُ الرِجالَ وَأَخَّرا
فبالعمل يبلغ الأمل، ويلبس أبهى الحلل، ونعم الرجل الفاضل العامل، وقد أحسن القائل:
ما دامَ رائِدَنا الإِخلاصُ في العَمَلِ لا بُدَّ نَبلغُ يَومًا غايَةَ الأَمَلِ
أَمران مَن يَعتَصِم يَومًا بحَبلهما فَالنُجحُ رائِدهُ في أَيِّما عَملِ
هُما الثَباتُ وَتَوحيدُ القُلوبِ لِذا إِلَيهِما قد دعانا خاتَمُ الرُسُلِ
[ ١٩٢ ]