إن الدين الإسلامي هو الذي يدعو إلى الوحدة والمودة والإخاء، ويدعو المؤمنين جميعًا إلى التعاون على البر والتقوى وفي الذكر الحكيم: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢)، وجاء في الحديث النبوي ان الرسول ﵌ قال: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) (٣)، وجاء في حديث أخر: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (٤)، فلقد من الله على المؤمنين إذ جعلهم امة واحده فيما يقولون وما يفعلون، وما يأتون وما يذرون، فمعبودهم واحد، وعباداتهم
_________________
(١) - هذه الأبيات تنسب لأبي العلاء المعري.
(٢) - سورة المائدة (٢) .
(٣) - أخرجه البخاري في صحيحه باب تعاون المؤمنين حديث (٥٥٦٧)، مسلم صحيح في باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم حديث (٤٦٨٤) .
(٤) - أخرجه مسلم في صحيحه باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم حديث (٤٦٨٥) .
[ ٨٤ ]
واحدة قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١)، ويقول جل شأنه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٢) .
والمؤمن ينزع العداوة من قلبه فهو يألف المؤمنين ويحبهم، ليس في قلبه عصبية قبلية ولا حمية جاهلية، قد غرس في قلبه الاخوة في الإيمان، فهو لا يفرق بين صغير ولا كبير، ولا بين متقدم وأخير، وذكر وأنثى، وحر ومولى، فهو يعمل بكلام المولى ﷾: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، والمؤمن يدعو الله أن يذهب الغل من قلبه ويسأله المغفرة لإخوانه كما ورد ذلك في الذكر الحكيم: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤) .
ولقد كان أول عمل بدء به رسول الله عليه وآله وسلم بعد هجرته إلى المدينة ودعوته إلى توحيد الله، وبناء المسجد هو المؤاخاة بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، بين الفقراء والأغنياء، بين الضعفاء والأقوياء، حتى صارت هذه الوحدة أية تدل على علو شرف الإسلام وسمو مكانته، كما أن الإسلام ينهى عن التنازع والتفرق والشقاق فيقول جل شأنه:
_________________
(١) - سورة الأنبياء (٩٢) .
(٢) - سورة المؤمنون (٥٢) .
(٣) - سورة التوبة (١١) .
(٤) - سورة الحشر (١٠) .
[ ٨٥ ]
﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١)، ولله در القائل:
كونُوا جميعًَا يا بَنِيَّ إِذا اعتَرى خَطْبٌ ولا تتفرقُوا آحادَا
تأبَى القِداحُ إِذا اجتمعْنَ تكسُّرًا وإِذا افترقْنَ تكسَّرتْ أفرادَا (٢)
فالأخوة عزة وقوة، وهي تمثل امتزاج روح بروح وتصالح قلب مع قلب، والإخوة في الله رباط إيماني يقوم على منهج رباني، فالمؤمن من استجاب لنداء ربه، وعمل بأمره: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣) .
وأول عمل عمله الرسول ﵌ بعد الهجرة هو بناء المسجد الذي يرمز إلى توحيد الله وتوحد المسلمين ثم آخا بين المهاجرين والأنصار بين الأغنياء والفقراء فكانت قوة ونعمة ووحدة وأخوة.
وفي الأمثال السائرة: "رب أخٍ لك لم تلده أمك"، وقال الشاعر:
أَخاكَ أَخاكَ إِنَّ من لا أَخًا لَه كساعٍ الى الهيجا بغير سلاحِ
_________________
(١) - سورة الأنفال (٤٦) .
(٢) - انظر: ديوان الطغرائي: (٤٥٥-٥١٣هـ/١٠٦٣-١١٢٠م) الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد أبو إسماعيل مؤيد الدين الأصبهاني الطغرائي، شاعر، من الوزراء الكتاب، كان ينعت بالأستاذ، ولد بأصبهان، اتصل بالسلطان مسعود بن محمد السلجوقي (صاحب الموصل) فولاه وزارته. ثم اقتتل السلطان مسعود وأخ له اسمه السلطان محمود فظفر محمود وقبض على رجال مسعود وفي جملتهم الطغرائي، فأراد قتله ثم خاف عاقبة النقمة عليه، لما كان الطغرائي مشهورًا به من العلم والفضل، فأوعز إلى من أشاع اتهامه بالإلحاد والزندقة فتناقل الناس ذلك، فاتخذ السطان محمود حجة فقتله. ونسبة الطغرائي إلى كتابة الطغراء. وللمؤرخين ثناء عليه كثير. له (ديوان شعر - ط)، وأشهر شعره (لامية العجم) ومطلعها: أصالة الرأي صانتني من الخطل. وله كتب منها (الإرشاد للأولاد)، مختصرة في الإكسير.
(٣) - سورة آل عمران (١٠٣) .
[ ٨٦ ]
وقال آخر:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ولكن اخوان الثقات الذخائر
وقيل: "القريب من قرب نفعه"، وقيل: "يدك منك وإن كانت شلا"، وإنما الناس جماعة واحدة خيرهم من جمعهم على البر والصدق والهدى".
قال الشاعر:
يُعرّفك الاخوان كل بنفسه وخير أخ ما عرفتك الشدائد